الأخبار
أخبار إقليمية
إصلاحيو المؤتمر الوطني : نقد الأفكار يجب أن يسبق نقد التجربة
إصلاحيو المؤتمر الوطني : نقد الأفكار يجب أن يسبق نقد التجربة
إصلاحيو المؤتمر الوطني : نقد الأفكار يجب أن يسبق نقد التجربة


11-07-2013 08:35 AM
بابكر فيصل بابكر

في رسالة ذكيَّة وجَّهتها للدكتور غازي صلاح الدين ورفاقه من إصلاحيي المؤتمر الوطني قالت الأستاذة رشا عوض : ( إياكم أن تقولوا لنا المؤتمر الوطني حاد عن النهج الإسلامي القويم ونحن خرجنا عليه لننشئ حزباً يطبق الإسلام الصحيح ). إنتهى

أرادت الكاتبة النابهة أن تُحذَّر المارقين على المؤتمر الوطني من خطر الوقوع في فخ تكرار الفشل, فشل إطلاق الشعارات الخالية من المحتوى, ودغدغة العواطف بإسم الدين, وهو الطريق الذي لن يؤدي إلا إلى ما أدَّت إليه التجربة التي خرجوا عنها بعد ربع قرن من الحكم .

ولكن قبل أن يجفَّ مداد قلم الأستاذة رشا, جاءها ردٌ من القيادي بتيار الإصلاح حسن رزق يؤكدُ مخاوفها, و يُبدِّد الآمال في أنَّ الذين خرجوا على الحزب الحاكم قد إستفادوا من الدرس, أو أنهم سينتهجون نهجاً جديداً يتجاوز الأفكار والشعارت التي لم نجن من ورائها سوى الحروب الأهلية والفقر والظلم والتفكك الإجتماعي والتدهور الاخلاقي.

في حوار أجرته معه صحيفة "المجهر السياسي" سُئل الأستاذ رزق السؤال التالي : كيف ستواجهون تحدي فشل تجارب "الإسلام السياسي" ؟

فأجاب قائلاً : ( السودانيون لم يكرهوا ولن يكرهوا الإسلام، إنما كرهوا الذين يتاجرون بالإسلام، ومتى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة، فإنهُ سيجد القبول من الشعب السوداني، ومن المسلمين خارج السودان ).

وقع الأستاذ رزق في المحظور الذي حذَّرت منه الأستاذة رشا بعبارته ( متى ما تم تطبيق الإسلام بصورة صحيحة فإنه سيجد القبول) لأنَّ لا أحد يستطيعُ الإدِّعاء بأنه يعرفُ ما هو "الإسلام الصحيح", وهذه البديهية كان يجب أن تكون الدرس الأكبر الذي خرج به أهل تيار الإصلاح من تجربة حُكم الإنقاذ التي خرجوا عليها.

إن كان هناك درساً واحداً يتعلمهُ الإصلاحيون من تجربة حكم الإنقاذ للسودان فهو ضرورة الإبتعاد عن إقحام الدِّين في أمور السُّلطة والدنيا و الحُكم مرة أخرى بذات الطريقة التي جعلت أصحاب الشعارت البرَّاقة يُهرعون للغنائم والمكاسب والأموال, وحوَّلت الدين لمجرَّد مظاهر وشعائر وشعارات فارغة من المحتوى.

الغريب في الأمر أنَّ الأستاذ رزق قال في نفس الحوار كلاماً يُناقض حديثه أعلاه, وذلك عندما سُئل السؤال التالي : هل توجد أمثلة لحكم إسلامي حقيقية وأصيلة ؟

-فأجاب قائلاً : (المثال الوحيد هو الخلافة الراشدة وتجربة حكم "عمر بن عبد العزيز"، حيث لم توجد تجربة إسلامية غير هاتين لن نجد عليها مآخذ).

الإجابة أعلاه تثبتُ بوضوح أنه لا يوجد شىء إسمهُ "الإسلام الصحيح", وهو الأمر الذي يستلزم بالضرورة وجود شىء آخر إسمه "الإسلام الخطأ", والدليل على ذلك أنَّ الأستاذ رزق لم يستطع أن يذكر مثالاً إلا تجربة الحُكم الراشد والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز وهى الإستثناءات التي تثبت القاعدة.

وقد سبق لنا أن قلنا في معرض سعينا لدحض فكرة وجود "إسلام صحيح" وآخر خطأ أنه لا توجد تجربة إسلامية تحتذي سوى تلك التي إرتبطت بالرسول ( ص) بوصفه مبعوث السماء للأرض وما عدا ذلك فهو مُجرَّد إجتهادات بشرية تحتمل الصواب والخطأ, بما في ذلك تجربة الخلافة الراشدة.

وهذا هو الدرس الذي يُعلمنا لهُ تاريخ الدولة الإسلاميَّة منذ خلاف السقيفة , ومنذ أن سالت دماء المسلمين في الجمل وصفيِّن والنهروان وكربلاء, مروراً بإمبراطوريات المُلك الوراثي العضوض للأمويين والعباسيين والفاطميين, وصولاً لخلافة بني عثمان التي ثار عليها المسلمون في جميع أنحاء العالم الإسلامي بما في ذلك ثورة الإمام "المهدي" في السودان, وانتهاءً بحُكم ملالي إيران و طالبان أفغانستان وشباب الصومال.

إنَّ عجز تجربة القرون الطويلة لأنظمة الحكم الإسلامي عن إنزال ما يُسمى بالإسلام الصحيح لواقع التطبيق العملي سوى بضع سنوات – هي فترة الرسول (ص) - من مجموع أكثر من ألف وأربعمائة عام يعني أنَّهُ لا يوجد منهج متفقٌ عليه و أنَّ التجربة الصحيحة نفسها تجربة فذة وغير قابلة للتكرار.

يقول إصلاحيو المؤتمر الوطني أنهم خرجوا على حزبهم بسبب غياب الديموقراطية والشفافية, ولأنَّ عُصبة محدودة العدد أضحت تسيطر بالكامل على مقدرات الحزب واشتكوا من إنتشار الفساد وغياب المُحاسبة.

إنَّ غياب الديموقراطيَّة و ممارسة الإقصاء وتغييب المساءلة وغيرها من الأدواء لم تأت من فراغ, بل هى نتاج طبيعي للأفكار والمبادىء, هى مولود شرعي للمنهج الذي نشأت وتربَّت عليه قيادات المؤتمر الوطني.

ماذا يتوَّقع الناس من قيادات نشأت على مبدأ "السمع والطاعة" والثقة المُطلقة في القيادة ؟ و ماهى الممارسة المأمولة من كيان يُربي أعضاؤه على أفكار جاهلية المجتمع والإستعلاء بالإيمان والعزلة الشعورية ؟ وماذا يُرجى من أناس زرعت في عقولهم فكرة الخلافة والأمميَّة الإسلامية ؟

مبدأ السمع والطاعة ينسفُ الأساس الذي تنبني عليه عملية "المُحاسبة والمساءلة" لأنَّ المطلوب من عضو التنظيم أن يكون في حضرة قيادته "كالميت بين يدي غاسله", و"الإقصاء" هو بالضرورة الإبن الشرعي لفكرة الإستعلاء على المجتمع, أمَّا "الوطن" فهو لا يعني شيئاً أمام فكرة الأخوة الإسلاميَّة. المأزق إذا هو مأزق الأفكار, وهو المجال الذي يجب أن يبدأ منهُ الإصلاحيون نقد تجربتهم حتى لا تتكرر المأساة.

لا مجال لأن يخرج أحدهم بعد الآن ليقول أنَّ "الإسلام هو الحل" لأنَّ التجربة أثبتت أنَّ الشعارات وحدها لا تصلح لحكم الدول, وأنه لا بُدَّ من وجود برامج مُفصَّلة توضح للناس الكيفية التي سيحلُّ بها مشاكل الإقتصاد والإجتماع والسياسة وغيرها من المشاكل بعيداً عن التمسح بالدين و المتاجرة به لشراء عواطف الناس.

الإسلامُ ليس" ديناً ودولة" بالمعنى الذي يرمي إليه هؤلاء (السلطة), الإسلام دينٌ فقط. إنَّ مُجرَّد ربط الدين بالسلطة يعني إهدار معناه, ذلك لأنَّ السلطة تفسد الآيديولوجيا (العقيدة) وهو إفساد – كما يقول جمال البنا - في طبيعة السلطة ولا يُمكن أن تتخلص منه, وكل نظام يحاول الإقتران بالسلطة بقصد اصلاحها وتطويعها لا بُدَّ أن يقع فريسة لها وبدلاً من أن يكون سيدها يصبحُ تابعها.

ليست الأفكار وحدها هى ما تحتاج للمُراجعة, ولكن المصطلحات أيضاً تحتاج لإعادة نظر تضبط دلالاتها, وفي مقدمتها مصطلح "إسلامي" الذي يُطلق على من يتبع نهج الإخوان المسلمين بفروعهم المُختلفة, وهو مصطلح لا يعرفهُ الإسلام.

الإسلام يعرف "المسلم" (هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ), ولا يصحُّ أن ينسب شخص إجتهاده الخاص في فهم الدين للإسلام. هذا المصطلح المُفخَّخ يحملُ في داخله دلالة إقصائية غير مباشرة توحي بأنّ من لا يوصف به لا ينتسب للإسلام.

قد كتب الدكتور غازي صلاح الدين بعض المقالات التي تتضمن محاولة لإستكشاف ردود الفعل حول بعض الأفكار الجديدة كان أهمها على الإطلاق مقاله المنشور بموقع شبكة الجزيرة تحت عنوان "الخبرة التركية في إبتعاث الفكرة الإسلامية" تناول فيه تجربة حزب العدالة والتنمية التركي في الحُكم, موضحاًالفروقات بين النموذج التركي والنماذج الأخري في الشرق الأوسط.

المشكلة الأساسية تتمثل في أنَّه لم يطرح رؤاه بوضوح يكفي للقول أنَّ أفكاراً جديدة باتت تتشكل في عقول دعاة الإصلاح. وهنا يتبدى بوضوح الفارق بين قيادات جماعة الإخوان المسلمين في مصر, وفي السودان.

في مصر خرجت على الجماعة قيادات عليا من العيار الثقيل من أمثال الدكتور محمد حبيب النائب الأول للمرشد , وعبد المنعم أبوالفتوح نائب المرشد, وكمال الهلباوي مسئول الجماعة في أوروبا لسنوات طويلة, إضافة لأسماء عديدة أخرى من القيادات الوسيطة والشبابية مثل ثروت الخرباوي ومختار نوح وغيرهم.

لم يكتف هؤلاء الخارجون بنقد الممارسة السياسية للجماعة, ولكنهم قاموا بنقد الأفكار والمبادىء الأساسية بشجاعة شديدة, وهو الأمر الذي يفتقدهُ جميع الذين إختلفوا مع المؤتمر الوطني في السودان. وهو أمرٌ مثير للإستغراب و التساؤل, إذ أنَّ نقد سلبيات الممارسة فقط لا يكفي لعلاج المُشكلة, ولا يمنحُ مصداقية لبدايات جديدة.

ولدينا في هذا الإطار أمثلة كثيرة يُجسِّدها أشخاص مثل بدر الدين طه , ومحمد الحسن الأمين, و الحاج آدم يوسف وغيرهم من الذين إنتقدوا تجربة المؤتمر الوطني إنتقاداً مريراً, وخرجوا عليها, ولكنهم عادوا لنفس الحزب وأصبحوا من أكثر المدافعين عنه وعن سياساته التي أدانوها بالأمس !!

إذا أراد إصلاحيو المؤتمر الوطني تسويق سلعة جديدة لمختلف قطاعات الشعب السوداني , فعليهم تقديم بضاعة غير منتهية الصلاحية, وإذا عجزوا عن فعل ذلك فلن يتعامل معهم أحد سوى بعض زبائنهم القدامى, وسيكون من الأجدى لهم عدم مغادرة حزبهم لأنهم حتماً سيعودون إليه في يوم ما, وبطريقة ما.

[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1707

التعليقات
#820801 [مازن]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 07:56 PM
ياخ والله لك كل إحترامي وتقديري أستاذ "بابكر" وأوافقك في كل ما أوردته في مقالك الرائع ..

الإسلام دين رائع ولكن تطبيقه في السياسة من قبل ما يسمون "باﻹسلاميين" يسئ إليه, ﻷنه من الصعب جدا أن يطبق كما هو, والأخطاء التي يرتكبها الإسلاميين -وما أكثرها- تحسب عليه وتخصم من رصيده, الدين شيء خاص و رائع و مقدس بين الإنسان و ربه و مكانه ليس لعبة السياسة القذرة.

ليتهم يعلمون أن "الاكراه علي الفضيلة لا يصنع مجتمع فاضل .. انما مجتمع منافقين"


#820605 [سودانى وبس]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 02:59 PM
ادامك الله صوتا لنا نحن الذين ليست لهم أصوات... وقعت فى يدى صحيفة دزالترابى ((عبرة المسير)) أرجو منك شاكرا ان تنتقدها لنا فى منبرنا هذا تعميما للفائدة وتعميقا للنقاش...

حركة الإسلام
عبرة المسير لاثني عشر السنين ( تقويم لتجربة الانقاذ )
حسن عبد الله الترابي
1) الحمد لله الذي اجتبانا في الأزل فأحيانا في السودان لهذا الزمان ولم نكن من قبل شيئاً مذكوراً، والذي وقد ابتلى بني الإنسان كافة بعالم الشهادة دون الغيب والدنيا دون الآخرة هدانا نحن خاصة لحركة إحياء الإسلام في مجتمع غلب على دينه الموت والجمود. والصلاة والسلام على رسول الله وإخوانه بلغونا الهدى بالدعوة وأمّونا إليه بالقدوة في سيرة الحياة تداولت عليهم فيها أحوال العسر واليسر والذل والعز والقوة والضعف كما جرى علينا. وكيف لا نذكر الله ونشكره وقد مر علينا عهد سّراء كانت طاقاتنا فيه مستغرقة في الحركة الدائبة لحياتنا المزدحمة بالشئون الحاضرة التي ألهتنا عن تذكر ما احتجب ماضياً وتبصر ما كان يجري حاضراً والنظر إلى ما كان قادماً مستقبلاً، فلما أصابتنا هذه الأزمة الضرّاء خشيناها إماتة لكل حياة الحركة ولكن صابرها بعضنا بمجاهدات موصولة وفرّغت بعضنا ليصرف بعض جهده من المقاومة المتعسرة إلى آفاق التدبر الراصد لكتاب سيرة الحركة الإسلامية بعبرها وعظاتها فيما سلف والتفكر الراشد نحو مقاصدها المستقبلة في سياق الابتلاءات المنظورة.
فالحمد لله لم يقع علينا هذا العهد فتنة مضلّة مشلّة بل أخذت تتجلى فيه البينة تقويماً للمسير السابق وتخطيطاً للسبيل الأحكم والأرشد للمراحل القادمة. ونذكر في ماضي تاريخ الحركة كيف تعاقبت مثل هذه المقامات والمراحل حرية مسير يتلوها ضيق أسر، وكيف كنا أكثر استعانةً بالصبر أيام الشر والضيق المكروه لنقعد فننظر وندرس ما أدى بنا إليه فندبر خطة الإعداد الحكيم لمرحلة كسب كثير نرجوه للخالفة -كنا عندئذ أكثر منا اغتناماً لدورة الحرية و الخير للتهيؤ لما هو قادم بعدها.
***
2) إن مجمل النظر الماسح الراجع والتقويم المتجرد الجامع لكسب الحركة الإسلامية وقعاً على السودان في اثني عشر عاماً يمكن أن نوجز بيانه لنرى كيف كان لمطلعه مبشراً ثم ارتد بعاقبته منذراً إلا قليلاً مما أنعم الله وحفظ عفواً وحلماً.
إن الأوضاع والسياسات السلطانية لثورة الإنقاذ طلعت أولاً انقلابية مبهمة ثم تكشفت بعد عام ونصف تعلن وجهة إسلامية سافرة ثم تطورت إصلاحاً متوالياً إلى دستور وقانون مرسوم يصدق مبادئها يكفل الحريات الشخصية والتعبيرية والحزبية ويرتب انتخاب ولاة السلطة بحرية وعدل ويهيئ دستورية نظام السلطان مناصب وأجهزة متضابطة متوازنة بلا حكر أو بغي في السلطة و يطور لامركزية التشريع والأمر العام لتعتدل بين شعوب الوطن قسمة السلطة والثروة. ثم سقط النظام من ذلك الدرج الصاعد نحو الرشد والتقوى والحكمة إلى مدارك هوى الطغيان والظلم ليستبد الأكابر، يعربد بهم طائشاً شيطان الفرعنة ويؤمنهم جنود يحرسون مقاماتهم ويجوسون ويدوسون الرعية، ويعلنون مقولات ويرفعون صوراً باسم الحريات والانتخابات والشرعية و اللامركزية، وما هي إلا أعراض زور ونفاق. أما جمهور قواعد الشعب فقد كان لأول العهد ينظر للثورة مراقباً ثم أقبل بولائه العريض لنداء الدين المعلن ورجاء الدنيا الموعودة ثم أخذ أخيراً يدبر وينصرف عن موالاة المتآمرين الذين صاروا إلى افتضاح أو ارتداد.
أما الحياة الاجتماعية للسودان عهد الإنقاذ فالوظائف الحرة الذي تولاها المجتمع طوعاً من تلقائه أثمرت تطوراً مبشراً. التدين امتد في أوساط الناس وتعمق في نفوسهم بشعائر عبادتهم وقرآنياتهم وصوفياتهم، والنساء فضن في الحياة تحرراً وهدى ونشاطاً. وفي معاشه نشط المجتمع تعمر بُنى ثورته العقارية وتتكثف مناشطه التجارية الحرة. أما ما اتصل من شأن المجتمع بسياسة السلطان قانوناً أو رعايةً فقد تأخر وتدهور. فترت منظمات المرأة والشباب المرعية رسمياً، وحوصرت بالضوابط الرسمية انطلاقة العمل الخيري التي بادر بها إسلاميون وقبعت في مستوى أشكال أغلبها بلا أعمال. ومقيسة إلى مبلغ المجتمعات الأخرى ركدت في حالها مناشط الفنون والرياضة لم يدفعها تأصيل دين لتصعد ولم يكيّفها لتبرز ولم تتحرر لتنتشر حية حيثما كان.
وفي الثقافة توالت بعد الثورة دفعات مقدرة من انتشار مؤسسات التعليم العام والعالي، لكن تجمد الأمر إذ تعّوق المعلمون محرومين وشح الإنفاق. أما الإعلام صحفاً أو صوتاً وصورة فقد اتسع لكن لم تتحرر الإذاعة اتصالاً عاماً بالمبادرات الخاصة من كل الناس ولا سلمت الصحف إلا شهوراً من الرقابة.
أما مكاسب الثروة في السودان وأسبابها وعلاقاتها التي يسوسها الحكم فقد انغمرت وما عمرت روحها الدينية. واضطربت مكاسب الثروة ما نهضت صُعداً محصولاتها الدنيوية المنشودة. فالبنى الأساسية لحركة الاقتصاد بدأت تنبسط أول العهد طرقاً ومطارات مفتوحة وناقلات في الجو وعلى سكة الحديد ناشطة، ثم ارتد ذلك بإدارة الحكم إلى جمود. وكما تكاثرت وسائل الحركة الخاصة انفجرت ثورة في الاتصال الهاتفي لمّا مسه التخصيص. كانت حرية التجارة و المناشط الاقتصادية قد انفتحت مباحة للقطاع الخاص الوافرة طاقاته. والنيات في ذلك اختلطت: تاب البعض من النزعة الاشتراكية في السودان إلى منهج إيماني شرعي، المعاش عبادة بدوافعه الغيبية الإيمانية التي تباركه وضوابط علاقاته أحكام معاملات شرعية أو تقوى وأخلاق من صدقة وتكافل ومناهج تعاون وعدل وتجنب لأكل الأموال باطلاً وحراماً، والبعض اعتد بفشل التجارب السودانية الاشتراكية وانساق مع تيار الحرية الاقتصادية الغالب في العالم الصادر من المذهب الغربي المادي غايته متاع الدنيا الأعجل والأكثر ولو إسرافاً وحراماً ووسيلته المنافسة المطلقة لا يضبطها عدل ولا تقوى. لكن رغم شعار الاتجاه في تخصيص المملوكات العامة فقد احتال القطاع العام باسم المؤسسات والشركات الحرة حتى تورم وتضخم وأصبح يغشاه الفساد و الإخفاق لأنه لم يتب إلى الملك الخاص بالنهج الشرعي وظل شاذاً حتى عن اتجاه المنهج الوضعي السائد. وكذلك السياسات والنظم المالية نشطت ونمت أول الأمر تقصد هدى الإسلام لكنها انحبست دون ذلك في عالم الربا ومقامرات التمويل والتأمين والضرائب الفاحشة. ولئن عرف الاقتصاد بعض عافية استقرار بعد تضخم هائج أفسد قيمة دخول المال المحددة ومغزى آجاله المسماة، فقد اضطر حيناً ما لتجميد في حركة المال واستمر راهناً نظامه لسياسات مهيمنة واندرج بها في نظم الأطر الربوية المادية التي يديرها طغاة العولمة الظالمة.
إن الصناعات الكبرى خاصة وعامة لم تفتح لها سياسات الحكم السبل أن تتقدم، ولذلك لم تصعد إلا الصناعة الحربية التي نهض بها رجال ومال من خارج السلطان طوعاً في سبيل الدفاع والجهاد. ووازى ذلك بذل المجاهدين طوعاً وحباً للشهادة دفعة فاعلة لقوى الدفاع النظامية الرسمية أمدتها حياة ونصراً بذكر الله. وإذ غابت مقاصد الجهاد وبردت روحه شيئاً فشيئاً فلا مأمن لمصائر صناعة السلاح القائمة ولا مطمع أن تتعبأ لصناعة الدفاع الطاقات الخاصة كما في سائر البلاد القوية.
مهما كان مكسب النمو في الاقتصاد فان مسلك العدالة بين حظوظ الأقاليم والطبقات في متاع الثروة كان شعاراً واعداً أول الأمر زكوات وخيرات وصدقات ثم لا مركزية، ولكنه لم يتسارع توطداً وانتشاراً. ذلك بينما اشتد الوعي بالظلم والفقر النسبي في مجتمع كان أمس غافلاً عن فضل الثروة معنياً بفضل الدين والنسب، و فتر نشاط الصدقة والتبرع والخير وهو خلق المجتمع المؤمن المسلم، واحتدت واشتدت وطأة الضرائب والرسوم وقست بوقعها غير المباشر النافذ إلى فقراء الناس.
إن السعي الدؤوب لاستغلال ما في باطن الأرض من سائل الطاقة الأسود المبارك قد أفلحت، ومن حيثما تيسر ذلك رأينا أثر بركة الإسلام في مستثمر غربي مسلم كندي لم يصده النهي وفي جود ذي سلطة شرقي إسلامي ماليزي وفي إقبال ذي شأن شرقي صيني يوّفي بعد الإنقاذ بصداقة سابقة مع الحركة الإسلامية. وقد أصبح البترول فتحاً من الله محجوباً عائده بينما لم تفلح إلى جانبه سياسات دعوة الاستثمار من طلاب الكسب والربح في الخارج، ولم يورد شعار السياحة من تلقاء السلطان وارداً يذكر أصلاً، بل إن محاولات السلطة باحتكارات وتصرفات تجارية شتى لم تقدم صادرات السودان شيئاً لكل السنين.
وسلطان السودان أو مجتمعه أو ثقافته أو معاشه لن ينطلق نامياً بالخير والعدل إلا إذا استقام بهدى الدين الموحد وحب الوطن الجامع للمواطنين كافة حيثما كانوا شمالاً وجنوباً. وأول عهد الإنقاذ سرت تلك المعاني عبر فتوحات عسكرية بقوة الجهاد الذي كان يتوجه بتقواه لوحدة عادلة ويهدف إلى أن يؤلف ويجمع لا يصدع المواطنين بالعنف ولا ينفرهم عدواً. ولقد أخذت دعوة الإسلام تمتد في الجنوب تذكيراً وتبشيراً وتمهد فيه للمسلمين مجال نصيب عادل في رتب السلطة، وبدأت نظم اللامركزية التي كانت مطلباً وشوقاً جنوبياً تتنزل لتبسط الرضا، وكانت الوعود والعهود تعطى لتتمكن الثقة بين شقي الوطن تنفي الريب وسيئات الظنون ونزعات الانفصال. ولكن ارتدت الأمور أخيراً لأن روح الدين ضعفت وتلاشت عند المتأخرة من العناصر المتصرفة في شأن الجنوب. الجهاد يبرد روحاً والأمن الدفاعي يفتر دفعاً والأرض تتبدل أمناً والتبشير بالإسلام يخفت صوتاً واللامركزية تنقبض واقعاً والوعود والعهود تنقض جهاراً والثقة الناشئة تتضاءل وأهل الجنوب يرون أنفسهم في ظلم بيّن و فقر وجهل ومرض ملازم إلا لمن نزح وخرج من أهله وأرضه، والذين يحاربون يقومون معزولين لأن من يتفاهم معهم رجاء سلام وبناء يعتبر خارجاً مثلهم عند بغاة السلطان الذين لم يفلحوا حرباً ولم يجنحوا سلاماً. ولم يبق للجنوبيين الخوارج من مناص إلا التماس العون في عالم غربي وإفريقي ينسب الأزمة فرية إلى أصل الدين، وكنا نريد أن نشهد العالم أن الإسلام يوحد ذوي الملل ويساوي الأقوام في وطن ينفتح إنساناً وأرضاً من حوله إلى العالم.
وكذلك بدأ عهد الإنقاذ لأول عهده يُفرح الأمة الإسلامية بتوبة الإسلام السياسية والمتكاملة فيه نموذجاً ينفتح لمن يهاجر إليه لاجئاً وناصراً ومن يزوره تحية وائتماراً جامعاً، ويعلن همه بقضايا الأمة المضيّعة. ولقد فزعت منه العصبيات والقوى المرتدة عن الإسلام والكارهة له وكان يمكن بالصبر والمجادلة بالحسنى والمجاهدة أن يتجاوز كيدها، ولكن شهوة السلطة الطاغية على حدود الشرع السلطاني تناصرت مع تحريضات الكائدين من الخارج فارتد النظام على الإسلام الظاهر وعلى المسلم الزائر والمؤتمِر والمناصر ابتغاء ترضية أعدائه. لكن الكفار يريدون السعي قدماً لتمام القضاء على مولود الإسلام مهما عقّ وسارع إليهم. فالعلاقات الخارجية الرسمية مع العرب والأفارقة في سكون بارد ومع الغرب بين جفاء وتوتر.
***
3) لقد كان هم الحركة الإسلامية الأول أيام ميلادها وغربتها التوبة بحياة السودان عموماً وبالسياسة خصوصاً إلى أصول الدين بعد أن مرق كسائر الأمة عهداً طويلاً عن إسلام السلطان والمال العام لله و شرعه. وحسبنا عندئذ أن اللادينية في السياسة والحكم ما تمكنت فينا نحن المسلمين إلا بغزوة الكفار ظهروا علينا بالقوة هزماً وحكماً ثم نفذوا إلى قلوبنا بالثقافة العابرة إلينا تعليماً وإعلاماً، حتى لما غادرتنا وجوههم ما استقلت عزتنا بل تركوا فينا خلفاءهم منا ولاة أمر عام ومذهبهم في الحياة ثقافة غالبة. وما زالت حركة الإسلام الصاحية المتجددة عقوداً من السنين في السودان داعية مجاهدة حتى استوت فتأكد لها في السنوات السبعين أن الكفر لن يخليها بل سيصد عن حكم الشريعة بالقوة منه مباشرة أو من أوليائه فينا. ورأينا أن قد حق لنا أن نتقي تلك القوة ونردّها بالقوة نثور على السلطان الجاثم علينا انقلاباً ونقاتلهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين حراً لله. فانتصبنا على السودان بثورة الإنقاذ هجمة مبهمة لمقدمها، حتى استغلظ عودها صدعت بالحق جهاراً ورفعت رايته حاكماً. وقامت نفرات بالجهاد نحو عقد من السنين لتأمين مشروع الإسلام حتى ارتسم هديه المتكامل في خطة الحركة ووضعت معالمه في الشرع الدستوري الحر، حسباناً أن قد أمنت الإرادة الوطنية ورسخ فيها الدين وتمكن حكمه فما يكون لأحد من الموالين للكفار أن ينزعه بضربة قوة. وعندئذ انفسحت حالة الضرورة للعود إلى أصول الإسلام، إلى بسط السلام والحرية والتنافس بين سائر الناس حيثما اتجهوا ولو كان فيهم كفر وكيفما قاموا ولو كان فيهم نفاق اطمئناناً أن قد آمن بالإسلام السواد الأعظم الغالب، واستبشاراً بقدوم مثال المدينة المنّورة الذي قام بهدى القرآن وإمارة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يرتفع الإكراه والجبر وتسود الحرية وتتنافس الخيارات طوعاً وسلاماً وبإجماع الشعب يظهر الإسلام يتنامى ويتبارك وتزهق الجاهلية الباقية والثقافات الغازية.
وما جاز الدستور الإسلامي شورى واستفتاء لكل الشعب إلا توجهت الحركة الإسلامية من بعد تنزل أحكامه صدقاً ووعداً على واقع السلطان وتفصلها بالقوانين والسياسات. وما أوشك الدين في الحياة العامة أن يتم وتتكامل نعمته إلا انبرى عليه طاغية هو الذي نصبته الحركة أميراً على الناس، ومن حوله زمرة من المفتونين بالجاه والسلطان والمال العام، قاموا يهدمون أركان المشروع الإسلامي يزلزلون بنيته السلطانية ويفسدون أصوله السياسية والاقتصادية بينما يحفظون صورة الإطار زيفاً وأصوات الدعوة خداعاً. وقد جلت مع انفعالهم بشهوة الملك الجبار بيّنات تحريض لهم من الكفر الناقم من الخارج على الإسلام.
***
4) ما كان لعصابة سلطة أن تخون مواثيق شعبها الدستورية وتنتهك حرياتهم وتستبد دونهم، ما كان لهؤلاء أن يمضوا على الناس هذه الردة البالغة لولا الاستخفاف بمجتمع ما زالت واهية قواه بالية حباله أن تجتمع إرادته وتصلب وتنفذ فوراً، قاصرة مداركه أن يتجاوز بالهمّ حاجات المعاش البائس المباشر إلى عموم القضايا وبالنظر واقع الهموم الشاغلة والأحوال المشهودة إلى مصائر حركة الحياة المتطورة، منسية أصوله لا يرتفع بالضوابط والعلاقات والأعراف الجامدة المتقادمة إلى أصول القيم ومعالي المثل. و هان المجتمع سياسة لأن ثقافته ما انفكت ساذجة قد تغشاها عدوى التقليد لفرعيات السلوك الجميل الظاهرة من الثقافات الغربية لكنها لا تُشرب بمعاني الحرية العامة وأصول نظمها وسننها التي تتقي الطاعة للاستبداد. وقد كانت ظنت الحركة الإسلامية بحملاتها الماسحة للمجتمع دعوة وتذكيراً أن قد أحيت قوته ونشّطت عراه ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر و ليقيم الحق ويغير الباطل مجاهداً، وأن قد بصّرته بعموم القضايا وقبلة المصائر للحياة العامة ليدفع نحو البُنى والآفاق الكلية، وأن قد بيّنت له شمول مدى العبادة والدين لكل مساقات الحياة وأوقفته على عبر من سنن البشر وعظات من تاريخ المسلمين لئلا تنخرق في الإسلام ثغور السياسة و الاقتصاد العام. وكأن الحركة قد اطمأنت إلى أن المجتمع نضج وعيه وسيهب مسارعاً لتقويم أيما عوج يصيب مشروع الإسلام.
لقد بدا الآن أن مجتمع السودان ما هو إلا من سائر المسلمين الذين تطاولت جهالتهم وغفلتهم عن أصول الدين الهادية وفقه أحكامه الضابطة في شئون السلطان وغاب عن واقعهم نظام الحكم الإسلامي خسفته نظم عرفية من الجاهلية أو مفروضة من الكفار أو مبتدعة من هوى الحكام. وذلك قد أضعف عقيدة التوحيد التي تبسط الدين في الحياة كلها عبادة، فقد قصر في غالب أوساط المسلمين مصطلح العبادة على الشعائر الشخصية الراتبة التي صارت هي أشكالاً وأصواتاً راتبة لا يدرك مغزاها في سائر الحياة، واستبدت بذلك الفراغ الباقي الأهواء خواطر رأي قاصر و نوازع شهوة عاجلة وقوى عرف أو طاغوت. بل إن أصل الانتماء إلى الدين عند غالب الناس لم يبق إيماناً حياً تصدقه الفعالية بل عاطفة انتساب باردة لهوية تاريخية تحملها شعارات مبهمة. فغالب أبناء الملة لا ينشطون بحوافز إيمان للاجتهاد فكراً ينشدون الهدى المتجدد مع تحول الظروف بل هم عالة على المنقول والموروث. وهم لا يقومون بالجهاد لإصلاح ظواهر علو أو فساد أو ظلم استقوى واستكبر عليهم بل يرضون بالواقع ويسكن فيهم الشعور بضعف الحيلة ويجدون في نفوسهم الرهبة من الجبروت المشهود ويركنون له استسلاماً لحظهم المقدر في حياتهم من الله فيما يظنون. إن إسلامهم أصبح دون تمام الدين المستنصر بالله فكراً وفعلاً الموحد الرغبة والرهبة إليه تعالى الصارف أوهام التعذر الباطل بالقضاء والقدر. لقد بعُد عن واقع تدين المجتمع المسلم أن يفقه أهله أن أصل الإيمان وشرع الإسلام يجعل علاقاتهم كلها عهوداً توفى وأكبرها عقد الموالاة الأجمع لأمة الإسلام والوطن، وأن الولاية لأيما أمر عام على الناس أمانة وأخطرها الولاية الكبرى، وأن حياتهم العامة كلها حرية واختيارات وشورى وإجماعات ومسئولية وتكليفات. ولذلك لما تأزمت مسيرة المشروع الإسلامي في السودان إذ أصيب في أصول شرعيته وأمهات أوضاعه كانت الغفلة ضاربة في كثير من الأوساط بين الناس وتوهموها أعراض صراع بين أهل المشروع حول أيلولة السلطة بينهم، كما عهدوا في صراعاتهم العرفية على الولاية القبلية والطائفية والحزبية أهواء لا يضبطها عهد أو نصح أو دين.
الحمد لله بدا ذلك في تجربة السودان وتشخصّ المرض السياسي لا في أعراضه عند الرعاة الطغاة يتمتعون بخيانة العهود وطلاقة الغدر و بالوطء على الحريات واستبداد الرأي وباحتكار المال العام وتصريفه فساداً، بل في جذوره عند الرعية حيث لا تشفى علاجاً ولا تكفي الكلمات المبسوطة في حملات الأقوال والندوات. إنما الدين المتعافي اعتقاد يصدقه الفعل ويقويه العمل، مثل ما أن آيات الله المنزلة هدياً مسموعاً تعززها آياته في الكون طبيعية واقعة مشهودة وآياته وسننه في تصاريف حياة البشر تجربة وواقعاً. إن الوعي السياسي والرأي والتجديد والحرية المنطلقة والشورى الحية وغلبة الإجماع الشعبي توجيهاً وضبطاً ووضعاً وخلعاً لولاة الأمر العام -ذلك لم يتمكن في حياة المسلمين لصدر تاريخ الإسلام إذ لم يتداركهم بعد كافي العلم والعمل الصالح بل تكاثروا مثقلين بجاهليات باقية وتقاليد رومانية وفارسية غالبة أرست في نفوسهم منكرات من مذاهب السياسة. ولذلك مضت الخلافة السنية الراشدة عهداً قصيراً سنة حملتها خيرة مصطفاة ثم انهار مشروع الحكم الإسلامي الحق سريعاً تسارع انفراج الإسلام لأفواج القادمين. وكذلك في تجارب العالم الغربي كانت تسود قديماً القوة لا الحرية والأمر لا الشورى والطاعة الذليلة للملوك لا الحرية الحية العزيزة والإجماع للشعوب. وذلك الحال لم ينته بفشوّ نظريات من مذاهب الإحياء الفكري والتجديد والحرية والمساواة وورود دواعي الإصلاح الديني والعقد الاجتماعي من الإسلام بل بعد تحقيق ذلك و تعزيزه فعلاً بالمدافعات والثورات الشعبية القاصمة لقوة المستكبرين قداسة وسياسة. و منذئذ قامت الإعلانات لحقوق الإنسان والمواثيق والدساتير عهوداً تنشئها وتحرسها قوة الشعوب التي يراعيها ويخشاها ولاة السلطة وتتمثل إرادتها في القوانين مهما نسي الحكام حكم الله وغفلوا عن رقابته وقوته.
إن مجتمعنا ما انفك غالبه في حال أمية فاشية ووعي محدود وفي أوضاع معاش غالبها كسب فردي بائس زراعة ورعياً بعيداً عما يجري في ساحة السلطة. والواحات في صحراء الجهالة الريفية هي خلاوي قرآن لا شأن لها بشئون السلطة ولا تتلوا آيات القرآن إلا أصواتاً. والقطاع الحديث تعليماً واقتصاداً محدود وما فيه من بعض خصوصية حرة للناس تحاصرها المرافق والمملوكات الرسمية وترهنها السياسات الآمرة. ولذلك المجتمع بعيد أو ضعيف يخلىّ السلطان متمتعاً بتصريف سياساته بغير كثير سميع ذي وعي ينصحه فارضاً سلطاته بغير كثير رقيب ذي قوة يضبطه ويصده عن الطغيان محتكراً بغير كثير شريك يقاسمه ويعادله. والديمقراطية في الغرب إنما توطدت حريتها ومشاركتها السياسية مع نهضة الاقتصاد الخاص للإنسان حراً وشريكاً بل الثورات السياسية إنما قادتها الطبقة ذات الكسب الحر والمال الحديث. والعصر الحاضر شهد أشد النظم صلابة في مقامع كبت شعبه وأشملها إطباقاً على حياته -في روسيا وحولها، لكن ما تطور الوعي والعمل الثقافي والاقتصادي إلا وأبصرت الجماهير أمرها وحميت حملتها على النظام فانهار فوضى انتقال في سبيل الحرية. وأنّى لمجتمعنا بحاله الراهن أن يتحرر ويتجدد حتى ينبعث فيه الدين الذي يفرض العلم على كل مؤمن متفكر حراً لا يُحتصر، ويوصى بالضرب في الأرض ابتغاء الرزق لمن يستخلفه فيه الله لا يُحتكر، ويؤتى الملك لمن يمكنهم الله من السلطان ويستخلفهم سيادة في الأرض شركة بالرأي و التناصح والتشاور والإجماع لا يستبد بالأمر أحد. إن المساهمة والمشاركة والمداولة بين الناس حرية لكل أحد ينبغي ألا تكبت وتكليف ينبغي ألا يعطل في العلم أو المال أو الحكم -ذلك هدى متناصر موحّد، أيما ثغرة في مجال تهوي به نحو الاحتكار في المجالات الأخرى. هكذا كانت قداسة الكنيسة تخصها دون المؤمنين بأسرار العلم واللاهوت فلا تنتشر العلوم بالعقول، وناسب ذلك أن يختص الإقطاع بالثروة فلا يتسع الكسب بالجهد المسخر، وكامل هذا وذاك استبداد السلطة خالصة للملوك والأمراء لا شريك فيها. وانهار الاحتكار بضروبه كلها التي كانت تقوم معاً، وذلك في نهضة أوربا صحوة علمية وبرجوازية اقتصادية وديمقراطية سياسية. والمسلمون كذلك نهضوا بالحرية في كل مجال ثم انسد باب الاجتهاد لتقليد السلف، وسقط حكم الخيار والشورى الراشد لطغيان الخلافة والسلطة والإمارة العضود، وسلم المعاش الحر ولكنه تدهور عموماً وبرز المترفون، وتداعى نكران الحرية صلة بالله لا في كنائس بل في شبيه منها عصبيات شيوخ فقهية وطرقاً صوفية متعصبة وفي عقيدة قدرية وجبرية عزلت مذهب المعتزلة في حرية كسب الإنسان.
***
5) منذ أن نشأت الحركة الإسلامية إذ كانت في قلة وذلة غريبة بأطروحات دعوتها عن إطار المجتمع حولها، كان شأن علاقتها بالمجتمع مجال جدال. بدأت معتزلة سرية تجافي حياة المجتمع العامة وسلطانه بخروجه قروناً من الدين ونأيه الأبلغ حاضراً وتتقي تدابير الاضطهاد المعهودة قروناً ضد أهل الحق الناصح والمشهورة بشراستها حاضراً على الحركات الإسلامية. ولكنها كانت حركة دعوة يلزمها أن تتصل وتنفتح وتهدي فتضم إليها من سواد الناس مهما كان منبتها الأول في بيئة صفويه خاصة. وظل الجدل دائراً: البعض يوصي بواجب فتح الدعوة جهاراً للناس عموماً لأن الدين يوصي بمخاطبة الإنسان كله مدى أقرب فمدى حول الدعاة حتى يبلغ الخطاب الناس كافة لا سيما أن الموالين متى أصبحوا كمّاً كبيراً أرجح وأفعل لنشر الدعوة ثم لتحقيق مقولات الحق بالفعل وإنفاذه بالقوة في وجه الباطل المتمكن قبلاً. والبعض يذكرَّ بأن الكمّ لا يجدي ولا يغني بعدّه وإنما التعويل على الكيف تزكياً موصولاً بالله هادي القلوب وناصر الحق بقوته سبحانه فكم من فئة قليلة غلبت كثيرة بإيمانها وصبرها. ولذلك كانت الحركة لأول عهدها تدعو الأفراد فتزكي دينهم وتربي قوتهم. أما بعد ثورة الإنقاذ فقد استمر أول العهد التعويل على طلائع الوعي المتجدد وعلى شريحة القيادة في الحركة الإسلامية التي غالبت قوى الباطل التي كانت تطارد الإسلام قهراً من ساحة السلطان فقلبتها وسيرت الأمور بعد الفتح سراً بدائرة محدودة من أعضائها. ولربما راودنا الغرور بحركتنا إذ آثرنا الاستغناء عن المجتمع بالعكوف عنه تفرغاً لتطهير ساحة حياته العامة وتأسيس أركانها وتأمين مشروع التوجه الإسلامي والانصراف عن هدايته وتزكيته لأجل مسمى والاكتفاء بتعبئته ومخاطبته جولات حينما لزم ليبذل أو يصبر في شأن ذي بال. ومن بعد أحطنا الشعب وأظللناه بأشكال وهياكل صورية من "المؤتمر الوطني" لا تحيا بإجامع رأي حي وولادة صف قوى مخلص بل تعلّق الناس بخيوط ولاء إلى الجهة الأعلى الحاكمة لتقطع وشائج الولاءات المهزومة.
هكذا فرطنا سنين في الإقبال على المجتمع بالهداية والتزكية الصبورة وغفلنا عن أن الشريحة الفوقية مهما كانت زكية قوية لن تقوم إلا على قواعد متينة عريضة من صفوف الشعب، ومهما فرضت سلطانها لا تنزع من الشر ولا تدفع الخير إلا قليلاً لأن السواد العظيم من المؤمنين أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتعمر وتنصر بما لا تبلغه قلة. وقد أُوصى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يدعو ويجمع ويصلح الناس على ألا يكرههم زجراً وترهيباً ولا يحاول شراء القلوب كلها بإنفاق المال العام ولو تحصل له ما في الأرض إذ لا يؤلفهم إلا الإيمان. إن الدين هو كسب مجتمع المؤمنين لا كسب شريحة فاضلة. لا تُبنى حياة وحضارة تامة متكاملة نموذجاً يمتد في الأرض والزمان إلا بعطاء كل أفراد المجتمع أو غالبهم إن اعتل أو ضل بعضهم، لابد أن ينتشر العلم ثقافة شاملة وتتعبأ الطاقات نهضة فاعلة. كان ينبغي علينا لأول العهد أن نقبل على المجتمع قوام الحياة بالتذكير والتزكية والتربية، يسوح فيه الإسلاميون الناضجون كفاءة معلمين وقدي حتى تنتج من المجتمع الكفاءات الأكثر وتصدر منه الطاقات الأجمع ولا يحرم المشروع الإسلامي من ذلك القدر المتبارك الجليل باحتكاره للقليل.
والحركة الإسلامية لما مكنت نظامها واتجهت في العهد الخير لفتح الحريات العامة مطمئنة من حذر خطرها انداحت على الجماهير لتنفذ بالدعوة الدينية يحملها نفوذ السلطة إليهم إذ كانت السلطة منذ الاستعمار إلى خلفائه هي التي صدتهم عن الدين. ولكن ذلك الانتقال العاجل إلى الكافة أزّم ترتيب العلاقة بين الباطن الخفي الذي كانت تسيره خاصة الحركة والظاهر الذي أقبلت عامة الجمهور من تلقائه. وكانت التراتيب تضطرب لتنظيم قيادة المؤتمر الوطني بما يجمع ويوفق مغزى الانطواء على صميم الحركيين الخلص وجدوى الانطلاق في سيق الولاء الجامع، وبما يتجاوز التقية والباطنية النفاق ويكف التسيب والانحلال والانبهال سدى. وحتى قبل إقبال الجماهير بعامتهم وأعلامهم كانت أوضاع القيادة في ثورة الإنقاذ معلولة إذ انضاف إلى صف قادة الحركة الإسلامية المزكين والمدربين طائفة من عسكريين كانوا على ولاء بعيد معزول عن حياة الحركة، وآخرين ما ترقوا بسلم الاصطفاء المعهود في الحركة بل بدواعي الوظائف الرسمية في الدولة، وآخرين انحازوا إلى الثورة واردين من القوى الحزبية والسياسية الأخرى أو من الخدمة العامة والأوساط التي كانت مستقلة لكنهم جميعاً انتقلوا بمرتبتهم القيادية التي جاءوا بها مما سبق. ولإفساح المواقع في القيادة لهؤلاء جميعاً ولضرورات الابتلاء الجديد مع السلطان تأخر إخوان صلّح كانوا أو أصبحوا جنوداً مجهولين. وذلك كله من دواعي الفتنة والارتجاج في قوامة الأمر، وقع فجاءة لم تتهيأ لمقتضياته رؤى أو تتقيه خطة، وهكذا لم تكن قيادة الحركة سليمة تحتمل البلاءت النازلة.
إن وهم الغرور الذي ولّي الحركة كل تكاليف المشروع الإسلامي بناء وتأميناً والتعويل على السلطة في تمكينها من كل التغيير والإصلاح الاجتماعي اللازم، ذلك هو الذي دعا لدفع الأكثر من خيار أبنائها إلى دواوين السلطة، بل توسعت الدواوين والمرافق للحكم مركزياً ولا مركزياً و تكثفت مؤسسات المال العام وشركاته حتى تستوعبهم ويكون الأمر والمال العام كله بأيدي الأفضلين أمانة ورشداً. وأولئك بهموم تلك المناصب انشغلوا عن هداية المجتمع وإصلاحه حتى عندما نشأت ضرورة الإقبال عليه و إشراكه في الأمر. وهم أنفسهم تعرضوا لفتن السلطان لسطوته وثروته وما كانت مناهج تزكيتهم الحركية تعدهم علماً وخلقاً لخوض تلك الساحة الفاتنة بل أن الثقافة الإسلامية الموروثة عموماً لم تكن تزود أحداً بأهلية كافية فالفقه والتصوف كله في ذلك فقير معتزل، ثم إن في صفوفهم كثيرين من الدخلاء الغرباء وفيهم من قد يغويهم بما استورد من غواية.
إن أبناء الشريحة القيادية لحركة الإسلام كانوا قد عاشوا عهداً طويلاً أيام الدعوة الأولى في غربة وجدال وخصام إذ أحاط بهم طيف من عشاق المذاهب الاشتراكية و الليبرالية. ثم لما بلغوا أشدهم فاقتحموا السياسة عهدوا صنوف المشاقة والمؤاذاة من متعصبة الطائفية رمياً بالحجارة وضرباً بالعصى ليصدوهم ويحموا الاتباع من الوعي والانصراف. ثم تعرضوا لسنوات طوال أيام مايو لملاحقات ومراقبات وتشريدات وسجون وصنوف أذى في الإعلام. فما عجب لما استوى لهم الأمر منقلباً وتمكنوا من القوة بثورة الإنقاذ أن يأخذوها حاملين رواسب الثارات المستفزة فيقابلوا الآخرين جميعاً بروح المقاصة والمجازاة بالمثل، لا سيما أن الدفاع عن الأرض والولاية التي استخلفوا عليها دعتهم إلى الجهاد والاستشهاد وذلك لغير المتفقه التقىّ يهيج روح الثورة الغاضبة تصويباً على الأعداء لإهلاكهم والقضاء عليهم انتقاماً أو كبت معارضة بما يكاد ينسى مقاصد الجهاد ووصايا القرآن للمتقين الصابرين بكظم الغيظ والعفو والسماحة وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم بإطلاق العدو المغلوب والمعارضين المؤذين، وثمة هدى الحكمة بأن التعايش والتدافع سلماً بين الحق والباطل مهما شق الصبر إنما هو منبت الصلاح، فالرأي إذا لم يقابله بالجدال الحر رأي معارض يستفزه فيفجر فيه ما يغذيه ويثريه إنما يخمل ويفقر، والقوة مغالبة أو محاربة إذا لم تقابلها قوة تهيجها تفتر وتهي، بل إن الفطرة المنطوية على بعض شر المستعدة لأن تقذفه في وجه من يصارع إنما تلهم أصحابها إن لم يجدوا عدواً أن يتخذ بعضهم بعضاً عدواً لأوهى أسباب الخلاف. فالذين احتكروا السلطة من أبناء الإسلام انصرفوا عمن قد ينتقدهم أو يباريهم فيضطرهم لتجويد أدائهم وتخريج حيثيات سياساتهم وثمراتها حقاً وخيراً على الناس أصبحوا يسيئون ولا يخاطبون أو يبالون بأحد، فسري بين الناس سوء الظن بهم وتضاءل الرضا بما يفعلون، وأجهزة تأمين سلطتهم غدت تظلم وتستبد حتى إذا حسبت أنها قضت على الأعداء انقلبت على الأقربين لتصوب عليهم شرها البالغ. والذين احتكروا مؤسسات المال العام محصنةً لا ينافسها أحد كان يثاقل جهدهم ويخفق كسبهم.
والأخطر من الصمم عن الرأي الناقد أو المعارض أن الحركة أخلت ساحة الحياة العامة من كل القوى الأخرى. ولربما تبين لهم أنهم إنما اسكتوا أصوات القيادات وإن بعض القواعد ما تزال على عهدها القديم، لكنهم استخفوا بذلك وتنطعوا في تقدير جدوى حكر الساحة مطمئنين أن رواسب القديم إلى تلاشٍ محتوم. ولذلك أطبقت الغفلة عن هدى القرآن والسنة في علاقات قد تقوم مع آخرين مهما كان بعدهم عن الدين الحق. وانقطعت كذلك التجربة التي عرفتها الحركة قديماً لضرورات الحياة السياسية وحاجاتها. هكذا تعتزل الحركة عن غيرها تعصباً واستغناء وتلجئ الآخرين إلى التماس التحالفات صفاً عليها. لكن ما انفتحت الحركة على الجماهير وفرّجت حرية العمل السياسي للآخرين إلا أدركت أن الدين من أكل الفرد وزواجه ومعاملاته إلى مجاهدات جماعة الدين في منافسات الحياة ومواقعاتها ومقاتلاتها يفتح أسباباً للتعامل مع الآخرين من أجل حفظ الدين في الإنسان والمجتمع ومن أجل الدعوة إلى الدين ومن أجل دفع الشر وجلب المصلحة للإنسان كله. الدين حق ينبغي ألا تشوبه شائبة غريبة لكن حملة الدين مبتلون في الأرض بوجود الناس منهم كافر ومنافق وليس لهم أن يستأصلوا أولئك بل عليهم أن يقدروا حكم الدين نصاً وحداً وهدّية اجتهاداً فيما يلزم فيه التبرؤ والمفارقة والاعتزال ومايجوز فيه من الخلاف التآلف والتحالف لمدى. أما الهجر للإنسان بالقطيعة المطلقة فلا مجال لها. تلك ظواهر تصور الدين تعصباً يصد أهله عن بنى الإنسان ويقيم بينهم سداً من خلاف مطلق وسبباً لأن يتفاقم الخلاف - سنة البشر الفطرية - فيتحول إلى صراع بالقوة والظلم، كأن لا مجال فيه للجدل بالحسنى و التناظر بالسلم والوفاق والتعاون على شئ ورد النزاع إلى المجتمع يحكم فيه بالمذهب الأغلب إيماناً أو كفراً لئلا تلتهب العلاقات كلها صراعاً أعمى تحسمه القوة الأبطش، وكأنه لا منافسة في الدين ولا عبره بالحسنى ولا عقد صلة بين بنى الإنسان إلا بالعقيدة الإيمانية المشتركة إلا بالمذهب الواحد داخل الملة، وذلك ألا جد في الحياة ولا تدافع بل يخمل الفكر والسياسة والجهاد والاقتصاد وتنحط الحضارة وتموت.
والقيادة الإسلامية الصاعدة عن بيئة مجادلات حول أصل شرعية الدين في السياسة وقليل جداً من محاجات حول المبادئ العامة، والمنشغلة بالمجاهدات تأميناً للمشروع الوليد الذي أثار غيرةً من ورثه الدين وكيداً من أعداء الإسلام باسم الصليب وتآمراً لوأد الطفل قبل أن يشبّ - تلك القيادة لم يتهيأ لها أن تنزل الدين متجدداً مفصّلاً على قضايا السلطان والمال والشأن العام ولم تفرغ لذلك بل استمرت طويلاً ترفع الراية وتصرخ بالشعارات العامة وتدافع عن الأصل. وقد غاب الدين إيماناً وفقهاً لقرون وترك ثغوراً مظلمة في أحكام الحياة العامة وأخلاقها. بل لم يصدر عن الحركة في هذا العهد ولا القليل مما ينبغي من اجتهاد وفكر كثيف يستدرك الفوات ويملأ الفراغ، وبقي الزاد الفكري هو المعهود القديم من تذكير بالمبادئ ودحض للشبهات العامة ليس فيه من رؤى مجددة أو برامج منزلة أو فرعيات مفصلة أو نظم مؤسسة مؤصلة على سياقات الحياة ومشروعاتها في السياسة والاقتصاد. وإذ انحجب المعارضون والمرتابون بكبت الحرية لم تثر التساؤلات والطعون التي تستدعي فكراً منتشراً.
وفضلاً عن ذلك استمرت بل استشرت روح السريّة في الحركة مع أنها أمنت من الخوف الداعي للخفية. فالقضايا لا تتعرض بالشورى الواسعة للتقليب الكثيف لحيثياتها في الواقع وأحكامها في الشرع ومآلاتها المنظورة، بل القرار فيها يقتصر على دائرة محدودة ويقع على عامة الناس وحتى على قاعدة الحركة بل عامة الناس أمراً نافذاً بنصه وحسب أو تحت شعار مبهم. والمداولات الداخلية شرحاً للمسائل للتقرير والمحاسبة والقرار واستئناف للنظر ما كانت تحسب مثلاً حسناً للأداء تعلن وتعرض للقدوة. بل كلها أسرار حركة تكتم للحفظ من الكائدين ولا تكشف حتى بعد حين استدراكاً لخطأ وإصلاحاً أو أخذ عظة وتكفير بفعل يبدل السيئة حسنة. إن جماعة الإسلام يلزمهم أن يقرأوا كتاب عملهم وسيرتهم تقديراً وحساباً قبل أن ينظروا في كتب الحساب يوم القيامة ومن أجل الاتعاظ والاعتبار والاستدراك والاستقامة. إن مرض النفوس هو الذي يجلب لهم الفرح بما أوتوا من منجزات وعد ومحصلات فعل، بل يوحي فيهم حب التفاضل على الناس والحمد بما لم يفعلوا والتستر على العيب. وبيان الكسب ولو كان سلباً مما يعلمنا القرآن الذي يذكر أعمال الأنبياء خطأ وصواباً وعتاباً وثواباً وهم المثال للإنسان الخطّاء التواب، وذلك البيان هو دعوة تجذب الناس إلى من يعرفون عيبهم ويبينونه قبل أن يبين للناس بعاقبتهم ولو بعد عهد من المفاخرة والعجب.
ولقد تعرض كثير من الإسلاميين دون تجربة وعبرة سابقة للسلطة بشتى مواقعها فاحتوتهم الشهوة السلطانية بغير سابق تزكية للتقوى الحافظة التي تقاوم هواها وشيطانها وبغير حريات عامة ونظم دستورية متضابطة ففقدوا المعارض والمراقب والضابط الذي يحرك ويقوم ويذكر وينصح ويعالج ويحفظ. ولذلك استشرت أمراض السلطة المفسدة في كثير منهم يتسلطون على الآخرين بكل وجوه الأذى بل حتى على أنفسهم لما ابتلوا بالاختلاف حيث كانوا أشد قسوة ومرارة. وحب التشبث بالسلطة اجتاح حصانتهم الأخلاقية، بعضهم لا يبالي ليشبع نفسه بمتاع السلطة أن يخون العهد أو يعطل حد الشرع أو يغض الطرف عن ذلك، وبعضهم تنازعه النفس التقية اللوامة ألا يتمادى في الموقع الخطأ فتغلب عليه النفس الأمارة بالسوء افتتاناً بالجاه والمال والسلطة يمني نفسه ويراوغ ويلاطف أن تورطه في بعض الشر خير من الخروج من حمى السلطة لئلا يخلفه ذو شر أخبث فيفسد في الأرض لمدى أبلغ أو أنه يشفق أن يهجر إدارة المشروع فيتزلزل ويسقط كله أو نحو ذلك من حيل التعذر للنفوس المريضة الخاسرة.
كذلك تعرض بعض الإسلاميين لفتنة المال العام من خلال دواوين السلطة حيث تنساب الواردات السائبة وتتوافر فرص الاغتنام وفتن الفساد بأبوابه العمد أو ذرائعه أو شبهاته. أما المنزلقات للغل في المؤسسات والشركات العامة فهي أشد لمرونة الضوابط للمال مورداً ومنصرفاً ومراجعة. إن محتكري السلطان يزينون لأنفسهم دائماً أن يستولوا على أموال الناس يحتجون أنهم أولى بتصريفه رعاية للمصالح العامة وعدالة لذوي الحاجة. هكذا انقلب الاشتراكيون في روسيا بعد الثورة والتمكن رأسماليين هم بحيازة كل المال وتبين أنهم أسوأ تصرفاً لأنهم لم يكسبوه بجهد ليقدروا قيمته ويرعوا الاقتصاد فيه ويعذروا شيئاً ما في الجنوح به نحو الترف استهلاكاً والظلم معاملة. والعجب أن تسري العدوى على الإسلاميين عندنا تلك السنة الخبيثة فيتسع في عهدهم القطاع العام ويتورم فتطغى فتنته على نفوس كانت طاهرة أمينة عفيفة، حسبناهم من نتاج ثقافة التزهد الصوفي وفضيلته الرائجة في أعرافنا الدينية، فاستشرى فيهم حب المتاع بالمخصصات لهم مسكناً ومركباً وبالمسالك التي تلوى بالواردات والمميزات بغير حياء أو تقوى، وتجافوا عن سوابق المثل من سنن أولياء الأمر الصالحين من السلف وعن مبادئ الشرع الذي يترك مال الله يستخلف فيه الناس خاصاً يكسبونه ويصرفونه أحراراً لأنفسهم إلا ما يعطي صدقة أو ما يؤخذ زكاة أو مفروضاً أو ما تضبطه أحكام حدود التعامل والاستهلاك. ولئن عمل بعض الإسلاميين في مجال الاقتصاد الخاص فقد كان ملحوظاً في الحركة من قبل أن علمها الاقتصادي الإسلامي متأخر كثيراً عن مستوى فقهها السياسي - مثل سائر الحركات الإسلامية في العالم لأن فسوق الاقتصاد من الدين قديم في تراث المسلمين. وكان كسّاب المال في الحركة قلة وبعضهم آثر ألا يضرب في السوق منافساً بل أخذ يعول على الرخص والفرص الميسرة من إخوته في الدواوين والمصارف والقطاع العام. وكلهم دخلوا ساحة التجارة أفراداً لا يعرفون الشركة بأصل التعاون في الدين، تقليداً لعجز معهود لدى سائر المسلمين الذين قصروا الصف المرصوص للمؤمنين قليلاً على الصلاة وأقل في الجهاد وأدنى ما كان ذلك في ساحة المال. ولم يحصل في عهد الإنقاذ للإسلاميين القدامى من نصيب يذكر في نمو أموالهم مهما ظن وافترى عليهم الأعداء. وحيثما كانوا استقام قليل منهم بينما تعسّر على البعض أن ينزلوا على أعمالهم أحكام الشرع وأخلاقه اتقاء للحرام وبسطاً للمندوب واعتصاماً بمقاصد الآخرة وراء الكسب والربح العاجل.
إن إخاء الموالاة وعهدها بين الإسلاميين قوة لدفع حركة الإسلام وقدوة في علاقات المجتمع عامة، ولكن الرابطة تحولت بهم أحياناً مع فتنة السلطان والمال العام والعلو والفساد إلى عصبة لا يقوم كل منهم قواماً بالقسط شهيداً للحق ولله ولو على نفسه أو إخوانه بل تحمل العصبية بعضهم إلى غض الطرف والمحاماة مخاصمين عمن يوالون ولو كانوا يدركون خطأهم. أما تمكن الحركة في السلطان فكأنه بالعصبية الغاية المطلقة لكل الدعوة والجهاد لا الوسيلة لإقامة دين المسلمين بهم ولهم والناس كافة، وكأن دولتهم هي بهم هم إسلامية مهما انحرفت عن أصول أحكام السلطان وخرقت شروط الشرعية الإسلامية، وكأن مواقعهم هي الفرص السانحة لإقامة المشروع ينبغي عندهم ألا تضيع ولو ضاع الحق فلا مردّ له إلا وهم عليها، بل لعل الحذر عند أولئك البعض ألا ينافسهم فيعقبهم عليها أحد يحرمهم من متاعها أو ينقلب عليهم محاسباً فيؤذيهم كما آذوه.
***
6) الحمد لله ما زالت للدين في السودان بقية غالبة في المجتمع حية حافظة لعهدها مستقيمة للإسلام رغم بلاءات الجبروت المنقلب على الذين أسسوا له صروح السلطة. فلئن تهافتت قيادات عرفية بين الناس وتابعت وطاوعت السلطان رغبة ورهبة كيفما ضلّ، فإن قطاعات واسعة من المجتمع من عامته وأعلامه من شتى شعابه قد استعصموا بالحق بنفوس كانت تحررت من قبل من الولاء التقليدي للسادة والكبار واليوم قاوموا فتنة الولاء لكبار الدولة وسادة المناصب الرسمية. إن ولاءهم الصادق لصف الإسلام ودعوته المتجددة قد تمحص اليوم بعد أن كان مشوباً أمس بشبهة الميل مع السلطان القاهر القائم باسم الإسلام المتصرف في مصالح الناس. كان يشتبه الصدق بالنفاق فقدر الله فرقاناً من البلاء يميز المخلصين لله فبرزوا أفراداً وأفواجاً. وقد يكون ذلك يسيراً في حضر العاصمة حيث الوعي المميز والعزة المستقلة، ولكن الظاهرة تبدت بأبعاد عريضة حضراً وريفاً في شمال البلاد وشرقها وغربها وجنوبها، لعلها تعبر عن فطرة أهل هذا الوطن الأحرار ببنيتهم الاجتماعية وبيئتهم الطبيعية من الخضوع الذليل لجبروت حاكم، وقد تعزز ذلك في عهد الإنقاذ بتطوير التعليم والوعي السياسي والاقتصادي وطلاقة الهجرة والنزوح من الأطر العرفية الراهنة للقديم. ولا شك أن تعاظم الظاهرة هو أيضاً تذكر واستجابة لكلمات الدعوة الإسلامية التي انفتحت حديثا على الناس ولظهور الصبغة الإسلامية للولاية العامة على الحكم ولما تنزل عليهم فأحاط بهم من نظم الائتمار والشورى في التدبير والتقرير للأمر العام والانتخاب والمساءلة في الولايات القيادية في الحكم الولائي والمحلي عموماً وفي أبنية المؤتمر الوطني. وفي هذه الأطر ترد القضايا بالمبادرات عفواً وتصدر القرارات تراضياً فيما ينبغي إجازته لا بأمر أولياء الأمر، وتنبسط السلطة والثروة والرأي والحركة العامة منفكة من قبضة الأيدي المحتكرة قبلاً للسادة والبيوت والشرائح الصفوية.
وبعد انحسام أزمة الخلاف وعند مراجعة بناء المؤتمر الوطني شعبياً لله لا للسلطة والجاه بل ضدها انبعث السواد الأعظم من الموالين الأوائل مستجيبين صدقاً لا تحشدهم ولا تنظمهم أصوات السلطة ومراسيمها وصبراً لا تصدهم رهبتها ناهضين جمعاً يأتمرون وينتدون بحيوية واعدة. أما محاولات مراجعته لأنفسهم من تلقاء ذوي السلطة بأبواق الإعلام الرسمي وأموال الخزائن العامة المسخرة وأوامر السلطان الضاغطة ومعارضه الفاتنة فلم تخرج شيئاً إلا "الهوامين "، في المناصب السياسية والكبار من خدم الدواوين وقليلاً من "القوارين" المستثمرين ود السلطة، وبالطبع عليهم جميعاً فرعون وجنود أمنه، وكثير من المقبلين بأجسادهم قلوبهم مدبرة. إن انشقاق المؤتمر وافتراق ولائه هو الذي مايز الطيب من الخبيث إذ عرض للناس بيّنة المواقف وفاءً للعهود أو خيانة وحيثية الخلاف مع الحرية أو مع القهر وكيفية الخيار بين الشورى والاستبداد وتشعب المذهب حكم الشرع في كل النظم والأوامر أم تحكيمه في البعض فروعاً واتباع الهوى في الأصول. وعندئذ أخذ يتكاثر اعتصام الجماهير الغالبة بمحور الخيار الحق تفقهاً وتزكياً بجدليات الأزمة ومجاهدة لأن تحمل وتحمي بُنى الإسلام وأصوله القويمة سياسية واقتصادية واجتماعية تنشد عاقبة الخيرات في حياتها الدنيا والآخرة.
***
7) الحمد لله لئن سقط من أبناء الحركة الإسلامية كثير ممن ورطوا في أوحال الحياة العامة أو خاضوا هوامشها وأخذتهم شهوة السلطة ورهبة الوظائف والدواوين العليا ورغبة مخصصاتها من المتاع والجاه والاستكبار وفتنة الولاية على المال العام مغتنماً أو مستباحاً واجتاحتهم المزاعم بشرعية الأمر الواقع المنسوب ولادة للإسلام -لئن عزت علينا تلك الخسارة ضلالاً مبيناً هبط بالبعض في وادي الباطل أو علّقهم نفاقاً بين ظاهر يتبلد فيه وباطن يميل إلى جانب الحق- لئن خسرنا أولئك فقد ربحنا كثيراً إذ برز لنا عبر الفتنة الصادقون الأكثر أولوا العزم من لم يغرهم أو يرهبهم بلاء الدنيا العاجل، وخلص فينا المؤمنون بأحكام الشريعة السلطانية وأخلاقها السياسية: الأمانة والوفاء للعهود والسماحة والحرية للرأي المخالف واشتراك الناس سواسية في الأمر العام تناصحاً وتشاوراً واستقراراً على الإجماع. وقد أكسبتنا التجربة اتعاظاً بما تتعرض له مشروعات الحكم الإسلامي أن قد يتولاها من يفتن بعد عهد الشروع الصادق فيعتزل المستقيمين على الطريق وينحرف منزلقاً في الشهوات والأهواء متلبساً رسوماً وشعارات متمسلمة على خُلق كثير من الحكومات القائمة اليوم في العالم على المسلمين تسترضي الرعية بشارات من الدين وأعراض من الشرع وتفرح أولياءها من أعداء الملة والوجهة الإسلامية وتشبع شهوات النفوس فيها الفاسقة من حد الشرع وتقواه. وكانت العبرة أيضاً من محصول التجربة ألا نخلي من نوليه السلطة مهما كانت تقواه وقوته جائلاً وحده في مجاله لئلا يغشاه الشيطان فيغويه ويفسده لا سيما لطول المكث في الولاية ولئلا يقصر في التكليف ويضل عن حد الاختصاص لفقد الرقيب المذكر والضابط المقوّم. بل ينبغي أن يبتلى كل وال لإمارة أو وظيفة سياسية بعهد قصير الأجل قبل أن يفرغ جهده أو يتمادى وأن يحاط بآخرين حوله وفوقه حتى يوقى الفتنة ويتذكر ويستقيم أداؤه. وينبغي أن تكتب عليه في ممارسة السلطة إجراءات محكمة يتخذها لتؤمّن له دائماً تحري الحق والعدل والفعالية. والعظة اليوم أيضاً ألا نحيل عاطفة الأخوة عصبية عمياء لا تنذر ولا تحذر من ارتياد مسالك العلو والفساد وتغض الطرف عن الخطايا تعللاً بأنها صدرت من أخ طيب ولا تصد عن التبرؤ من موالاة الظالمين والمفتونين الذين يستخفهم شيطان السلطان لسابق مودة معهم. ولقد سبقت فينا تجارب قبل الإنقاذ في عهد مايو وبعده من معاشرة الضعاف الذين يتقلبون لا مع إخوة الحق كيفما ابتلوا بل مع أهل السلطة والمال ينحرفون إلى الرهبة والمتاع فينصرفون عنا ثم يسقط السلاطين وتفوت المغانم فينقلبون إلينا ليحتلوا مقامهم ولينتهزوا فرصة سانحة تالية.
والحمد لله أن إخوة لنا من الثابتين الصادقين الصابرين عرفهم ولاة السلطة في الإنقاذ أمس إخوان سند ونصرة لهم فلما تبدل الولاة مفتونين كف الإخوة عنهم الموالاة اعتصاماً بحدود الحق وموازينه بل أخذوا يحملون عليهم نصيحة صريحة ومجاهدة في سبيل الحق إخلاصاً لله وحرصاً ألا تتشوه صورة مشروع الإسلام بمن قام يمثله. ولما رأي أولئك ذلك منهم أخذوا يظاهرونهم بالأذى البالغ. والصبر على البأساء والضراء في الرزق والذل والسجن إنما يضرب للناس الأمثال الشاهدة على إخلاص دعاة الحق لمبادئ المشروعية السياسية وقضايا الصالح العام للناس وصدق تضحياتهم بقربى المناصب والغنائم السلطانية هجرة في سبيل الله. وذلك مثال أبلغ أثراً على الناس من الذي يخاطبهم موعظة وبياناً وأدعى لثقة الجماهير وأجمع لها نحو موالاة الصف الذي يؤمه مثل أولئك الصادقين الصابرين. كذلك تدابير الكبت لدعاة الحق وحظر أسباب اتصالهم بالناس ائتماراً أو انتداء أو بيانا مذاعاً أو منشوراً والصد عنهم بحملات الإنكار والكيد والافتراء وحرمانهم حق المدافعة والمناظرة الحرة وتعويق عملهم العام المنظم منعاً للسفر أو الاجتماع أو الإدارة لشئونهم في دار أو مرفق ومحاولات الإعدام لكل أثر أو صدى لهم في الحياة بين المجتمع -كل ذلك الكبت الظالم قد يجعل أفئدة الناس تهوى إليهم بفطرة الانعطاف عدلاً إلى المظلوم، وكل نفور من دعايات الحكام البائرة وكره لسياساتهم وتظلم من وقع ممارستهم للسلطة قد يتصوب ميلاً نحو البديل المعارض الذي شهرته حملات الكيد يعرفه ويفزع إليه ويندفع المدبرون المولون عن الظالمين. ذلك مثل حملات الجاهلية قديماً كانت تريد إطفاء نور دعوة محمد صلى الله علية وسلم وتنفير الناس منه ينبذونه ساحراً حيثما صدمهم الحق ومجنوناً لأنه أتى بغريب وطامعاً مهما تزهد وموصولاً بآخرين مهما تأصلت كلمته - لكن ارتدت الدعاية على باطلها فزهق وظهر الحق محمولاً على لسانها هي منتشراً.
***
8) الحمد لله أن قد تبين لنا اليوم أن المجتمع الذي نقوم فيه إذا ناظرنا بينه وبين مجتمعات الكفر في العالم قدر ما يبذل من طاقة كر وجهد وقايسنا إليهم مستوى ما يكسب من متاع وقوة في الدنيا أو إذا حاكمنا واقعه إلى مقتضى تكاليف الدين ودرجات مثله العليا - أن المجتمع يستدعي تغييراً كبيراً في النفوس ليقفز ناهضاً مبدلاً حياته تبديلاً. والدنيا في هذا العصر تتسارع فيها النهضات علماً وإنتاجاً وقوة، والدين يدعو للمسارعة والمسابقة رقياً إلى مثال الخير في الدنيا ومآله في الآخرة، وذلك يقتضي ثورة بكل طاقات المجتمع في كل مساقات حياته. إن الإنسان يحيا قاصداً مغازي دنياه وأهدافها حسبما توحي خواطره البشرية وشهواته، يدفع ويطمع لتأمين حياته وتطييبها متخذاً من المناهج والوسائل ما تتيحه علومه وطاقاته في آفاق عالمه المشهود. ولكن الدين المفطور المنزل المكتوب يمد مغازي الدنيا نحو الآخرة ويوسع أهداف الحياة ويهدي الخواطر في الدنيا إلى العبادة لله ويضبط الشهوات بالتقوى ويصل قوى الإنسان أسباباً بقوى الغيب. وكل الناس في السودان اليوم مسهم الوعي بآفاق دنياهم يلتمسون المتاح من الأسباب المادية في سبيل المنشود من همومهم العاجلة في شتى وجوه الحياة. والحركة الإسلامية فيهم هي نفحة إحياء للإيمان بالغيب وتذكير بالكتاب وبعث للعبادة والتقوى وإنهاض لحركة الاستعانة بالله زلفى إليه بشتى مسالك الحياة. ولما كان المجتمع التقليدي بغالبه ميت الإيمان خامل الإسلام فإن الحركة الإسلامية هي البؤرة الحية التي تحمل كل هموم حياته تكيف الوجهات وتتسع بالأهداف وتدفع الأسباب وترقى بالدرجات لتجعل السودان موطن ثورة إسلام تتفجر رحمة على العالمين.
لابد أولاً بعد الجمود المطبق من ثورة علمية فكرية بعثاً لأصول علم الدين وتوليداً لفروعه اهتداء بآيات التنزيل وتفكراً في آيات الطبيعة والبشر وتفاعلاً مع فكر العالم. ذلك مثل ثورة الاجتهاد والعلوم التي قامت في صدر الإسلام تستقبل أفواج الأمم الداخلة ساحة الإسلام لتهديهم علماً وفقهاً وتستوعب في الدين الحياة الكثيفة التي جلبتها الفتوحات. وما كانت نهضة الغرب الحديثة إلا في ضوء من صحوة وإحياء للفكر بعد جمود ومهاد من الحرية والاجتهاد بعد كبت كنسي مقدس، تحرر العلم وفارق الدين وصبغ باللادينية كل العلوم الغازية اليوم علينا. فلابد من ثورة تحرر ودفع وتوحيد تثري وتؤصل كل العلوم ومناهجها ومؤسساتها التي يعكف بعضها بعلمائه على المنقولات الدينية مادة تراث ميتة محصورة ويعتزل الآخر بالمعقولات تجربة وإدراكاً لظاهر الوجود وعاجل الحياة. ليثورنّ كل المجتمع باجتهاد حيّ كسباً جديداً يعود بكل الحياة بشعاب ابتلاءاتها ووجوه ظروفها المعاصرة إلى موسوعة هدى الدين ويوحد بصائر الوحي من الغيب ومدارك العقل من الكون المشهود وحكمة تجربة الإنسان وينشر العلم إحاطة بالناس كآفة سعياً نحو الأبلغ مما يتلقون ويلقون من العلوم.
وينبغي أن توازي ثورة العلم ثورة في المجتمع، فالعلم في الدين ليس بتشريح الأفكار والمعلومات المجردة بل مدها وزرعها في الوجدان. إن سلوك الناس اليوم تشكله أعراف ظاهر لا تعبر عن معاني دين في نفوس مزكاة ولا تتسع لشعاب الحياة وعلاقاتها الكثيفة المتنامية في هذا الزمان. وقديماً ثارت الحركة الصوفية لتوحيد ظاهر الفقه والسلوك بباطن الأخلاق والوجدان الذاكر للغيب الحيّ بنيات الخشوع لله والخوف والرجاء نحو الآخرة. الحاجة اليوم إلى ثورة إيمان فائضة برؤى وتعبيرات ومناهج جديدة. إن المجتمع لا ينكر أصول الملة جهاراً ولكن فشت في نفوسه شعاب الشرك والكفر والرياء وبدت ظواهر الغفلة والجهل والضعف لدوافع الدين وضوابطه في المعاملات. الأفراد لا يتحررون بطلاقة توحيد ولا يتحركون بفعالية خشية ورجاء ولا يتحدون في مجتمع تفاعلاً وتعاملاً يكثفه ويفقهه الدين الواحد. غالب مقاصد الناس -في غير شعائر العبادة المسنونة - تجنح إلى الدنيا وتنأى عن غيبيات الدين: السياسة أهواء علمانية دهرية دنيوية، والمعاش متاع مادي عاجل، والزوجية البشرية تغزوها أحياناً الإباحية الشهوانية وراء التقوى، والعلم معرفة ظاهر منقطع عن أي تأصيل أو تأويل، والحياة سائرها غايات عاجلة ومن وسائل مشهودة وصراع على مبتغى الشهوات بالقوة والمغالبة. لا بد من ثورة تخرج كل فرد في السودان إنسانا حراً مكلفاً مسئولاً مجاهداً في الدنيا نحو الآخرة يتحد بالمجتمع متعاملاً لا معتزلاً عن أنانية أو رهبانية ومتعاوناً بالحسنى للخير لا مصارعاً بالقوة للشر موصولاً حباً وولاء وتناصراً بذوي القربى والجوار والصحبة لا ينحصر في الدائرة الأدنى عصبية لعرق أو شعوبية أو لحي أو قطرية أو لزمرة أو طبقية بل يمتد من بعد إلى أن يبلغ الإنسانية والأرض بل بيئة الطبيعة الكونية. لابد من ثورة توحد الزوجية البشرية عدلاً وتكاملاً، وإن بدت اليوم بشائر نهضة في ساحة المرأة في السودان يلزم أن تتفاقم الثورة لتتسق الأسرة وحدة ود ورحمة وتشاور وتناصر بين الزوجين والولد والوالد ولتخرج النساء بفائض جهدهن إلى المجتمع علماً ومعاشاً وسياسة لا ينقص جهده بغيبتهن ولا يختل ميزان إجماعه بذكورة متعصبة بفضلها تحرم نفسها من فضل الأنوثة الكامل. وحياة المجتمع ينبغي أن تنعم بثورة في كسب الجمال والزينة بما يرى أو يسمع أو يتخذ زياً أو مسكناً أو متاعاً، فالفن فينا قد فسق من الدين وذبل فلا بد من نهضة تملأ الدنيا جمالاً على أصول من نيات التدين تحمل الناس إلى آخره أجمل. ولتتبارك ثورات الصلاح في المجتمع لابد من وصل المجتمع اتصالاً وثيقاً بثورة في مد وسائل تقنية الاتصال المسموع والمرئي من بعيد تنشر عفواً كالتعليم الأساسي، وفي تكثيف شبكة السفر الفردي والجماعي براً أو نهراً أو جواً بين كل المحال. ذلك فضلاً عن ثورة في عافية كل فرد وصحة بيئته وجسده ونفسه عفواً أو بأطر يطيقها، وفي تيسير الرياضة و تكييف أخلاقها لا إزكاء لروح الصراع والمغالبة بل لروح الفريق المتناصر والمنافسة العادلة الطاهرة من العدوان وتقبلاً لحظوظ الحياة فوزاً لا يسكر فرحاً وخسارة لا تكسر النفس يأسا بل تجارب تكسب نقداً وعبرة واستدراكاً ونمواً.
إن المجتمع السوداني غالبه أخذ في مواقفه النفسية يعي وينهض بمعاشه نحو النمو بعد الرضا السائد قديماً بالحال الواقع على المرء قدراً. وبدأ الناس يضربون في الأرض انطلاقاً من أوضاع البيئة الراهنة يهاجرون أو يستغلون ما حولهم تطوراً. وقد انكشفت لأهل السودان مواد وقوى مما هو مسخر للإنسان في الطبيعة وكانوا عنها في عمى وغفلة، واقتحمتهم قوى عالمية تبتغي أرباحاً ومن ورائها مقاصد استكبار، وذلك مسلك وتحد جديد يثير تقليداً وتصدياً. ولئن ترك السودان سدى لربما تطغى فيه الروح المادية الفاسقة من الدين بمتاع الدنيا ويفشوا بها الترف لدى الأغنياء أو الظلم على الفقراء ويتعرض للهيمنة العادية. فلا بد من ثورة تتوب بالاقتصاد إلى الدين لتزداد دوافع الكسب للدثور طلباً للأجور في الآخرة فتتسارع النهضة، ولتقوم علاقات عون بين مجتمع ما عرف الشركة بل الفردية، ولتكون المنافسة سمحة عدلاً لا صراعاً مخرباً كالوحوش على الفرائس، وليقتسم الناس ويتعاطوا الأرزاق تهادياً وتصدقاً وتكافلاً طوعاً يؤمّن حاجاتهم لا شحاً وتفاخراً بالمال، وليتعاملوا تعاوضاً وصدقاً لا مراباة ولا مقامرة ولا غشاً، وليزهدوا في الدنيا لا يسرفون استهلاكاً ولا يتفاضلون ولا يتحاسدون بدرجات الغنى. وليعيش السودان عزيزاً غير مرهون وغير معتزل للعالم تعاوناً على البر والنماء.
إن السودان قد لازمته أزمة الجنوب منذ الاستقلال وعجز أن يتجاوزها، فاستمر الجنوب جاهلاً فقيراً مستضعفاً، ولم يستو ميزان العدل في الحظوظ النامية من العلم والمال والمتاع ولا في أسهم شركة السلطة، ولم تتآلف القلوب بل تضطرب الثقة في نفوس الجنوبيين كلما ازدادوا وعياً بحالهم. وقد انفتح الحال لتدخل مبادرات سلم و صلح من الخارج لأن مشاهد ظهرت للعالم من البؤس النسبي والجوع والحرب الأهلية والدم والنزوح وفي أفواج اللجوء للجيران وأفراد المثقفين المهاجرين. هذا ابتلاء قدره الله ليبين موقف أهل الشمال عامة وهم الأقوى والأغنى والإسلاميين خاصة وهم حملة دعوة السلم والوحدة بين البشر. إن الجنوب فرصة لثورة تؤلف بين القلوب توالياً وطنياً وتقارب مستوى الحظوظ علماً وعيشة وتشرك في السلطة والثروة عدلاً دستورياً وتطفئ نيران الحرب الأهلية وتؤسس الوحدة الاجتماعية هجرة وتزاوجاً والوطنية حرية واختياراً. وذلك ليبنى السودان بطاقاته المتوافرة بعد ضياع وتساقط ويظهر لأفريقيا وللعالمين نموذجاً لأثر الإسلام الداعي للحرية وللعدالة وللوحدة وراء العرق واللون ولتجاوز فجوات الفضل في المعاش والاختلاف في ملل الأديان والثقافة بين بني الإنسان. ومن ثم ينفتح السودان ليتوحد إلى جيرانه وما وراءهم نحو العالم.
علاقات السودان لابد أن تنفتح على العالم. فالدين يدعو للخروج إلى بني الإنسان مراسلة للدعوة الحق وللتحاور بين الثقافات والتعامل للمصالح المشتركة في سلام، والسودان لا تحاصره عصبية قطرية قومية بل هو موصول حيثما اتجه جواره وامتد عرقه، والعالم كله يتقارب الآن اتصالاً وتعاوناً متزايداً. فالعلاقات العالمية لابد فيها من ثورة لا تركن لإرادة من يريد احتواء السودان المسلم ولا تنكفّ بتدبير ممن يريد محاصرته أو الانغلاق دونه، والشعوب الآن في العالم أفعل تحقيقاً لإرادتها من أن تصدها السلطات. أما العلاقات الدولية الرسمية فمن الخير أن يعاجل السودان بدفع تطورات ثورية لتجاوز الحدود الاستعمارية بالأسواق المشتركة والمجالات المفتوحة للدخول والخروج والهجرة وبالإذاعات النافذة التي تحمل ثقافات حول العالم. وليدع السودان إلى ثورة في العالم تبدل نظامه الدولي الذي تعوقه العصبيات المتصارعة والمقاطعات العدائية، وتصلح تنظيم الأمم المتحدة الذي يسود في تسيره الظلم والاستبداد والتميز بلا مساواة ولا شورى مما يمارسه الأقوياء بينما يسكن الضعفاء لا يتناصرون لعدله وتحريره وتسويته.
***
9) إن دفع كل تلك الثورات الإصلاحية فريضة على حركة الإسلام منطلق الحق المنفتح المتفجر، قاعدة العضوية فيها تتسع أبداً لكنها كيفما كان مداها لابد أن تحيط بتمثيل المجتمع السوداني كله بأجياله شباباً وكهولاً وشيوخاً وبزوجيته البشرية ذكوراً وإناثاً وبألوانه وعروقه ومواطنه في أقاليم البلاد وفئاته الاجتماعية والثقافية وطبقاته الاقتصادية وقواه. ومع ذلك الكمّ الجامع الذي يتبارك لا بد أن يتزكى كيف العضوية، تثقفاً بمنهج داخلي لتلقي العلوم والفنون وإحياءها وتأصيلها وتداولها بحلقات ومنشورات، وإفاضة بها على المجتمع بكل وسائل التبليغ، وتأدباً بأدب داخلي إدامة للذكر وإحساناً للعبادة وحباً وتواضعاً وذلاً بالإخاء وبراً وتقوى و تناصحاً وبسطاً لذلك الخلق الحسن في أوساط المجتمع وعلاقاته ومناسباته وإشاعة للسعي للصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتوليداً للمنظمات وأطر العلاقات التي تؤلف القلوب وتبسط الموادة والمجاملة والتهادي والتعامل بين الناس وتعمر علاقات القربى والجوار والصحبة بالبر وتبسط مشاعر الموادة الوطنية عبر البلاد. ولتجمع أعضاء الحركة أطر قويمة تنظم حركتهم وعلاقاتها ونظمها الأساسية بهدى الدين وحكمة التجارب وعلم التنظيم، ليمارسوا في تسيير شئونهم الحرية حقاً وتكليفاً، ويقدمّوا بعضهم لبعض النصيحة والرأي في الشورى اللازمة الحاكمة، ويقوموا في ذات بينهم بالمراقبة والمحاسبة، ويبسطوا التكاليف والمسئوليات ويقدروا خطط المسير وتقارير الكسب، وينعقد بينهم الولاء صفاً مرصوصاً في كل الحياة، ويجتهدوا سعياً في أوساط المجتمع لتعمر حياته بهذه الصفات والمسالك. ولتدفع الحركة قوتها لإعلاء صوت الحق في السياسة وإحياء التفاعل الحر إقامة للخير ودرءاً للظلم والفساد وأمراً بالتزام نظم السلطان الرشيدة وتذكيراً بأخلاقه لا سيما في المجادلات ألا تغتر ولا تشتط صراعاً وفي الانتخابات ألا تفتر حركتها ولا تغشاها من فتنة التنافس فحش طعن في الآخرين وغرور تزكية للنفس وألا تزلق إلى إفساد الذمم وإهاجة العصبية وإشاعة الدعاية الكاذبة تقديرات وروايات ووعوداً، وفي السلطة ألا تكون طغياناً واستعلاء أو تقصيراً أو خيانة أمانة بل حكماً رشيداً وإدارة فاعلة أمينة. ولتتكثف مناشط الحركة في المجتمع تيسيراً للزواج وإعماراً للأسرة وترشيداً لمناسبات الحزن والفرح وآداب اللبس والأكل وأعراف التعامل بلطف وصدق وحزم وحق وعدل في وظائف الحياة من حيث المكانة الاجتماعية أو الخدمة الرسمية أو الوضع ذي الفضل. ولتتوغل الحركة في المجتمع بما تجوده في داخله لتنشر أخلاق الرياضة ونشاطها وأعمال الخير كافة. وليوثق أعضاء الحركة بينهم أسباب التعامل والشركة في المال وليكدوا في العمل والإنتاج، فهم يطيّبون مناهج التنافس الطاهر والتعامل الصادق بالنية القاصدة لله التقيه للشر الدافعة للاجتهاد يدخلون لأسواق المجتمع وساحات اقتصاده ينصحون بالسياسات العامة الرشيدة ويتجاوبون معها بصدق لاداء أي تكليف مالي أو تحرى وجهة نافعة أو اتقاء فساد في الأرض. بل لتندفع عضوية الحركة بقوتها الفاعلة ودعوتها البالغة لتمكن في المجتمع الأصول الأساسية للحياة العامة: وفاء لعهد المواطنة والدستور واحتراماً للقانون والعرف وضبطاً للسلوك السياسي ومراقبة للأداء السلطاني وبذلاً للواجبات العامة صدقاً والمندوبات تطوعاً لتوطيد الأمن والدفاع والنظام العام.
كل ذلك النشاط الداخلي الخارج إلى المجتمع إنما يتحرك مؤصلاً في الحركة على نيات الإيمان ويخرج بدقة وتقوى مدفوعاً مضبوطاً بحوافز وزواجر من الدين والمجتمع مهدياً بحكم الشريعة فرائضها وحدود حرامها وتوجيهات مندوبها ومكروهها، وكله تذكر وفعل صالح للنفس ودعوة قدوة للآخرين الذين تسعى الحركة أن تهديهم وتضمهم إلى صفها وتيارها أو تؤثر عليهم ليتحول المجتمع كله إلى قوة تثور على مثقلات الواقع المنحط نهضة إلى المثال الأكمل. والثورة بالحركة لتثير المجتمع تمتد إلى كل العالم، نحو حركاته الإسلامية ومجتمعاته المسلمة ونحو قواه الأخرى تتعرفهم الحركة وتتفاهم وتحاور وتتعاون دحضاً للشرور و إعماراً للخيرات في الأرض جميعاً.
الحمد لله أن أهل مسيرة الإصلاح الإسلامي لم تقتل فيهم مرحلة الفتنة والاضطهاد الهمّة ولم تحيرهم أو تضلّهم الوجهة بل جعلها الله وقفة تذكر تجمع عبر الماضي وعظاته وتسوق تجاربه لتعد العدة للطريق المستقيم ، وأوله خوض المعركة الفاصلة بين الحاضر والمرجو حيث تنشب الثورة الإسلامية الشاملة. وفي سبيل ذلك التحول الاجتماعي العظيم لابد من أن تنحشد القوى من كل قوم السودان لا ينهض البعض خاصةً يستهدفون ما يعنيهم وحدهم بل يقوم الجميع تتضايف قواهم بوقع حاسم وتنبعث أصول المساواة والعدل والوحدة من أصل القومة ومن أول الطريق: النساء حتى المستضعفات منهن والرجال والشباب لا سيما المهملون منهم في عطالة وأهل الحواضر الذين يمسهم الوعي مثقفين وعامة وأغنياء ومتوسطين وفقراء وأهل الوسط ومساكين المظالم سكان الجنوب والغرب والشرق، كلهم ينهضون برؤى متوافقة ويظاهرون بإرادات متدافعة في الشوارع والميادين ويتصرفون، الفئات العاملة منهم التي تؤدي الخدمات العامة تكف شالة حركة النظام الراتبة أو تعمل مستقيمة مع استقامة الحق وذات الأمر والقوة منهم تبسط يدها هادمة لصروح القديم المرفوض ناصرة لبنية المشروع المقبول.
والثورة لا بد أن تكون مقاصدها متكاملة في كل قضايا الحياة صادعة بها الأصوات محيطة بها البيانات -قضاء الضرورات ورد المظالم المعاشيه، وانتزاع الحرية السياسية وممارستها، وتحريك القوة الساكنة والطاقات المضيعة، وإرساء البنى المتوازنة المتضابطة ووضع المناهج المرسومة الحكيمة بحكم الدستور والقانون، وسد ثغور الهوى وذرائع الطغيان وضرب الفساد السياسي والمالي، واسترداد الأوضاع العادلة والحقوق المضيعة، وهكذا تتقصد الثورة كل إصلاح في كل الحياة وترفع كل الشعارات وتهاجم كل وجوه الشر وأوضاعه وتفتح كل طرق الخير. وذلك لئلا يغلب شعار بعينه وتسود قضية بحدها وتسكت وتنخسف سائر القضايا أو يجند كل دفع الثورة فقط لنزع السلطة وعزل المتولين للوظائف القديمة لتخلفهم وجهوه جديدة أو إزالة وقع ظلامه مشهودة وحسب وترك ما سواها سدى أو طمس بعض آثار أو تدابير كان يفاخر بها القديم. وذلك حتى لا تبرد الثورة بعد توّة ثم تبدأ الشكاوى تتصوب إلى الهموم المكبوتة والذرائع تنفتح للفساد والمظالم الجديدة. إن الثورة لا بد أن تكون خطتها جائزة المدى من إبطال الباطل وخلع النظام المكروه إلى إحقاق الحق كله وإثبات المنشود ونافذة الهدف من تهديم وتخريب إلى بناء وإعمار، وممتدة الساحة من بروز أبطال مجاهداتها والذين أشعلوها إلى تقديم حكماء التمكين وذوي الرأي الرشيد لما يعقبها ومصرّفة طاقات الجماهير من التجاوب فيها إلى الأهداف التالية لزخم الثورة. ولا بد أن تتعدى الثورة من همّ شفاء الغيظ المستفز ومهاجرة الظالمين إلى السعي اللاحق نحو الحكمة والرشد ومن تذكر عهد النصرة والعطاء والغضب المقتحم إلى تقدير مرحلة السلام والإقدام المتوكل إلى الأمام. والثورة لا بد أن تتعادل وتتكافل قواها، تدفعها الجماهير بطاقات متعاظمة ولكنها لا تفيض هوجة هول مضطرب، وتحفظ نسقها وترتب تصويبها شرائح واعية قيادية ولكنها لا تحتويها مكراً واستلاباً للغنيمة. فهي ثورة متوازنة القوى فاعلة لا تمضي لتطغى بل لتبسط الحرية والعدالة والحكمة، طلائعها قد تقتحم بابها بدفع مرتد ولكنها تعبئ رضا الجماهير وتجاوبها الحر الصادق لتفرق بؤر الشر القديم بفيضان الخير ولتنصب قاعدة الجماهير العريضة أساساً للبناء الجديد للحياة.
***
10) الحمد لله أن قد تعاقبت في الحركة الإسلامية عهود وتنامت أجيال وتكاملت أهدافها وتطورت وسائلها. عهد الدعوة والغربة الأولى حملها جيل قليل العدد تعلّم الصبر على حملات الأذى والتناول لقضايا مبدئية كانت تثيرها مجادلات القوى اللادينية يسارية وليبرالية وأخرى كانت تعنى بها القوى التقليدية ذات الدين المحصور في الحياة الخاصة والولاء الطائفي التاريخي. ثم عهد الدعوة المنتشرة والمدافعة المظاهرة الخطرة تولاها قرن من الدعاة وصل الأوائل باللاحقين كان وقع حركته داعي إشفاق من أهل السلطان فتسلطوا عليه بحملات الكبت والعدوان والسجن حيث صابر الصادقون وانخذل الذين لم تقو عزيمتهم على البأساء. وعهد ثالث بعد الإنقاذ هو عهد التمكين وجيل الإمارة على الناس والخروج بالجهاد لمقاتلة الأعداء حماية لثغور دار الإسلام. وأخيراً عهد الفتنة، من الحركة من فسقت به السلطة والثروة عن صدق الولاء وتقوى الأداء، ومن ثبت على حد دينه لكن حيره الخلاف أو زلزله، ومن صابر ورابط على الحق وقاوم الباطل. في هذا العهد تبين لكل الأجيال المتلاحقة شديد وقع ذلك الامتحان الذي لم يعهدوه قبلاً: يسقط البعض منقلبين على إخوانهم يخونونهم ويخونون العهود مع سائر الآخرين ومع كل الوطن ويكبتونهم مع سائر المكبوتين ضيقاً بالحرية وصرفاً للشورى ويصوبون الأذى بلا تقوى ويستأثرون بهوى السلطة جبارين يهملون نذير الله بخيبة الجبروت وهلاكه دنيا وعذابه آخرة ويراءون الناس بزي الإسلام مسكتين من يتعرفهم شاهداً فيفضحهم للعالمين. الآن تكاملت تجربة كل العهود والأجيال في الحركة كلهم عهدوا أو يتذكرون سيرتها في مواقع الدعوة والاستضعاف أو الدولة والتمكن والسلطان، وكلهم جربوا أو عرفوا الأذى بكل ضروبه من مختلف العادين على الحق باسم الاشتراكية أو الطائفية أو الطغاة المتعسكرين المدعين الحق والتفويض من الشعب أو من الله.
إن القيادة الحاضرة للحركة الإسلامية ما انفكت فيها أسماء من الجيل الأول الذي طال عهده وعمره وتضاءلت طاقته الحركية وتوافرت عنده التجربة والحكمة يُهديها منشرح الصدر نحو من معه من جيل تالٍ بارز جمع تجارب الدعوة والسلطان والجهاد وتداركته الأقدار فأضافت إليه تجربة الصبر على الأذى، وهؤلاء يستعدون لميراث الرسالة والحركة تؤل إليهم أحمال مسئولية المستقبل وآماله ووعده وأثقال حركة الدفع لينتقلوا بدعوة الإسلام العامة وشعاراته السلطانية المبدئية نحو منهج حياة وحضارة أشمل ونظام حكم أرشد وأصدق، حينها لا تسلم لله كلمة الوجهة والإعلان وحسب بل كل واقعات الحياة والسياسة وتراعى أخلاقها وتقواها وتقوم نظم أبنيتها أركاناً وفروعاً وعلاقات وحركة وسيرة في الدنيا لا من تلقاء قادة الدعوة وولاة الأمر العام وحسب بل من كل المجتمع بكل من فيه مسلماً وغير مسلم.
إن قيادة الحركة سيظل فيها جانب ظاهر عرضة للأذى في وقت الفتنة لكنه يحشد الأكبر والأشهر من رموز الحركة وجوهاً ينعطف إليها الرأي العام لأنهم يمثلون الحركة الإسلامية المحفوظة. ولئن حاصر وقع الترهيب الناس وكفهم عن حرية التعبير عن تأييدهم المتداعي، فإن أفواج الجماهير متى ارتفع العسر يهرعون إلى الحركة يصدعون بإعلان الولاء بعد أن كان بعضهم يُسره ويحتشدون واصلين جهدهم بجهد الحركة بعد أن كان حكم الطوارئ القاهر يقطعهم عنها. ولذلك لا بد أن يثبت أعلام الحركة الظاهرين صابرين إذا سجنوا استثمروا الخلوة بعبادة تزكي وعلم يهدي وتأمل يبصّر، أو إذا كبتوا يتخذون كل مناسبات المجتمع العرفية أسباباً للاتصال به، أو إذا صوب عليهم الأذى والبهتان يحملون عن إخوانهم التكاليف يرجون العوض حباً في الدنيا من الناس وثواباً في الآخرة من الله. وفي القيادة ومن وراء سترها الظاهر يبقى آخرون في الباطن قد لا يعرفهم الرأي العام كثيراً ولكن يعرفهم ربهم ويبارك عهدهم وعملهم يفرغون للتدبير المحفوظة أسبابه غير المتحفظة حيثياته لاقتحام معركة الجهاد الثوري لا ضد عدو كافر مسلح ولكن من أجل المقاصد التي ما ذكر الله الجهاد إلا بيّنها لتعظم النيات الجهادية وتتجاوز ضرب الهدف العدو إلى وضع المبادئ التي تحمى بالجهاد والنظم التي تبنى بطاقته إيماناً صادقاً متوكلاً وخلقاً طاهراً طيباً وتوالياً بالإخاء والشعائر الجماعية وتضامناً بالأرزاق المنفقة في سبيل الله للجميع المطهرة من المراباة والمظالمة ورصّاً لصف الحياة العامة بالشورى الجامعة السلطان شركة حرة للكافة من المؤمنين. ذلك هدى القرآن في سبيله تقوم ثورة قومية جامعة القوى شاملة المقاصد فاعلة الوسائل منتقلة جائزة إلى مرحلة البناء و الرشد -تلك الثورة المهدية بالإسلام المتعظةالمعتبرةبالتجارب السابقة في سيرة المسلمين وأهل الدين عموماً وفي سيرتنا خاصة المنزلة المفصلة وقعاً على كل ساحات الحكم والسياسة والاقتصاد والمعيشة والعلوم والفنون والثقافة حركة نحو مصير فلاح للمجتمع فلأفراده في عاجل الدنيا وفي العاقبة. يومئذ إن تمت النعمة وتكامل الدين وصلحت الحياة في السودان ممتدة وراءه سنحمد الله، والحمد لله أولاً و آخراً.


#820492 [betaa beetteeeek]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 01:25 PM
aleslam belfeetra end kull assudaneeen amma dil tojjar kelab qazerin


#820373 [مدحت عروة]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 11:37 AM
مقال ممتاز!!!
الانقاذ او الحركة الاسلاموية تجربتهم وافكارهم ومشروعهم فاشل وانتهوا الآن الى الدفاع عن سلطة وثروة اكتسبوها بغير وجه حق وبقوا يطلعوا فى فضايح بعض زى المشاطات!!!! ولا دين ولا وطنية!!!
يقولون العنده دليل على الفساد فليبرزه يعنى الناس الافسدوا كتبوا اقرارات بفسادهم وختوها فى ادراجهم عشان الناس تبحث عنها وتوديهم للمحاكم؟؟؟؟عمر بن الخطاب رضى الله عنه مش قال لاحد المسؤولين فى خلافته ابت الدراهم الا ان تطل براسها ؟؟؟؟؟ والفساد انواعه كثيرة وليس سرقة النقود فقط!!!!!
المسلم لا يكذب وناس الحركة الاسلاموية مسيلمة الكذاب يتوارى منهم خجلا !!!!!!!!!!!!!!!
هم افسدوا الدين والوطن والمواطن!!!
انهم عار على الدين والوطن والله ما بيختلفوا فيها اتنين عندهم مخ !!!!!!!!!!!!!!!


#820278 [الحركة السودانية للحرية والعدالة]
0.00/5 (0 صوت)

11-07-2013 10:25 AM
قلنا وبح صوتنا ولكن لا أحد يسمع لنا لكوننا لسنا صحفيين أو مفكرين أو سياسيين من عيار رزق وغازي وكمال عمر، ولكننا والحمد لله كسودانيين بسطاء نرى ما لا يراه الكثيرون من الساسة والمفكرين والصحفيين. ونذكركم بما قلنا: قلنا إن الظفر لا يخرج من اللحم، والدم مايبقاش مية، ومن خلا عادته قلل سعادته، وحليمة لن تترك عادتها القديمة، ومعنى كل ذلك بالسواحيلي الفصيح أن هؤلاء الاسلاميين رضعوا وتربوا وترعرعوا في حضن الأخوان المسلمين، تشربوا من نفس الأفكار ودانوا بدينهم والتزموا بأيدلوجياتهم.
واهم من يعتقد أن هؤلاء الاصلاحيين سيتخلوا عن كل ما نشأوا عليه من فكر منحرف باطل، ويتنكروا لتاريخهم ومجاهداتهم من أجل رسالتهم السامية لكل العالمين بإقامة شرع الله - حسب زعمهم -، ولذا فإنهم حركة إصلاحية لحركة الأخوان المسلمين، لديهم رؤية جديدة بعد أن فشلت الرؤية القديمة، يعني يريدون إقامة دولة دينية وفق مفاهيم إصلاحية جديدة، ولذلك كانت حركة إصلاحية، ولذا فإن طرحهم لن يكون مخالفاً لجماعتهم وإنما سيطرحون إصلاح بعض الأعطال التي أصابت آلة القمع والتسلط والاستبداد. سيحرصون كثيراً على استقطاب غيرهم من الاسلاميين في النظام لحركتهم الإصلاحية، لن يجازفوا بأنهم ضد الدولة الدينية أو ضد حركة الأخوان، لأنهم إن فعلوا لن يجدوا السند الذي يأملون فيه، خاصةً أن كل قطاعات الشعب السوداني الأخرى تنظر إليهم بكل الشك والكراهة.
لقد اختلف اللصوص وبدأت المسروقات تتكشف يوماً بعد يوم، لعل أولها محاولة اغتيال حسني مبارك، والكثير قادم في الطريق، وإن كان بعض اللصوص تخلوا عن نصيبهم في المسروقات وتخلوا عن العصابة فهذا لا يعني أنهم ليسوا لصوصاً، بل سيبقوا كذلك ولكن برؤية وأساليب جديدة تناسب أوضاع متجددة، لا تجدي معها الخطط القديمة. وإذا أخذنا في الاعتبار أن كل سلطة تعقبها سلطة أسوأ منها، فإن هؤلاء اشد خطراً من الموجودين الآن على الساحة، وإن فشلنا في إسقاط هذا النظام بكل الوسائل المتاحة فإننا نراهم أفضل من الاصلاحيين الأكثر نفاقاً ورياءً وانتهازية، وجناً تعرفوا خير من جن لا تعرفه.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة