الأخبار
أخبار إقليمية
«ربيع» أو لا «ربيع»: حان التغيير في السودان
«ربيع» أو لا «ربيع»: حان التغيير في السودان
«ربيع» أو لا «ربيع»: حان التغيير في السودان


09-30-2013 07:00 AM

عبدالوهاب بدرخان
صحافي ومحلل سياسي
حرص الرئيس عمر البشير على «طمأنة» الداخل والخارج إلى أن تظاهرات الغضب والاحتجاج في السودان ليست «ربيعاً عربياً»، بمعنى أنها لن تُسقط نظامه. وفي كل مكان تقريباً لم يعد «الربيع» حسن السمعة أو يبعث على التفاؤل بغدٍ قريب أفضل. وذلك لسببين أمكن استنتاجهما من التجارب «الربيعية» العربية: أولهما أن النظام المزمن المتهاوي زرع كل السموم والأمراض في البلد الذي يحكمه ليوطّد تسلّطه، والثاني أن المجتمعات التي أهدرت وقتاً طويلاً من دون أي ممارسة طبيعية للسياسة لا تلبث أن تنزلق في صراعات على الحكم بين أطراف يعوزها جميعاً التجربة وفتكت فيها الانقسامات، خصوصاً مع صعود تيارات الإسلام السياسي التي يضع كل منها الولاء له بمرتبة الإيمان الديني الصحيح ليصبح كل ولاء سواه بمثابة كفر خالص تجوز فيه الحسبة.
السؤال المطروح الآن، بل منذ زمن: أما آن لخريف نظام البشير أن ينتهي؟ وإذا كان له أن يبقى فمن أجل ماذا؟ فالأنظمة تقاس بإنجازاتها لا بأشخاصها فحسب، وبالتقدم والنمو والاستقرار لا بالشعارات فحسب. وعلى ذلك فإن مسيرة البشير أنزلت أقصى ما يمكنها من الأضرار بالسودان وأهله، وبات الاستمرار فيها إصراراً على المزيد من الأذى. أما التقليل من حركة الاحتجاج فقد سبق أن جرّبه زعماء كانوا أكثر جبروتاً وأصبحوا في السجن أو في خبر كان. ثم إنه يعبّر عن غطرسةٍ ليس لأي حاكم أن يبديها تجاه شعبه، فهو الشعب الذي «انتخبه» لمنصبه، لكن البشير يعرف جيداً أنه لم يُنتخَب ولا مرة بشكل حرّ ونزيه، ولأنه استطاع أن يديم سلطته وأن ينتقل بالسودان من حرب إلى حرب ومن انتكاسة إلى انتكاسة ومن سودان واحد إلى سودانين منفصلين فقد استقر في ذهنه أنه يحكم قطيعاً مستكيناً لن يحدث أبداً أن ينتفض عليه. هذا مجرد قصر نظر، وجهل أعمى بالتاريخ، وانفصال عن الواقع الذي زرع فيه البشير نفسه كل عوامل الثورة عليه.
ماذا يمكن لحاكم السودان أن ينجز أكثر من أن يكون:

1) أخفق في الحفاظ على وحدة البلد شعباً وأرضاً ودولةً.
2) دخل في مساومات مع الخارج لتحصين حكمه مقابل انفصال الجنوب.
3) عمل على حماية نظامه بمسلسل حروب تبتلع الجانب الأكبر من الموارد والميزانيات أولاً ضد الجنوبيين ثم في دارفور ثم ضد جنوب السودان الذي غدا دولة مستقلة.
4) حوّل حكمه إلى منظومة فساد فاحش مقابل الولاء للشخص.
5) سخّر المال العام لجعل حزبه الحاكم ميليشيا مسلحة وأشبه بجيش موازٍ يقوم بمهمات القمع والترهيب.
6) استدرج الاقتصاد من تدهور إلى تدهور فافتقد الحلول بعدما فقد %75 من إنتاج النفط ومداخيله كما أهمل الاستقرار الداخلي.
7) عجز السودان -»سلة غذاء» العرب- في عهده عن إطعام أهله، حتى إن مناطق فقيرة تعيش على حافة مجاعة مقنَّعة.
8) دفع قيمة العملة الوطنية إلى انهيار بمعدّلات يصعب تخيّلها وحتى ضبطها.
9) قوّض سوق العمل فصارت نسبة البطالة الحقيقية من الأعلى في العالم وبالأخص عند الشباب.
10) توّج كل ذلك بسجل أسود في قمع الحريات وخنق حرية التعبير وإقصاء المعارضة السلمية ومنعها من القيام بدورها وطرح رؤيتها للتغيير.

منذ انفصال الجنوب ارتسمت استحقاقات سياسية واقتصادية واجتماعية في السودان لم يعد ممكناً الهروب منها بذرائع الأمن والضغوط الخارجية. كان يفترض أن يتزامن هذا الانفصال -وقد أنهى، نظرياً، نزاعات دامت بضعة عقود- مع بداية جديدة في الشمال. أدرك النظام أنه لا يستطيع أن يكمل مسيرته كما لو أن شيئاً لم يحصل، لكنه فضّل افتعال الأزمات للهروب من الاستحقاقات ومن المسؤولية، وكأنه يريد أن يدفع بالجماعات والولايات كافة إلى الانفصال أيضاً. كان تحالف أحزاب المعارضة وصف الميزانية الأخيرة التي اعتمدها النظام بأنها «ميزانية حرب»، فعلى سبيل المثال تكفي الإشارة إلى رقمين متداولين: 8.5 مليار جنيه (1.5 مليار دولار) لشؤون الدفاع، ومليار جنيه (280 مليون دولار) للصحة والتعليم. ومهما كانت الأسباب فإن استمرار الحرب في دارفور وامتدادها إلى جنوب كردفان والنيل الأزرق وصولاً إلى أبيي فإن الوضع المستجد بعد انفصال الجنوب أوجب تفعيل المفاوضات وعدم استسهال خيار حرب ترى فيها المعارضة «عنصريةً» وإغراقاً للسودان في لجة أزمة مستدامة.
كان من أهم الاستحقاقات المعترف بها أن البلاد دخلت تلقائياً في مرحلة تأسيسية للنظام، الذي يتوجب توافقاً وطنياً عليه من خلال دستور جديد، ومن ثمَّ الذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة. لكن البشير قرأ في ذلك دعوة إلى تغيير نظامه، وكان ذلك صحيحاً وبديهياً بمقدار ما كان ولا يزال واقعياً، فثمة مرحلة انتهت وليس فيها ما يدعو إلى الافتخار. ورغم اتضاح الحاجة إلى حوار وطني هادف، فإن النظام ارتأى تقديم حلول جاهزة تهدف إلى إدامة حكم البشير أو في أسوأ الأحوال تمكينه من ترتيب نوع من «التوريث» لأحد أزلامه، إن لم يكن لتأمين استمرارية البشير فعلى الأقل لكي يكون الحكم الجديد ضامناً لمنظومة الفساد القائمة ولعدم محاسبة البشير وجيش المستفيدين من امتيازاته. الأكيد أن اندلاع الاحتجاجات تجاوز ما يمكن اعتباره إنذاراً أخيراً، إذ كان رفع أسعار الوقود مجرد شرارة لتفجير الغضب ولإطلاق مطلب تغيير البشير. وكل تأخير في التعامل مع هذه الرغبة الشعبية يزيد كلفة التغيير وربما يدفع بالسودان إلى طريق مسدود.

العرب


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2971

التعليقات
#785010 [شكرا للكاتب]
5.00/5 (1 صوت)

09-30-2013 06:03 PM
شكرا للكاتب... تحليل صحيح للموقف


#784589 [طالب جامعي]
0.00/5 (0 صوت)

09-30-2013 01:25 PM
لن اصدق بأنك لست سودانيآ , هذه المقالة تعتبر من افضل المقالات التي سطرها قلم اجنبي في الشأن السوداني فلك التحية والتجلى ايها الاستاذ بدر حان انت تستحق نزع القبعات إجلالآ وإحترامآليراعك الصادق هذ ولا اسكت الله لك قلمآ


#784547 [كتاحة]
5.00/5 (1 صوت)

09-30-2013 12:54 PM
أريّحك ؟



نحن كتاحة .




كتاحة وبس



كتاحة تشيل أي حاجة وما تخلي إلا السودان بس


#784459 [Salim]
0.00/5 (0 صوت)

09-30-2013 11:58 AM
آن الرحيل أرحل يا راحل طوعا أو محمولاً على عود


#784286 [الليل]
0.00/5 (0 صوت)

09-30-2013 10:41 AM
يا عزيزي يابدرخان لقد حددت كل عوامل واسباب الوهن وقضايا السودان الت يعيشها . فشكرا لقلمك وادامه لتبصير السودانيين فلك كل شكر ونتمي لك الاطلالة دوما.


#784242 [abu khaled]
5.00/5 (1 صوت)

09-30-2013 10:19 AM
أبشرك سوف نواجهم بصدرونا العارية وسوف نرعبهم بصمودنا وصدقت حان وقت التغيير


#783973 [AMJAD]
5.00/5 (2 صوت)

09-30-2013 07:13 AM
شكرا لك يا استاذ الصحافه العربيه لفلمك و علمك الوافر و قد قلت الحقيقه و طعنت فى الفيل و ليس ظله و لكن هل يسمع الطرش هذا الحديث الحكمه؟



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة