الأخبار
أخبار إقليمية
صرخةٌ في البرٌية ....الطريق الثالث ؟؟
صرخةٌ في البرٌية ....الطريق الثالث ؟؟



10-23-2013 08:08 AM
مهدي رابح


اصبح جراب حاوي الإنقاذ خاوياً ، فاستجداء الشرعية بالتسربل برداء التدين لم يعد مجدياً و لا يصدقه حتي أطفال المدارس الذين عطروا شوارع الخرطوم بالدماء ، الفساد رائحته المُزكمة أصبحت لا تطاق و ورقة التوت المسكينة لا يمكنها اخفاء سَوءةٍ أضحت بحجم فيل ، وهيبة الدولة و شرعيتها المدّعاة طارت مراكيبها في وجوه الشيوخ الورعين المجرمين ، و شراء الذمم اصبح عسيراً بعد خواء الخزائن فأصبح المرتزقة يتلجلجون ، و الفشل الذريع يصرخ من كلّ جانب ، دعونا نكن واقعيين ....
النظام مات سريرياً ،
السؤال هو متي يحمل نعشه علي الأعناق الي مثواه لوداع اخيرٍ سعيد ، قبل ان يأخذ معه الوطن رهينة ؟ .
السؤال الأكبر ،
وبعد تخطي هذه المرحلة الكئيبة من تأريخنا بإذن الله، و متضرعين له ان يكون ذلك قريبا و دون إراقة مزيد من الدماء الزكيّة ، و علي المدي المنظور ، هل من حقّنا أن نحلم بتغيير سلس و من ثمّ بدولة تحقق احلام المواطن السوداني في الرفاه و العدالة الاجتماعية و التنمية و الحريّة ، و برجال سياسة جدد يترفعون عن الصغائر و يضعون مصلحة الوطن فوق المصالح الشخصية ، الحزبية ، القبلية او غيرها ؟؟ . أم هل سنعيد انتاج شخصية الشيخ الورع المجرم ، و التي حاولنا تعريفها سابقاً ، ثانيةً و ثالثةً في دورة جهنمية ، بما إنها بضاعة لا تنتهي صلاحيتها كما اثبت تاريخ السودان منذ الثورة المهدية و حكم السيدين من بعد ؟.
الاجابة تكمن فيما سيتمخض عنه هذا الغليان الشعبي ، و من سيتسّيد المنابر في المرحلة القادمة ... في غياب قيادات جاذبة و تكلُّس الأحزاب التقليدية و ما تنوء به من فشل تاريخي يجب ان تحاسب عليه و خطاب أجوف و مكرر ،بالاضافة لعدم قبول أو استعداد المواطن السوداني لاستيعاب رؤي القوي التي تطالب بدولة مدنيّة بعد ، سيكون الامر عسيراً للغاية ، فهل سيعتلي الشيخ الترابي ، مهندس الإنقاذ الاول و معارضه الأشرس بعد ذلك منذ انقسام الحركة أو ما يسمونه المفاصلة ، سدّة الحكم مرّة أخري بما انه يتزعم احدي اكثر الكيانات الحزبية المعارضة تناسقا و تماسكا ، و ان خطابه التكتيكي الداعي لتغيير النظام و الديموقراطية اصبح مقبولاً في غياب اي خطاب آخر واضح ، وفي ظل معاناة الشعب السوداني من قِصر الذاكرة المزمن، بالاضافة لتمثيله ، اي حزب المؤتمر الشعبي ، ملجأً آمناً لأعضاء النظام الذين سيغادرون السفينة قبل ان تصل القاع وهو ما يمثل قوّة دافعة و جيشا جرارا من شاكلة الشيوخ الورعين المجرمين ، لتبدأ الدورة المذكورة من جديد ام هل سيُحكم العسكر قبضتهم من جديد تحت شعارات أخري من شاكلة إنقاذ الوطن ، واضعين في الاعتبار ان المؤسسات القومية المنوط بها الحفاظ علي الأمن و القانون و حماية الوطن علي ما يبدو في السطح تم أدلجتها بصورة كبيرة ، و أضحت قوميتها في مهب ريح الاستقطاب الجهوي و القبلي ؟ فتحولت لأداة طيِّعة في يد النظام ، و يده الباطشة الغليظة .
ام خليط من هذا و ذاك ، اي الرجوع الي السنوات المظلمة من 1989 الي منتصف التسعينات ؟؟

و ما هو موقف القوي المعارضة المسلحة من التغيير القادم لا محالة ، و التي تزداد مساحة المناطق المتحكمة فيها سعة ، و اجتثاثها بالقوة امر غير ممكن عمليا ، و هي بدورها دون ريب متأثرة بالاستقطاب القبلي و الاثني ، هل سيأتي التغيير من جانبها ؟ هل هذان هما الخياران اليائسان المتوفران في المستقبل القريب ، تغيير من المركز و اعادة انتاج الإنقاذ ؟ ام تغيير من الخارج بقيادة قوي مسلحة غير متجانسة ،
.......
فيتضخم السؤال و يصبح هل نحن علي شفا صوملة أخري أو لبننة ؟هل سيصبح السودان سوريا الثانية ؟؟
ام أنّ هنالك طريق ثالث محتمل ؟

غاية ما نستطيع فعله الآن هو ان نضع أيدينا علي قلوبنا ،و أن نحلم و نعمل من اجل سيناريو او طريق الثالث ، يقينا من كوابيس الدول الفاشلة التي تحيط بنا و التي تحولت في زمن وجيز الي ركام و ارض جدباء دون أمل ، وهو مصير قاس لو تعلمون .

و الطريق الثالث ، الحلم الذي يراودني شخصيا دون أدِّعاءٍ متكلّف باكتشاف الذرّة أو اجتراح الحلول العبقرية الفريدة ، هو ان يتم التغيير من المركز بامتداد و تصاعد الثورة الشعبية السلمية ، عبر أدوات الاحتجاج ، المقاطعة ، الإضرابات و العصيان المدني ، و بظهور قيادات شابة تنحاز للوطن اولا ، و نجاحها عبر الإصرار علي تبني الحلول السلمية المبدعة في تحييد كل الأطراف الحاملة للسلاح دون استثناء ( وهي أُمنية اعلم أنّها قد تبدو جنونّية أو حالمة لكنها ليست مستحيلة ) ، و من ثَمّ الأعداد لفترة انتقالية تبلغ ما يمكن قبوله لدورة انتخابية كاملة ، اي من اربع الي خمس سنوات ، بقيادة جماعية ، خليط من شخصيات نزيهة نظاميَّة و مدنيّة ، تكون نواة لنظام ديموقراطي قابل للحياة ، تعطي فيها كل القوي السياسية بما فيها الاسلاموية و التقليدية و الحديثة و غيرها حرية التطوير و الترويج لبرامجها و إقامة مؤتمراتها العامة و تزامناً مع ذلك يقام مؤتمر دستوري جامع يُعدُّ فيه لدستور جديد بإجماع وطني و يستفتي فيه الشعب بالتصويت المباشر ، يرسِي قواعد دولة القانون و المؤسسات ، حتي لا تكون البلاد نهباً لمن بيده السلطان و السلاح ، و تحت رحمة أهوائه و ضعفه امام الشهوات ، وهي كما تعلمنا في الدروس الماضية كثيرة .

المرحلة المشار اليها يجب أن تستثمر في تدشين اعادة بناء المؤسسات القومية علي أسس جديدة تتخطي الجهوية و القبلية و البدء في ترميم علاقات السودان الخارجية التي عانت كثيرا و أدّت لعزلة لم يسبق لها مثيل ، و إطلاق عملية ايجاد حلول ذكية و طويلة المدي للوضع الاقتصادي المزري الذي يسير حثيثا نحو الانهيار . و هنا الإصرار علي اضافة كلمات من شاكلة تدشين ، بدء و إطلاق ، لان إصلاح الخراب الذي عمّ البلاد علي كل المستويات يحتاج الي عقود من العمل الدوؤب و المضني .
كما يجب أن تشمل المرحلة الانتقالية المحاسبة القضائية العادلة علي الجرائم التي اقترفت خلال ربع القرن الماضي ، علي أساس المصالحة الوطنية علي شاكلة ما تم في جنوب افريقيا بُعيد إلغاء الابارتايد و تسنم نيلسون مانديلا لمقاليد الحكم ، أي الاعتراف و الاعتذار و العفو أو التعويض للأطراف المتضررة في حال قبول الاعتذار ، حتي نبدأ صفحة جديدة من التسامي علي الماضي و إرساء سلوك جديد في التعاطي مع العمل السياسي ، جوهره التسامح الذي عرفنا به منذ الأزل ، أدواته الالتزام الحرفي و الأخلاقي بالقانون لترسيخ قيمة التبادل السلمي للسلطة و غايته بناء وطن يسع الجميع .

المشكل الحقيقي هو انه كي يصبح هذا الطريق الثالث سالكا اذا جاز التعبير يجب ان يكون جزأ من مشروع قومي يلتف حوله الجميع ، و يجب ان يروج له من قبل قيادات وسطية ذات كاريزما و قبول ربما يفرزهم هذا الحراك السياسي الحالي ، يستثني منه السياسيون المحترفون الابديون و كل منتمٍ للمؤتمر الوطني ، تحت راية كيان غير حزبي ، اقرب الي منظمة مدنية ( غير ربحية !!!) لإعادة بناء الوطن ، يعمل بصلاحيات واسعة من اجل إرساء قواعد جديدة للعبة ، يكون محايدا حزبيا لكن حاسما في كل ما يخص الالتزام بالدستور ، بما فيه من كفالة لحقوق الانسان ، تنتهي مدّة صلاحيته بانتهاء الفترة الانتقالية لكن يستمر كجسم مراقب لفترتين انتخابيتين علي اقل تقدير و يلتزم قادته باعتزال العمل السياسي حالما تتحقق الأهداف المرجوَّة منه ، مع كل التكريم الذي يستحقونه .

هل هذا الحلم الأشبه بالهلوسة ممكن التحقيق ؟؟؟ام سيمكث مع آلاف من أترابه مأسوف عليه في أرفف ارشيف التنظير السوداني ،

كل ذلك قد يبدو كصرخةٍ في البريّة ، لكن رغم ذلك سندعوا له ما استطعنا ، هذا الطريق الثالث !! ، ربما نجد آذاناً صاغية في مكان ما ؟؟ .

مهدي رابح

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 850


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة