الأخبار
أخبار سياسية
قطر واللعب على الحبال
قطر واللعب على الحبال



10-20-2013 09:08 AM


ما زالت قطر تتخبط في أكثر من ملف؛ إما أنها ما تزال تعاني عقدة 'اللاعب الكبير'‘ أو أن 'الوزارة العميقة' التي أسسها حمد بن جاسم في عهد الأمير السابق لا تزال فاعلة.


بقلم: سعيد الكتبي

بات واضحاً أن ثمة دوراً قد رسم للدوحة منذ العقد الأخير للألفية الثانية، وذلك بالتزامن مع الطفرة الاقتصادية التي شهدتها قطر. دور يجعلها "مخلب قط" للسياسات التي ترسمها الولايات المتحدة، حيث تستطيع الأخيرة أن تُحاسب القطريين على أي فشل في تنفيذ تلك السياسات، ولأن الولايات المتحدة فشلت في معظم مخططاتها في العقود الثلاثة الأخيرة، فإن قطر ظلت تتحمل نتائج ذلك الإخفاق، وترضى مرغمة أن تقوم بدور جديد لا يلبث أن يفشل، وهكذا دواليك.

ربما كان هذا ما يفسّر لنا التناقضات التي تحفل بها المسيرة القطرية إعلامياً وسياسياً؛ حتى إن المرء ليتساءل: ماذا تريد هذه الدولة الصغيرة؟ وكيف لها أن تدخل في صراعات دولية لا يمكن أن تقوم بها إلا إمبراطورية عظمى؟

ففي عام 2004 شهدت الدوحة اغتيال القائد الشيشاني سليم يندرباييف الذي كانت قطر تؤويه، علماً بأنها في الوقت نفسه كانت على علاقة جيدة مع الحكومة الروسية والرئيس فلاديمير بوتين. يومها وكالعادة تعاملت قناة الجزيرة مع الحدث باستحياء، فيما قالت وزارة الداخلية إن بندربايييف كان في إقامة مؤقتة في قطر.

وفي الدوحة نفسها التي تقيم أمتن العلاقات الأمنية مع الولايات المتحدة، وتحتضن أكبر القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، وتدعي أنها حليف في الحرب على الإرهاب، أقام خالد شيخ محمد القيادي في تنظيم القاعدة فترة من الزمن، وبها مرّ عبدالرحيم الناشري مسؤول القاعدة في الخليج.

وخلال العقدين الأخيرين استضافت قطر أبرز وجوه حركة حماس الفلسطينية، فيما كانت تقيم علاقات اقتصادية علنية، وسياسية سرية مع إسرائيل التي تعتبر حماس عدوها الأول الذي تعمل على تصفيته.

وفيما كانت الأراضي القطرية ومجالاتها الجوية مفتوحة أمام الأميركيين في الحرب على العراق سنة 2003، كانت قناة الجزيرة تأخذ منحى مغايراً في تغطيتها لتلك الحرب.

ويبدو أن هذا اللعب على الحبال هو ديدن السياسة القطرية ونهجها الذي لا تحيد عنه، فقد استمرت فيه من خلال تعاملها العجيب مع الفصائل العراقية المختلفة حتى أيامنا هذه.

وقد حمل لنا الأسبوع الماضي موقفين لا يقلان في دلالتهما عن كل ما سبق، بل يعززان هذا السلوك الغريب في منطقة تحاول أن تنأى بنفسها عن أي اضطراب أو نزاع.

وقد تمثل الموقف الأول في الرسالة التي قيل إن قياديين فلسطينيين نقلوها من أمير قطر الجديد الشيخ تميم بن حمد إلى الرئيس السوري بشار الأسد، وهي الرسالة التي تم نفيها كما هو متوقّع. وبالطبع فإن هذا النفي مفهوم في مثل هذه الظروف؛ لأن تسريبها ثم نفيها، ليسا إلا بالونة اختبار وجس نبض، وتمهيداً لاستدارة في الموقف السياسي، وهذا يعني أن الدوحة تحاول أن تغازل الأسد الذي بُحَّت حناجر المسؤولين القطريين والمذيعين في قناة الجزيرة وهم يهاجمون نظامه ليل نهار، ويهللون بانتصارات الجيش الحر وجبهة النصرة وسائر أطياف المعارضة السورية. وهي الحناجر نفسها التي كانت تتغنى بسورية والأسد قبل مارس 2011 حين كان "الأمير الوالد" يفضل قضاء إجازة نهاية الأسبوع في قصره الذي اشتراه في دمشق قريباً من قصر "صديق العمر" بشار الأسد في سفح قاسيون.

أما الموقف الثاني، فكان الدعوة التي وجهها الأمير الجديد إلى الرئيس الإيراني حسن روحاني لزيارة الدوحة رسمياً، وذلك خلال اتصال بادر به تميم لتهنئة روحاني بعيد الأضحى. وهي دعوة تؤكد أن قطر تريد أن تغرد خارج السرب من جديد، وأنها تصر على أن تتصرف على نحو منفرد تخالف فيه إجماع مجلس التعاون لدول الخليج العربية الذي يفترض بها أن تلتزم به، وأن تراعي أن هناك مرحلة حرجة تمر بها المنطقة، في ظل الغطرسة الإيرانية الواضحة وتدخلها السافر في شؤون منطقة الخليج خصوصاً ولاسيما في مملكة البحرين، والمنطقة العربية عموماً، ولاسيما أن هناك غزلاً واضحاً بين إيران والولايات المتحدة في ملفات عدة أبرزها "النووي الإيراني" و"الملف السوري"، ما يعني أن حلاً ما قد يأتي على حساب دول الخليج، وهذا ما يعني المساس بأمن هذه الدول.

إن المتأمل في هذين التصرفين الأخيرين لا يستطيع إلا الرجوع إلى التاريخ الذي سردناه للسياسة القطرية، والذي يؤكد لنا ولع الدوحة بالمراوغة واللعب على أكثر من حبل في محاولات بهلوانية لإثبات قدرتها على السير في أكثر من اتجاه، وهو أمر إن سلمنا به فإنه يؤكد ما قلناه من أن قطر "مخلب قط" ليس إلا، وأنها ما تزال أسيرة الدور الذي أنيط بها، والذي تُجبر على تأديته حتى وإن أضر بمصالح أشقائها في مجلس التعاون، وأضر بها لاحقاً، ما يعني أن قطر أصبحت "مدانة تحت الطلب" فإما أن تنفذ ما يُطلَب منها، وإما أن تُفتح في وجهها ملفات كثيرة، ليس أقلها ملف الرشوة في حصولها على تنظيم كأس العالم 2022، أو ملف "حقوق الإنسان" بعد موت عشرات النيباليين فيها بسبب ظروف العمل والممارسات غير الإنسانية بحقهم.

كنّا نتوقع من الأمير الجديد أن يستغل فرصة الصفحة البيضاء التي فُتحت له عند تسلمه مقاليد الحكم، ولاسيما أن إشارات خليجية واضحة وصلت له مفادها "عفا الله عما مضى"، ولكن ما تقوم به أو عليه السياسة الخارجية القطرية لا يخرج عن واحد من احتمالين: فإما أنها ما تزال تتخبط في أكثر من ملف، وما تزال تعاني عقدة "اللاعب الكبير" الذي ظنت يوماً أنها وصلت إليه، وإما أن هناك أكثر من جناح يحاول فرض الرأي واتخاذ القرار فيها، وهذا أمر غير مستبعد في ظل وجود "الوزارة العميقة" التي أسسها وزير الخارجية السابق حمد بن جاسم، وفي ظل وجود الأمير الوالد الذي ما يزال مطلوباً منه تسديد بعض الفواتير، وأخيراً وجود تيار جديد جاء مع الأمير تميم. وفي كل الأحوال فإن ما تقوم به السياسة الخارجية القطرية لا ينم عن قدرٍ كاف من المسؤولية تجاه منطقة الخليج خصوصاً والشرق الأوسط عموماً، وسيكون له تداعياته الخطيرة على أمن المنطقة، غير أن قطر نفسها ستكون أكثر المكتوين بناره، وقديماً قالت العرب: "يداك أوْكتا وفوك نفخ".



سعيد الكتبي

كاتب من الإمارات
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1360


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة