الأخبار
أخبار إقليمية
منظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير! ..
 منظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير! ..


11-25-2013 10:11 PM
الجُّرحُ والقَوْس: منظمات المجتمع المدني والفضاء المعنوي للتغيير! ..

كمال الجزولي

دفعت هَبَّة الجَّماهير السُّودانيَّة، في سبتمبر المنصرم، بهموم التغيير في البلاد، أكثر من أي وقت مضى، إلى الواجهة السِّياسيَّة على جميع الأصعدة. ومن ثمَّ فإن الحواريَّة التي افترعها الأستاذ الحاج ورَّاق بهذا الشَّأن (حريَّات الإليكترونيَّة؛ 18 أكتوبر 2013م) تستدعي التداخل في ما يتصل، خصوصاً، بـ "روحيَّة" قضايا "إنضاج العامل الذاتي"، كأحد أهمِّ الرَّوافع الاستراتيجيَّة للقوى التي يُنتظر أن تسهم في إحداث التغيير المنشود. ولئن كان الضِّلعان الرَّئيسان لهذه القوى، خلال ثورة أكتوبر 1964م وانتفاضة مارس/أبريل 1985م، هما الأحزاب السِّياسيَّة والكيانات النقابيَّة، فثمَّة ضلع ثالث برز، بقوَّة أكبر، خلال ربع القرن الماضي، بحيث لا يمكن إغفاله: "منظمات المجتمع المدني" و"المنظمات غير الحكوميَّة" الحديثة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)
ويلزمنا، بادئ ذي بدء، التأكيد، لأسباب لا تخفى، على أن ما يعنينا، هنا، ليس أمر "منظمات الضِّرار" الحكوميَّة التي تضع قناع المنظمات غير الحكوميَّة، أو ما يُصطلح عليها بالـ GONGOs، والتي أنشأها النظام الحاكم، وما زال ينشئ المزيد منها، ويسبغ عليها أشكالاً وألواناً من رعايته وحمايته كي تكون عوناً وسنداً سياسيَّاً له! إنما يعنينا أمر المنظمات المدنيَّة المستقلة التي تنشأ من بين أوساط المجتمع المدني بغرض خدمة قضايا مجتمعيَّة وإنسانيَّة محدَّدة. فتأهيل "العامل الذاتي" لهذه المنظمات، بالذَّات، يقع في مركز الدَّعوة غير المسبوقة التي طرحها ورَّاق بغرض تحقيق "فاعليَّة" النشاط الرَّامي، عموماً، لإحداث التغيير المنشود، عن طريق إشاعة "روحيَّة جديدة" في أفقه، وبالتالي في أفق نشاط هذه المنظمات على وجه الخصوص.
إن أوَّل ما تجدر ملاحظته، هنا، هو أن ناشطي هذه المنظمات ما انفكوا يعكسون، منذ حين، وعن جدارة، أكثر فأكثر، في السُّودان كما في غيره، صورة "مناضلي" القرن الجَّديد. مع ذلك لا بُدَّ من الاعتراف بأن نشاط هذه المنظمات ظلَّ يعاني، في السُّودان بالتحديد، مرضاً يكاد يستفحل، بل، ولولا فسحة الأمل، لقلنا إنه قد يستعصي على العلاج تماماً! وأبرز أعراض هذا المرض ثلاثة: "ضعف الوعي بالذات"، و"تناقض النظر والممارسة"، و"ازدواجيَّة الحقيقة والوهم".
وتنبع أهميَّة التَّصدِّي لتهوية هذه القضية ذات الأثر والخطر من ضرورة تهيئة الفضاء "المعنوي"، عموماً، والأخلاقي، بالذات، لنشاط هذه المنظمات، بما يفوق، ربما، الاهتمام بالبُعد "الموضوعي" لهذا النشاط، وذلك هو، على وجه الدقة، محل اتفاقنا مع ورَّاق في ما عناه بدعوته المذكورة، والشَّاملة لكلِّ قوى "التغيير"، كجرس يُقرع للتنبيه إلى أن هذا "التغيير" ليس محض حزمة من الإجراءات نتخذها، فنعبُر بها من حال سئ إلى حال أفضل، وإنما هو، في المقام الأوَّل، مناخ من "روحيَّة" إيجابيَّة يحتاجها الفضاء "المعنوي" لحراك الجَّماهير، تقي من اليأس، فالسُّقوط المأساوي في غواية الاستكانة للتنازل عن "الكرامة"، و"الحريَّة"، و"الحقِّ" في "المشاركة" في تقرير المصير، ومن ثمَّ الارتداد البئيس للقبول ولو بكاريكاتير "مستبدٍّ عادل"، كما يحدث، الآن، في بعض بلدان المنطقة!

(2)
إذن، فالعرَض الأول للمرض المشار إليه يتمثل في ضعف وعي الكثير من منظمات المجتمع المدني، في بلادنا، بذاتها، تحت وطأة خطأ معرفي ومفهومي فادح يجعلها تغفل عن حقيقة كونها سليلة ما كان يُعرف في السَّابق بـ "المنظمات الجَّماهيرية"، وتتوهَّم، ضلالاً، أن ظاهرتها "مستجلبة"، أصلاً، من الغرب، ولا نسب لها في الخبرة الوطنيَّة! هذا الخطأ يستند، في الغالب، إلى ثلاثة أسباب أساسيَّة:
(1) العُسر النسبي في الحصول على التمويل من السُّوق المحلي، حيث يحتاج جمع التبرُّعات إلى عمر نوح وصبر أيوب، مقارنة باليُسر النسبي في انسياب التمويل من المصادر الأجنبيَّة، بصرف النظر عن الحكمة التي تجري بها بعض الأمثال عن أن "من يدفع للزَّامر يفرض عليه اللحن"، اللهم إلا من عصم ربك، بالطبع، وهم، في العادة، قلة! وسوف نعرض، بعد قليل، لنوعين متمايزين من التمويل: "حميد" و"خبيث"؛
(2) طبيعة مناهج التدريب الغربيَّة التي غالباً ما تأتي في أذيال التمويل الأجنبي، والتي تصمَّم، على نحو ما، بتصوُّرات أيديولوجيَّة زائفة تنزلق، بنعومة، إلى فكر هذه المنظمات؛
(3) غلبة المصطلحات والمرجعيَّات الأجنبيَّة المعرَّبة بلا هوادة، والمعتمدة كلغة عمل لهذا المجال، فتوحي بأن مصدر علمه الأساسي هو، بالضَّرورة، غير سوداني، حتف أنف النشأة الباكرة للنشاط المدني في بلادنا، والتي سنشير إليها أدناه!
على أنه تلزمنا المسارعة هنا باستدراكين مهمَّين:
أولهما: أن المشكلة، كما سبق وألمحنا، ليست وقفاً على التَّجربة السُّودانية، فليس نادراً ما تثار في الكثير من الفعاليَّات المدنيَّة الإقليميَّة؛
وثانيهما: أننا لا نعمِّم، ولا ينبغي لنا؛ فثمة منظمات في بلادنا، وإن تكن قليلة، مبرَّأة، إلى حد كبير، من حَوَل البصر والبصيرة هذا! وقد ظل إسهامها كبيراً، بالأخص الناشطة منها في مجال حقوق الإنسان، فضحاً للانتهاكات، ودفاعاً عن الضحايا، ورفضاً للتشريد بين معسكرات النزوح في الدَّاخل، واللجوء في الخارج، وشنَّاً للحملات ضدَّ القتل، والتعذيب، والاغتصاب، والإخفاء القسري، والاعتقال الإداري، وتدجين القضاء، وما إلى ذلك. وحبَّذا لو رتبت بعض هذه المنظمات مُدارسات مرموقة لثقافة هذا النشاط الضَّاربة بجذورها في تربة الإرث العريق للعمل الطوعي لدى مختلف تكويناتنا الإثنيَّة "نستخدم المصطلح بدلالة (العرق + الثقافة) معاً"، فضلاً عن تطوُّر هذا العمل، وارتقائه من الشَّكل الأهلي الأوَّلي إلى الشَّكل المدني الحديث، وما راكم خلال ذلك المشوار، منذ مطالع القرن الماضي، من خبرات ثرَّة لم تحبس هذا النشاط في فهم صفوي ينسرب من وسع الهموم العامَّة إلى ضيق الاهتمامات الخاصَّة، مثلما يحدث الآن في الغالب، وإنما ظلت تنفتح به على آفاق الفعل الجَّماهيري، عبر مؤسَّسات الصَّحافة، والمكتبة القبطيَّة، والفرق المسرحيَّة، وأندية الخرِّيجين، والاتحاد السُّوداني، واللواء الأبيض، ومجموعات القراءة Reading Groups، ومؤتمر الخرِّيجين، والأحزاب السِّياسيَّة، والكيانات النقابيَّة، والاتحادات المهنيَّة، والتنظيمات الفئويَّة، والمدارس الأهليَّة، والأتيام الرِّياضيَّة، والجَّمعيَّات التَّعاونيَّة، والرَّوابط الإقليميَّة، وأندية الأحياء، ومعهد القرش، وتنظيمات الكشَّافة، والمرشدات، وغيرها من التنظيمات المرتبطة بالجماهير الشعبيَّة، مباشرة، والفاعلة، تاريخيَّاً، في بلورة وإنفاذ البرنامج الوطني الديمقراطي. جهد كهذا قمين بتوفير معرفة نحتاجها، بإلحاح، لتصحيح فهومنا المعطوبة، والقائلة بأننا، على هذا الصَّعيد، اتِّباعيُّون ولسنا ابتداعيِّين!

(3)
ولئن كان المنطق الأساسي لعمل منظمات المجتمع المدني ينهض على دعامتين اثنتين من قيم الحداثة ومبادئ العدالة الاجتماعية، فإن العرَض الثاني للمرض المشار إليه إنَّما يتمثَّل في التَّناقض الفاضح لدى الكثير من هذه المنظمات، والتي يربو عددها، حاليَّاً، عن الألف، بين ضجيج اللغو النَّظري بهذه القيم والمبادئ، وبين المفارقة الخشنة لذات هذه القيم والمبادئ على صعيد الممارسة العمليَّة! مردُّ ذلك التناقض، في الغالب، إلى تعقيدات الظروف الاستثنائيَّة التي تفجَّرت تحتها وأخضعت لها، خلال ربع القرن الماضي، أشكال وأساليب نشأة ونشاط هذه المنظمات، مقارنة، كما سبق أن أشرنا، بتلقائيَّة الثقافة الشَّعبيَّة، أو حتى بمناهج عمل المنظمات الجَّماهيريَّة المار ذكرها. ولا نعتقد أن بنا حاجة لتعريف هذه الظروف الاستثنائيَّة بالقمع السِّياسي، وشروطه القانونية المجحفة، والتضييق الذي تفرضه هذه الشروط على فرص الحركة باحتكارها للموالين للسُّلطة، مع غياب أبسط احترام رسمي لأيَّة مظلة دستوريَّة لديموقراطيَّة التَّنوُّع والتَّعدُّد، الأمر الذي يُلجئ هذه المنظمات، في أغلب الأحيان، إلى إدارة أمرها بطرق غاية في الالتواء، بل والذهاب في هذا إلى حدِّ أن يصبح الالتواء هو الأصل، وما عداه استثناء!
لذلك كله فإن من أبرز احتمالات تمظهر هذا العرَض أربعة:
الاحتمال الأوَّل: تضعضع مناهج العمل الجَّماعي الشَّفاف transparent المفترضة في الإدارة الدِّيموقراطيَّة لهذه المنظمات، وتردِّيها إلى الانغلاق في أنماط ضيِّقة من الذِّهنيَّات القبليَّة، أو العشائريَّة، أو العائليَّة، أو الشُّلليَّة، في أفضل الأحوال، أو ربَّما حتَّى ذهنيَّات المافيا، في أسوأها، حيث تسـتأثر رؤوس معـدودة بالأمر، إداريَّاً وماليَّاً، وربَّما رأس واحد!
الاحتمال الثاني: تفادي بعض هذه المنظمات مجابهة القيود القانونيَّة لتسجيل "تنظيمات العمل الطوعي" أو "الجَّماعات الثقافيَّة"، وتفضيلها، بدلاً من ذلك، التَّسجيل الميسور، نسبيَّاً، لدى "المسجِّل التِّجاري العام"، دون أن تعير انتباهاً إلى حقيقة أنها إنما تضع نفسها بذلك، منذ البداية، وبصرف النَّظر عن حسن النوايا أو سوئها، في دائرة "السُّوق"، ودون أن تقيم أدنى اعتبار، بالتالي، للفروق الجَّوهريَّة بين هذه الدَّائرة وبين دائرتي "المجتمع" و"الدَّولة"، أو لمنظومات القيم الموضوعيَّة التي تشكل القانون الدَّاخلي لكلٍّ من هذه الدَّوائر، حيث "الرِّبح" قانون "السُّوق"، و"التكافل" قانون "المجتمع"، و"العنف المشروع" قانون "الدَّولة"؛
الاحتمال الثالث: إرساء غلبة المحاذير الأمنيَّة الأساس التَّبريري لتحوُّل الكثير من هذه المنظمات إلى محض كيانات مغلقة، لا يتجاوز عدد "مالكيها"، بل ولا يرغبون في أن يتجاوز، أصابع اليد الواحدة، بالمخالفة للمبدأ المتمثِّل في وجوب انفتاحها للعضويَّة الفاعلة والرَّاغبة في المشاركة في المجال المعيَّن، الأمر الذي يفضي، بالضَّرورة، إلى غياب الهيكلة والممارسة الدِّيموقراطيَّة الشَّفافة داخلها، فقلما توجد لوائح منضبطة يتمُّ التحاكم إليها، بجدِّيَّة، في ما يتَّصل بالأهداف أو الوسائل، وقلما تنعقد جمعيَّات عموميَّة، أو تُنتخب مجالس أمناء، أو إدارات تنفيذيَّة، أو تُتَّبع أسسٌ محاسبيَّة، أو يُعهد بالميزانيَّات إلى مراجعين، أو ما إلى ذلك من أساسيَّات التنظيم الدِّيموقراطي الحديث.
الاحتمال الرَّابع: طغيان مشكلة "التَّمويل" التي تأتى، من فوق هذا كله، كما سلفت الإشارة، كي يفضي قبضُ الدولة يدها، كلَّ القبض، عن دعم هذه المنظمات، بالمخالفة لما يقضي واجبها، إلى إفساح المجال بأكمله لينفرد به "التَّمويل الأجنبي" وحده! على أنه ينبغي ألا يُفهم من هذا أن لدينا اعتراضاً، بالمطلق، على "التَّمويل الأجنبي" من حيث هو. لكن، مع إقرارنا بوجود تمويل أجنبي "حميد"، يجدر بنا الإقرار، أيضاً، بوجود تمويل أجنبي "خبيث"، ومنبع "خبثه" إمَّا الاستراتيجيَّات السِّياسيَّة للمانحين أنفسهم، أو فساد أساليب عمل إداريي هؤلاء المانحين أو ممثليهم الإقليميين! مهما يكن من أمر، فإن هذا النوع "الخبيث" من التمويل هو الذي يلعب الدَّور الأكبر في تحويل مثل هذه المنظمات إلى محض "كناتين للعمل المدني!"، بل إن بعض المنظمات أو الجَّمعيَّات أو المراكز ليست، في حقيقتها، غير حقيبة صغيرة تحت إبط "المالك" الذي يكون، عادة، لغفلته، آخر من يعلم أنه، بهذا، إنما يجعل من نفسه هدفاً لسخرية المانحين، أنفسهم، قبل غيرهم، فيطلقون على مؤسَّسته، تندُّراً، ما يُعرف، في دوائرهـم، بالـ "Brief Case NGO"، ويا له من وصف مُهين! هذا النوع من التَّمويل يقف، في تقديرنا، وتحت ضغط الضَّوائق الاقتصاديَّة المعلومة، على رأس مهدِّدات مثل هذه المؤسَّسات بالفناء، أو بالشَّلل في أفضل الأحوال، إذ يحوِّلها إلى مجرَّد "مشروعات إعاشة" لـ "أصحابها" وذويهم، أو "مطايا" للأسفار التي تُحتكر، فحسب، لمن في يدهم القلم في قمَّة إداراتها، ولا تَسَلْ، بعد ذلك، عن القدرات الفكريَّة المتدنِّية لدى الكثيرين مِمَّن يجرى ابتعاثهم، من المحاسيب والخاصَّة والأقارب، إلى مشاركات دوليَّة أو إقليميَّة، فتتحوَّل، بفضل تدنِّي هذه القدرات، إلى محض مواسم لـ "السِّياحة"، الأمر الذي يكون، هو وغيره، محلاً، في العادة، للصِّراعات الشَّخصيَّة، والنزاعات غير المبدئيَّة، ونميمة مجالس الأنس، وثرثرات الهواتف النقَّالة صباح مساء!
هذه الاحتمالات قد تقع فرادى، وقد تقع مجتمعة، بحسب كلِّ حالة على حدة. أمَّا أخشن تمظهرات التَّناقض بين اللغو النَّظري بقيم ومبادئ الحداثة والعدالة الاجتماعيَّة، وبين إدارة الظهر لنفس هذه القيم والمبادئ في الواقع العملي، فتتبدَّى بجلاء لا يحتاج إلى فانوس ديوجينس لإضاءته حين تجد، مثلاً، منظمة يدِّعي القائمون عليها، في العلن، أنهم يدافعون عن المظلومين، بينما شبكة "المصالح" الضَّيِّقة تدفعهم، في الخفاء، لممالأة الظالمين طالما كانوا من الأقارب، أو الأصدقاء، أو الشُّلة، أو المافيا! أو حين تجد، مثلاً، منظمة أو جمعيَّة أو مركزاً ثقافيَّاً يملأ الدُّنيا ضجيجاً حول الدِّفاع عن حقوق الإنسان، على حين لا يتوانى هو نفسه في جحد حقوق المستخدَمين لديه بالأجر، أو هضم حقوق المبدعين الذين يستثمر إنتاجهم لأغراض الربح، أو انتهاك ملكياتهم الفكرية بفظاظة لا تعرف الحياء! أمثال هؤلاء ينهضون كأسوأ مدافعين عن أعدل قضيَّة، ومن ثمَّ يوفرون أبأس نماذج المصادمة المباشرة لمطلوبات الفضاء "المعنوي" المرغوب فيه للتحشيد باتِّجاه مناصرة نفس القضيَّة التي يُفترض فيهم خدمتها!

(4)
أما العـرَض الثالث فيتمـثَّل في بعـض "الأوهـام" التي ما تنفكُّ تعشعـش في أذهان الكـثير مـن النُّشـطاء، وأخطـرهـا طـرَّاً تعـريـف "منظـمـة المجـتمـع المدني" ككـيان "غـير سياسـي apolitical"، بينما المقصود أنها كيان "غير حزبي nonpartizan"، والفرق، يقيناً، جدُّ شاسع! وقد يستبين هؤلاء فداحة خطأهم هذا إذا قدِّر لهم أن يدركوا، مثلاً، كيف أن منظمة دوليَّة، كمنظمة الصحَّة العالميَّة WHO، أصبحت تقرُّ بازدياد نشاط منظمَّات المجتمع المدني كقنوات لممارسة المواطنة في سبيل تحقيق التَّغيير الاجتماعي والاقتصادي. ولأن قنوات كهذه يستحيل أن تكون "غير سياسيَّة"، فإن باحثين كثر، كالسُّوداني محمَّد سعيد الطيِّب والتونسي منصف المرزوقي، أضحوا يميلون نحو تأكيد المفهوم "السِّياسي" لهذه المنظمات بالأساس.
كذلك فإن ثمَّة تيَّاراً عالميَّاً مرموقاً ما فتئ يشدِّد، منذ حين، لدى الحديث عن منظمات حقوق الإنسان، مثلاً، على أنه لا معنى لمفهوم "الإنسانيَّة" ذاتها بدون الصحَّة، والعمل، والغذاء، والملبس، والمسكن، والتَّعليم، والثقافة؛ وأن تواتر المناداة بالعدالة الاجتماعيَّة في شأن هذه المطلوبات عائد لكون نفس الأسباب تولد، دائماً، نفس النتائج. ومن ثمَّ فمن الضَّروري أن تتصدَّى "حركة حقوق الإنسان" لتحقيق هذه المطالب المشروعة للطبقات الفقيرة والشُّعوب المقهورة. وإنه لمِن عمى البصيرة، بل من "مرض الغرض"، يقيناً، عدم رؤية الطبيعة "السِّياسيَّة" لهذه "الحركة" نفسها من هذه الزاوية بالذَّات! فحتى لو جرى، بحسن نيَّة، ابتلاع الفكرة الزَّائفة بأن على منظمات المجتمع المدني ألا تمارس "السِّياسة"، فإن "المناضل" من أجل "حقوق الإنسان"، أو "صون البيئة"، أو "حماية المستهلك"، على سبيل المثال، سرعان ما يصاب بالحيرة ـ حسب المرزوقي ـ حين يكتشف أنه، في "نضاله" هذا، لا يغادر "السِّياسة"، في الحقيقة، قيد أنملة! فإنْ هو أدان "التعذيب" مارس "السِّياسة"، وإن غضَّ الطرف عنه مارس "السِّياسة" أيضاً، وسواءً طالب، أو لم يطالب، بالحريَّات الشَّخصيَّة، أو العامَّة، أو بحقوق الطفل، أو المرأة، أو الأقليَّات، أو حتى سعى، فقط، لـ "تعليم" حقوق الإنسان، فإنما يمارس "السِّياسة"، بالضَّرورة، ومن كلِّ بُد!
وهكذا فإن الأمر، في جوهره، أكثر تعقيدا من مجرَّد قوائم الشُّروط التَّبسيطيَّة المُخِلة التي تصمَّم كتالوجاتها manuals خصيصاً ليُدفع بها إلى ورش "الزِّيانة" التَّدريبيَّة على رءوس "اليتامى"، كما في بعض الأمثال، استهدافاً لإخصاء الطابع الرَّاديكالي لخبرة "المنظمات الجَّماهيريَّة" في بلادنا، منذ نشأتها في أتون الصِّراع ضد الاستعمار من أجل الاستقلال السِّياسي، وحتى انخراط سليلتها "المنظمات المدنيَّة" في معمعة النضال من أجل التغيير الشَّامل، سياسيَّاً، واقتصاديَّاً، واجتماعيَّاً، وثقافيَّاً!

(5)
أخيراً، لئن كان من قبيل الحُجَّة غير المهضومة أن يدعو أحد لإرجاء المكاشفة الواجبة حول هذه القضيَّة، والمفاكرة الضَّروريَّة في شأنها، بدعوى أن الوقت غير مناسب، أو بزعم الحذر من إساءة استغلال هذه المكاشفة أو المفاكرة من جانب السُّلطة وأجهزتها المعادية للمنظمات المدنيَّة، فإن ثمَّة، مِن أهل نفس هذه المنظمات، مَن لا يتوانى في استخدام ذات هذه الحُجَّة لتكريس الاتجاهات الخاطئة، فتكون هذه المنظمات جرحاً بقدر ما هي قوس! لذا، ولأن الوقت المناسب لأي إصلاح هو، بالقطع، كلُّ الأوقات، فينبغي تفويت الفرصة على كلا الطرفين، السُّلطة والنشطاء الفاسدين، بحملة جادَّة يقودها الشُّرفاء في هذه المنظمات، لإصلاح أوضاعها، الأمر الذي لا يمكن تحقيقه بغير فتح الجُّرح لتطهيره من خلال حوار داخلي واسع، صريح، شفاف، وحرَّاق، يضمن لهذه المنظمات اليوم، وليس غداً، أن تحافظ على رأسمالها الرَّمزي الافتراضي، القائم، ما يزال، بالحقِّ، في ثقة واحترام أقسام واسعة من الجَّماهير للكثير من قادة هذه المنظمات ورموزها، وتعويلها عليهم في لعب أدوار مقدَّمة في معارك التحوُّل الدِّيموقراطي، وإلا فإن الحديث عن إسهام هذه المنظمات كضلع في التَّغيير المنشود، وبالأخص في دعم "روحيَّة" الفضاء "المعنوي" المطلوب لهذا التغيير، لن يعدو كونه محض أماني، بل .. مجرَّد حديث خرافة!
***

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1517

التعليقات
#838683 [مغترب بالسعودية]
1.00/5 (1 صوت)

11-26-2013 11:02 AM
هل الاستقالة جريمة؟



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة