الأخبار
أخبار إقليمية
تكتيك مظاهرات "الغوريلا"
تكتيك مظاهرات "الغوريلا"



09-30-2013 04:25 PM
أسامة الكاشف

على غرار حرب العصابات التي أطلق عليها اصطلاحاً "حرب الغوريلا" المستندة على تكتيك "أضرب وأهرب" تفتقت عبقرية الشعب السوداني عن نمط جديد للتظاهر في مجموعات صغيرة داخل الأحياء تتفرق من شارع لتتجمع في زقاق مجاور دون تخطيط مسبق فالكل يعرف بعضه فهم جيران أو أهل وبالتالي يصعب على عناصر الأمن المدسوسة التواري بينهم كما أن هذا النمط من التظاهر يرهق أجهزة الأمن ويصعب عليها المتابعة لذا خرجت كتائب الاغتيالات من مخابئها بسوبا وغيرها لتفتح النار على صدور يانعة ضمخت بدمائها الطاهرة تراب الوطن وعطرت شوارعه بروائح التضحية.

لا يغفل متابع عن أن "الكيزان" عملوا وسط الحركة الشعبية السودانية ردحاً من الزمن وخبروا تكتيكاتها المجربة فعمدوا بداية لتفريغ الخدمة الوطنية من العناصر الفاعلة القادرة على قيادة العصيان المدني ومن ثم دلفوا إلى تأمين العاصمة خوفاً من الانقلابات العسكرية. الانقلاب قديماً كان يتمثل في احتلال الكباري الثلاث ومبنى الإذاعة والتلفزيون ودبابة أو مصفحة صلاح الدين ترابط أمام القصر الجمهوري. اشتغل الجهاز الأمني السري "للأخوان" بهمة عالية لتأمين السلطة من أي مفاجآت وأعدوا للشعب السوداني ما استطاعوا من قوة ومن رباط الخيل دون أن يفقهوا منطق التاريخ ودورة الفصول السياسية التي عصفت حتى بشاوشيسكو. ربما استطاعت هذه الإجراءات تعطيل مسيرة الثورة السودانية وأوان نضج الظروف الموضوعية لها لكنها دون شك لم ولن تكون قادرة على قهرها إلى الأبد. ربما لو تميزوا بقدر من الذكاء السياسي لعملوا على إشراك القوى الشعبية في العملية السياسية وتملصوا من المحاسبة التي تنتظرهم بدهائهم المعتاد لكن غاب "أبشنب" عن المشهد نهاية التسعينات بعد قراءة مشفوعة بخبرات السنين ليعود في ثياب الواعظين وتعطلت بالتالي آليات المراوغة السياسية وفقه الضرورة واستمر التخبط الذي قاد لفصل الجنوب وعداء مستحكم مع الشارع.

تطور وتصاعد إيقاع الغضب الشعبي الناتج عن تراكمات عمرها ربع قرن ليس وليداً للحظة ، والمذهل في الأمر أن فكرة المشروع الحضاري التي استندت في جوهرها على خلق جيل موال عبر عمليات غسيل مخ ممنهجة تبدأ بالحضانة وتنهي في الجامعة لم تأت أكلها ، والمفاجأة أن هذا الجيل قد أعلن التمرد وخرج من عباءة الوصاية ليفجر في وجه هذه السلطة غضب الآباء والأمهات. لم تتمكن آلة الإعلام الضخمة من صحف وقنوات فضائية ولا المناهج الأكاديمية المفصلة على قياس المشروع الحضاري من أن تغبش وعي هذا الجيل والدليل أن المئات الذين سقطوا معظمهم ولدوا خلال هذا العهد ولم يعرفوا رئيساً غير البشير.

في كل الأحوال لم يعد السودان كما كان قبل 24 سبتمبر ولم يعد الوعي الشعبي كما كان قبل أن تسيل هذه الدماء الطاهرة. وحتى بعد أن أصبحت البلاد سجناً كبيراً لآلاف المعتقلين لم يتوقف هدير الشارع وكل يوم يمر يجعل التراجع عن قرار رفع الدعم عن الوقود والقمح صعباً ، بل إن الشارع قطع على السلطة هذا السبيل. فخلال تجارب شعوب المنطقة لم يرتفع سقف المطالب إلا بعد ردح من الزمن لكن المتابع يرى أن سقف المطالب لهذه الثورة تغير في صبيحة اليوم التالي. فبدلاً عن شعارات عودة الدعم تحولت فوراً شعارات الشارع إلى "نحن مرقنا ضد الناس السرقوا عرقنا" ولم تغفل هذه التجربة محيطها الإقليمي واستلفت من شعارات الجوار ما أصبح راسخاً كأدبيات ثورية "الشعب يريد.. و إرحل..إلخ".

حملت تباشير أنباء اليوم دخول قوى فاعلة لدائرة الحدث بما يشمل حزب الأمة صاحب النفوذ التقليدي في بحر أبيض الذي ظل حتى البارحة بعيداً عن مواقع الفعل الثوري أي بحر أبيض، وهذه تباشير تشي باتساع دائرة الثورة. وكما أسلفنا في صدر المقال فإننا نجد أن النظام يركز قوته الضاربة في الخرطوم وربما مدني المجاورة لها لذا فإن الوضع الأمثل هو محاصرة هذا النظام من خارج العاصمة بتثوير الأقاليم والضغط عليه من الخارج دعماً لحراك العاصمة. تحضرني هنا آلية مبهرة لإحدى قبائل الجنوب "القديم" كانوا إذا ما تجبر السلطان وحاشيته يرحلوا ليلاً إلى مكان آخر وعندما يصحو السلطان وحاشيته صباحاً لا يجدون من يحكمون فيجن جنونهم ويسعون إلى إرضاء الشعب بأي ثمن كان والشاهد أنه بخروج الأقاليم عن دائرة نفوذ النظام لن يجد من يحكمه وبالتالي ستضعف قبضته على السلطة. إذا ما قامت حركة منظمة في الشرق والغرب والجنوب "الحديث" سيصعب على النظام السيطرة على مفاصل الأمور ولن يتمكن من توسيع دائرة الاغتيالات وذلك دون أن تتوقف الخرطوم عن تظاهرات الغوريلا. حصار يشبه حصار المهدي للخرطوم. هذه الدعوة كفيلة بحقن دماء فلذات أكبادنا الذين تفطر صور استشهادهم النبيل القلب وتدمي الكبد.

شلت يد الجلاد .. وتبت يدا كل من أطلق رصاصة على قلب غض طري يحلم بغد أفضل.

[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 1 | زيارات 8393

التعليقات
#786480 [واحد من النوع الفاهم]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2013 05:14 PM
المظاهرات بالتزامن مع عصيان مدني شامل هو الحل لاقتلاع هذه العصابة الفاشلة


#786465 [ديدو نيس]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2013 05:01 PM
علينا فهم طبيعة وسياسة المراحل الدهائية التي ترتبها تلك الحكومة بناءا للمعطيات التي بدأت في الايام السابقة وما نجم عنها من إراقة للدماء الطاهرة التي كانت تعبر عن الحرية والرافضة للذل والهوان الذي طال امده بالشعب السوداني فنرى أن سياسة وإدارة الحكومة للازمات كان طابعه العنف أو الإقصاء بعيدا بالقتل أو النفي أو الإغراء المادي أو التصفية العرقية كما حدث في أغلب مناطق غرب السودان في كثير من السيناريوهات التي كذبوا بها علينا وصرفونا عن الحقيقة فاصبح السودان بهم شتاتا وضعفا ومطمعا ويرجع الفهم في ذلك لقضية الجنوب وحلايب وشلاتين وفلسفة القوة والسياسة اصبح داخلية فقط في تقتيل الشعب السوداني فماذا اكثر من هذا ليكون التنظيم مرفوضا وليس النظام لانهم ينتهجون سياسة صهيونية مستندة على المال والقوة العسكرية في نفس الوقت.
لذا منطق الجيش الحر في سوريا والثوار في ليبيا هو الحل لمواجهة ذلك التنظيم الجائر في حق هذا الشعب وتوحيد الجبهة الداخلية تحت قيادة واحدة ولتكن نقطة البداية هي المدن الطرفية ثم الزحف نحو الوسط وذلك هو منطق العين بالعين والسن بالسن.


#786060 [الكنزى]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2013 12:45 PM
كلام جميل ولكن متى تتحرك جماهير المدن الطرفية لتكون تحت حماية الجبهة الثورية . نأمل فى خروج مظاهرات فى مدن الفاشر (ظلت نائمة وواليها صجاف السودان يتبجح بأن ولايته لم تخرج ) وكذلك مدن الجنينة وزالنجى ونيالا (خرجت) وسنار والدمازين والروصيرص وكوستى وكادوقلى وغيرها من المدن .
توصية: اذا ضاعت هذه الفرصة الذهبية فان نظام الكيزان سيتقوى ضد الانتفاضات ويصعب بعد ذلك اقتلاعه


#785688 [العمده]
0.00/5 (0 صوت)

10-01-2013 09:49 AM
اصبت عين الحقيقة اخي الكاشف فخروج المظاهرات في الاقاليم يشتت قوى الامن ويجعلها غير قادره على احتواء هذا الحراك الشبابي ، لكن يجب أن تخرج مكونات المجتمع المدني من اطباء ومهندسين وموظفين وعمال ومزارعين وغيرهم وبدء الاعتصامات من اماكن عملهم كمرحلة ابتدائية مع التعاون التام مع بعض القنوات الفضائية الداعمة لنشر الحراك بصورة يومية وليعلم الجميع ان هذا النظام أوهن من بيت العنكبوت وسيسقط سريعا" لانه فقد كل مشروعية بقائه.


#785491 [على ادم]
5.00/5 (2 صوت)

10-01-2013 03:03 AM
ولاتنسوا الحملات الخارجية لفضح ممارسات النظام مع المعتقلين والشهداء وتآليب منظمات حقوق الانسان ضده وبذلك تتم محاصرته


#785150 [أبوديدى]
5.00/5 (2 صوت)

09-30-2013 07:45 PM
ده كلام حكيم وتحليل ميدانى عميق فعلا على المدن اﻷخرى أن تتحرك وعلى القوى السياسيه أن تنشط فى كل مدن السودان الخرطوم جاهزه ودم الشهداء عبأ الناس أكثر وأكثر خروج المدن اﻷخرى سيشتت قوى الظلام ويرهقها لكن فى وقت واحد
حتى لايترك للسلطه أن تستفرد بمدينه وتقيم مذبحه..
أما الخرطوم على القوى السياسيه الحزبيه منها والشبابيه أن تنسق وتحشد لخروج ضخم يضاهى المليونيات حسب التجربه المصريه وأن يعقبه إضراب سياسى وعصيان مدنى يخلخل أركان السلطه حتى إنهيارها ويجب أن تكون
جزوة النضال مشتعله ومستعره والكره اﻵن فى ملعب الشعب بكل قواه ويجب أن لا نفوت هذه الفرصه التاريخيه لامهادنه أوتوقف والتاريخ لايرحم..


#784912 [فني لاسلكي بدرجة صحفي وخال رئاسي كمان]
4.50/5 (4 صوت)

09-30-2013 04:48 PM
كلام خبير وجميل ولكن الاجمل في ثورة الاقاليم لو تركزت بشكل عميق وواسع في الاطراف التي تكون مكشوفة للجبهة الثورية مثل الابيض والدمازين ومدن دارفور وكادوقلي والدلنج ..والغرض من ذلك وضع الحكومة في المحك فأي عنف وقتل يكون مبررا لدخول الجبهة لحماية الجماهير



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة