خريف البشير؟



10-01-2013 06:54 AM
د. أحمد يوسف أحمد


لم تكن هناك أدنى مفاجأة في حركة الاحتجاجات التي يشهدها السودان في هذه الأيام. ربما كانت المفاجأة في التوقيت، ولكن الأوضاع في السودان قد بلغت منذ سنوات حداً من التردي يجعل من الغريب ألا يشهد حركة احتجاجات واسعة كتلك التي يشهدها الآن، وقد شهد بالفعل حركات احتجاج من قبل ولكنها لم تكن بالاتساع الذي يشهده حالياً فضلاً عن أنها كانت قصيرة النفس. وقد أدت سياسات النظام الحالي إلى كل ما من شأنه الإشارة إلى إخفاقه وتحريك الاحتجاجات ضده. ويكفي أن نشير إلى سياسات القمع التي أدت إلى بقاء النظام منذ عام 1989 على رغم تردي الأحوال الاقتصادية واحتكار الثروة من قبل النخبة الإسلامية الحاكمة التي تمثل مكوناً رئيسياً في قاعدة قوة النظام، ولكن الخطيئة الكبرى تمثلت في العجز عن الحفاظ على وحدة البلاد وحدوث انفصال الجنوب. لم ينفعه كل الرقص الذي رقصه أثناء زيارة الجنوب في وقت حاسم مرتدياً زي الجنوب المطعم بالريش، ذلك لأن مشكلة الجنوب كانت أعمق بكثير من أن تحل برقصه، فقد أهمل الجنوب إهمالاً جسيماً، وترك الأوضاع تتفاقم فيه اقتصادياً واجتماعياً الأمر الذي جعل المقاومة المسلحة تتصاعد، وفي البداية كان زعيم المقاومة جون قرنق صاحب رؤية سياسية ترمي إلى تحقيق خلاص الجنوب في إطار السودان الموحد، أي أن حل مشكلة الجنوب لا يحققه الانفصال وإنما تحرير السودان ككل من النظام الذي أدى إلى أوضاع مأساوية في الجنوب والشمال معاً، ولهذا السبب كون ائتلافاً جنوبياً- شمالياً حتى يكون البعد الوطني حاضراً في حركته، غير أن اغتيال الرجل وحلول سيلفاكير محله غيّر المعادلة. ولم تكن سياسات النظام صالحة لمواجهة المشكلة، فلقد حاول في بدايته أن يعتمد الحل العسكري، وليس هذا فحسب وإنما الحل العسكري ذو الطابع الديني، فقد كنت في زيارة للسودان قبل انشقاق الترابي عن الحكم ورأيت بنفسي شباباً سودانيين تمتلئ بهم سيارات نقل وهم يهتفون «خيبر خيبر يا يهود... جيش محمد سوف يعود» ولم يكن الشعار في موضعه على الإطلاق، فأهل الجنوب ليسوا «يهود السودان». وفشل الحل العسكري كما هو معروف واضطر النظام إلى الحلول الدبلوماسية، غير أنه لم يتمكن في النهاية إلا من الوصول إلى اتفاقية تعطي الجنوبيين الحق في تقرير المصير.

كان النظام يراهن على قدرته أن يجعل خيار الوحدة جاذباً لدى الجنوبيين، ولكن طبيعة النظام وسياساته حتمت الفشل في هذا الأمر، وعندما آن أوان تطبيق البند الخاص بممارسة الجنوبيين حق تقرير المصير وافق الجنوبيون فيما يشبه الإجماع على الانفصال، ولم يكن أمام النظام سوى الالتزام بما جنت يداه، وأصبح انفصال الجنوب حقيقة واقعة، ولم تكن المشكلة هي في إعطاء حق تقرير المصير للجنوبيين وإنما في مجمل سياسات النظام التي جعلت من الانفصال خياراً كاسحاً من قبل كافة الجنوبيين.

وبالإضافة إلى الجنوب أخفق النظام حتى الآن في مواجهة مشكلات مشابهة على رأسها مشكلة دارفور، بحيث أصبحت وحدة الشمال نفسه موضع شك في ظل استمرار سياسات النظام. وقد صنعت كل هذه الإخفاقات، بما في ذلك الإخفاق في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، مناخاً مواتياً لاحتجاجات شعبية ربما تكون قد تأخرت إلى أن وجد النظام في نفسه الجرأة لاتخاذ قرار يرفع أسعار المواد النفطية والتمسك به على رغم ما بدا من رفض شعبي له، فكانت النتيجة هي هذه الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي رأت في القرار زيادة لمعاناتها.

وعلى رغم أن المشاركين في هذه الاحتجاجات يقدرون بالآلاف التي لا تكفي لتغيير النظام، إلا أنها أهم احتجاجات يشهدها السودان منذ سنوات، كما أن الأعداد المشاركة فيها قابلة للزيادة مع تطور الأمور وامتداد فكرة الثورة إلى قطاعات أوسع، والأهم من ذلك هو الاختلاف النوعي لهذه الاحتجاجات عما سبقها، ويبدو هذا في شعاراتها التي تكشف عن مواقف جذرية مضادة للنظام وكذلك عن الاتجاه لتنظيمها.

أما عن الشعارات فهي تطالب بتنحي الرئيس «الشعب يريد إسقاط النظام» و«الثورة خيار الشعب» فضلاً عن الشعارات المتوقعة في احتجاجات كهذه مثل «حرية حرية» و«حرية سلام عدالة» و«مليون شهيد فداك يا سودان». غير أن الأهم من الأعداد والشعارات هو اتجاه الاحتجاجات إلى التنظيم، فقد تكونت «تنسيقية قوى التغيير» من تحالف شباب الثورة السودانية -تحالف قوى الإجماع الوطني المعارض -النقابات المهنية -تحالف منظمات المجتمع المدني، وطالبت «التنسيقية» في بيانها التأسيسي بتنحي النظام الحاكم فوراً وحل كل أجهزته التنفيذية والتشريعية وتشكيل حكومة انتقالية تضم أطياف الشعب السوداني تتولى إدارة البلاد خلال مرحلة انتقالية. كما طالبت بالمحاسبة والقصاص من كل من شارك في جرائم القمع والتعذيب والقتل في حق أبناء الشعب.

وعلى رغم هذا فإن النظام ما زال يتبع وسائله التقليدية، فهو يتحدث عن مندسين يقتلون المتظاهرين الذين بلغ عدد ضحاياهم وفق التصريحات الرسمية قرابة الأربعين، بينما يقدر نشطاء سياسيون عددهم بما يجاوز المئة بكثير فضلاً عن كون المصادر الطبية صرحت بأن مستشفي الخرطوم استقبل 226 مصاباً منهم 36 إصابتهم خطيرة في الرأس. هذا ويتهم النشطاء النظام بتكوين ميليشيات من الحزب الحاكم هي التي تقوم بأعمال القتل، كما تصر مصادر النظام على هدوء الأحوال الأمنية واستقرارها في كافة أرجاء البلاد وهو ما نفته مصادر محايدة. وفي تطور لافت وجهت قيادات إسلامية رسالة تحذير إلى البشير طالبته فيها بوقف الإجراءات الاقتصادية، وتشكيل آلية وفاق وطني، ووقف الرقابة على الصحف والإعلام، وإطلاق الحريات، وإجراء تحقيقات محايدة حول إطلاق الذخيرة الحية على المواطنين، ومعاقبة المسؤولين عنها، وهو ما قد يعني بداية تآكل النخبة الإسلامية كقاعدة قوة للنظام.

ويواجه البشير جيلاً جديداً من المعارضين من الشباب بعيداً عن الأحزاب السياسية التقليدية وما لم ينجح في تطوير سياسات جديدة فإن ما بقي من السودان وليس نظامه فحسب مهدد بالاختفاء.

الاتحاد الاماراتية


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1097


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة