الأخبار
أخبار إقليمية
مطارق على أحصنة في هواء فاسد
مطارق على أحصنة في هواء فاسد
 مطارق على أحصنة في هواء فاسد


11-03-2013 06:06 AM
في هذا الفراغِ المعلَّب مُنتهي الصَّلاحية، تبقى معلّقاً في النص المكتوب بعناية مشدّدة، مناقير صغيرة تنبش المخ، لتترسخ في ذهنك أول صورة لـ"راجح المغربي" في رواية (ذبائح ملونة) للكاتب اللبناني" سليم اللوزي"، "ذبيحة" لا تنقصها القسوة، تطوف على جسد الوطن العربي، من لبنان إلى السودان.. تأخذ عيناتٍ من قهرٍ ضَرَبه وإذلالٍ و استضعاف واستبداد، يشق طريقه بحثاً عن حبيبةٍ هربت دون أن تترك أثراً أو عنواناً "حبابة". ليتبنى "راجح" من طريق المصادفة مبادئ كبيرة، وينتمي إلى قضايا ليست قضاياه، ويخوض ثوراتٍ لا تعنيه كثيراً، تصيبه خيبات أملٍ متلاحقة، ويقع سهواً في حبّ آخر" سلاف" رفيقة الطفولة، ويعيش خيانةً مزدوجةً في يقظته وفي كوابيسه متبنياً تلك المعادلة الضديّة. وتعالج الرواية في طريقها المشاكل الاقتصادية والاجتماعية في السودان، لا سيما تلك المتعلقة بالوضع السياسي، مع إعطاء حيّز كبير لوضع المرأة العربية. تتناول الرواية مشكلة وراثة جسد الزوجة، ختان النساء، الصراعات القبلية، التطهير العرقي، النزاع المسلح، الثأر، التديّن، مطامع الدول المستعمرة، السياسة الداخلية، الانفصال، وغيرها من المواضيع الأخرى. الرواية تغذينا بالشمس والملح، كتدريب مستمر على نص مفتوح، أوزانٌ، ومطارقٌ، تمتطي أحصنةً من هواءٍ فاسد، وتطلقُ صرخاتِ النَّصر، بميل إلى المنحى الدرامي والصوفي والرومنسي والأخلاقي واليقيني والقدري والمثالي والهارموني والمباشر والمُطنب والمسترسل والتطريبي والمموسق الخ…

في المقابل فهي تنأى عن الغرائبي والشاذ والتهكمي والملغز والغرائزي والإيحائي والموجز والمكثّف والمعقّد والمركّب واللامنسجم والمثير للشكّ والمرتبط بالعالم السفلي الخ… قيمها الجمالية قد تجد أصداءها في فكرة التنافر لا الانسجام، وفي النقصان لا الكمال، وفي هذا نزوع إلى التماهي مع النفس البشرية بكل تناقضاتها وأسرارها. يتبنى سليم اللوزي هذه المعطيات والجماليات الحديثة بكل تضاعيفها اللغوية والفكرية، فنجدها تتمظهر فيه على شكل مفارقات واستعارات صادمة، ومضامين غامضة وساخرة، وتضاريس تعبيرية شاقّة قد تبدو أحياناً مروّسة أو ناتئة أو ملتوية أو من طبقات باطنية.

منها نقتطف "من الخطر أن تمشي بالقرب من الحائط، لأنّ من المؤكّد أنّك ستستيقظ يوماً وترى نفسك معلّقاً عليه. يحاصرك إطار أعمالك التي لم تجازف يوماً لتتخطّاها. فتمضي أيامّك قابعاً فوق ذاك الحائط، ينتهك قدسيّته كلّ الذين تمرّدوا على الآية، فرفضوا المشي بقربه. يتبوّلون عليه ويعلّقون الصور، ثمّ يعودون ليخرطشوا عليه فِكَرهم، وما إن تتغيّر الفكرة يطلونه بالأسود أو الأبيض، لا فرق، فالأيّام كفيلة بتغيير اللون، حتّى يصبح باهتاً. هذا هو مصيرك إن لم تركب الحياة، فتعيش على شفير الجنون، الجنون الذي يدفعك إلى القفز من فوق جميع القيود الوهميّة التي يرسمها مجتمعك وخيالك التقليديّ". الحبّ فيها لا يبوح. وقد تكون علاقة الحبّ العابرة بين راجح المغربي وحبابة السودانية في فندق باريسي، ثم انقلابها رحلة بحث عن الحب، مأزقاً ضرورياً أو مدخلاً لازماً نحو تصدعات أساسية في الرواية أراد الكاتب تظهيرها بشكل لا يخرج عن نطاق الذات وتساؤلاتها. هذا من دون الغرق في يقينيات مثالية غير مأمونة للقارئ. حتى أكثر الأحداث إيلاماً ونمطية في بلد عربي كالسودان، يُراد لها في السرد أن تنقلب تساؤلات كبرى: «كيف للحياة أن يكون لها معنى من دون أن تجتاز سراديبها المميتة من جوع وعوز وفقر وراحة، فنسمع طقطقة عظامها، حشرجتها، رغبة أجسادها، تكّات ذاكرتها.. لكن هذه لا تخرج عن كونها أصوات الباطن. تستبطن ذواتا كثيرة وعوالم متعددة، وأحياناً تتخذ منحى صراعياً مع الذات أو انفصالياً عنها.

بلغة يحاول"سليم" أن ينفي عنها أي اجتماعية، يسحبها إلى فضاء فلسفي، وهو ليس غريباً في لبنان، فالفكرة الاجتماعية فكرة غير مكتملة أو لها دلالات أخرى، في مقابل الفكرة الطائفية التي تسيطر حتى ولو بطريق غير مباشر. فحتى لو رفض الكاتب النهج الطائفي، وهو رفض منطقي، فسينهج ضده؛ هذا الوعي الشامل والمتماسك والذي لايؤمن بأي تقسيم. أو يتناسى هذا المشكل المحوري تماماً. وهنا مأزق يتجاوز قدرات أي كاتب. لتعتمد اللغة المنطق الصارم في التعبير، أحياناً تتعقد وتتكاثر من دون دراما تنسج حولها، الدراما تنبع من داخل اللغة نفسها، من إخلاص لها أو مراهنة خطرة عليها.

داخل هذه اللغة المجردة من اجتماعيتها، هناك ضمير جماعي يتحدث، وهنا المفارقة. فالعلاقة بالذات علاقة ذات شكل عاطفي، ربما هي رغبة الفعل عنده التي تحملها اللغة. فالصورة أو المشهد ليسا حادثاً شخصياً، وإنما صورة جماعية لحلم جماعي، ربما هذا السبب هو الذي يعطي لأي مشهد ضبابيته وغموضه. وعندما نقارن الآن بين ما نعرفه عن السودان و بين رواية " اللوزي" يُدهشنا ما قام هو به على اللّغة وبناء العبارة وسبل التّصوير الشعريّ من تصحيحات متوالية وانقلابات هي في الأوان ذاته معرفيّة وفنيّة. على صخب القول واحتفاليّته دون أن تُخبر القصة بأكملها. إنها فقط تُسجِّل الزمن الماضي.
العرب


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1252

التعليقات
#816994 [جيمى قانون]
0.00/5 (0 صوت)

11-03-2013 03:00 PM
هسى دا شنو دا.... الناس فى شنو وكاتبة المقال فى شنو...بلد عجيبة



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة