الأخبار
منوعات سودانية
ستات الشاي .. دفاع عن النفس بالماء الساخن
ستات الشاي .. دفاع عن النفس بالماء الساخن
 ستات الشاي .. دفاع عن النفس بالماء الساخن


09-05-2013 06:14 AM

الخرطوم: مجاهد باسان:

كانت وحدها على الطريق من بين عشرات الرجال تنظر بترقب لكل نور يسطع دون معرفة ماهيته، كانت حينها الساعة تقترب من الرابعة فجراً عندما توقفت سيارة الجيش ليسألها السائق عن وجهتها من بين أكثر من رجل ، قالت (قاطعة الكوبري بس)، ولم تعلم أن السائق يمر بجوار مكان عيشها كل يوم ، ركبت السيارة وفي معيتها بعض الحاجيات التي تقوم بعملها بجانب الشاي ، نزلت من السيارة قبالة موقعها وشكرت السائق بشدة لتقديمه الخير لها ومعرفة ظروفها دون الآخرين، لم تلحظ (سلمى) أن هنالك من كان يراقبها طوال عملها ولم يكن بينها وبينه إلا بعض أمتار توجست وقتها ولم تعلم أن الرجل الغريب يدبر مكيدته بعيدا عنها ، لم ترع إنتباهها لخطواته لكنها أيقنت من أن شيئا ما سيحدث وضعت (الكفتيرا) على النار حتى تصاعد بخارها ، حدثته نفسه للتعدي عليها فهجم عليها دون مقدمات لعدم وجود أحد في الشارع التي تعمل فيه ، حينها صرخت (سلمى) بطول صوتها وأمسكت (الكفتيره) بيدها وصبتها على رأسه لترديه مصابا بجروح دفاعا عن نفسها وشرفها .

الحادثة تعكس التصور الخاطئ الذي يعتقده البعض كما أن الظلم الاجتماعي الذي يلقي بظلاله على تلك المهنة له الأثر السلبي في الكثير من الحالات كما أن له دوره في تقييم تلك النظرة ، فالمردود الطبيعي هو معالجة ذلك التصور ، لذلك نجد أن إندساس بعض السيئين وأصحاب النفوس الضعيفة في ذلك الجانب لايعكس التقييم ولايشكل وجهة النظر الحقيقية لتلك المهنة ، فالحالات النادرة تضع إنطباعا يؤثر على سمعة ومصير كل المرتبطين بتلك المهنة لذلك بعض المنتسبين لها يجدون الصعوبة في التعريف بأنفسهم عند أول سؤال .

الكثير من حالات التعدي على ستات الشاي باتت ظاهرة طبيعية تجدها العاملات في ذلك الجانب كأساس لذلك تصبح طبيعة الدفاع عن أنفسهن ردة فعل واجبة وليس وسيلة لإبعاد الزبائن بل تعريف بحقهن في الرد ، فالبعض قد يتعدى طور التعامل الجميل لمابعد الحدود الشخصية بل والغوص في جوانب يعجز البعض عن ذكر مدلولها دعك من الحوار والغوص في مضامينها، لذلك تبتدر الكثير من ستات الشاي الحوار بالحديث عن أوضاع العيش وغلاء المعيشة كأساس للابتعاد عن الونسة الدقاقة لأنها لاتجدي شيئا سوى المشكلات على حسب حديث (حاجة آمنة) بائعة الشاي باحدى شوارع الخرطوم كما تنظر للعلاقة المميزة التي تربط بينها وبين الزبائن على انها علاقة لاتتعدى حدود الونسة الطبيعية فالكثير يجد نفسه في ذلك الجانب كطرف ثاني للحوار ليس إلا ، كما أنها ترى ان بعض الشباب ضعيفي النفوس يلجأون للمعاكسة كتصور ضحل لحقيقة المرأة التي تعمل في تلك المهنة وأولئك قلة في المجتمع وتصفهم بالمنبوذين على حد تعبيرها .

السلوك الإنساني أساس كل شيء والدافع النفسي قد يكون له الأثر الطبيعي في تصوير كل شيء لذلك نجد أن (م) بائعة شاي ترجع تلك الحالات الغريبة للسلوك الانساني والعوامل النفسية كفرضية لها أثرها على طبيعة الزبون ، فقد يأتي البعض للتنفيس عن مشكلاته والحديث عنها بإسهاب وقد يأتي البعض الآخر لخلق حوار مع بعض الأصدقاء بل تتعدى طبيعة ذلك بالحديث عن هموم الوطن ومصير الدولة ، لذلك ترى (م) أن إختلاف البشر وسلوكياتهم له تبعاته كما ان النظرة الحقيقية لمهنة الشاي لايقيمها إلا من ضاق مرارة العيش بإذلال .

طبيعة العمل تجعلك مرشحا لتقبل الكثير من الشتائم حفاظا على مصدر الرزق وحماية للنفس من سؤال الحاجة، لكن طبيعة ستات الشاي ربما تحتاج للكثير من الجهد والدبلوماسية لتجند من خلالها الكثير من الزبائن فهي مهنة تعتمد على الإبتسامة كأساس لجذب الزوار ، النظرة المستحقرة وإرتباط المهنة بمآرب اخرى يغير من مفهوم مقصدها، فالكل قد ينظر لستات الشاي من باب مختلف عن التصور الحقيقي لها ، فالمرأة التي تقدم تلك الخدمة لم يكن هدفها إلا الإكتفاء الذاتي والعمل بشقاء لكرامة الوجه فالمفهوم التقليدي الذي كان يبديه بعض صغار النفوس أشبه بالمندثر في يومنا هذا لذلك حاجة البيوت وغياب رب الأسرة رشح الكثير من النساء لتقلد تلك المهن الصعبة كمصدر رزق يفتح بيوتا ويعيل أسرا وجدت نفسها في سندان الغلاء المعيشي وتقلب طبيعة الاقتصاد

رغماً عن أن الكثير من ستات الشاي ضحايا للنظرة الضيقة إلا أن البعض منهن ينظرن لها على أنها مهنة يجب أن تجد حظها من التنظيم سواء من خلال التمثيل في اتحاد العمال أو تكوين جهاز خاص بها يقف ضد من ينظرون لها على أنها مهنة هامشية، فالكثير من ستات الشاي يرجعن ذلك لقصر النظر التي تتناول تلك المهنة وأبعادها الاجتماعية ، فهي تعدت التصور الحقيقي وأصبحت أساسا للكثير من البيوت .

الراي العام


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2867

التعليقات
#760134 [مجاهد باسان]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2013 04:21 PM
تشكروا شباب ان شاء الله نواصل على هذا المنوال وتابعونا على صحيفة الرأي العام وشكرا


#759864 [AAFYTOO]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2013 11:49 AM
امتعتنى بهذه القصة تعرف انى قراتها بكل احساس يامكوجى بالله عليك واصل فى كتابة القصة وسوف تكون لك مكانه مرموقه انشاء الله


#759649 [أبو محمد عثمان]
0.00/5 (0 صوت)

09-05-2013 09:12 AM
يا مكوجي أنت قاص كامل الدسم واصل طرق الكتابة بلا قنوط ولاشك أنك واصل واصل لمكانة أنت جدير بها


#759574 [المكوجي]
4.00/5 (1 صوت)

09-05-2013 06:49 AM
أبّكَر صُفّارة

مالك معاذ سليمان
[email protected]

بزغت الشمس في مدينة الثغر بورتسودان معلنةً عن ميلاد يومٍ جديد. خيوط أشعتها الفضية تطرق بلطف ودلال بوابة سجن بورتسودان العمومي مستأذنةً في الاحتفاء بأبكر صفارة الخارج للتو الى بر الحرية والانطلاقة بعد سنتين شاقتين قضّاهما ما بين الزنازين و الملاحات .
بخطواتٍ مطمئنة وئيدة يغادر بوابة السجن بعد أن ودع رفاقه الذين شيّعوه بدعواتهم وامنياتهم له بحياة جديدة خالية من المنغّصات .شعور مشوب بالفرح والقلق يراوده بينما كان يقذ الخُطى في طريقه الى
محطة البصّات ، عائداً الى مسقط رأسه وذكرياته الجميلة سنّار . عجلات البص تغازل طريق الاسفلت الحلزوني ما بين السرعة المتوسطة و البطء الشديد . كان الفرح المرتسم على الوجوه هو السِمَة الغالبة بين ركّاب البص عدا ابكر صفارة الذي كان في غاية القلق والشرود رغم شوقه وحنينه لأهله .
عند بلوغ البص منطقة العَقَبة لاز الجميع بالصمت واشرأبوا بأعناقهم المتوجسة نحو الهاوية العميقة المستلقية اسفل الطريق بينما اسند ابكر صفارة ظهره على مقعده مغمضاً عينينه ومسترجعاً شريط ذكرياته الذي يبدأ عند التماسه الخُطى الى المنطقة الصناعية بسنّار كصبي حدّاد الى أن اتقن الصنعة و اصبح معلماً في مرحلة الفتوة والشباب . كان مرهفاً ومولعاً بالجمال منذ الصغر ، فعشق الصفارة و اتقن عزفها وتعلق بها واصبحت جزءاً منه ، ينام على انغامها ويصحو . يحنو عليها ويهدهدها كطفل غرير .
يحملها في حلّه وترحاله، ويبثها حنينه ومشاعره المرهفة فترد له الجميل الحاناً عذبة شجية تأثر سمع من تعانق آذانهم وتترك فيهم اثراً جميلاً واعجاباً يظل حيناً من الدهر .كان لا يتوانى في تلبية دعوات الافراح وتجميل جلسات الانُس بالالحان والانغام الشجية . فأحبته المدينة عن بكرة ابيها وصار اسمه على لسان كل فرد منها وتشبث بوطنه سنار ولم تراوده فكرة الهجرة حتى ولو في الاحلام .
اعتاد ابكر صفارة أن يفتتح يومه ويختتمه بشرب الشاي عند حليمة هبّهان تلكم الفتاة القروية التي اشتهرت بهذا الاسم منذ أن وطئت قدماها شجرة النيم الظليلة ، متخذةً منها مكاناً لبيع الشاي الذي برعت فيه وتفننت ، فأقبل عليها الزبائن من انحاء السوق المختلفة و موقف البصات واللواري زرافاتٍ ووحداناً من أجل رشفة شاي تعيد النشاط او انجاز موعد ولقاء مع صديق او قريب او جلسة استماع لأنغام أبكر صفارة الشجية.
من جوف المعاناة وكبد الحرمان أتت حليمة هبّهان وقد لفظها الفقر العنيد الذي ضرب بأطنابه ارجاء واسعة من الوطن الحبيب بلا رحمة و هوادة ؛ فبعد أن نُفِّذَ حكم الإعدام على خيرة المشاريع الزراعية في سنار الخير والرخاء وارهقت الضرائب والاتاوات الثقيلة كاهل المزارعين واودت ببعضهم الى اُتون السجون لعجزهم تسديد ما عليهم من ديون ومستحقات عاف الشباب والرجال الأرض والزرع وهاجروا صوب الخرطوم واصقاع الدنيا الاربعة ولم يخلِّفوا للشيوخ والنساء والاطفال ما يقتاتونه غير صدى الذكريات الجميلة و ما تبقى من امل عودة في غياهب المجهول .
قطعت حليمة هبّهان دراستها في المرحلة المتوسطة ويمّمت شطرها صوب المدينة بعد وفاة والدها الذي اورثها مسؤولية اربعة من اخوتها الصغار و اُمٍ اقعدها المرض عن الحركة والنشاط . ولدى وصولها المدينة كانت زهرة يانعة دون العشرين وهدفاً لسهام الذئاب المتحفزة ، غير أنها لم تنحنِ قط امام العوز والفاقة رغم الاغراءات التي يسيل لها اللعاب ، فاجتازت بجدارة وتفوق امتحان الجوع والمسغبة ولم تسقط في وحل الرذيلة والعار بل حملت مجدافاً بيدٍ وارادةً لا تلين بيدٍ اخرى وبين جوانحها الأمانة الغالية التي خلّفها لها والدها الراحل ، فأمخرت بمركبها في بحر الحياة المتلاطم الامواج والاحوال وبين شفتيها ابتسامة متفائلة ساحرة تفتت صخور المعاناة وتروض المستحيل ، ولسان حالها يقول : حليمة يا حليمة يا ريشة في مهب الريح ويا نجمة في كبد المستحيل . حليمة يا شمعة في عتمة الليل الطويل ويا نبتة صنوبرية في زمان القحط واليباب . امضِ يا حليمة رغم طول الطريق وقلة الزاد ودوسي يا حليمة بصبر واناة على إبر الهواجس والظلام وهُزي اليك بجذع الصبر الجميل يُساقط عليك غداً جميلاً مشرقاً .
كان ابكر صفارة مولعاً بحليمة حتى النخاع ، مفتوناً بها الى اقصى حد النهايات. عيناها الواسعتان حديقة غنّاء يرتاح تحت اهدابها الوارفة . نظراتها الخجولة الممزوجة بعجين الخجل ، المغسولة بماء البراءة وسادة مخملية يتوسدها وقد هدّه التعب وارهقه النََصَب.
أبّكر صفارة !!! حينما تناديه بهذا الاسم فإن كل حرف فيه يتنزّل على صحراء قلبه العطْشى برداً وسلاماً واشراقاً ؛ فنطقها لاسمه يختلف عن نطق كل البشر ، لأنها تغنيه غناءً يطربه ويشنّف اذنيه.
أما عندما تناوله كوب الشاي المعتّق بيدها البضّة ذات الانامل المموسقة ، مصحوباً بتلك الابتسامة الندية
فإن الدنيا تشرق امام عينيه وتعزف السماء له لحن الأمل ، فتتدفق في شرايينه دماء التفاؤل والرغبة في الحياة رغم ما يعكّر صفوها ويكدرها ، فيتلقّف منها كوب الشاي بقلبه وكلتا يديه ، وقد نزّ عرقاً من رأسه حتى اخمص قدميه كسقيم على شفا الموت وُهِبَ اكسير الحياة في زمن خرافي !!
وتحت شجرة النيم العظيمة نحت أبكر صفارة وحليمة هبهان اطهر وانقى قصة حبٍ . فكانت اوراق النيمة وفروعها وجذورها الضاربة في الاعماق خير شهود عيان لكل آهة ودمعة وضحكة وأنين ولحظة صدق ونظرة عشق بينهما ، وتحت تلكم الشجرة المباركة تمت مراسيم الخطوبة التي شهدها الأهل والاصدقاء والمعارف وذاع صيتها في القرى والبوادي .
كانت الرياح تسير على احسن ما يكون الى أن حدث فجأة ما لا تشتهيه يوم أن حاول أحد عمال البلدية مسّ شرف حليمة هبهان والتحرش بها ، خلال حملة مداهمة لبائعات الشاي وكان ابكر صفارة شاهداً لهذا الحدث ، فتدخل ليحمي حليمة ويدافع عنها ، وكان من سخريات القدر أن تشهد شجرة النيم اعنف معركة دموية بينما شهدت بالأمس القريب اعذب وأرق قصة حب ، فأوسع ابكر صفارة عامل البلدية ضرباً و ركلاً حتى اشرف على الموت ، فحُكِم عليه بالسجن عامين مع الابعاد ، فاهتز بذلك قصر عشقه الذي شيده مع حليمة هبهان وردةً وردة وجُرح في لحظة بخنجر الحقد اللعين!
ما زال البص القادم من بور تسودان وفي جوفه ابكر صفارة يختال ويتهادى في طريق الاسفلت وقد لاحت مشارف المدينة من البعد، وعند الاصيل عانقت قدما ابكر صفارة اديم سنار الحبيبة .
كان جُل تفكيره في حليمة هبهان ، فلم يستطع صبراً على تأجيل رؤيتها الى اليوم التالي ، فغادر المحطة الى شجرة النيم مباشرةً يسبقه الشوق والحنين والأمل .كانت الشمس حينها قد تخضبت بالاحمرار تأهباً للمغيب ، وعلى مرمى حجر منه برزت له النيمة غير انها لم تكن شامخة هذه المرة وغاب عنها ذلك الازدهار والبهاء وبدت اوراقها ذابلة كئيبة وكل ما حولها بائس حزين . وعند وصوله اغتالته الصدمة والفجيعة عندما علم أن حليمة هبهان قد اُغتيلت طعناً بعد أن اُغتصبت من قبل مجهولين منذ ثلاثة اشهر !!
اظلمت الدنيا امامه فبكى بكاءً تساقطت على إثره اوراق النيمة الحزينة واهتزت له اركان المدينة وضواحيها !! بكى ابكر صفارة فبكت معه الاشجار والارض والحجر وكل الذكريات المورقة الجميلة.
وفي ليلٍ بهيم وبينما اهل المدينة نيام ، احتضن ابكر صفارته وتوجه بها نحو شجرة النيم وواراها الثرى وفاءً لحليمة هبهان والحب الجميل



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة