الأخبار
أخبار إقليمية
السيدان والتآمر على ثورة السودان (6)
السيدان والتآمر على ثورة السودان (6)



10-20-2013 08:39 AM
أحمد ضحية


تعليق على تعليقات على ما سبق:
شكرا لكل الذين علقوا على الحلقتين (3,4) سواء كان سلبا أو إيجابا, وصادق إعتذارنا, لكل من شعر بأن مشاعره جرحت وأحاسيسه مست, فبعض التعليقات بما حملته من شحنات عاطفية, وإحساسات فياضة.. تشير لذلك.. ولهذا نكرر إعتذارنا.. و بطبيعة الحال نستثنى من الإعتذار "الجداد الإلكتروني!".
*ومرة أخرى نؤكد أن إعتمادنا بشكل رئيسي, على المعلومات الواردة, في كتاب الأستاذ فتحي الضو (سقوط الأقنعة ), يجيء من كون الكتاب يعد مصدرا أساسيا في: السياسة والجيش والفساد. ما يرشحه بالنسبة لي على الأقل, بالدقة في التوثيق..
الكتاب مرجع توثيقي غني بالمعلومات الدقيقة, ولذلك -في ظننا- نعتقد أنه المرجع الأهم, بين الكتب التي وثقت لتلك الفترة (وقائع ما جرى في فترة تجمع الخارج). ولذلك هذه المقالات, هي في جزء كبير منها أشبه بالعرض. الفرق الوحيد بينها وبين العرض, أنها جاءت على حلقات, مع تصرف محدود في اللغة, وأنها ركزت على وقائع تتعلق بحزب محدد حتى الآن, رغم أن الكتاب بحث أدوار مختلف القوى والشخصيات.
*لا ننكر أن حزب الأمة حزب كبير ولديه جماهيره وقواعده, وأن هذه "القواعد" سجلت مع شباب القوى والتنظيمات والتكوينات الشبابية الأخرى, حضورا فاعلا في حركة الإحتجاجات الأخيرة (ثورة 23 سبتمبر المستمرة والمنتصرة). ولكننا هنا نتحدث عن محاولات قيادة حزب الأمة, لإلغاء إرادة هذه القواعد. التي عندما إلتقاها الصادق المهدي, وعبرت عن رغبتها في إسقاط النظام, بدلا عن تجميل وجهه القبيح, كان رده: "أنتم هنا لتسمعونني وليس لأسمعكم!". وبعد ذلك تعرضوا للضرب والفض, بأوامر من إبنه عبد الرحمن. المفارقة هنا أن الصادق وزع بعد ذلك "تذكرة" للتوقيعات لتغيير النظام؟!.. والمفارقة الأكبر أن الصادق المهدي, لم يعطي قواعد حزبه حتى الحق, الذي أعطاه زين العابدين بن علي للشعب التونسي (سمعتكم وفهمتكم), ولا الحق الذي أعطاه مبارك لشعب مصر (سأتنحى)..
*قواعد حزب الأمة الآن, هي جزء من العمل المعارض في مختلف تكويناته, لأنهم ببساطة أبناء هذا الشعب.. يشعرون بآلامه ويحسون معاناته ويحملون همومه. لكن أين هو موقع قيادتهم من العمل المعارض الجاد. الهادف لتغيير النظام؟.. هذا هو السؤال.. فموقف الصادق المربك والضبابي, إبان الإحتجاجات الأخيرة لا يخدم ثورة الشعب, بل يخدم النظام. وهذا ما لا يمكن أن يختلف حوله إثنان!
*موضوع هذه الحلقات ليس "قضايا فكرية حول الأزمة السودانية", فقد كتب الكثيرون في هذا الخصوص بإستفاضة وقدموا مختلف الأطروحات, التي يختلف حولها الناس أو يتفقون.. الموضوع ببساطة أن هناك نظام إسلاموي إستبدادي فاسد يستغل الدين للإستمرار, هذا النظام آيل للسقوط كما تقول كل الشواهد, لكنه لم يسقط حتى الآن لأن هناك من يسندونه, وحددنا ذلك بالطائفية وقوى الإسلام السياسي وأحزاب "الفكة": (التوالي).. ولتفسير هذا السلوك, إتخذنا من مواقف الصادق المهدي, نموذجا لفهم: هل مواقفه الأخيرة هي مواقف طارئة أو مستجدة, ذات صلة بالتغييرات, التي تحدث في الواقع, وتقتضي من "السياسي" المرونة. أم أنها كمواقف, جزء لا يتجزأ من التكوين السياسي للرجل.. أي مزمنة إذ درج تاريخيا على إتخاذ مثيلاتها.. هذا هو الموضوع.
*الوقائع التي تم سردها, من الخطأ النظر إليها بإعتبار أن الزمن تجاوزها, فكما قلنا سابقا في إحدى المقالات, أن التاريخ حلقات متصلة.. وأن النتائج لا تنفصل عن المقدمات, لذلك نجد أنه من الأهمية بمكان, لتفسير المواقف الحالية, الرجوع للمواقف الماضية.
*المشروع الوحدوي لجون قرنق (السودان الجديد) والمشاريع السودانية الشبيهة, التي إستند على فائدتها أحد المعلقين, وجدت معارضة عاتية, من حزب الأمة على نحو خاص. والطائفية وقوى الإسلام السياسي بشكل عام. وهي مواقف فيما يخص حزب الأمة, درج على مثلها من قبل (إجهاض إتفاقية السلام السودانية 1988), (إعتقال مبارك الفاضل وفي ظل نظام ديموقراطي, بوصفه وزيرا للداخلية, للمشاركين في ملتقى أمبو مارس 1989, الموقف من الكونفدرالية كخيار أفضل من خيار الإنفصال), لذلك نتحدث عن دور حزب الأمة: لماذا يتخذ عادة مواقف, هي في جوهرها ضد إرادة الشعب وأحلامه وطموحاته؟!
*المقاومة الفعلية لهذا النظام منذ 30 يونيو 1989 ليست من طرف حزب الأمة, كما زعم أحد المعلقين.. 99% من الإنتهاكات في حقوق الإنسان والتعذيب والقتل, حصلت في حق القوى غير الطائفية؟! وهي أحداث موثقة (ضحايا التعذيب: الذين أبرزهم على سبيل المثال لا الحصر: عماد دراوي, حمودة فتح الرحمن, على فضل, علي الماحي السخي, إلى آخره.. فقائمة القوى غير الطائفية طويلة, وتشمل حتى إعدام ضباط 28رمضان1990). هذا هو الواقع العملي الفعلي, فالمزايدات لن تُخطيء الصحيح ولن تصحح الخطأ؟ لكن إذا كان هناك من يعتقد, أن كل قوى المعارضة لا وزن, لها وحزب الأمة وحده هو صاحب الوزن, فقد فات عليه أن الكبير كبير بوزنه وإنجازاته, وحزب الأمة تاريخيا, ليست لديه أي إنجازات تنموية في ميزان حسناته, رغم تقلده رئاسة الوزراء أكثر من دورتين ديموقراطيتين؟!!
*ومرة أخرى نؤكد أن ما نكتبه يعبر عن وجهة نظر فردية, ولا صلة له باليسار أو الجبهة الثورية, فهذه القوى قد عبرت عن وجهات نظرها الرسمية, في بيانات منشورة ومعلومة للجميع!.
*هل الصادق المهدي وحده هو المسئول عن كل الكوارث, التي حدثت وتحدث. أم أنه والميرغني يتقاسمان مع نميري وعبود والجبهة الإسلاموية (الترابي –البشير) هذه الكوارث؟.. في ظني أن القوى الطائفية عموما وقوى الإسلام السياسي, يتقاسمان التسبب في فشل الدولة السودانية, ولكن حزب الأمة يتحمل العبء الأكبر في أسباب الفشل!.
*البعض يلجأ في التعليق, إلى طريقة "العنقالي" جيمس بوند حزب الأمة (ثروت قاسم), لذا هذا النوع من "الكتاحات" ليس مدهشا, لكن و كما كنا نقول ونحن أطفال صغار: أن هذا هو "عصار الشيطان".. فعلى الآخرين أن يكونوا أنفسهم. وليكونوا أنفسهم, لا يتوجب عليهم إدعاء تمثيل الآخرين والحديث بإسمهم. والكف عن محاولات حرفنا عن الموضوع الأساسي.
عليه: كل إحترامنا وتقديرنا لوجهات النظر المختلفة, على هذا الأساس. أللهم إلا إذا أراد أحدهم ("طق الحنك" تحت ضل نيمة, على عنقريب هباب, وهو محسور العراقي, أثناء إستماعه لود البصير في الرادي) فهذا شيء آخر, (فالدنيا لم تعد مهدية, بل هي في الحقيقة في سودان المؤتمر الوثني, الذي يناصره الصادق المهدي. وبعد قمع الإحتجاجات الأخيرة بهذه الطريقة البشعة.. الدنيا أصبحت أم كواكية عديل كده).. ومع ذلك نحترم قناعات البعض بأفكار الصادق المهدي, ومحبتهم وتقديسهم له ك"حواريين", فهذا شيء يخصهم "براهم". لكننا في الوقت نفسه, لسنا ملزمين بالترويج لهذه الأفكار, التي أساسا كتبنا رأينا فيها. فهي ليست الحل السحري, الذي أعيى العقول إكتشافه, كما أثبتت تجارب السودان.
*ومن المصائب الكبرى لهذا البلد إعتقاد البعض, أن الملائكة تمد الإسلامويين وتعينهم (على ما نرجو أن لا يعينهم الله عليه!).. كما روج الإسلامويون أيام صيف العبور والميل 40 وتلشي, إلخ.." عندما كانت القرود تنزع الألغام من تحت أقدام المجاهدين, وتفوح من جروح المجاهدات اللائي يقطعن البصل رائحة المسك! في النهاية الترابي طبعا "طلعهم فطايس"!.. لذلك (بجهد المقل) نكرر ما رماه الشريف حسين من قبل بوجه الطائفية: لا قداسة في السياسة. ولذلك لا نعتقد أننا من المغضوب عليهم أو الضالين (خارج وجدان الأمة) كما أن الذين يعتقدون أنهم يعملون بالإنابة عن رقيب وعتيد, لسنا بحاجة لصكوك غفرانهم, إذ عليهم عرضها للبيع "غادي غادي".
*أزمة السودان الآن ليست كما في الماضي, مجرد مذكرة يوقع عليها رموزالطائفية, ويرفعونها للحاكم العام منعا لتحرير الرقيق (علاقات الأرض في السودان, وعلاقات الرق في السودان: محمد إبراهيم نقد).. الموضوع الآن: كارثة قد تطيح بالسودان كله "بجنس" هذا النوع من المواقف المتخاذلة والمخذلة, التي ظل الصادق المهدي ينتهجها. فبدلا عن "الجقلبة" والكذب على الناس, يجب أن يتحدث "الحواريين" عن الحقيقة.. حقيقة ما يجري.
*حسب "مؤلفين" تاريخ السودان, أن الثورة المهدية أحدثت حراكا إجتماعيا كبيرا, من أقصى الغرب إلى أقصى الشرق ومن أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال.. وبذلك نقلت المجتمعات السودانية من مرحلة الولاء للقبيلة للولاء للطائفة.. وهذا كلام طيب (على الرغم من عدم تطابقه مع الواقع الفعلي, فالردة الآن لم تشمل القبيلة فحسب ككيان إجتماعي بل شملت حتى السياسة بأثننتها).. طيب بهذا الوجدان الثقافي (المتمثل في حزب الأمة على خلفية تاريخه), "الجقلبة" شنو من الحركات المسلحة (تحالف قوى الهامش من أقصى الشمال والغرب والشرق...).. أوليس هذا بمثابة النقلة التي تلي مرحلة الطائفة؟!.. خصوصا أن حزب الأمة حزب قومي –كما يقول عن نفسه- وهو من دعم في غابر الأزمان وبقوة شعار (السودان للسودانيين وليس للإسلامويين أو الطائفيين.."بإستثناء أن يكون الإسلاموي أو الطائفي سودانيا")؟!..
*سنحاول بعجالة تقديم بعض الإشارات حول: لماذا يخاف حزب الأمة من تحالف الجبهة الثورية؟ وهل يمكن لتحالف (جبهة القوى الثورية أو قوى الفجر الجديد) إختراق هذه المخاوف.. لا بتقديم تطمينات فقط بل عمليا؟
فوفقا للخلفية التي يمنحنا لها الصراع السوداني, في أعلا تجلياته (المركز والهامش) بمركزيتهما في صلب قضايا الصراع السياسي في السودان (خصوصا) بعد إعتلاء الجبهة الإسلاموية لدست السلطة, وبلوغها بأشواق المركز إلى منتهاها (وفقا لتحليل عبد الله علي إبراهيم في إحدى مقالاته, مع أن الرجل سبق وأستاء من تحول الخرطوم لعاصمة سمراء, ذات سحنات وعقائد مشبوهة على حد تعبيره (الصحافي الدولي 2002), عند زيارته لها بعد غياب طويل في أميركا؟
وفقا لهذه الخلفية, بمعنى بلوغ المركز -كأنظمة تشكل وعي سكان الوسط- أقصى درجات الحكم "القيمي- الأخلاقي" على الهامش "بأنانية منقطعة النظير" دون مفاهيم تسامح أو تفهم للإختلاف, ودرجاته في ثقافات الهامش -لأنه ببساطة ليس من حق أي ثقافة النظر إلى ذاتها, على إعتبار أنها أرقى من الثقافات الأخرى, لأنها بطبيعة الحال تخضع للنسبية: "التنوع النسبي للثقافات".
لذلك مفهوم "التفوق الثقافي" ليس إلا وليدا "للحكم المسبق" على الآخرين, بإعتبارك لثقافتك أنها النموذج الذي يجب على الآخرين تبنيه, والإحتذاء به. دون النظر إلى إختلافاتها عن ثقافات الآخرين, كإختلافات إنسانية يمكن التعلم منها.. إذ لا يجب الحط من قيمتها و قيمة المنتسبين إليها.. لأن ذلك يفرغ مقولات "التنوع الثقافي" التي يتشدق بها السياسيون من مضامينها, فهذا أحد الأسباب الأساسية, التي قادت الجنوب إلى الإنفصال.
على هذه الخلفية نفسها نظر حسن مكي مستاء من "الحزام الأسود الذي يطوق عنق الخرطوم" كما نظرسيء الذكر عبد الرحيم حمدي إقتصاديا (بالإمكان هنا أيضا مراجعة الكتاب الأسود للتحري) ونهضت فيما بعد صحيفة يومية بدعم رسمي للترويج الدعائي (الإنتباهة) في الإطار نفسه. ليصل الأمر لا إلى طرد المهمشين وتحديد إقاماتهم في الهامش, كما فعل نميري من قبل بدعوى إثر حركة 1976 "بزعم ترحيلهم إلى مناطق الإنتاج فحسب". بل لإنفصال ثلث الجغرافيا والسكان؟!
لذلك هذا الإنفجار في ما عرف بالمناطق المهمشة - في ظني- ضد محاولات الإلغاء التاريخية الممنهجة, في عصر تطور وسائل البث المباشر والإعلام الجديد, وترسيخ سلطة أحادية مركزية (ثقافيا وسياسيا). وبما أن هذه المناطق تاريخيا تقع في "ظل السلطة المركزية" من كل النواحي.. فالمنطق الذي يغلب عليها الآن, ويخيف الصادق المهدي, هو منطق "قوة الحق" وهذا شيء يخلو من المفاجأة؟
القوى الطائفية وقوى الإسلام السياسي (تتصور) أن المواقع ستتبدل, إذا نجح تحالف كالجبهة الثورية, في إجتثاث البشير والمؤتمر الوثني من "جذورهما" وستفقد هذه القوى بالتالي "دورها المركزي القديم", في تشكيل السودان على "كيفها" دون رقيب أو حسيب؟
بلغة تانية: أعلا تعبيرات الرفض لقوى الأطراف, تتجلى الآن عند الحكومة وحزب الأمة. تخوفا من أن الخلفية السابقة لممارسة "القوى القديمة, التي تشمل قوى الإسلام السياسي" خلقت غباين في الهامش.. فما الذي سيحدث إذا إنقلبت الأمور لصالح المغبونين –المهمشين- فأصبحوا حكاما (يحلوا ويربطوا) وفقا لنظرة الطائفية وقوى الإسلام السياسي؟
ليس بالضرورة أن من تعرض للظلم "يتعين عليه", أن يقوم هو أيضا بظلم الآخرين.. هذا هو مربط الفرس "المطالبة بيهو" قوى الجبهة الثورية والقوى الديموقراطية, لربط فرسها فيه؟.. وكخطوة (لإبداء حسن النية والتعبيرعن أبعاد أجندتها الوطنية القومية, هذه القوى مطالبة– ليطمئن قلب الصادق المهدي, والسودانيين (الغبش اللا ليهم لا في عير السياسة ولا نفيرها) بتركيز خطابها على الأبعاد القومية لقضية السودان, وفي الواقع كل البيانات الصادرة بعد الإعلان عن الفجر الجديد حتى الآن, هي بيانات تعبر عن الهموم الوطنية والقومية للسودان, ولا تتناول قضايا الهامش فقط. وفي الحقيقة هذا أنجع خطاب, لما تركته دعاية الطيب مصطفى من ترسبات سالبة على الوعي العام, بل هي أشبه بالمعادل الموضوعي المضاد, لما كانت تنشره الإنتباهة. وهو المطلوب لتعميق الثقة بين القوى المدنية السلمية والمسلحة.
خصوصا أن هناك أطراف شمالية عديدة, أصبحت اليوم جزء من جبهة القوى الثورية وليس "الحركة الشعبية وحدها".. عندما تعبر هذه القوى عن أجنداتها الإقليمية والوطنية, تتحدث عن المظالم التي وقعت على عاتق كل السودانيين الغبش (بما في ذلك الشماليين- لأنهم أساسا آخر من يعلم "بعواسة" القوى القديمة وقوى الإسلام السياسي في أطراف السودان, بسبب التغييب والتزييف الإعلامي, لحقائق ما يجري على أرض الواقع في تلك المناطق التي عرفت ب"المهمشة".. (فهم لا يسمعون ولايرون سوى الإعلام الحكومي فهو المتاح لهم!).. تكريس هذه الثقة ستكشف بوضوح أن "القوى القديمة" معزولة حتى عن الشمال وليس الهامش فقط؟
لذلك لا يجب أن يكون الحماس لأجل إسقاط النظام على حساب الشماليين, الذين في الواقع هم أيضا تعاطفوا مع المهمشين بل إنضم الكثيرون من أبناءهم للحركات المسلحة, وبعضهم قادها.
خطاب مثل هذا قد يساهم في تفريغ "الغبائن" وتفريغ "الخطاب المضاد للحركات المسلحة", في الوقت نفسه.. ويطمئن (حتى القوى القديمة) أن الأمر هو إحقاق الحق, وليس إستهداف لثقافة أو عرق.. فالإستعلاء على ثقافة أو عرق آخر شيء كريه.. لا يسر إلا من بنفسه مرض!
لذلك التكريس "للوجه القومي" لهذا التحالف المدني – العسكري مهم جدا.. إذ يفتح الباب لكل قوى التجديد والتحديث, لتكون جزء منه, لأن أساسا هذا جزء من مشروعها الديموقراطي, الذي تحلم به. وأقامت من قبل المعسكرات في أسمرا لتحقيقه؟!.. وقتها فقط بالإمكان القول أن الخطى الأولى لتغيير وجه السودان, للتعبير عن وجهه الحضاري الحقيقي, الذي يليق به بات واضحا. لذلك عندما تتوحد الحركات المسلحة والقوى المدنية الديموقراطية الآن, في سبيل تحقيق لا الأجندة (الإقليمية) فحسب, بل والوطنية والقومية أيضا. الأكثر منطقية وجدوى عدم معاداتها وإتهامها بالعنصرية والإقليمية, ودفعها دفعا للتخندق حول أجندة ضيقة (كما حدث في تجربة القوى السياسية مع الحركة الشعبية, وأدى في خاتمة المطاف لهيمنة الأجندة الإقليمية وبالتالي الإنفصال). على الأقل القوى السياسية, بحاجة ولو لمرة واحدة في تاريخها أن تفعل الشيء الصحيح, بعدم تكرار أخطاءها (المهلكة مع الحركة الشعبية).
والأكثر جدوى بدلا عن دفع هذه الحركات للإنكفاء, تحت وطأة تهمة الإقليمية والعنصرية, هو التحاور معها للوصول إلى "فهم مشترك لمشكلة السودان".. ومحاولة فهمها وتفهمها بصورة صحيحة.. خصوصا أنها تقاتل أولا لأجل شعوب يتم قتلها وتشريدها وتهجيرها كل يوم!.. الإحتجاجات التي خرجت في الخرطوم للتضامن مع فلسطين ولبنان, هي أكثر بكثير من الإحتجاجات التضامنية, مع الذين يتعرضون للإبادة في الأطراف؟!
هذه الحركات في التحليل النهائي, هي إستجابة عملية للإجابة على الأسئلة التي يطرحها واقع السودان في أطرافه, وهي الأسئلة نفسها التي فشلت النظم المتعاقبة في الإجابة عنها؟
هل ما سبق معناه أن يتم إقصاء القوى القديمة؟ بالطبع لا.. يجب أن تكون لها مساهماتها في هذا التغيير الذي يطال مفاهيم السودانيون وأحلامهم وطرق تفكيرهم.. من موقع أنهم سودانيون, مثلهم مثل سودانيون الحركات المسلحة.. وليس من موقع الأحلام القديمة بالتسيد على الآخرين, فالسودان هو بلاد الجميع, ومن حقهم جميعا الإسهام في صياغة معناه الإجتماعي العام, فليس هناك من هو مفوض نيابة عن الآخرين للعب هذا الدور وحده, بحجة إتكاءه على تاريخ طائفي أو إسلاموي أو عربي, لا يزال يشرئب بعنقه للحجاز ومصر, ناسيا أو متناسيا إنتماءه لسودان التنوع والتعدد والتباين, بمعنى الحرص على بناء الدولة الوطنية؟!
درجة تفاعل القوى المدنية مع الحركات المسلحة, هو الذي سيحدد موقف الحركات المسلحة من طبيعة التغيير, ومن قضايا الديموقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية..إلخ.. لصالح كل السودانيين.. فقد مضى الزمن الذي بإمكان القوى الطائفية فيه, أن تصل للسلطة لتحقيق أجندتها الخاصة, التي يدفع ثمنها شعب السودان؟.. كما أن الشعب سئم (خلافات السيدين) وخلافاتهما الداخلية (داخل أحزابهما المتشققة, بفعل الإنقسامات الأميبية. في سياق صراع السلطة وليس مصالح الشعب السوداني).. هذه الصراعات التي دمرت البلاد, وتأذى منها التجمع الوطني الديموقراطي فأقعدته.. وأقعده أكثر صمت قوى التحديث والتجديد, عن نقد القوى القديمة وممارساتها الضارة.
السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي الضمانات, أن تحالف الجبهة الثورية قومي وليس إقليمي في أجندته. ويتطلع لإتخاذ موقف متسام على صغائر الأمور, وتقديم نموذج -بمشاركة وتعاون القوى المدنية- قادرعلى "بناء سودان لكل السودانيين" وإن كرهت الطائفية وحلفائها من غلاة الإسلامويين, وغير الغلاة المزعومون؟ لأن (غير الغلاة) عند إختبارهم في محكات ("علاقة الدين والدولة" يتعرون, ويكشفون عن أشواقهم المختبئة "كغلاة").. هذا السؤال تجيب عليه التحالفات, التي نشأت مؤخرا (تحالف القاهرة) والميثاق الذي سيتم توقيعه في 21 أكتوبر الجاري مع قوى الإجماع؟ لأنه سؤال معني بالإجابة عنه طرفا التحالف (الجبهة الثورية وقوى المعارضة المدنية).
بما أن قوى الجبهة الثورية (شمالية وشرقية ودارفورية وكوشية و بجاوية..و.و.) متفقة في (رؤيتها السياسية), مطالبة –لنفي الإتهام المتعلق بإقليميتها- بتطوير موقف فكري وتنظيمي موحد "تتفق عليه وتؤمن به" كمدخل لوحدة:( تنظيمية وفكرية وسياسية) بحيث لا يكون هناك حركات مسلحة خاصة بأقاليم السودان الطرفية كل على حدة, بل حركة مسلحة واحدة (هي زراع لحزب سياسي واحد) يعبر عن السودان ككل في أطرافه ووسطه. مثل هذا التصور – في ظني – ممكن وليس مستحيل, ويفتح الباب لكل قوى التحديث والتجديد للإلتفاف حوله (إحياء مشروع وحدة قوى السودان الجديد)لأنه فعلا هكذا يعبرعن إرادة وأحلام وطموحات (الشعب السوداني).. وهنا تجب الإستفادة من مشروع الوحدة العسكرية القديم بين الشمال والجنوب (قوات التحالف السودانية: عبد العزيز خالد والحركة الشعبية: جون قرنق) وتجنب الأخطاء التي أجهضته, فذلك المشروع الوحدوي, كان سيكون بمثابة المفتاح.. لتغيير حقيقي يحترم شعب السودان ويحترم تاريخ السودان, ويضع السودان في موقعه بين الدول (التي تحترم نفسها) خصوصا بعد أن أجهزت الجبهة الإسلاموية عليه, بعد أن أصابته الطائفية في مقتل!
*نكتفي بهذا القدر من التعليق على بعض التعليقات, على أن نواصل في حلقاتنا القادمة.. لذا سنعود الآن لوصل ما أنقطع من حديث:
*بناء على ما تقدم في الحلقات السابقة, قرر السيد الإمام الصادق المهدي, أن يقلب الطاولة على قوى التجمع, ومواثيقها وعهودها. التي وقع عليها حزب الأمة, وأكد عليها في مناسبات عديدة "تجد دعمي ومؤازرتي".. فماذا فعل لقلب الطاولة؟
أطلق ما عرف لاحقا (كما يعرف الناس هذه الأيام السيناريوهات, التي توصل إليها) بالمبادرة"المصرية الليبية المشتركة".. التي "حمل لواءها" - التعبير لفتحي الضو- وجاءت في سياق محاولته إختطاط طريق ثالث. على إثر الملابسات التي ذكرناها فيما سبق من حلقات.
إذن الصادق ومبارك الفاضل (الذي أخذ يكثر الحديث عن ضرورة العودة, لأن هناك "هامش حريات") والميرغني وأطراف أخرى, تراكمت مجهوداتها. لتؤدي في نهاية المطاف, لتفاوض التجمع مع النظام (على العودة إلى سنار=الخرطوم) التي خرجوا منها خاليي الوفاض, إثر إنقلاب الجبهة الإسلاموية (ووجوههم تلعن اقفيتهم).. يتفاوضون على العودة, بعد أن فشلوا في تحقيق أي مكاسب حقيقة, من الأهداف التي أراقوا الحبر الكثير في كتابة التواثق والتعهد على تحقيقها, ولسان حالهم يقول: (كأنك يا أبوزيد ما غزيت وكأننا يا بدر لا رحنا ولا جينا!)
السيد مبارك الفاضل الذي تخصص في الخروج على "مباديء ومقررات التجمع" كثيرا.. فمبارك (ماشي على حل شعره).. دون أي إحترام لأي إتفاقات أو سياسات, سوى مصالحه الذاتية, التي دفعته لإتفاق "جيبوتي"!.. ويبدو أن هذه سمة إتسم بها حزب الأمة سياسيا.. ربما تعود لغياب التنظيم والآيدلوجيا (فكما قلنا سابقا أن العقيدة الانصارية, هي بمثابة عقيدة مرحلية.. مرحلة تاريخية لمقاومة المستعمر والغزاة, وليس آيدلوجيا لبناء "دولة مدنية" كالتي يتبناها حزب الأمة اليوم, والمزايدة بالتاريخ المهدوي, الذي هو ملك قومي. وليس لآل المهدي فيه سوى "أجر المناولة".. هذا الأجر الذي تضعه تطورات العولمة وما بعد الحداثة موضع تساؤل, رغم أنها ما عندها "شغلة بالصراعات الميتة" حول العقائد والأديان على خلفية حقوق الإنسان..
ومع ذلك الوضع الطبيعي, في تعامل حزب الأمة مع التاريخ المهدوي (تاريخ أجدادنا أنحنا) يجب أن يكون مصدر إلهام, وليس صناعة ألغام, كالتي برع في إنتاجها الحزب, منذ عهد السيد عبد الرحمن المهدي.. ويبدو أن السمة "اللغمية" إتسم بها كل الذين يتحدثون بإسم الحزب, فكل واحد منهم يصرح على "كيفو" وكما يعن له, دون أن يتذكر ما إتفق عليه مع الآخرين, للدرجة التي جعلت "الزعيم" "الشهيد" "المغتال" د. جون قرنق دي مبيور, يغضب معلقا على إتفاق "جيبوتي" "إذا كانت هذه هي طريقة حزب الأمة, فما عليه سوى مغادرة التجمع, وإلا عليه الإلتزام بمنهجه".. وما أشبه الليلة بالبارحة: (ما هو موقف قوى تحالف جوبا والإجماع الوطني) من السلوك السياسي للصادق المهدي والميرغني؟!
إذن قرر حزب الأمة مغادرة سرب التجمع (هو الذي إستهل "حرب الرسائل" – وما أدراك ما هي حرب الرسائل ... بينه وقرنق) (22-11-1999) أي بعد إسبوعين من إجتماع كمبالا الفاشل؟
فبعد إسبوعين من إجتماع كمبالا الفاشل (22-11-1999) خاطب حزب الأمة الزعيم الراحل قرنق, حول ضرورة توسيع الإيغاد (التوسيع الذي يعنيه حزب الأمة في الحقيقة, هو أن يكون الصادق جزء من منبر الإيغاد) وللتأكيد على ذلك, سرد الصادق المهدي, في أولى رسائله بالتاريخ أعلاه, أنه ألف كتابا عام 1964 حول مسألة جنوب السودان.. فرد عليه قرنق: "أن نصيبك من الوزر ضخم يا سيادة رئيس الوزراء السابق, غداة تحالفك ودكتور حسن الترابي, لتكريس دستور إسلامي غير ملائم, في قطر متعدد الأديان والثقافات كالسودان, ومذاك بدأت السياسة السودانية في الإنحدار, حتى وصلنا القاع في العام 1989 مع نظام الجبهة الفاشي, مما يستوجب إعتذارك للشعب السوداني ص:516 من سقوط الأقنعة.
وبطبيعة الحال الرجال مثل الصادق المهدي, لا يعتذرون لشعوبهم, عن ما فعلوه بهذه الشعوب, فهم أكبر من هذه الشعوب, التي ما عليها سوى السمع والطاعة : "أنا الدولة.. أنا الحزب, والماعاجبو ما يصلي وراي".
المهم إستعرض قرنق كل تجاوزات المهدي, فيما يخص جنوب السودان, منذ تسلمه حقيبتين وزاريتين (1965-1969 و 1986-1989) ثم وجه له إتهاما قاسيا : "كثير من السودانيين حذرونا, أنك ما خرجت إلا لتكون طابورا خامسا في صفوف التجمع الوطني الديموقراطي, وما حدث في جنيف -يعني لقاء المهدي والترابي- وإتفاق جيبوتي و.. كلها توضح شيئا من مصداقية تلك الدعاوي).
لم يترك قرنق للمهدي "فرضا ناقصا" إذ تناول أيضا المبادرة المشتركة والإيغاد والتدخل الدولي, الذي يرفعه المهدي كفزاعة يخيف بها الناس (كتخويفه هذه الأيام لذات "الناس" من رواندا وصوملة أخرى والنزعة الإقليمية لقوى الأطراف المسلحة, والعلمانيين, إلخ..
و"سرح" قرنق "سرحانا" شديدا جعله يستعيد تاريخ المهدية في الجنوب, للرد على الصادق المهدي, فيما يخص الحديث عن حقوق الإنسان. الخلاصة النهائية, تكمن في سخرية قرنق من الصادق: "قبل خروجك, قيل لنا أن السبب في ضعف أداء حزب الأمة في العمل العسكري, يعود إلى أنك رهينة في يد النظام, وكنا نظن أن ذلك أمر إنتفى بعد عودتك للهجرة, ولكن أستطيع أن أقول لك, أن عدد الشماليين في "لواء السودان الجديد" التابع للحركة الشعبية أكبر من عدد قوات حزب الأمة, ناهيك عن عدد الجنوبيين, الذين هم في أعداد السودانيين أيضا (من أراد التفاصيل لهذه المناظرة فليرجع لسقوط الأقنعة ص: (508 – 516).
من المفارقات.. الطائفية والحركة الإسلاموية, كقوى لا تحترم شعبها على الإطلاق.. كلاهما يزعم (دون حياء أو خجل) أنه (هو) من صنع ثورة أكتوبر 1964 و أبريل 1985 حتى أننا ما عدنا نعرف بالضبط, من هو الذي صنع أكتوبر أو أبريل.. ومن هو (أساسا) الذي يصنع الثورات في السودان؟!!.. هل هو الشعب "الغلبان" والمغلوب على أمره, والذي يخرج عفويا للإحتجاج "ثورة سبتمبر" أم هم قادة الأحزاب القديمة وحلفائها من الإسلامويين؟
الصادق المهدي نفسه في رده على قرنق, زعم أنه صنع ثورة أكتوبر؟! وأنه الوحيد الذي يمكن أن يقف "فوق إضنين القفة"!.. وأنه.. وأنه.. وعندما تحدث عن "ورشة أمبو- مارس 1989" التي إعتقل فيها وزير داخليته "مبارك الفاضل" المشاركين بها بمجرد وصولهم مطار الخرطوم!.. زعم أنه كان مصرا أن يرد في إعلان ورشتها "أي أمبو" الآتي: "في السودان أكثر من أسلوب للعمل النضالي...".. ص:518 من سقوط الأقنعة.
طيب يا حبيب ليه إعتقلت المشاركين في أمبو؟!!! والآن لماذا لا تريد أن تعتبر الجبهة الثورية "أحد أساليب النضال".. التي زعمت تبنيها!!.. كلام الليل يمحوه النهار!
الصادق المهدي الذي ملأ الدنيا ضجيجا واسمع من به صمم بأنه: "لن يعود إلى الخرطوم, إلا إذا تحقق السلام الشامل في السودان, وأصبح الإحتكام للشعب عبر صناديق الإقتراع ".. عاد في 23-11-2000 قبل أن يتحقق أي شرط من الشروط, التي زعمها وأقلق بها راحة المعارضين والبلاد والعباد, والدول المستضيفة لتجمع الخارج.
وطبعا أوفد الرجل "طلائعا" من حزب الأمة, للتبشير بقرب عودته. وشرح أسباب هذه العودة (تعودون) لناس قريعتي راحت, الذين شرحوها بدورهم لقواعد حزب الأمة؟!.. فهؤلاء "الطلائع" لم يقصروا (حاشاهم).. وكما يقول فتحي الضو: على نهج: قالوا وقلنا وقلنا ليه.. شرحوا لهم كل ما لقنهم إياه السيد؟!.. خلاصة هذه "القوالات" التي إستبق بها الصادق وصوله, إلى الخرطوم. أن الآخرين: "أي القوى السياسية والحركة الشعبية" يتحملون وزر كل ما حدث, وهو بريء براءة الإسلامويين وعمر البشير من دماء تلامذة الأساس وطلاب الثانويات و الجامعات والمواطنين في هبة 23 سبتمبر الماضي.. وهكذا إتضح فجأةً كده.. أن جون قرنق الذي قال عنه هو شخصيا (الصادق).. "قرنق رجل وحدوي".. أتضح أنه هو المسئول الأوحد عن ما حدث ويحدث, بسبب سياساته غير المسئولة منذ إجتماع كمبالا 1999. لماذا؟ فقط لأن قرنق إتهم حزب الأمة بأنه حليف للجبهة الإسلاموية, من وراء ظهر القوى السياسية الأخرى, لشن حرب عنصرية دينية.
خيب إسلامويين الخرطوم (الله يخيبهم) ظن المهدي. المفارقة.. أن حزب الأمة, هو من سعى حثيثا لضم الحركة الشعبية للتجمع, باذلا في ذلك الغالي والنفيس.
إذن بعد أن حمّل الصادق المهدي الآخرين كل المسئولية (التي أخرج نفسه منها كالشعرة من العجين) "أداهم" (برضو) من الشعر بيت.. إذ تبرأ من العمل العسكري وأدانه.. خصوصا إحتلال همشكوريب, الذي قال عنه هذه المرة (طبعا إرضاء لإسلامويي الخرطوم) "كان خطأ جسيما من الناحية السياسية والعسكرية" سقوط الأقنعة . فنحي الضو.. ص:523.
بل وضع المعارضة التي كان بين ظهرانيها, في كفة واحدة مع النظام: "تجار الحرب في الخارج, وسدنة الديكتاتورية في الداخل".. وبطبيعة الحال لم ينجو قرنق من نصيب بإعتباره "ربيب للإستعمار والعمالة والكنائس؟".. طبعا المقاتلين في الجبهة الشرقية لم يسكتوا, إذ أوفدوا في سبتمبر 2000 إلى مدينة مصوع من ينوب عنهم في المؤتمر الثاني للتجمع, حيث قال ممثليهم عن حزب الأمة: "كان طابورا خامسا خامسا للنظام طيلة وجوده في المعارضة"..
كل الوقائع أعلاه في المؤتمر الثاني للمعارضة, دفعت بالسيدة سارة نقد الله للغضب (العهدة على فتحي الضو): "إتجهت خارج القاعة. وفي طريقها غشيتها رياح من الغضب, مزقت الصمت الذي ران على القاعة, فنزعت ديباجة المؤتمر, ورمت بها في عصبية (بنت ملوك النيل بالجد) على الأرض. وقالت للمجتمعين بإنفعال شديد: "الراجل فيكم يجينا في الخرطوم".
أنا شخصيا في مثل هذا النوع من المواقف, قاعد أتمحن, وما بلاقي أي تعليقات مناسبة, ثم أن على قدر أهل العزم يأتي عدم التعليق!.. صرح (الحاج) نقد الله – طبعا "حجته" تختلف كثيرا عن "حجة" عمر البشير- فماذا قال؟
"أن حزب الأمة وصل إلى قناعة, بأن التجمع لا يخدم القضية الوطنية بتركيبته الحالية, وقرر الحزب الإنسحاب منه في الداخل والخارج, لأنه عرف حقيقته".. المدهش في تصريح الحاج نقد الله, أن حزب الأمة هو من كان يقف عقبة, في طريق إنضمام القوى الأخرى للتجمع (البعث, حق, إلخ..).. ومع ذلك يتحدث عن تركيبة التجمع, وما أدراك ما تركيبة التجمع؟ يعني الحقيقة دي, لم تتعرف عليها يا حاج إلا في ليلة قدر (عائدون؟!).. المهم للتفاصيل مراجعة ص: 527 من سقوط الأقنعة.
حزب الأمة كما هو واضح, خلال التصريح السابق, لم يكن يعرف حقيقة التجمع, طيلة الفترة من 1990 حتى 2000 بمعنى أنه لم يعرف حقيقة التجمع, إلا بعد مرور عشرة سنوات, من الحياة داخل كل أجهزة التجمع, من قاعدتها إلى قمتها؟!.. وإلا بعد أن عمل في أروقته على "طبخ" وصياغة المواثيق والعهود والقرارات, خلال عشرة سنوات؟! لكن بمجرد (أن تنامى إلى علمه وعرف "إتكوزن" طوالي وقال للتجمع "باي باي"؟! وقفل راجعا للخرطوم تتبعه "فلول" جيش الأمة المزعوم؟!.. وليس هذا فحسب قال لناس التجمع :"لو إنتو رجال تعالو لينا في الخرطوم, عشان ندقكم دق العيش".. أو "لو رجال أطلعوا معانا الخلاء عشان نطقطقكم ونوريكم حاجة "!.. ده حزب شنو ده؟؟؟!! .. لكن حزب الأمه عندو حق فعلا لأنو حقيقة (والحق يقال) ورا ناس التجمع حاجات ما حاجة واحدة بس!..
ومع ذلك حتى الآن, حزب الأمة لا يريد أن يعترف, أن خروجه من التجمع, ونشوء الحركات المسلحة في الأطراف أساسا, هو في التحليل النهائي, نتيجة لفشله في قيادة النضال السياسي في البلاد.. طيب طالما أنتم فاشلون, لماذا لا تدعون الآن (الجبهة الثورية وقوى النضال السلمي) تحل قضايا السودان بمعرفتها خصوصا أن الدرب (ليكم فاتح للإنضمام)؟
مفارقات الصادق المهدي, أنه بعد كل ما قاله في حق التجمع الوطني الديموقراطي, وخروجه من بابه على إتساعه, أنه عاد للتجمع مرة أخرى من الشباك, بعقده إتفاق ثنائي 1مارس2001 مع الميرغني, سمي ب"نداء السودان". وفي الواقع بينما يظن الأول, أن السودان تركة تاريخية له.. يظن الثاني أن التجمع حقو هو براه.. وهو حر في العواسة.. فيه كما يشاء وكيفما شاء.. ورفعنا العلم ونزلنا العلم!.
رب سائل: طيب القوى الأخرى المكونة للتجمع ما هو دورها؟
وببساطة -كما نظن- أنها كونت أساسا, لتلقي صفعات السيدين على أقفيتها.. وتجرع مرارات الصبر "الأيوبي" على ممارساتيهما وأخطائهما القاتلة..
بعد كل ما قاله السيد الصادق المهدي, لا في حق التجمع فقط, بل والحركة الشعبية.. مضى يعرض عليهم وساطته بينهم وبين النظام؟! (طبعا المعروف أن أي وسيط في الدنيا دي, لازم يكون مصدر ثقة لطرفين الوساطة, ويبدو أن الصادق كان يتمتع بهذه الثقة, فهو معارض وعضو في التجمع, وفي ذات الوقت تربطه صلات خفية بالإسلامويين؟!).
لكن يبدو أن الحركة الشعبية, التي لم تنسى مراراتها مع السيد الصادق بعد. إنطوى ردها على بعض مراراتها معه, إذ جاء ردها كالتالي:
أن الحركة الشعبية والتجمع -التجمع طبعا فوض الحركة الشعبية للحديث بلسانه, في كل المحافل. خصوصا منبر الإيغاد!- لهما قنوات مفتوحة مع النظام, عبر المبادرات والمساعي المطروحة, ولا يحتاجان من حزب معارض - المقصود حزب الأمة- ليقوم بالتنسيق مع النظام والتوسط بينه وبين المعارضة, فهذا أمر لا معنى له (...) المهدي أثار نقاطا سليمة, ولكنه كان في الموقع الخطأ, فهو ليس مؤهلا ليتفاوض معنا - بإسم النظام- إذ أنه لا يملك سلطة, وإنما كان يتحدث بالإنابة عن النظام.. عجبي؟!
لماذا يتخذ حزب الأمة مثل هذه المواقف الضعيفة (كمشاركته وفقا لإتفاق جيبوتي) وكمشاركته الآن بالسيناريو نفسه (أحد أجنحة الحزب)؟!! هل هو التحليل القديم نفسه, الذي على ضوءه مضى لإنتاج (المبادرة المشتركة) و (جيبوتي) أم أن ثمة تعديلات على تحليله القديم, الذي نتج عنه مغادرة سرب المعارضة, والشروع في المشتركة وجيبوتي وترجعون, إلخ..
ماهو تحليل حزب الأمة أو تقييمه (القديم) المذكور آنفا, الذي تحرك مبارك بموجبه للعودة, ثم تبعه الصادق المهدي.. وطبعا التحليل أساسا للصادق, لكن مبارك تبناه, وعمل على ضوءه معجلا بالعودة؟
يرى مبارك ضرورة مشاركته في السلطة, لأنه يعتقد أن المصريين يدعمون البشير, في مواجهة الترابي. وذلك لإضعاف نفوذ الإسلاميين لصالح العسكريين, بالإضافة لإدخال القوى المحسوبة عليهم (كالإتحاديين) إلى ساحة السلطة, إلى جانب أن حزب الأمة يرى, أن التجمع (وهو موقف لا يختلف عن رأيه في تحالف جوبا كثيرا): تحالف هش.. متضارب المصالح والأجندات, وليس ثمة ما يجمعهم سوى معارضة النظام, دون فعالية في مواجهته.
كذلك إستقر في وعي حزب الأمة, أن الحزب الإتحادي أهم القوى الشمالية, مع وضع إعتبار أن الميرغني يواجه إنقسامات داخل حزبه, أضعفت من تأثيره على الساحة السياسية, وهزت من وضعه كحليف لمصر, يمكن الإعتماد عليه في لعب دور فاعل (لمصلحتهم).
فيما يخص القوى الأخرى, يرى حزب الأمة: أنها مجرد لافتات, وهو رأي حملته بعض التعليقات على هذه الحلقات (وهو رأي الإسلامويين أيضا).. دون قواعد إجتماعية, كما أن الحزب الشيوعي في حالة تيه فكري وديسابورا تنظيمية (وهو رأي الإسلامويون أيضا).. (وما تبقى من تنظيمات حدث ولاحرج) وهو أيضا رأي الإسلامويون؟!
وبما أن حزب الأمة يحز في نفسه أنه (تورط وأدخل الحركة الشعبية التجمع.. لا أدري إذا كان هو أيضا من أدخلها تحالف جوبا أم لا؟! فهو لا يتورع من التأكيد (وفقا للتحليل) على أنه عقد معها تحالفات (مثل التحالفات مع قوى الجبهة الثورية) ويدعي أن هذه التحالفات, شكلت أدب المعارضة وأدب الحل السياسي (مع أن القاصي والداني, يعرف أن كل أدب المعارضة نهض على خلفية ميثاق التجمع الوطني الديموقراطي 21أكتوبر 1989 الذي أجرى عليه الخاتم عدلان التعديلات والصياغات النهائية)..
وين كنا نحن؟.. في "أدب الحل السياسي الشامل لقضايا البلاد", الذي أدخله حزب الأمة؟! مع أنه من المعروف تاريخيا أن حزب الأمة, عندما يجيء للسلطة.. البلد "طوالي" بتدخل في (جحر ضب خرب)!.. فلنستمر إذن.. يرى حزب الأمة (وفقا لتحليله) أن علاقة الحركة بالتجمع (كذلك بقوى تحالف جوبا فيما بعد) تنصب في تحقيق أهدافها, من خلال غطاء شمالي, وأنها بخروج حزب الأمة إنفردت بالتجمع, وأتخذته مطية,إلخ...
ولا ينسى حزب الأمة, أن يفرد مساحة من تحليله, يخص بها نظام الإنقاذ: أنه نظام ضعيف عسكريا, وميزان القوى في الحرب ليس لمصلحته – يخاف من شبح التدويل خصوصا (حالة الفوبيا) من منظمات الإغاثة, كما أنه يرغب في تحقيق قدر من الوحدة في الشمال, لدعمه في صراعه مع مجموعة الترابي,إلخ إلخ... إلى جانب أنه يسعى لكسب الوقت, لترتيب أوضاعه الداخلية والإقليمية والدولية (وكما يظن الآن) أن محاولات سرقة الأسلامويين للثورات العربية لمصلحته؟ وبطبيعة الحال هذا تحليل قديم, فمستقبل الإسلامويين في المنطقة الآن: على كف عفريت, بالتالي على خلفية التحليل: مستقبل النظام في كف عفريت؟!
هذه بإختصار رؤية حزب الأمة, كما وردت في الوثيقة المنشورة في سقوط الأقنعة..
إعتمد مبارك الفاضل على هذا التحليل (نختلف أونتفق معه) على إحداث (سيناريو الإنقسام) الذي عقد إثره مؤتمرا في سوبا, بتسهيلات كبيرة من نظام الإنقاذ, وبموجب ذلك قام الصادق المهدي بفصل 23 كادرا, من قيادات الحزب. وقال أنهم يمثلون 22% من قيادات الحزب, وعضوية المكتب القيادي؟! (طبعا هؤلاء لا زالوا حزب أمة, حتى بعد أن تخلو عن ولي نعمتهم مبارك, في مرحلة لاحقة. بعد أن إستلبهم بريق السلطة, إثر "رفد" نظام الخرطوم لمبارك؟!
إعتمد مبارك على هذا التحليل, ليضفي مشروعية سياسية على خروجه من الحزب, التابع للصادق (التحليل أساسا تحليل الصادق المهدي).. هذا النوع من السيناريوهات, نجده شائعا عند الإتحاديين بكثرة؟! (قارن مشاركة الشريف زين العابدين وقارن مشاركة الإتحادي الأصل؟)..
من المعلوم أن لحزب الأمة, حساسية خاصة تجاه الحركة الشعبية, ربما هي ما تقف الآن خلف موقفه من قوى الجبهة الثورية. لكن المهم هنا.. أن حزب الأمة والأشقاء الإتحاديين, بإستمرار في ظل الأنظمة المستبدة, التي مرت على السودان يكونون (كراع جوا وكراع برا) = (لا بريدك لا بحمل براك)؟!..هذه اللازمة التاريخية, المستوطنة في وعي الطائفية, في ظني –وليس كل الظن إثم- هي ما يقف خلف حملة العلاقات العامة, التي قام بها الصادق المهدي لصالح نظام الإنقاذ.. و هي ما دفعته لصوغ خطاب إعلامي دعائي, لتشويه الجبهة الثورية حتى قبل أن (يعرفها بثمارها).
بعد أن إنقسم مبارك وشارك في السلطة, ماذا قال عن الصادق المهدي ونزعته "الأبوية" والإزدواجية, اللتين رعى بهما شئوون الحزب؟.. قال:
"في الوقت الذي ظل يدعو فيه إلى إسقاط عامل "الوراثة" و "النسب" في الترقي داخل الحزب, لم يطبق ذلك على أسرته" (...) زوجته سارة نقد الله في الشئوون الخارجية. إبنته مريم في شئوون المرأة وإبنه صديق مسئول المال وإبنه عبد الرحمن جيش الأمة".. "يجب فصل "إمامة الكيان" الدينية عن "رئاسة الحزب" (....) السيد أحمد المهدي أحق ب"الإمامة" من إبن أخيه الصادق المهدي الذي يسعى لها".. (للأمانة والتاريخ الصادق فاز بالحسنيين: الإمامة ورئاسة الحزب؟!!) طبعا لمبارك أجندته الخاصة في وراثة حزب الأمة.. المهم أن الصادق المهدي, أساسا أجرى ترتيبات تضمن أيلولة حزب الأمة "القومي" لأسرته, بعد إعلان الوراثة؟!.. كما يتضح أعلاه؟!.. (ألمي حار ولا لعب قعونج).. وهذا ما يثير حفيظة مبارك الفاضل, ويجعله (ينضم) برا (وجوا) من راسو!..
يعني (قصة قيادة النضال الوطني للسودان), إتضح إنها كلها داخل حزب الأمة وأسرار حزب الأمة العائلية.. مع أنها بالحثيات المذكورة, الشعب السوداني لا ناقة له ولا جمل فيها, إذ تحول النضال الوطني بقدرة قادر, إلى أمور أسرية خاصة).. المهم الزول ده نضم نضمي كتير.. ضد قريبه الصادق المهدي, إثر كل خلاف.. ويعلق مبارك على لجنة الضبط والمحاسبة داخل الحزب فيقول:
تحولت إلى أداة قمعية في يد رئيس الحزب, لملاحقة مخالفيه في الرأي و"الأطروحات التطبيقية". و طبعا من المفارقات هنا أن يتحدث مبارك عن الرأي و"الأطروحات التطبيقية".. ومع ذلك بما أن مبارك يعتبر من أصحاب الفكر والرأي و "الأطروحات التطبيقية", توجب عليه أن يقول ما قال: "أن أصحاب الرأي والفكر, لا تتم محاسبتهم, إلا في الأجهزة الشمولية والديكتاتورية, علما بأن هذا الجهاز لا يجوز له محاسبة أو مسائلة رئيس الحزب (طيب يا سيد مبارك كلامك ده كلو حلو ولذيذ.. ممتاز وينقط عسل.. لكن إنت شخصيا شكلك نسيت ناس "ملتقى أمبو" الإعتقلتهم وحاسبتهم, وإنت وزير داخلية في حكومة (الرجل الأبوي) الصادق المهدي؟ التي يفترض أنها حكومة ديموقراطية؟..
سؤالي: ناس أمبو ديل كانو "شفاتة" ومخربين ولا أصحاب رأي وفكر؟!.. من جانبه وبطريقته المعهودة –المعهودة دي إحتكار خاص لفتحي الضو- أخذ الصادق يحصي لمبارك الفاضل أخطاءه ومخالفاته, فوجدها "عشرة" بس؟!! (لكن برضوأحسن من العودة من الغنيمة بالإياب).. يجب أن لا يفوتنا هنا رأي الكومندان الفارس الأمير (مستشار عمر البشير للشئوون العسكرية) الأمير(أيوا أمير ما الناس ديل عايشين في زمن جلالة ملكة بريطانيا ليوم الليلة, والسودان على الإطلاق نظمه المتعاقبة, لم تكن نظما جمهورية؟!) عبد الرحمن الصادق الصديق عبد الرحمن بن محمد أحمد بن عبد الله المهدي (الزول ده ألقابو وإسمو كتار نعمل ليهو شنو؟ الله غالب) ماذ كان رأيه: أن يفصل مبارك فصلا نهائيا من حزب الأمة.. وتبعه والده مفجرا سرا "شائعا" فقال الإمام: "مبارك أعطى معلومات للأمريكان لضرب مصنع الشفاء للأدوية عام 1998.
وعندما عين الصادق المهدي دكتور عبد النبي أحمد علي, أمينا عاما لحزب الأمة, علق مبارك الفاضل: "هو مبتديء في العمل السياسي, ودخل حزب الأمة في العام 1985 وكان أول منصب له, منصب الوالي. ولم يوفق فيه, وفشل. فتم إبعاده وحول لي في وزارة التجارة, إبان توليت مسئوليتها (في الحقيقة مبارك يعني إبان قام بنهبها) فعينته موظفا عندي. هو غير مؤهل للمنصب الذي شغله, بالضبط كما قال الأخ عبد الرسول النور, وهو ضمن قيادات "بدل الفاقد".. وعن مريم الصادق قال:
إبنة الصادق مريم هي في أول السلم السياسي, ولا تملك التجربة والخبرة السياسية الكافية, لتناول مثل هذه القضايا, ولا شك أنها تتعامل معها بصورة عاطفية تتعلق بعلاقتها بوالدها".. لم يمض وقت طويل, على مبارك في السلطة, حتى قام الإسلامويون "كرشوه".. في الحقيقة فصلوه بقرار سمعه كالآخرين من خلال وسائل الإعلام, على طريقة نميري في "رفد" الوزراء, لأنو في زمنو ما في زول بيساعد رئيس الجمهورية (المساعد الله), يعني رئيس الجمهورية يأكلها براه قروض وما مملحة!..
لم يتضامن مع مبارك (حزب الأمة التجديدي) من كوادره "المجاهدين", الذين حسب إتفاق المشاركة في السلطة, تم تعيينهم في أجهزة الدولة المختلفة, لقد عز عليهم أن يفارقوا (السلطة والجاه) التي يعيبونها على الإسلامويون؟!.. تركوه وحيدا كحصان محمود درويش.. عليكم الله دي ولادة شنو دي الما عندها ولاء دي؟
ما يفعله الصادق المهدي اليوم بحزبه (الأمة), يتكيء على تراث سبقه إليه جده عبد الرحمن المهدي, الذي قال عن نفسه:
كنت أنظر للأمر (الأمر ده أمر إستقلال السودان) من زاوية مختلفة, فكنت أرى الثورة المسلحة مقضي عليها بالفشل (طبعا عبد الرحمن المهدي هنا يتحدث عن الثورة ضد الإنجليز) ويقول عن أخطاءه البارزة: "أنه ذهب في بعض الظروف أكثر مما يجب في مهادنة الحكومة الإستعمارية".
حزب الأمة الذي يتحدث عن إرتباط البعض بالدوائر الأجنبية, في الحقيقة هو والإتحاديين من ظلا يرتبطان بالدوائر الأجنبية الدولية والإقليمية: "السيد الصديق المهدي (والد الصادق المهدي) ذهب إلى بريطانيا وألتقى "ببوكر" بوزارة الخارجية, ووقع بالأحرف الأولى بوصفه رئيسا لحزب الأمة وثيقة عنوانها: "شروط التعاون بين حكومة جلالة الملكة وحزب الأمة" خلال الفترة التي تسبق الإنتخابات البرلمانية الأولى (...) منح حزب الأمة بموجبها مساعدة معينة" ص:639 من سقوط الأقنعة لفتحي الضو.. بل أن حزب الأمة وقتها إتصل بالسفارة الإسرائيلية في لندن, واجتمع مع أحد مسئوليها.. في الحقيقة الزول الإسرائيلي إسمو غازيت.. وطلب حزب الأمة من إسرائيل مساعدة مالية وإعلامية, مقابل أن يعترف بها ويقيم معها علاقات تجارية, عندما يستلم التركة التي خلفها له المهدي (أي السودان) بعد إعلان الوراثة (أي الإنتخابات)؟
المشكلة هنا ليس في أنو حزب الأمة يقيم علاقات مع إسرائيل, ولكن في عدم إعترافه بهذه العلاقات (فيما يخص الآخرين على الأقل, لأنو راس السوط لاحقهم) وإدعاءه (حزب الأمة تبني قضايا العروبة والإسلام) لأنو ببساطة إسرائيل بالنسبة للعرب والمسلمين, مشكلة مفصلية فيما يسمونه "القضية المركزية للعرب والمسلمين" (راجع ص: 639 من سقوط الأقنعة) حتى لا يكون الكلام بالنيابة عن ذاكرة القاريء, والموضوع كلو يطلع خارم بارم ننصح عشاق التاريخ والتوثيق مراجعة "علاقات الارض في السودان" لمحمد إبراهيم نقد, لأنو المعلومات الخاصة بكيفية "حيازة" حزب الأمة والإتحادي لأراضي كثيرة في السودان "غير كافية" في سقوط الأقنعة, فتركيز الكتاب الأخير على حيازة الأموال أكثر..
لم يكن "الدعم البريطاني والمصري" للطوائف الدينية" سوى مكافأة لها على إخلاصها ووفائها (في الحقيقة إنبطاحها) للمستعمر, فقد كان الأمة يتلقى الرشاوي من بريطانيا, إسوة بالإتحادي الذي يتلقى الرشاوي من مصر, في كل فترات الحكم, التي درجنا على تسميتها بالأنظمة الديموقراطية (56-1958) و (64-1969) و (85-1989) وكذلك أيام المعارضة وحتى الآن (1989-2013) بل وأصبحوا منذ سبعينيات القرن الماضي, يتلقون تمويلا من بعض الدول كليبيا, مصر, الكويت, الأمارات, السعودية, إيران وأميركا.. وفي الوقت ذاته يتهمون الآخرين, بتلقي الدعم من دول أجنبية؟! وفي هذا السياق يورد فتحي الضو:649
بعد إنهيار النظام الديموقراطي في العام 1989(...)كان السيد مبارك الفاضل, أول الطارقين للباب الليبي, بعد هروبه. وقد دعمته ليبيا, سواء لشخصه الكريم, أو للحزب الذي أصلا له علاقات معها (...) تلقى كذلك دعما من المملكة العربية السعودية والكويت ودولة الأمارات, وهي نفسها الدول التي قدمت الدعم للسيد محمد عثمان الميرغني بعد أن أصبح "رئيسا للتجمع الوطني الديموقراطي" وبطبيعة الحال لم تدخل هذه الأموال في عمل التجمع, بل دخلت إلى جيوب الميرغني ومبارك الفاضل وأعوانهما, ما حدا بالسيد فاروق أبوعيسى أن يحتج على مبارك الفاضل "لأن الأموال التي دفعتها الكويت لمبارك الفاضل تعتبر في (عداد المفقودين والديون الهالكة!).
كذلك الدعم الذي تلقاه الصادق المهدي من نظام الإنقاذ (أموال الشعب السوداني) مليون دولار وفقا للإتهامات المتبادلة بين الصادق ومبارك, مع ملاحظة أن البند السري في إتفاقية جيبوتي, بين الإنقاذ وحزب الأمة, أن يتم تعويض حزب الأمة بمبلغ 4 مليون دولار (حزب الأمة دايما في كل العهود يطالب بتعويضات لآل المهدي, ولم يطالب يوما بتعويضات للشعب السوداني أو لأسر الأنصار الغلابة المساكين, الذين ظل يزج بهم في معاركه الخاسرة (مقاتلي حركة 1976) (فلول جيش الأمة العائد من أسمرا) (أهالي الجزيرة أبا الذين قصفهم نميري في 1971), إلخ..
يورد فتحي الضو ص: 650 من سقوط الاقنعة:
بعد مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية في العام 1995عرفت هيكلة العمل المعارض للمرة الأولى, تخصيص منصب أمين المال, وأشرف عليه ممثل النقابيين: المهندس هاشم محمد أحمد, وذلك بأمل ضبط الواردات والمنصرفات, في النشاط المعارض. وفي واقع الأمر لم ينجح المنصب الجديد في تلك المهمة. لأن أمين المال –شأنه شأن غيره- كان يسمع عن أموال الداعمين, التي لا تصل لمستقرها الأخير: "خزينة التجمع" .. والقليل الذي وصل إلى الحساب الخاص بالتجمع, كان بضعة آلاف من الجنيهات الإسترلينية, تبرع بها بعض الحادبين على مصلحة التجمع المعارض, من الأعضاء في المنافي والمهاجر, وتسلم راية أمين المال بعده, ممثل قوات التحالف العقيد كمال إسماعيل, بعد إختياره في مؤتمر مصوع 1999 وقد ظل منصبا شرفيا, لأنه لم يقيض له – وفقا لفتحي الضو- حتى التوقيع على ورقة بوارد أو منصرف, في نشاط التجمع. ذلك لأن تلك المهمة – المفروض أنها مهمته- آلت إلى أيادي الميرغني ومبارك الفاضل, بالتالي ليس لأهل التجمع فيها نصيب؟!
نواصل
السيدان والتآمر على ثورة السودان:
*الحلقة الأولى:
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-119439.htm
*الحلقة الثانية:
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-119544.htm
*الحلقة الثالثة:
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-119610.htm
*الحلقة الرابعة:
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-119850.htm
*الحلقة الخامسة:
http://www.alrakoba.net/news-action-show-id-120040.htm



[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1729

التعليقات
#804939 [ساب البلد]
0.00/5 (0 صوت)

10-21-2013 12:25 AM
يا استاذ ضحية اي كلام لازم يكون في اراء مختلفة ارجو الا تعير اي اهتمام للاراء, اي بمعنئ لا تترك الاراء تقطع عليك السرد او تسبب لك تشويش انت تقوم بعمل توثيقي ممتاز ولك مصادر و مرجعيات وانت تقوم بسرد الحقائق مجردة وانت دوما تشير الي المصدر و هذا يدل علي مدي مصداقيتك .. حلقة اليوم اخذت الكتير من الوقت للرد و التفنيد علي المعلقين وهذا خصما علي زمن الحلقة ( زي اعلانات التلفزيون وقت المسلسل او الفيلم ) وفقك الله...
يا ليت لو تتطرق الي موضوع حادثة الجزيرة ابا لماذا صمت السيد عن المجزرة التي راح ضحيتها الانصار الغبش لا ال المهدي و لماذا لم يثار الموضوع قبل و بعد عودة نميري .. وايضا قيل ان حسني مبارك ايضا قد شارك في الابادة ؟ لماذا صمت المهدي ام ان هناك ثمن ما تم قبضه ؟؟ خالص الشكر


#804772 [Adam Ibrahim]
0.00/5 (0 صوت)

10-20-2013 08:25 PM
سلسلة مقالات توثيقية مهمة.. التحية للكاتب على هذه المعلومات الثرة.. فقط اعيب على حلقة اليوم الإطالة وتعدد المحاور التى تدور حولها.. انا من ناس قريعتى راحت ديل، عايز استقى معلومات حبة حبة عن تاريخ السيدين خلال الخمسين سنة الماضية من عمر السودان.. مشكورين كتييييير..



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة