الأخبار
أخبار إقليمية
اتانا حديث الثقافة و ادهشنا و احزننا
اتانا حديث الثقافة و ادهشنا و احزننا



11-15-2013 07:42 PM
حسين الزبير

نقل لنا الكاتب و المحلل السياسي الاستاذ محمد لطيف تصورا مضيئا للسيد الرئيس عمر البشير للمشروع الحضاري: (المشروع الحضاري في الاصل مشروع ثقافي... لم نأت لنعلم الناس الصلاة و الصيام و دخول المساجد،و لم ندع بناء المدينة الفاضلة... فالمدينة المنورة حين يعيش فيها الرسول صلي الله عليه و سلم، كان يعيش بجانبه فيها المنافقون و اليهود و الذين في قلوبهم مرض.... البعض أساء مفهوم المشروع الحضاري و البعض الآخر أساء تطبيقه... وزارة الثقافة عائدة بمهام كبيرة و استراتيجية..
ليالي الخرطوم الثقافية كانت و ستظل معلما بارزا... الثقافات السودانية و تنوعها هي سلاحنا لمحاربة القبلية و الجهوية و الاثنية ... عبر رعاية هذه الثقافات و حمايتها و تطويرها و العمل علي تلاقحها
تراجع الاهتمام بالحياة الثقافية كارثي النتائج.... المرفوض هو التبرج و التفسخ و الابتذال و المظاهر الشاذة... و ليس المطلوب الحجر علي حركة الحياة الطبيعية... و لا مصادرة حق الناس في الحياة العادية.... الشعب السوداني بكل سحناته و اعراقه و ثقافاته و لهجاته، محب للغناء وللشعر و للتطريب ... متفاعل معه ، معبر عن هذا التفاعل ... و هذا حق مشروع و مكفول في حدود الالتزام الذي تحدده وترعاه الاعراف الاجتماعية.. لا القوانين السلطوية.)
و في اليوم التالي اهتمت اسرة تحرير صحيفة الخرطوم بهذا التصريح للسيد الرئيس فتناوله رئيس التحرير في الافتتاحية، كما كتب الاستاذ حسن اسماعيل في زاويته "هذا قولي" ، معلقا و مقارنا للتصريح مع الواقع.
و سبب دهشتي ان هذه الرؤيا المضيئة لمعني الثقافة و دورها في المجتمع ، و التي تأتي من رئيس الدولة كان من الواجب لها ان تكون اولي اولويات "المشروع الحضاري" منذ عام 1989!
كل الامم التي تتربع علي عروش الاقتصاد و الرفاهية ، لم تصل هنالك الا بالاهتمام بالثقافة و الاستثمار فيها. كما ان التاريخ يؤكد لنا ان الثقافة متمثلة في الفنون و الابداع بدأت بالنحت علي جدران الكهوف في العصر الحجري في 30000 قبل الميلاد ووصلت لتقنية الآيباد اليوم! و هاهو استيف جوب مبدع الآيباد يقول:
"البصمة الوراثية (DNA) لأبل تؤكد ان التكنولوجيا منفردة غير كافية ... انها التكنولوجيا المتزاوجة مع الفنون الليبرالية، و المتزاوجة مع الانسانية هي التي تثمر لنا النتائج التي تجعل قلوبنا تغني" قالها و هو يدشن آيباد 2.
و يعني هذا ان الثقافة لا يمكن انتاجها بقرار او اجراء ... بل هي عملية معقدة تؤتي ثمارها بجهود الاجيال بما تقدمه المؤسسات الثقافية المتنوعة للفنون و الاداب و المسرح و دور العبادة و المعاهد و مدارس الاساس. تخطط الامم لمسيرة الثقافة بالاهتمام بها منذ مرحلة رياض الاطفال، حتي يجنوا الثمار عندما يبدع كل في مجاله في مرحلة ما بعد الجامعة.
نعلم ان الصين اصبح منافسا اقتصاديا قويا لامريكا ، لكن احد علماء امريكا يقول ان لا خطر علي امريكا من الازدهار الصناعي و الاقتصادي في الصين – و ذلك لانهم مقلدون و غير مبدعون، فالصناعات الصينية كلها تطوير و اعادة انتاج للاختراعات الغربية.
و تعالوا لنري ماذا فعل "المشروع الحضاري" للاسلام السياسي في السودان:
1. تدهورت المؤسسات التعليمية من مرحلة الاساس الي الجامعات، وهذا هو المصدر الرئيسي للثقافة، لشح الموارد المرصودة للتعليم ، و ادي ذلك الي الغاء المواد التي تحرص الامم علي تدريسها، اي الفنون و الموسيقي و المناشط التربوية. وانتشرت "بقالات" التعليم الخاص التي تعد التلاميذ لاجتياز الامتحانات. و غاب تدريب المعلمين و اعدادهم للتعامل مع اغلي ثروة للبلاد.
2. صودرت حرية التعبير و بذلك حرمنا اجيالا من الابداع بالاغنية و الموسيقي و التمثيل و الكتابة، فغابت المهنية في كل المجالات الثقافية و كانت النتيجة تدهور المنتج الثقافي و انتشار الغناء الهابط ، وغياب المبدعين في اوساط الاجيال التي ستقود البلاد في المستقبل.
3. دمرت الكثير من آثارات البلاد باسم المشروع الحضاري و دمرت مكتبة الاذاعة و التليفزيون.
4. و العادات و التقاليد تعبير للثقافة ، الا ان المشروع الحضاري تدخل فيها بخلق طبقة مترفة في بلاد يتمدد فيه الفقر في اوساط الطبقة الوسطي في قلب العاصمة القومية، و ظهرت عادات جديدة في الاعراس بل و عند تخرج الابن من الجامعة !!– و غابت عادات التكافل و اجتماع الحي كله في ساحة امام منزل العريس و العروس ، و غاب الثوب السوداني و اصبح لباسا لفئة معينة.
و هذا هو الجانب المحزن في امر الثقافة في بلادنا – و يجب ان نعي ان التطور الثقافي لا يأتي من فراغ – فهو عملية تراكمية تؤتي اكلها بعد حين، و نحن اليوم نتجرع العلقم من جراء متراكمات المشروع الحضاري في ربع قرن.
و لايمكن لما تكون في ربع قرن ان تصلحه معالجة ادارية – الا اننا نحمد للسيد الرئيس رؤيته هذه ، و لكن تكون اعادة وزارة الثقافة و احياء ليالي الخرطوم عملا ديكوريا لا يقدم و لايؤخر في التطور الثقافي. و سوداننا اليوم، الذي يعاني من كثير من الامراض المزمنه، لو البسناه عمة الثقاقة و جرتق ليالي الخرطوم ، سيكون منظره غريبا يدعو للرثاء و الدهشة المحبطة. و عندما تصورت هذا المنظر في خيالي تراءي لي : رجل في الخامسة و العشرين من عمره ، مصاب بفقر الدم ، يمشي عاريا في شوارع الخرطوم بجسده الهزيل و عظامه البارزة ، لكنه يلبس عمة توتال سويسرية مطرزة باحدي ابداعات الفنان راشد دياب، و مجرتقا بخرزة و حريرة في يده اليمني!!
و ليتم التغيير من هذا الحال الي حال نري فيها بلادنا و ابناءنا في اول خطوة في طريق المجد و الرفعة، يجب ان نستبدل المشروع الحضاري بمشروع آخر لا يمتلكه الاسلام السياسي بل يمتلكه الشعب السوداني كله، و لصياغة هذا المشروع يجب ان يجتمع اهل السودان قاطبة و يرسموا خارطة الطريق.

رب ار اولوا الامر فينا الحق حقا و ارزقهم اتباعه و الباطل باطلا و ارزقهم اجتنابه، ووفقهم لما تحبه و ترضاه، و ما فيه نجاة اهل السودان انك سميع مجيب.
وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام علي اشرف الخلق و المرسلين.




[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2267


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة