الأخبار
منوعات
قراءاتي الأولى أبعدتني عن التعصب العرقي والديني
قراءاتي الأولى أبعدتني عن التعصب العرقي والديني
قراءاتي الأولى أبعدتني عن التعصب العرقي والديني
رؤوف مسعد


10-24-2013 09:14 AM


رؤوف مسعد
لا أذكر بدقة «كتابي الأول» الذي قرأته لأول مرة منذ نحو سبعين سنة.. فأنا الآن في السادسة والسبعين ومرت كتب كثيرة تحت جسر نظاراتي التي أضعها على عيني منذ أيام المراهقة (!) لكن كتابي الأول كان بالتأكيد من مكتبة والدي في مدينة ود مدني السودانية، حيث كان يعمل قسيسا، وعنده غرفة يسميها «المكتب»، وبها كتبه الكثيرة معظمها (يا للغرابة) ليست دينية.. ومجلات مثل مجلات «الهلال» و«المقتطف» و«الكاتب» المصرية، والمختار من «ريدرز دايجست».

هناك اكتشفت كتابين ما أزال أذكرهما: «روبنسن كرورز»، و«جزيرة الكنز» (بالعربية طبعا) وقصة اهتمامي بالقراءة ترجع إلى أني كنت، ولا أزال أحيانا، أتمتم، فيسخر مني الأولاد في سني ويطلقون علي لقب «أبو نص لسان» فأنزوي ألعق جراحي ودموعي، في غرفة المكتب، لأكتشف الكتب والمجلات، ليذهل والدي من اكتشافي فيسمح لي بأن أتردد على غرفته هذه الخاصة.. فأتمدد على السجادة.. وأقرأ.

ثم قرأت في مكتبة والدي، القصص المتعلقة بالمستكشفين الأوائل لأفريقيا من وجهة نظر غربية ومسيحية.. هذه هي المرة الأولى التي أواجه فيها رؤية غربية (كولونيالية كما عرفت فيما بعد) بشأن استيطان أفريقيا واحتلالها بحجة تطوير وتمدين الأهالي (البرابرة، الهمج آكلي لحوم البشر كما تصفهم هذه القصص)، وأول مرة أقرأ عن بشر يأكلون لحوم بشر آخرين اسمهم «نيام نيام».. لأعرف بعد ذلك مدى التعصب العنصري المتخذ صفة دينية تبريرية.

فالأفارقة «الهمج» كنت ألتقيهم يوميا في ود مدني.. أراهم متحضرين وعلى الأقل «عاديين» مثلنا نحن الآخرين.. منهم أصدقائي يزاملونني في الجيرة والمدرسة واللعب، ومنهم أصدقاء والدي.. ومنهم من أراهم في السوق والشارع.

وحينما التحقت بعد ذلك بالدراسة الثانوية في «كلية أسيوط» الأميركية - في مصر - في القسم الداخلي، وكنت في الشهور الأولى من سني الحادية عشرة، اكتشفت «مكتبة الكلية» وفيها قرأت لأول مرة «طرازان»، وهو أيضا يصاحب الحيوانات في الغابة التي تقاتل معه ضد «المتوحشين» من البشر سكان الأدغال.

لكن مكتبة الكلية كانت تحوي أيضا ترجمات «البؤساء» و«غادة الكاميليا» و«مرتفعات وذرينغ» و«قصة مدينتين» ومعظم أعمال دكنز.. إلخ.

نفوري من التعصب العرقي والديني جاء من قراءاتي الأولى كما أسلفت، وقبولي للآخر، جاء من تجارب الطفولة والصبا والمراهقة لزملاء الدراسة والملاعب، الذين كانوا في معظمهم أفارقة وغير مسيحيين(!).

هكذا لعبت كتبي الأولى دورا أساسيا في اكتشاف الواقع المعيش اليومي، وبين «التنظير» المتناقض للحقائق الإنسانية مما جعلني - حتى الآن - شكاكا فيما أقرأ متعلقا بالديانات والأعراق. وخاصة الأقليات.. لأنه بإقامتي في أسيوط (مصر) بدأت أكتشف أني وبقية الشباب السوداني الذين قدموا معي للتعلم، أقلية وسط بحر من الأغلبية العرقية والدينية.. فرغم وجودي في السودان، وسط بحر من السودانيين لم أشعر لا بأقليتي العرقية ولا الدينية. شعرت بها في وطن والديَّ المصريين لأني كنت أتكلم بلهجة السودان الذي ولدت فيه.

فحدث التمييز مباشرة لأول مرة في حياتي.

عرفت كيف أتخلص من التمتمة (في معظم الأحوال) التي قادتني - رغما عني - وأحببتني في قراءة كم هائل من الكتب المتنوعة. واكتشفت أني «حكاء» أعيد رواية ما قرأت وما شاهدت من أفلام. وجاءت تجربة الحكي في السجون والمعتقلات السياسية، حيث كان يتم عقاب السياسيين بمنعهم من القراءة في الفترة ما بين 1960 - 1964.. إلا قراءة القرآن الكريم والكتاب المقدس (المسيحي) فكانت هذه فرصتي الأولى لكي أقرأ القرآن الكريم الذي لم أكن قد قرأت منه سوى بضع سور قرآنية نتعلمها في دراسة اللغة العربية في المدرسة الثانوية.

هكذا أدخلتني السجون المصرية إلى «الآخر» المختلف دينيا عبر القرآن الكريم الذي كان كتابي الوحيد في فترة طويلة من فترات السجن.. لأكتشف «الآخر» المتشارك معي ثقافيا وتاريخيا وقوميا ووطنيا ولم أكن أعرف شيئا عن ديانته إلا معلومات مبتسرة وناقصة ومتحيزة!

* روائي مصري. من أعماله «بيضة النعامة» و«مزاج التماسيح» و«صباح الخير يا وطن» و«في انتظار المخلص» و «صانعة المطر وحكايات أخرى».

الشرق الاوسط


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 439

التعليقات
#808817 [عدلان يوسف]
0.00/5 (0 صوت)

10-24-2013 06:04 PM
من واجب اتحاد الكتاب السودانيين ـ ضمن واجبات أخرى عديدة ـ دعوة وتكريم هؤلاء الكتاب الذين

تجمعهم بالسودان روابط وثيقة وهم كثر ... ولكن ماذا تفعل لأمين اتحاد مشغول بالعراك حتى مع

ظله ؟!!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة