الأخبار
أخبار إقليمية
إصلاحيون...في مواجهة العاصفة !



11-10-2013 07:25 AM
شمس الدين ضو البيت

- 1 -
في الأيام والأسابيع القليلة التي تلت انتفاضة سبتمبر المجيدة خطت مجموعات من الإسلاميين المخضرمين والشباب خطوات كبيرة ومهمة, على طريق قطع صلتها بالمجموعة الحاكمة, وتعرية سياسات النظام وممارساته التي قادت البلاد إلى الهاوية التي تردت فيها. فأصدرت تلك المجموعات من الإصلاحيين الإسلاميين بيانات أدانت فيها بشدة قتل المحتجين وسفك دماء المتظاهرين في الخرطوم, ودعت إلى تكوين لجنة مستقلة للتحقيق في جرائم القتل التي صاحبت الانتفاضة, وانتقدت حزمة الاجراءات الاقتصادية الأخيرة, وأقرت أن "نظام الانقاذ قد صار عقبة في طريق السلم الاجتماعي والتطور الديموقراطي والنمو الاقتصادي", ودعت إحدى هذه المجموعات إلى تكوين "حكومة انتقالية حقيقية ممثلة لكافة قوى المجتمع السوداني الفاعلة, للقيام بالترتيبات اللازمة للتحولات والإصلاح السياسي الشامل". بل ذهبت هذه المجموعة أبعد من ذلك ودعت إلى "التوافق على تكييف أخلاقي واجتماعي وسياسي وقانوني لفكرة العدالة الانتقالية, يضمن معاني المساءلة والمحاسبة والتعافي, ليكون أساساً لتصفية النفوس وإشاعة أجواء الثقة بين السودانيين فى المستقبل".

(2)
ودعت هذه المجموعات للحوار المفتوح حول قضايا الوطن الكبرى, وطرح الأسئلة الصعبة, والإجابة عليها دون مخادعة للنفس أواتباع للأوهام. والعمل بعقلانية على مواجهة الواقع الوطني المرير, والنظر الجاد في جذور الأزمة السياسية الراهنة, والبحث عن الطرق الكفيلة للخروج منها, وتوفير المناخ الملائم للتوافق والتراضي الوطني العام. وقالت بعض مجموعات الإصلاحيين إنها تتوقع أن تدور تلك الأسئلة حول "الدروس" التي خرج بها الجميع, وحول الأهداف التي انخرطوا من أجلها, وذكوت المجموعة أن هذه الأسئلة المشروعة والملحة تؤرقها, وتقدّر أنها تؤرق أعدادا كبيرة من السودانيين، لذلك دعت السودانيين لحوار يقوم على المواجهة السافرة مع الحقائق، والالتحام الصادق مع جمهور الناس. بعيدأ عن العبارات والشعارات السياسية البالية، أو"التستر باللغة، واللف والدوران حول القضايا".

(3)
في البدء لا بد من الإشادة والترحيب بالاجراءات والمواقف السياسية القوية التي اتخذتها هذه المجموعات الاصلاحية حتى الآن, والاقرار بأنها خطوات شجاعة ومقدرة تستحق أن تجد الدعم والاهتمام من القوى السياسية المعارضة وجماهير الشعب السوداني عامة. فهذا الذي يصدر عنها يعبر عن رؤية وطنية منفتحة على الآخر السوداني، وينطلق من مراجعات تتجاوز المصالح الحزبية والعشائرية الضيقة التي ظلت الطابع العام للمجموعة الحاكمة, وتشكل تحدياً خطيراً للعناصر المنغلقة والمتطرفة داخل الحركة الإسلامية, وللعناصر المجرمة في النظام الحاكم, وتسهم هذه الخطوات بقدر كبير في توسيع الشرخ الذي حدث في جدار الشمولية, وفي سحب ما تبقى من غطاء أخلاقي وفكري وديني للنظام الحاكم, بعد أن ضمت هذه المجموعات قامات إسلامية مشهود لها بالاستقامة والصدق والوطنية بقيادة بروفيسور الطيب زين العابدين, وهي مجموعات يفصل بينها وبين المجموعة العنصرية الحاكمة, كالذي يفصل بين السماء والأرض.

(4)
ولكن بالإضافة إلى النقمة المضرية الصادرة عن النظام الحاكم, دفعت المجموعات الإصلاحية التي خرجت عن الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني, في كثير من ردود الفعل الصادرة حولها, أيضاً, ثمن الجرائم التي ارتكبتها المجموعة الحاكمة, فجاءت كثير من المواقف الناقدة والرافضة للإصلاحيين والمتجاهلة لما طرحوه من مواقف متقدمة, والمتشككة في نواياهم وصدق توجههم, نتيجة تجربة طويلة من الجرائم وأساليب الخداع, مارسهتا باسم الحركة الإسلامية السودانية مجموعة من الممسكين بالسلطة. في أحيان كثيرة ناقضت ردود الفعل الرافضة هذه حتى الشعارات المرفوعة لمن قالوا بها عن "وطن يسع الجميع", ولم تحفل بقبول إحدى المجموعات الإصلاحية لمبدأ العدالة الانتقالية القائمة على المساءلة والمحاسبة. هذا من جانب. ولكن من الجانب الآخر, يتحمل الإصلاحيون –في تقديري- جزءاً من المسئولية في ردود الفعل المتشككة في أطروحتهم الإصلاحية, لأن نقدهم لتجربة الإسلاميين في الحكم لم يكن جذرياً وبحجم الضرر الذي ألحقته هذه التجربة بالبلاد. إذ لم تتعد الإفادات والبيانات التي خرجت عن المجموعات الإصلاحية إشارات وتلميحات عامة وسطحية, ودون تفصيل لموضوعاتها, حول أهم سمات تجربتهم في الحكم, وهي "تطبيق الشريعة الإسلامية", و"العلاقة بين الدين الدولة", وهذه الأخيرة ظلت, ولا زالت, تشكل العقبة الكؤؤود التي تكسرت على أعتابها كل جهود الإصلاح السياسي في السودان.

فلم يتعد ما نقله الموقع الرسمي للدكتور غازي صلاح الدين بالفيسبوك, في هذه السياق, قوله إن رؤيتهم للحزب الجديد الذي يعكفون على إنشائه بعد مفارقتهم للمؤتمر الوطني ".. تراعي أن لا يستغل شعار الشريعة الإسلامية لتحقيق مكاسب دنيوية..لأن هذا يعد أسوأ استغلال للدين" أو قوله لصحيفة مصرية بأن مفهوم الدولة الاسلامية "نشأ في القرن العشرين وهو لم يكن موجوداً في التراث أصلاً". وإنه "يضفى علي [الدولة] وعلى الحكام قداسة غير مستحقة، فالحكام بشر وأفعالهم أفعال بشر خاضعة للتقويم والتقدير والتعقيب". في ذات السياق ذهب البيان التأسيسي لـ"الحركة الوطنية للتغيير" -وهي مجموعة أخرى من كبار الإصلاحيين الإسلاميين- مباشرة إلى أن "قيادة المجتمع تكون لحكومة مدنية، يختارها المجتمع بحر ارادته، ينوط بها وظائف، ويخولها صلاحيات، ويقوم بمحاسبتها وفقا لصيغة دستورية تتراضى عليها فئات المجتمع؛ ولذلك فلا ندعو “لدولة دينية” يقوم على رأسها “رجال دين” لم ينتخبهم أحد، ولا نقرّ بوجود “سلطة دينية” تحتكر المعرفة ويحق لها وحدها التحدث باسم الاسلام، أو حق اصدار التشريعات,غير أن ذلك لا يمنع فقهاء الأمة وعلماءها أن يترشحوا لمجالس التشريع ومواقع القيادة والتنفيذ، جنبا الى جنب مع النخب الفكرية الأخرى من أبناء الوطن ".

(5)
هذه الإفادات والإشارات ليست كافية ولا حاسمة في تحديد موقف وتصور المجموعات الإصلاحية لهذين الأمرين. لأنه لا يمكن لأية حركة إصلاح حقيقي صادرة عن الحركة الإسلامية السودانية أو غيرها من الحركات السياسية السودانية الأخرى, أن تتجاوز المواجهة الفكرية الصريحة والعميقة مع تجربة 25 عاماً من تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان, أو مع معضلة الدين والدولة في السودان. ولا يمكن لمجموعات الحراك الاصلاحي, إذا كانت تدعو لحوار قائم على المواجهة السافرة مع الحقائق, "بعيدأ عن العبارات والشعارات السياسية البالية"، أو"التستر باللغة، واللف والدوران حول القضايا",كما جاء في بياناتها - لا يمكن لها أن تنتقد سياسات الحركة الاسلامية والنظام الحاكم, ثم تغفل نقد الأفكار والمنطلقات التي نبعت منها تلك السياسات.

(6)
لقد كشف ربع قرن من الزمن, منذ بدء ’المشروع الحضاري‘ للحركة الإسلامية في السودان عن عشرة إشكالات أساسية في مشروع الدولة التي تقوم على تطبيق الشريعة في فضاء معاصر, وقد كانت لهذه الإشكالات عواقب كارثية على الدولة والمجتمع في السودان:


أولاً: عانى مشروع تطبيق الشريعة غربة تاريخية مبدئية عن الإطار الحضاري المعاصر للسودانيين, حتى إن ظل هذا الإطار المعاصر إطاراً نظرياً بالنسبة لغالبيتهم. ويعود السبب في ذلك إلى أن تفاصيل المكونات التي طرحها مشروع ’تطبيق الشريعة‘ لمشكلات السياسة والمجتمع والاقتصاد في السودان, هي إجابات الماضي (القرن السابع) لهذه المشاكل. وبالتالي يقدم المشروع, في الحقيقة, اجابات تاريخية على أسئلة تاريخية طُرحت بلسان الحال أو المقال في العهد الاسلامي الأول, ولا تأخذ في الاعتبار التطورات التي طرأت على المجتمعات الإسلامية والتاريخ الإنساني منذ ذلك الوقت, لذلك كانت الكثير من عناصر المشروع الرئيسية غير صالحة ولا قابلة للتطبيق في المجتمعات المعاصرة ابتداءاً.

ثانياً: تعارضت كثير من الأحكام التي طبقت (مثل الحدود وأحكام القوامة وأهل الذمة. ..الخ), بنيوياً مع حقوق الإنسان كما عرفتها المواثيق والعهود والتجارب الدولية, لا أحد بحاجة اليوم إلى كاسبار بيرو, المبعوث الأسبق لحقوق الإنسان في السودان لقول لنا هذا. فالحرية لا تعني في المشروع الذي طبقه الإسلاميون, الحق في الاختيار الحر بين بدائل, وترتكز حقوق المواطنة على العقيدة, ويعتمد المشروع أحكام عقوبات من فترة تاريخية سابقة بألف واربعمائة عام, ولا يملك إلا حالة مواطنة خاصة لغير المسلمين.. الخ, مما أطلق السقف لممارسات تمتد جذورها إلى ظرف تاريخي من الماضي. وترتبت على هذه الرؤية انتهاكات واسعة وجسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية كما ورد في تقارير المراقبين الدوليين لحقوق الإنسان, الذين أدى الحجم الكبير للإنتهاكات وجسامتها لتعيين عدد منهم بصفة دائمة, منذ قيام نظام حكم الحركة الإسلامية وحتى الآن, كمراقبين خاصين لمتابعة وضع حقوق الإنسان في السودان. وقد صدرت بسبب هذه الانتهاكات عشرات الإدانات لسجل حقوق الإنسان في السودان من المنظمات الدولية وتهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ضد رئيس الجمهورية ومسئولين آخرين.

ثالثاً: قادت الطبيعة السلفية للمشروع, والتي تقوم على أن آخر الأمة لن يصلح إلا بما صلح به أولها, والتعلق بتصور ذهني عن العهد الأول مأخوذ عن كتب التراث, وأعتماد منهج الاستنساخ التشريعي لإعادة إحياء هذا التصور, قادت هذه إلى ’استدعاء‘ قضايا وأوليات المجتمع الاسلامي الأول, لتكون هي قضايا وأولويات المجتمع السوداني المعاصر. ونشأ نتيجة لذلك إطار سياسي واجتماعي نظري لا يعبر عن الواقع. وأدى ذلك لتشويه الأولويات السياسية والاجتماعية, وانتهى إلى إثارة أو تضخيم مشاكل ليس لها هذا الحجم إلا في التصور, فقط لأنها كانت من الأولويات التاريخية للعهد الأول, بينما تًركت مشاكل أخرى حقيقية لأنها خارج التصور. فتم التركيز, مثلاً, على قضايا عفة النساء, ومحاربة الزنا في مجتمع محافظ في مجمله, ولم تكن العلاقة بين النساء والرجال فيه مصدر تهديد أوخطورة في يوم من الأيام, بينما لا نكاد نجداهتماما وجهداً في محاربة الفقر والتصحر وتحقيق التنمية.

رابعاً: أطلقت عمليات الأسلمة والتأصيل, تسابقاً متطرفاً على مفردات ومفاهيم وممارسات الماضي. بعد أن استبدلت الأسلمة بالمنطق المدني العام في إدارة الحوارات الوطنية الذي كان سائداً من قبل, وهو منطق في متناول الجميع لا يفصلهم عنه دين أو عرق أو ثقافة, استبدلت به الحجة الدينية في النظر إلى الامور وتبريرها. وكانت الغلبة في هذه العملية لجماعات الفهم النصوصي الحرفي للدين, لبساطة حجتها ووفرة نصوصها ووضوح معانيها في مجتمع تتفشى فيه ’الأمية النقدية‘, مقارنة بالجماعات الإصلاحية التي تعتمد تأويل النصوص. وقد أوجدت هذه العملية بيئة ثقافية وسياسية مفرِّخة للتطرف. وتحول التنافس السياسي بين الجماعات الدينية المختلفة إلى مزايدات أدواتها ’الحجة‘ الدينية, مما أقصى الجماعات والأحزاب المدنية وبالطبع غير المسلمين. وأفرزت هذه البيئة جماعات سياسية جديدة تدعي امتلاك صحيح الإسلام شغلت الفضاء الأهلي, وشكلت بفتاويها حكومة مكملة للحكومة الرسمية, ولكن أيضاً أداة ضغط عليها في إطار المزايدات السياسية, ودونك شخص مثل النائب دفع الله حسب الرسول.

خامساً: أيضاً بسبب الطبيعة السلفية لـ’المشروع الحضاري‘ للحركة الإسلامية السودانية فقد تفشت وسادت حالة من الركود والتراجع الاجتماعي والثقافي والفكري والفني, بعد أن تقلص دور العقل وغابت الحريات وقوى الدفع المحفزة للتقدم والنهضة في مشروع الإسلاميين. واكتفت القيادات الفكرية للحركة الإسلامية بترديد أن "النهضة لا بد أن يكون لها محفز ومحفزها إما أن يكون الإسلام أو غيره, وأبانوا استحالة غير الإسلام". وبالتالي أصبح تطبيق الشريعة هو هذا المحفز دون أن تحتوي مكوناتها على قيم ومفاهيم الحرية والتقدم, التي هي أساس كل نهضة. كما أن أداتها في التعامل مع مستجدات العصر- وهي ’القياس‘- تكرس للتبعية الحضارية والجمود. لأن القياس لا يشتغل إلا بأثر رجعي, ينتظر النوازل, والمحدثات, واختراعات الآخرين ليلحقها, بأشباهها. ولم تتمكن الحركة الإسلامية من تقديم مواقف تجديدية "تطمئن الخاطر الدينئ" في قضايا الآداب والفنون. فجاءت ممارساتها تقييدية في هذين المجالين.

سادساً: أفرزت الفجوة بين مشروع تطبيق الشريعة وبين الإطار المعاصر لحياة السودانيين, ما يمكن تسميته بظاهرة ’الحقوق
الورقية‘.فشكلت - بصورة نسبية - تداعيات العولمة, والحركة العالمية لحقوق الإنسان, والإتفاقات التي وُقعت مع مجموعات سودانية ثائرة, والإرث الديمقراطي السابق مرجعية الإطار المعاصر للسودانيين, بينما شكلت أصول الأحكام والتراث الفقهي السني مرجعية مشروع الحركة الإسلامية السودانية. وفي غياب حركة إصلاح ثقافي هي من ناحية عملية حركة صلاح ديني, ظلت الغلبة السياسية والاجتماعية للمرجعية الأخيرة. ولأسباب تتعلق بصورة النظام في الخارج, أو لالتزاماته التعاقدية في الداخل تضمن دستور 2005, في بعض بنوده, المرجعية القانونية المعاصرة, بينما تبنت القوانين ما دون ذلك المرجعية السلفية (القانون الجنائي, قوانين النظام العام, قانون الأحوال الشخصية, قانون المصارف..الخ ). ونتيجة للتعارض المذكور بين مواد هذين الدستورين, والخلفية الثقافية الحضارية التي يشتغلان فيها أصبحت الحقوق المضمنة فيهما, بما في ذلك وثيقة جيدة للحقوق في دستور 2005, مجرد حبر على ورق.

سابعاً: كذلك أثبتت تجربة الاسلامييين السودانيين في الحكم أن نواقص الحرية والمعرفة وحقوق المرأة التي حددها ’تقرير التنمية العربي الأول‘ لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي, في عام 2004, على أنها الأسباب الرئيسية للتخلف التنموي في العالم العربي, أثبتت التجربة السودانية أنها نواقص بنيوية في مشروع الحركة الإسلامية السودانية لتطبيق الشريعة. فكما سبقت الإشارة يقوم هذا المشروع على قواعد سلفية وتشريع استنساخي يخلو – لأسباب تاريخية بديهية – من مفاهيم وأدوات الحرية كما نعرفها اليوم بوصفها "كامل محتوى منظومة حقوق الأنسان, أي الحريات المدنية والسياسية بالإضافة إلى الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية", كما يُعرفها ذلك التقرير. فالحرية بهذا المعنى ليست أصلاً في المشروع, حتى وإن قال سدنة المشروع بغير ذلك. لذلك لم يقتصر الإستبداد على أشكاله السياسية المعروفة بل اتخذ طابعاً دينياً مقدساً, تكاملت فيه السلطة الرسمية مع الجماعات الأهلية السلفية, وتبادلا الأدوار في تقييد الحريات. وتكفلت الجماعات الأهلية السلفية المتحالفة مع السلطة بما لا تستطيع الجهات الرسمية المجاهرة به, فأصدرت عبر السنوات, بمباركة السلطة وتأييدها, سلسلة متتالية من الفتاوى التكفيرية طالت معظم جوانب الحياة السياسية, ومعظم القيادات الحزبية, وكافة شرائح المجتمع. والنتيجة بيئة من الارهاب السياسي والثقافي والفكري, هزت وأضعفت النسيج الاجتماعي, وسممت الحياة السياسية والفكرية.

ثامنًاً: اشتملت المكونات والعناصر المكونة لمشروع تطبيق الشريعة على عنف هيكلي كامن يدفع نحو النقاء والتوحد الآحادي, وذلك في مواجهة نزوع سودان متنوع, تتطلع مكوناته للمشاركة والتعبير عن التفرد وبالتالي التعدد لعناصر التنوع المجتمعي السوداني. فأوجدت هذه الديناميات المناوئة للتطلعات المشروعة حالة من التوتر حولت البلاد إلى ساحة للعنف اللفظي والمادي والنزاعات الدامية. وقد انفجرت هذه التوترات حروباً أهلية في شرق السودان بعد جنوبه ثم في ولايات دارفور الكبرى, والنيل الأزرق, وجنوب كردفان, وقد أودت هذه الحروب بحياة مئات الألوف من السودانيين, ولا زالت مستعرة حتى الآن. وذلك بالإضافة إلى التعذيب المنهجي في السجون والمعتقلات والمسنود بالفتوى الدينية, و"عقيدة العمل الأمني للحركة الإسلامية [التي اعتمدت] العنف الحاسم لإسكات المعارضة", وانتشار السلاح وثقافة العنف, والعنف المودع في مناهج التعليم وفي القانون, وما تطفح به الصحف ووسائل الإعلام والمساجد والندوات من عنف لفظي وعنصرية.

تاسعاً: على الرغم من أن الحركة الإسلامية السودانية قدمت نفسها كحركة تجديدية حديثة, إلا أن الصادرات عن حركة التجديد تكشف أنها لم تختلف كثيراً بعد استيلائها على السلطة عن الحركات السلفية التقليدية والمتطرفة, وأن التنازلات القليلة التي حدثت تعود إلى ضغوط الواقع أو شدة المنافسة السياسية, وليس توليداً عن "اجتهاد إسلامي قائم على مقدمات نظرية وموضوعية". النتيجة هي أن العقل الفقهي السلفي التقليدي, الذي تسبب في الأزمة العميقة التي تعاني منها المجتمعات الإسلامية, والذي كان الدافع وراء جهود التجديد, ظل حاضراً بقوة في سياسات وبرامج الدولة.

عاشراً: والنتيجة هي أن مشروع الحركة الإسلامية لتطبيق الشريعة‘ خلا من الآليات المتعارف عليها عالمياً لإدارة التنوع الثقافي والديني والإثني. وكما هو معروف اليوم, فإن التحدي الاكبر أمام كل برنامج وطني يتصدى لمهام الحكم في السودان هو إدارة التنوع الثقافي والإثني والديني واللغوي. غير أن مشروع الحركة الإسلامية لا يعرف ولا يعترف بالتنوع الثقافي أو العرقي. فالأمة في هذا المشروع هي "المجموعة من الناس تربط بينها آصرة العقيدة, وهي جنسيتها, وإلا فلا أمة .. والأرض والجنس, واللغة والنسب, والمصالح المادية القريبة, لا تكفي واحدة منها ولا تكفي كلها لتكوين أمة إلا أن تربط بينها رابطة العقيدة". في هذه الدولة يقوم التعامل مع غير المسلمين على قواعد ’فقه الذمة‘ و ‘الولاء والبراء‘ والجهاد, وقد شكلت هذه القواعد المرجعية المسكوت عنها للدولة السودانية في هذا المجال. وقد أدى ذلك لانفصال جنوب السودان, ومع تطاول أمد النزاعات وزيادة المرارات بدأت جهات أخرى تطالب الآن بحق تقرير المصير.

(7)
هذه جزء من شواهد كثيرة تؤكد خللاً منهجياً اساسياً في مشروع تطبيق الشريعة, وهو يوضح أن جهداً كبيراً بُذل وموارد كثيرة توفرت ولكن للسياسات الخطأ. وأن هذا الخلل يكمن في أن المشروع لا يملك تصوراً لعنصر التاريخ أو الزمن, ويرفض أن يعترف بأن أحوال الزمن وأطواره بعد من أبعاد كل ما يطرأ على الوجود الإنساني, ويريد استنساخ وإعادة إنتاج البناء التشريعي للمشروع الإسلامي الأول, وهو الشريعة. وإذا كانت المشاريع تقاس بمآلاتها وبالنتائج التي ترتبت عليها, فقد كانت نتائج مشروع الحركة الإسلامية السودانية القائم على تطبيق الشريعة نتائج كارثية على السودان وأهله. والمطلوب من المجموعات الإصلاحية أن تقول رأياً واضحاً وصريحاً حول هذه القضايا.. فمنها يبدأ طريق الإصلاح.


shamsdawalbait@yahoo.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 2497

التعليقات
#823265 [ابو جعفر الصادق]
0.00/5 (0 صوت)

11-11-2013 07:40 AM
مقال ممتاز من الغريب الا يجد اى تعليق... حتى من الاصلاحيين, الكاتب شمس الدين ضو البيت تمت مضايقته فى رزقه و عيشه و امنه و دبرت له من التهم الكثير حتى اضطر الى مغادرة بلده الحبيب و فى غربته لم يتوقف عن الكتابة و النضال و الفكر منطقه و حجته الحوار.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة