'الظل'.. في الأدب والفن والعلم
'الظل'.. في الأدب والفن والعلم


10-08-2013 09:19 AM


علماء في علم الفلك يؤكدون أن هناك ثلاثة أجرام سماوية يسعها أن تشكل ظلالًا على الأرض، وهي الشمس والقمر والزهرة.




القاهرة ـ من رانيا جمال



يُعرف "الظل" بأنه المساحة التي يحجب عنها الضوء لوجود حائل يحجب بينها وبين مصدر الضوء، وهي مساحة لا شكل لها إلا بعض ما تكتسبه تبعًا لشكل الشيء الذي تسقط عليه أشعة الشمس.

والظل هو الذي يشكل الخيال، والذي تتعدد أشكاله التي يأخذها والتي تبدو مثيرةً للاهتمام بحد ذاتها، ورغم أنه يشتبه بالأصل وهو أمر لا مفر منه، إلا أنه في شكله شيء آخر له جماله الخاص وحضوره المميز، فهو يتبع الضوء فيتحدد على الجهة المعاكسة له، ولا يتكون الظل دائمًا خارج الشيء، بمعنى أنه يبدأ من طرفه ويبتعد عنه حسب موقع الضوء، فكل الأشكال ثلاثية الأبعاد إذا ما وقع عليها الضوء من جانب تظهر جوانب مضاءة أكثر من غيرها، ويبهت هذا الضوء تدريجيًا حتى يصبح ظلًا كاملًا على جهتها البعيدة عن النور، وبمعزل عن الظل الذي يظهر على مكان وقوفها.

وأكد علماء في علم الفلك، أن هناك ثلاثة أجرام سماوية يسعها أن تشكل ظلالًا على الأرض، وهي الشمس والقمر والزهرة، لكن وصول ضوء الزهرة إلى الأرض وتظليله للأجسام التي يقع عليها يمثل حقيقة علمية مفاجئة للكثيرين، وفسروا ذلك بقاعدة علمية تُسمى القدر الظاهري، وتعني مقدار سطوع الأجسام السماوية كما ترى من الأرض. فالشمس هي الأكثر سطوعًا من القمر بمقدار أربعمائة ألف مرة، وبسببها يغيب القمر والنجوم في النهار، أما كوكب الزهرة فهو أقل من سطوع القمر، ولكنه يبقى ملحوظًا خارج المدن خاصة إذا كانت السماء صافيةً، وكان في أقصى سطوعه، وأقصى بعد له عن الشمس بالنسبة للأرض، فإنه سيظهر في السماء قبل الشروق أو الغروب في هيئة نقطة مضئية كبيرة.

• ظواهر فلكية

وهناك ظواهر أخرى مقترنة بالظل شكلت للعقل البشري معضلات حقيقية، وتأثرت بها حضارات معينة على نحو مطلق، أشهر هذه الظواهر الظلية الخارقة ظاهرتا الخسوف والكسوف، فالأرض والشمس والقمر في أثناء دورانها حول بعضها يحصل أن تقع ثلاثتها على خط واحد، ليتحقق التعريف العلمي للظل الوارد أعلاه حيث الشمس هي مصدر الضوء فيما يتبادل كل من الأرض والقمر دوري السطح الحاجب للضوء والسطح العاكس للظل. أدرك البابليون بعض هذه التفسيرات العلمية قبل الميلاد، فتمكنوا من حساب ما يعرف بدورة القمر، وهي المدة الزمنية التي يستغرقها القمر ليصل إلى نقطة الخسوف أو الكسوف، وتبلغ ثمانية عشر عامًا، وإحدى عشر يومًا وثمان ساعات، وتعامل أقوام آخرون مع هذه الظاهرة الفلكية على نحو مفعم بالغيبة قد تصل إلى حد الخرافة، فالصينيون كانوا يعتقدون بأن تنينًا عملاقًا يبتلع القمر إلى حين.

في كثير من الحضارات نجد الظل قريبا للغموض والسر والموت، كما يكرس معنى الظل كرديف للخطر والهيمنة السرية كما سنرى على سبيل المثال. واستخدم مصطلح أرض الظلال في حضارات مصر القديمة واليونان للإشارة إلى العالم الآخر الذي ينتقل إليه الموتى، فعند اليونان كانت أرض الظلال مملكة هيديز.

وعند الفراعنة فإن أرواح الموتى تتجه ناحية الغرب، حيث تختفي الشمس ويحل ظلام أبدي، المفاهيم ذاتها موجود عند شعوب أمريكا الجنوبية الأصيلة، حيث يعتبر الظلام إشارة لوجود عالم آخر موازٍ لعالمنا إنما مخيف وبلا ضياء يغادر إليه الأموات.

• الثقافة والظل

وحتى فيما يتعلق بهذه الحياة الدنيا، فإن تفاعل الثقافات مع الظل لم يسلم أيضًا من فخ الخرافة، فالخطو على ظل الزعيم أو الكاهن الممتد على الأرض كان يعد خطيئة كبرى عند كثير من القبائل البدائية حول العالم، باعتبار الظل امتدادًا روحيًا وغيبيًا لجسم صاحبه، وفي أوروبا خلال العصور الوسطى كانت تتم من نفس المنطلق، معاقبة ظل النبيل عوضًا عن جسمه كإجراء تحايلي يجنبه الأذى الفعلي، هذه الممارسات والمعتقدات بغض النظر عن منطقيتها إلا أنها تلفت انتباهنا للقيمة الأسطورية والغيبية للظل، والتي انعكست حتى مع تطور المعارف على المنتوج الفكري والفني للإنسان المعاصر.

• قيمته الفنية

منذ مطلع القرن الرابع عشر العصر أصبح الظل عنصرًا أساسيًا في فن اللوحة يستوجب الدراسة والإتقان في التعامل معه على قدم المساواة مع اللون أو الخط، وأكثر من ذلك، يمكن القول: إنه بدءًا من أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، كان التعامل مع الضوء والظل العامل الرئيس في شهرة فنانين كبار وحتى مدارس فنية بأسرها، مثل المدرسة الهولندية بشكل خاص، حيث نرى فنانين تنحصر عبقريتهم في رسم المشاهد الداخلية على ضوء الشمس الشاحبة في تلك البلاد الشمالية، مثل فيرمير في حين اعتمد بعضهم بشكل أساسي على ضوء الشموع للإنارة والتظليل، كما هو حال رامبرانت.

• فن الرسم

أما عن ذروة الدور الذي لعبه الظل في فن الرسم، كان في القرن السادس عشر، عندمـا أسس الرسام الإيطالي "كارافاجيو" مذهبًا فنيًا عرف باسم المضاء والمظلم، ويقضي برسم مشهد داخلي مضـاء بمصـدر واحد كشمعة أو مشعل مثلًا، والاكتفاء برسم بعض الحواف المضاءة من المشهد، وإغراق الباقي في الظلام، ومن أشهر الفنانين الذين ساروا على خطى "كارافاجيو" الفرنسي "جورج دي لاتور"، ولكن أهمية هذا المذهب الفني تكمن في أنه من خلال تعتيم الظلال، بدت مشاهده بشكل عام عبارة عن مساحات ملونة مقطعة ومتناثرة، وغالبًا ذات تركيب يتميز بكثرة المنحنيات والالتواءات، فكانت بذلك الأساس الذي قامت عليه مدرسة الفن الباروكي ككل الذي عاشت لنحو قرنين من الزمن، قبل أن يعود رسم الظلال إلى عقلانية وواقعيته في المدرسة الكلاسيكية، وكل المدارس اللاحقة التي اهتمت، أيًا كانت درجة اهتمامها بمشابهة الواقع.

• بطل الروايات

أما فيما يخص المشرق العربي والإسلامي فقد عرفت مسرحيات خيال الظل بأسماء عديدة منها: ظل الخيال، وخيال الستار، وانتشرت بين العامة كفن شعبي انتقل إلى العالم الإسلامي من الشرق الأقصى عبر بلاد فارس وكما كان الحال مع دمى الشرق الأقصى، تم اعتماد الجلود المجففة بعد تلوينها لصنع شخوص، هذا المسرح الذي مثله ستار من القماش الأبيض تحرك الدمى من ورائه فلا يظهر للمشاهدين سوى ظلها، وكان محرك الدمى يعرف بأسماء عدة منها المخايلي.

وعن أبرز الأقاويل عن الظل ما كتبه الراحل د . شوقي ضيف، حول أن العرب عرفوا بخيال الظل للمرة الأولى خلال القرن السادس الميلادي في العصر العباسي، ليأتي إلى مصر زمن الفاطميين في القرن الحادي عشر، ويزدهر تحت حكم الأيوبيين والمماليـك.

ومع تطور تقنيات السرد وظهور القصة والرواية ترسخت بطولة الظل كمقابل نظري للغموض والسوادية في تركيبة الشخصية القصصية، كلنا نتذكر قصة صاحب الظل الطويل حول فتاة تغرم بظل رجل هي تحب الرجل وتقترب به في نهاية القصة، لكنها لا تعرف شخصيته الحقيقة إلا متأخرًا جدًا مع أنها تتعلق منذ بداية الأحداث بظله الطويل أو ذي الساقين الطويلتين المثير للإعجاب، وأصبح الظل يعبر عن الشخصية الافتراضية، وهو تعبير دراج في السياقين الشعبي والأدبي، ولعلنا نذكر أيضًا رواية الرجل الذي فقد ظله الشهيرة لفتحي غانم التي نشرت عام 1968م، وتناولت التغيرات التي طرأت على المجتمع المصري في تلك الفترة، وكيف برزت شرائح اجتماعية، ثم ما لبثت أن ذوت ولم يعد لها أثر، في ذات السياقات أيضًا فإن الظل يعبر عن الشخصية المهيمنة.

• الظل والشجرة

د. محمد عفيفي الخبير التربوي يقول: الظل مرتبط بالشعاع أوالنور فكل منهما يعكس الظل وإذا شاهدت ظلك على الأرض فهناك بالضرورة ضوء مسلط عليك.. هناك ارتباطات خفية تجعل الأخير مرتبطًا بالأول في لعبة الضوء فلابد أن يكون هناك ضوء باتجاهك فهذا يعني ظلًا على الجانب الآخر ظلاً بعيدًا عن اللون وخفي المعالم إلا من الحدود ..يتشكل في انثياله اختزالات لا ترى تحت بؤرة الضوء .. لكنها تنمو بنمو الجسد. وهذا الظل كاشف لمحتوى الآخر كأن يكون الظل مفسرًا لتكوينات الأطراف الجسدية فوق الأرض، والظل له سمة أخرى أنه يتحرك دون تفاصيل والظل مجرد كتلة تسير حيثما يكون الضوء أو النور.

لا أدري كيف أفسرها أكثر، ولكن المسألة أن تتخيل شجرة وظلالها وتسأل نفسك: هل يمكن اقتطاع الظل والاستحواذ عليه؟ بالطبع لا يمكن لأنه مرتبط بسقوط شعاع الشمس فوق الشجرة التي يسقط منها الظل . والفلسفة هنا تقول لك لا تكن مجرد ظل للآخرين .. لا تتبع ظلال الآخر .. كن قائمًا بذاتك مستقلًا بمشروعك الثقافي وهذا ما أفهمه من أسرار الظل.

(خدمة وكالة الصحافة العربية)


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2517


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة