الأخبار
أخبار إقليمية
ما بين مطرقة الأخوان وسندان السادة
ما بين مطرقة الأخوان وسندان السادة
ما بين مطرقة الأخوان وسندان السادة
أسامة الكاشف


10-23-2013 04:34 PM
أسامة الكاشف

تمثلت آفة السودان الحديث ما بعد الاستقلال في محاولة "أسلمة السياسة" أو "تسييس الدين" التي تبنتها بعض التيارات السياسية بهدف إضفاء طابع القدسية على قرارات من هم في سدة الحكم وذلك لقطع الطريق على أي محاولة لتمدين الدولة لتصبح دولة مواطنة للجميع تحفظ للبلاد تماسكها الاجتماعي والسياسي والثقافي. ولقد كان للدكتور حسن الترابي والسيد الصادق المهدي الكلمة الفصل في هذا السياق بحيث كان تأثير الرجلين على مستقبل سودان ما بعد الاستقلال لا يضاهى. حقيقة الأمر أن السيد الصادق المهدي رأى في حركة الأخوان محاولة جادة لإضفاء طابع عصري على التدين قد يسحب البساط من تحت أرجل "السادة وحيرانهم" خصوصاً وأن الأخوان في الأربعينات والخمسينات تركز نشاطهم داخل مؤسسات التعليم العالي الذي بدأ في الانتشار والتوسع وبالتالي حاول استباق الأحداث محاولاً احتوائهم تحت عباءته الفضفاضة. ولقد صاحب هذا الانتشار اتساع في حركة القوى الديمقراطية والمدنية التي قادتها طلائع المثقفين الوطنيين وهذا النمط من التطور الطبيعي للمجتمع لا يمكن أن يقابل بحراب الأنصار وسيوفهم لذا وجد السيد الصادق في الأخوان المسلمين ضالته المنشودة لضرب العصفورين بحجر واحد. في ذات الحين رأى الأخوان في قواعد الأنصار أرضاً خصبة لتوسيع تنظيمهم وخططوا لوراثة حزب الأمة وبدأوا الأمر بمصاهرة آل البيت وكبار بيوتات الأنصار من أهلنا الحسانية وغيرهم. وما كانت جبهة الميثاق في 1965 إلا نتيجة طبيعية لهذا الزواج غير الشرعي ذو الطبيعة التآمرية والتي تجلت في ضيقهم بالديمقراطية والانقلاب عليها للمرة الثانية بحل الحزب الشيوعي الذي رأوا فيه خطراً على مستقبل هذا الحلف الآثم (الانقلاب الأول كان تسليم السلطة طوعاً للفريق عبود)، وأصبح لهذا الحلف استدامة لا تنقطع وإن كانت تخفت وتسطع وفقاً لمعطيات الواقع السياسي وما حكومة الوفاق الوطني في نهاية الثمانينيات ببعيد.

في ذات الوقت رأى قادة الختمية أن تحالف حزب الشعب الديمقراطي مع الحزب الاتحادي لتكوين الحزب الوطني الاتحادي هو المخرج الأمثل الذي يضمن استمرار نفوذ قادة الطائفة في ظل وجود قيادات ليبرالية مستنيرة.

لا أحد ينكر أثر التصوف على حياة السودانيين السياسية والاجتماعية وهو أمر ليس بالجديد فلقد بدأ هذا الأثر في السطوع منذ إبرام حلف جبل موية وجبل سقدي الذي أسس لدولة الفونج في سنار ومشيخة العبدلاب في قري وما استتبعه من نفوذ للفقيه إدريس ود الأرباب والشيخ حسن ود حيسونة والشيخ محمود العركي ، وجلهم من الذين قدموا للسودان من الشمال المصري أو من المغرب العربي أو الشام. غرس التصوف جذوره عميقاً في التربة السودانية وأثر على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية وحتى على تركيبة الشخصية السودانية بحيث أصبحت القدرية والزهد سمات بارزة فيها. كما وجد الإنجليز عند دخولهم السودان أن تنمية هذه الطرق الصوفية بالتركيز على السيدين علي الميرغني وعبد الرحمن المهدي سيكون ضمانة لاستتباب الأمن وانصياع سكان البلاد لتوجهات الدولة الجديدة فأغدقوا عليهما الأموال ومنحوهما

الأوسمة والأنواط والاقطاعيات ، ولم يرغبوا في الجلاء عن السودان إلا وللسيدين النفوذ الأكبر على السواد الأعظم من الشعب السوداني.

كل القرارات التي كانت تخرج عن السيدين تصبغها صفة القدسية فكلهم ينتمون(وكذلك معظم قادة الطرق الصوفية) إلى الدوحة المحمدية فهم قرشيون أشراف من نسل سيد البشر (حسب ما يدعون). وبالتالي فدولتهم امتداد طبيعي لدولة المدينة المنورة. استطاع السادة بهذه الكيفية التحكم في مصائر مريديهم والتحكم لاحقاً بالحياة السياسية للشعب السودان حتى أنقض عليهم باز الأخوان المسلمين يفت في عضدهم ويرث طلائعهم.

وبالتالي استحكم الشعار الديني وطغى على المدني إلا من منافحات اليسار السوداني وبعض حركة أحزاب الوسط والتي أصبحت لاحقاً في معظمها تخاف شعارات التكفير خصوصاً بعد تكفير الشيوعيين وطردهم من البرلمان وبالتالي أصبحت هي أيضاً رصيداً لتيارات أسلمة السياسة أو تسييس الدين. وظل شعار الدستور الإسلامي مرفوعاً من قبل الأحزاب الكبيرة في البلاد إلا أن لكل منهم مفهومه الخاص لهذا الدستور.

ما أن تنسم الأخوان ظهر بعير السلطة بتحالفهم مع النميري حتى فصلوا في 1983 قوانين سبتمبر التي قال عنها السيد الصادق ما معناه أنها لا تساوي المداد الذي كتبت به وعارضها معظم السودانيين وكانت واحدة من الأسباب التي أدت إلى انتفاضة مارس/ابريل المجيدة وعادت بالسيد الصادق على صهوة جواد الديمقراطية رئيساً للوزراء إلا أنه لم يجرؤ على إلغاء هذه القوانين طوال أربعة سنوات. وما أن انقلب الأخوان المسلمين على السلطة في 1989 حتى رفعوا المصاحف على أسنة الرماح فسنوا وشرعوا ما لم ينزل به سلطان من قوانين جائرة فرأينا كيف أن الحدود تقام على الضعيف ويستثنى منها القوي وكيف تجلد الحرائر وتلفق التهم للأبرياء والمعارضين وأصبح الخروج على الحاكم كفراً صراح فهو الحاكم بأمر الله المنزه عن الخطأ.

النتيجة الحتمية لهذا المشروع ألإقصائي الذي أطلق عليه اسم الدلع "المشروع الحضاري" هي انفصال جنوب السودان واستعار الحرب الأهلية بكافة أرجاء البلاد. ولا زالت مناطق أخرى من البلاد مرشحة للانفصال إذا ما استمر هذا النهج.

الغريب في الأمر أن الأخوان المسلمين ورغم ما لهم من دربة في العمل السياسي لم يأبهوا عندما امتطوا ظهور الدبابات في صبيحة الثلاثين من يونيو 1989 في أن يكون لهم برنامج واضح لحكم البلاد ، فظل السودان يحكم لربع قرن بعقلية إدارة "اتحادات الطلاب". اكتشف الأخوان المأزق سريعاً فسعوا سعياً محموماً لعقد المؤتمرات الاقتصادية وغيرها وحشدوا وجمعوا لها من كل ألوان الطيف السياسي. صاحبت هذه المؤتمرات حشود صاخبة بحت حناجرها وهي تهتف "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع" وما أن انفض المولد حتى انقض الجميع على الكعكة يلتهمون منها ما لذ وطاب تاركين البلاد في مهب الريح. أي عاقل في الدنيا يبيع مشروع بحجم مشروع الجزيرة .. مشروع ظل دعامة الاقتصاد الوطني منذ الاستعمار. حتى فلنكات قطار المحالج بمرنجان بيعت أو نهبت فالأمر سيان والنتيجة الحتمية أننا لا زلنا مستوردين لما نأكل ولما نلبس ولا زال رغيف الخبز عزيز المنال.

تصور الأخوان أن مجرد رفع شعار " الإسلام هو الحل" كفيل بإزالة مشاكل الأمة، ناسين أن لمحمد أحمد احتياجات معيشية ورغبات في العيش الكريم يتطلع لتحقيقها أسوة بباقي شعوب الدنيا. وتفاقمت حيرة محمد أحمد وهو يرى أهل الحل والعقد ينهونه عن الربا ويأكلونه أمريكياً وكويتياً أضعافاً مضاعفة وينهونه عن السرقة باسم الله ويعبون ما يملأ أرصدتهم هم والمؤلفة قلوبهم .. ينهار بيته الجالوص وتشمخ قصورهم.. يعدونه بالحور العين وهم يثنون ويثلثون بحور الدنيا. وبعد كل هذه السنوات تسعى الانقاذ مرة أخرى لإعادة الكرة وعقد مؤتمر اقتصادي جديد ولن أجانب الصواب إن تنبأت بفشل مخرجاته منذ الآن فكيف يستقيم الظل والعود أعوج؟

[email protected]


تعليقات 6 | إهداء 0 | زيارات 2531

التعليقات
#808407 [Salah Elhassan]
0.00/5 (0 صوت)

10-24-2013 11:52 AM
يا ليتنا نرجع مرة اخرى الى فترة الأستعمار او فترة حكم الرئس عبود والتى سنظل نبكى على تلك الايام وذلك للأ سباب التالية :
(1)كان هناك ديوان الخدمة المدنية وكان يشرف على الوزارات الحكومية من تعينات ترقيات وتنقلات وقد تم حله فى فترة جعفر نميرى وكانت هذه بداية النهاية للخدمة المدنية,
(2)التأميم والمصادرة أيضا نميرى وتم تدمير الأقتصاد وهروب المثتثمر الأجنبى
(3)قوانين سبتمبر او مايسمى بالشريعة الاسلامية وكانت هذه الكارثة الكبرى والتى ترتب عليها تمرد جون قرنق و اكتسب العطف والدعم الغربى والمسيحى ..


#808374 [مهاجر]
5.00/5 (1 صوت)

10-24-2013 11:28 AM
اتمني ان لانخلط بين الاسلام وممارسات الكيزان والاسلام فعلا هو الحل بس يطبق صحيح دون غلو وان يكون الهم مصلحة البلد وليس ركوب الاسلام مطية لتحقيق اغراض دنيوية وهذا مافعله الكيزان وللاسف هنالك من يربط فشلهم بالاسلام والذي هو برئ منهم .


#808239 [الهادي هباني]
5.00/5 (1 صوت)

10-24-2013 09:20 AM
مرحب بصديقي العزيز ود الكاشف في الراكوبة و شكرا علي هذا المقال الرصين من حيث اللغة و البلاغة و السلاسة و من حيث المحتوي و التحليل الدقيق الممنهج من شخص كما عرفته مناضل جسور و مثقف ثوري متشرب بواقع بلادنا و متبحر في تاريخها القديم و الحديث و أيضا كما لا يعرف الجميع عن صديقي فهو شاعر مخضرم نتمني أن يعاود النظم و الإلقاء ،،،
الإسلام السياسي يعود تاريخه لفتح مكة و حتي قبل ذلك بكثير و كما قال المناضل الراحل الشريف حسين الهندي لفهم الإسلام السياسي علينا أن نجاوب علي سؤآل مهم و هو (من هم الذين دخلوا بيت أبي سفيان) و أضيف عليه من هم الذين فتنوا بين علي و عثمان و علي و عائشة ؟؟؟ و من هم الذين رفعوا المصاحف علي أسنة الرماح ؟؟؟ و من هم الذين ذبحوا الحسين في كربلاء ؟؟؟ و من هم الذين ذبحوا الجعد ابن درهم علي الملأ بعد خطبة عيد الأضحي ؟؟؟ و من هم الذين مزقوا المصحف في عهد بني أمية ؟؟؟ و من هم الذين قتلوا الشهيد وليم دينق و الشهيد محمود محمد طه ؟؟؟ موضوع مهم و يحتاج لمزيد من الدراسة و التحليل و الإضاءة و شبابنا الذين لم يعرفوا رئيسا غير البشير كما ذكرت أنت في أحد مقالاتك السابقة اشد حاجة لمزيد من الكتابة و التعمق في هذا الموضوع أتمني أن تتعمق فيه و تحوله لدراسة تنشر علي حلقات و سيكون ذلك بالتأكيد اسهاما كبيرا و مقدرا ،،،
تحياتي لك و للعيال و أمهم و كل الأصدقاء و المعارف حولك


#808198 [سوداني مغبون]
5.00/5 (1 صوت)

10-24-2013 08:40 AM
تنسم الأخوان ظهر بعير السلطة!!


#807755 [بتاع بتتييخ]
0.00/5 (0 صوت)

10-23-2013 06:19 PM
السادة ديل الظاهر عليهم لسا عايشين في زمن الاقطاع
ما عارفين انو الاجيال الجديدة بتكون اجيال فاهمة رغما عنهم
نحن دولة مدنية ولسنا دولة خلافة ولا سلطنة ولا مملكة
ولو في كزبة قديمة بتقول انو نسبكم يرجع لي خليفة عباسي من خلفاء البيت
فبقوليكم ماكان ليهم اي عرق اسود
عشان كدا اخير تقعدو ساكتين وخليكم في فتتكم دي


#807700 [ابو الفضل]
0.00/5 (0 صوت)

10-23-2013 05:43 PM
الاخ اسامة الكاشف المؤتمر الاقتصادى يجب أن يقوم به ابناء السودان المختصين والخبراء في هذا المجال يشارك فيه الجميع بدافع وطنى وحق الوطن الذى علمهم وعلمنالاسيما ان المؤتمرات تعقد ويشارك فيها الناس من جميع انحاء العالم ويمكن ان يعقد في اى بلد نسبة للتقدم التكنولوجى (المطلوب هو صياغة السياسةالسودانيةفى المجال الاقتصادى ل50 سنة او على الاقل ل25سنة قادمة حتى نشبه انفسنا فالسودان ملىء بالخبراء والعلماء في المجال الاقتصادى)واما مؤتمرالا خونجية فلا ثمرة له ويعتبر فاشل قبل انعقاده والهدف منه تبريد سخانة الاحتجاجات واعطاء انطباع بان الدولة تاخذ بتوصيات المؤتمرات العلمية.فالسودان الان ليس لديه اقتصاد وانماعبارة عن دكاكين كبيرة لافراد ينتمون للحزب. انما نريده هو ان تتبنى جه وطنية مشهود لها بالكفائةوالشرف الدعوة للمؤتمر الاقتصادى وتقوم بالاتصال بجميع السودانين اهل الاختصاص في كل العالم للمشاركة في هذا الامر وان تقنع الناس بان هذا واجب وطنى.وان تكون توصيات المؤتمر خارطة طريق اقتصادية للتحول الديمقراطى........وانشاالله سوف تتوالى بعدذلك المؤتمرات التخصصية في جميع المجالات يقوم بها العلماء والخبراء.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة