'من أنت أيها الملاك؟' .. عالم بلا أسماء .. عالم بلا هويات
'من أنت أيها الملاك؟' .. عالم بلا أسماء .. عالم بلا هويات


11-27-2013 10:06 AM


ما يلفت النظر في رواية إبراهيم الكوني هو الغياب شبه التام للمرأة. لا تكاد المرأة تحضر إلا في بضع جمل على لسان شخصيات الرواية.




بقلم: د. أحمد صبرة

رواية مدهشة

هل يمكن تصور إنسان بلا اسم؟ هل يمكن أن يولد ويعيش ما شاء له أجله، ثم يموت دون أن يعرف له اسم؟ كيف يمكن تمييزه بين البشر؟ كيف يمكن الحديث إليه والحديث عنه؟ لكن هل الاسم هو ما يميز أفراد البشر فيما بينهم؟ ألا تكفي ملامحهم شارة للتمييز؟ بل إن الملامح في هذه الحالة أكثر دلالة على الفروق بين الناس من أسمائهم. مع ذلك فحاجتهم لتمييز أنفسهم بالأسماء أشد من حاجتهم للتمييز بالملامح. لماذا؟

ظني أن فكرة التسمية في حد ذاتها علامة على الفرق الجوهري بين الإنسان وغيره من الحيوانات. هناك في البشر ما يسميه إرنست كاسيرر "جوع إلى التسمية"، وهو جوع يقبض الإنسان بواسطته على العالم ليعيد فهمه وتنظيمه كيفما شاء. وهو نتيجة تالية لامتلاك الإنسان اللغة/العقل. دون هذا لا فرق كبير بين الإنسان وغيره من الكائنات. قد تكون غريزة الاجتماع لدى البشر وما يترتب على هذا الاجتماع من حقوق وواجبات ومعاملات إحدى الأسباب للتسمية، لكن لو وجد إنسان وحده في هذا الكون، وامتلك اللغة، فلا بد أن يسمي نفسه باسم في مواجهة العالم الذي يعيشه.

• سؤال جوهري

ما القيمة الوجودية للاسم؟ هذا هو السؤال الجوهري الذي تدور حوله رواية "من أنت أيها الملاك" للكاتب المبدع إبراهيم الكوني. رواية ليست كأي رواية، تبزغ في عالم الكوني فتزيده ألقا فوق ألقه. فيها من التأمل والفكر مساحة تشغلك في أثناء قراءتها، وتزيدك انشغالا بها بعد أن تفرغ منها، رواية لا تهمل الحكي برغم استغراقها في مسائل فلسفية عصية على الوضوح بطبيعتها. ومن ثم فأنت ترى فيها أشخاصا كأنهم من لحم ودم، وترى حوادث تشغلك، كما ترى فيها أفكارا تجوس خلال دروب الحكي وتفاصيله الكثيرة.

بنى الكوني عالم روايته بناء يشبه ما فعله جورج أورويل في روايته "1984". وعلى حين هيمن الأخ الأكبر على البشر من خلال أجهزة التنصت والقمع والرجال المنبثين في كل ركن في رواية أورويل، فقد اختار الكوني مكانا واحدا رئيسيا يظهر من خلاله هيمنة الدولة على مقدرات البشر: مكتب السجل المدني الذي يتم فيه تسجيل أسماء المواليد، ومن ثم إعطائهم هوية. رحلة الأب "مسي" التي بدأت في السجل المدني ليسجل مولوده "يوجرتن"، وانتهت في صفحة الرواية الأخيرة بقتل الأب لابنه. وما بين البداية والنهاية يظهر تعنت موظفو السجل المدني وسطوتهم في عدم الموافقة على الاسم الذي اختاره الأب بحجة أنه ليس من الأسماء المنزلة في القوائم لديهم، ومن ثم عليه الانتظار، طال هذا الانتظار حتى استوى المولود فأصبح صبيا، ثم شابا يافعا دون أن تتاح له الفرصة للحصول على اسم يدخله عالم الأحياء الذين تعترف بهم الدولة في سجلاتها، وتتعقد أمور الأب فيسحب منه هو أيضا اسمه، وبالتالي تسحب هويته ليعود كابنه شخصا لا وجود له. وفي النهاية يقرر الأب أن يعود من حيث أتى: إلى الصحراء حيث يجبر ابنه على الذهاب معه، وهناك على مشارف الصحراء يستل مدية كانت معه، ويطعن بها ابنه الذي يصيح وهو يموت "كأني أضحية العيد".

تثير حبكة الرواية أسئلة قد تهدمها من أساسها، لماذا اختار الأب اسم "يوجرتن"؟ ولماذا أصر عليه؟ ألم يكن يعلم بأمر القوائم المنزلة، ويعلم بسطوة أجهزة الدولة التي تتدخل حتى في اختيار أسماء مواطنيها؟ في الرواية إجابات عليها، وفيها مواجهة شجية بين منطق للأب وآخر للابن حول هذا الموضوع. الأب ليس بطلا خارقا يتوهم أنه سيصارع الدولة وينتصر عليها. هو يعلم حدود نفسه ونطاق قدراته، لكن له منطقا جادل به كل من التقاهم من مسؤولي السجل المدني، أما خلاصة ما ردوا به عليه فهو أن النظام أهم من الأفراد، وأن الحفاظ على هوية الدولة من خلال الحفاظ على قوائم الأسماء المنزلة يقتضي التضحية أحيانا بالبشر.

أما الابن فقد فشل أبوه في إلحاقه بالمدرسة مما اضطر الابن إلى الالتحاق في نهاية الأمر بعصابة تنوي تفجير السجل المدني، وأما الأب فإنه بعد أن انتزعوا منه اسمه وفشله في تجديد رخصة محله وعدم استعانة أحد به في أي عمل، اضطر لبيع بيته والعودة من حيث أتى: إلى الصحراء.

يمكن لك أن تقرأ الرواية في بعدها الرمزي، وهنا ستجد الرواية كثيفة الرموز، متعددة التأويلات بدءا من رمز التسمية في ذاته مرورا بالسجل المدني وكل موظف فيه، إلى الدولة نفسها وحتى الأب وابنه ورمزية العلاقة بينهما والمشهد المؤثر في النهاية حين يقتل الأب ابنه. لكني في بقية المقال سأركز على جانب تقنيات الحكي والكيفية التي أثرت بها على "ثيمة" الرواية.

• بناء غرائبي

بنى الكوني روايته بناءً غرائبياً احتلت فيه الثنائيات مكانا مميزاً. مؤشر الغرائبية حاضر في حالة التردد التي تواجه قارئ الرواية، فبحسب تودروف "إن الفانتاستيك هو تردد كائن لا يعرف سوى القوانين الطبيعية أمام حادث له صبغة فوق طبيعية". وقارئ "من أنت أيها الملاك" يواجه عالماً روائيا ليس من جنس ما يعرفه في العالم الطبيعي سواء في علاقاته أو شخوصه وطريقة تمثيلهم أو في حوادثه والمآلات التي تصل إليها. من ثم يصاب بحالة التردد التي تؤثر –لا شك- على طريقة تلقيه للعمل، ومن ثم يحاول أن يخلق له آليات قراءة مختلفة ومرجعيات تصديق ليست من جنس ما يستخدمه في العالم الواقعي. وهو أمر حيوي لا بد من إنجازه على أعتاب الرواية قبل اتخاذ قرار بالاستمرار في القراءة وتصديق هذا العالم الموازي الماثل أمامه.




ويمكن أن تلمح الغرائبية في بؤر كثيرة داخل الرواية سواء في التعسف اللامعقول في قبول الاسم الغريب، أو في تراتبية العلاقة بين موظفي السجل المدني، ثم علاقتهم بالمترددين عليهم، وطبيعة الجزاءات التي توقع على أخطاء لا معقولة، أو حتى في هيكل الدولة كله القائم على تحكم غيبي ليس من السماء من قبل كائنات غير مرئية تستطيع أن تمنع وتمنح، أن تميت وأن تحيي. لكني أقف هنا عند ملمح غرائبي واحد له دلالة عميقة هو هذا التنافر الذي يبدو حادا بين كثير من شخصيات الرواية والأفكار التي تحملها واللغة التي تستخدمها في التعبير عن هذه الأفكار.

في تردد الأب "مسي" المتوالي على السجل المدني بحثا عن اعتراف باسم ابنه المولود، أضاع الموظف المسؤول مستند المستشفى الذي جاء به "مسي"، ثم اختفى الموظف، فسأل عنه أحد السعاة في المكتب، دار بينهما حوار قال فيه "مسي": أيعقل أن يكون للموظف الذي اختفى بمستند المستشفى علاقة بالمساءلة التي تتحدث عنها؟

أجاب الرجل دون أن يلتفت إليه كأنه يحدث نفسه: لا أدري. ما أدريه حقاً هو أن أعضاء المحفل لا يختفون من هذا المكان إلا إذا اقترفوا آثاما.

- اقترفوا آثاماً

- إذا ارتكبوا أخطاء، كما تقولون في لغتكم، هنا يسمون ارتكاب الأخطاء آثاما لأن الخطأ قد يغفر، ولكن الإثم في معجم هذا المكان هو ما لا يغتفر.

استولت الدهشة على "مسي"، تمتم: ولكنه إذا كان قد ارتكب أخطاء، أو آثاما كما تسميها، فقد ارتكب في حقي أنا لا في حق المحفل أو دائرة المحفل.

- هذا ما تظنه أنت، ولكن سادة هذا المكان قد يظنون شيئا آخر.

تململ "مسي" على أريكته الخشبية الأبدية، تمتم: الحق أني لا أفهم..

سأله الرجل فجأة وهو ينحني فوقه: ألم يحادثك المعني؟

- بلى

- ماذا قال على سبيل المثال؟

- لقد استنكر الاسم، بل أخضعني لاستجواب غريب بشأن الاسم.

هلل الساعي: أرأيت؟ لقد أخضعك لاستجواب لم يكن مخولا به، وهو ما يعني في ناموس الدائرة أنه اغتصب حقا لم يملكه.

لا يتحدث السعاة في عالم الواقع بمثل ما عبر عنه ساعي الرواية، لا ثقافته ولا مفردات ألفاظه تتيح له هذا العمق البادي في ساعي "الكوني". إذن تخرج به الرواية من عالم الواقعي إلى عالم الغرائبي، وتجعله حاملا لأفكار وليس معبرا عن أعماق شخصيات من عالم الواقع. ثم تأتي إشارات في هذا المقطع الصغير لتزيد من غرائبية الرواية " كما تقولون في لغتكم" "الإثم هنا لا يغتفر" "حق المحفل" "سادة هذا المكان" "ناموس الدائرة"، وكلها عبارات تدفع بالرواية إلى منطقة ما هو فوق طبيعي، وتشير لقارئها إلى الأسلوب الذي يجب أن يقرأ الرواية به.

• ليست حكاية للتسلية

لكن الرواية لا تعزل نفسها تماما عن الطبيعي أو الواقعي، فهي ليست حكاية للتسلية، والإشارات فيها إلى عالم الواقع تشكل لب العمل ومنتهاه. إشارة واحدة في كل العمل، يتم تفسيرها من خلال المعارف القبلية للمتلقي تخبر بأن هذه الدولة التي تقمع أبنائها حتى أنها لا تتيح لهم حق التسمية هي ليبيا حين يتحدث الكوني عن الدولة التي تحيط بها الصحراء من كل الجهات إلا الجهة الشمالية، غير ذلك يعود الكوني ليحتمي بسياج الغرائبي في عالمه الروائي ليقيه سطوة المساءلة عن النوايا.

تحفل الرواية بثنائيات مؤثرة على "ثيمة" العمل، وعلى تقنيات الحكي فيها، وعلى اللغة. ثم إنها ثنائيات لا يشتغل كل منها بمعزل عن الآخر، تبدو شبكة متداخلة قوية التأثير على أطرافها، عميقة التأثير على متلقيها. ثنائية الحرية/ القهر، ثنائية المدينة/ الصحراء، ثنائية المركز/ الهامش، ثنائية الفكرة/ الحدث. ويبدو الكوني في أغلب هذه الثنائيات منحازا إلى جذوره، مدافعا عن الصحراء، عادا إياها هي المركز وهي الحرية وهي المآل، وهي الفكرة التي يجب أن يعود إليها إذا أعيته السبل وضاع في دروب الحياة.

أما ما يلفت النظر في الرواية أيضا فهو الغياب شبه التام للمرأة. لا تكاد المرأة تحضر إلا في بضع جمل على لسان شخصيات الرواية، واقترن حضورها بالموت سواء مع زوجة "مسي" أو ابنة موسى. وهو غياب يثير تساؤلات حول نظرة الكوني للمرأة من خلال أعماله لأن هامشيتها لم تقتصر فقط على هذا العمل، بل إنها أيضا هامشية في كثير من أعماله الأخرى,

هذه قراءة سريعة لعمل إبراهيم الكوني "من أنت أيها الملاك". لكن تبقى الرواية مع ذلك أجمل من كل قراءة لها.

[email protected]
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1774


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة