الأخبار
أخبار إقليمية
ذوبان الدولة: ثمن الانفصال الجزئي لجنوب السودان
ذوبان الدولة: ثمن الانفصال الجزئي لجنوب السودان
ذوبان الدولة: ثمن الانفصال الجزئي لجنوب السودان


12-20-2013 09:16 AM
د. عبدالوهاب الأفندي


(1) عندما بدأ العد التنازلي لانفصال جنوب السودان بعد انتخابات عام 2010، أطلقت بعض المصادر الغربية صفة ‘دولة مسبقة الفشل’ على دولة الجنوب المرتقبة. وقد برر هذا التوصيف يإشكالات عدة ستواجه الدولة الوليدة، منها عدم وضوح حدودها وضعف البنية التحتية وغياب المؤسسية والانقسام الداخلي واستشراء الفساد. وقد بذلت القوى الغربية وبعض القوى الإقليمية جهوداً جبارة لتأجيل أو تجنب الانفصال، ولكن التيار الشعبي المؤيد للانفصال أصبح كاسحاً لا يقاوم.

(2)
ما لم يحسب أولئك المحللون حسابه هو أن الإشكال الأكبر الذي ستواجهه الدولة الوليدة لم يكن الانفصال ولكن مقاومة الانفصال. ذلك أن الحركة الشعبية الحاكمة في جنوب السودان قامت على أيديولوجية تسعى إلى إعادة صياغة السودان سياسياً وثقافياً واقتصادياً وليس للانفصال عنه، ولم يكن الانفصال إلا خيارها الثاني. وفي هذا الإطار بنت الحركة تحالفات مع تيارات سياسية وحركات مسلحة في دارفور وشرق السودان ومناطق سودانية أخرى، ولم تستطع استخلاص نفسها من تلك التحالفات بعد الانفصال. لهذا كان الصراع الأول في الحركة هو بين التيار الذي مال إلى استمرار التورط في السياسة السودانية بقيادة المقربين من زعيم الحركة الراحل جون قرنق، وتيار الرئيس سلفا كير الداعي إلى تقوية الدولة والتركيز على البناء الداخلي.

(3)
يذكرنا هذا بصراعات شهدها في عشرينات القرن الماضي الاتحاد السوفيتي في سنواته الأولى بين دعاة ‘الثورة الدائمة’ وأنصار فكرة ‘الاشتراكية في بلد واحد’، وكذلك الصراع بين تيار بناء الدولة (بقيادة الملك عبدالعزيز) وتيار دعاة الجهاد المستمر بين ‘الإخوان’ في السعودية في نفس الفترة. وكما هو معروف فإن تيار تركيز وبناء الدولة هو الذي انتصر في الحالتين. وفي حالة الجنوب، لم يكن هناك مفر من ذلك بسبب ضعف موارد الدولة واعتمادها على الدعم الأجنبي الذي لا يحبذ المغامرات الخارجية.

(4)
ولكن مشكلة قيادة الجنوب الحالية بزعامة سلفا كير أنها قررت فتح كل الجبهات في وقت واحد. فالصراع حول مشروع الدولة لم يكن الوحيد، بل شهدت الحركة الشعبية منذ سنواتها الأولى صراعات قبلية وعرقية، وشكوى قديمة متجددة من هيمنة قبيلة الدينكا على مقاليد الأمور. وقد اختار سلفا كير منذ البداية مواجهة خصومه القبليين وعدم تقديم التنازلات، ثم وجه ضرباته للمتشددين والمغامرين في الحركة في نفس الوقت.
(5)
تعود جذور الصراع القبلي إلى فترة الحكم الذاتي في الجنوب منذ عام 1972، حيث شكت القبائل الاستوائية مما وصفته بهيمنة القبائل النيلية (وعلى رأسها الدينكا، وتشمل كذلك النوير والشلك) على حساب القبائل الاستوائية التي تنتمي إلى مجموعة عرقية مختلفة وكانت تفخر بأنها أفضل تعليماً. وقد أدى هذا الصراع إلى تفجر الحرب الأهلية من جديد بعد أن استجاب الرئيس الأسبق جعفر النميري لمطالب الاستوائيين بتقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات في يونيو من عام 1983. وفي عام 1991 تحول الانشقاق الذي وقع داخل الحركة الشعبية إلى صراع قبلي بين الدينكا بقيادة جون قرنق من جهة والنوير بقيادة رياك مشار ومعهم الشلك بقيادة لا أكول.

(6)
رغم المصالحة بين قرنق وغريميه قبيل اتفاقية السلام عام 2005، إلا أن إشكالية الهيمنة القبلية على الحركة الشعبية وجيشها لم تحسم. وقد تمت محاصرة الخصوم سياسياً وأمنياً، حيث منعت القيادات المعارضة من المشاركة بحرية في انتخابات عام 2010 التي اكتسحتها الحركة الشعبية. وخلال هذا العام، قام سلفا كير بفصل نائبه مشار، ثم باستبعاد رموز التيار المتشدد في الحركة الشعبية خلال الشهور الماضية، فوحد دون أن يقصد أطياف المعارضة ضده. وقد ارتكب سلفا كير وأنصاره خطأً آخر بالتسرع في وصف الصدام المسلح الأخير بأنه محاولة انقلابية يقودها مشار وكذلك استهداف النوير على الهوية، مما عمق الاستقطاب في إطار وضع كان غاية في الهشاشة على كل حال.
(7)
يبدو أن أسوأ توقعات المتشائمين قد تحققت، حيث تواجه دولة جنوب السودان مخاطر انهيار وشيك بعد تواتر الانشقاقات وتآكل مشروعية قيادة الحركة والدولة. فما نشهده ليس فقط انهيار الدولة وتفككها، بل ذوبانها بسبب عدم وجود اي مؤسسات ذات شأن خارج جيش الحركة الذي يتفكك بسرعة الآن.

(8)
المفارقة في كل هذا هي أن كل اللاعبين خاسرون في هذه المواجهات. فقد كان هدف سلفا كير الأول هو تعزيز الدولة وتثبيت أركانها في مقابل خصومه المغامرين، ولكن الدولة تتآكل الآن وتنهار. أما المتشددون في الحركة فقد كانوا متمسكين باستدامة الصراع مع الشمال عبر دعم حركات التمرد هناك والتصعيد حول منطقة ابيي. ولكن تفجر الصراع الداخلي وانهيار الدولة وتبخر الدعم الدولي سيوجه ضربة قوية لمشاريعهم التي تبدو اليوم أبعد من التحقيق من أي وقت مضى. أنصار الديمقراطية والشفافية في الحركة والدولة يواجهون أيضاً مشكلة بسبب الاستقطاب العرقي وانتشار الصراع وغياب الدولة، وكلها لا تحبذ البناء الديمقراطي.

(9)
منذ نشأتها اختارت الحركة الشعبية الهروب إلى الأمام. فبدلاً من معالجة الصراعات الداخلية في الجنوب اختارت شن الحرب على الشمال وتحميله المسؤولية عن كل مشاكل الجنوب. اختارت الحركة كذلك الانفصال كنوع آخر من الهروب إلى الأمام، دون أن تلتزم به، حيث واصلت تدخلها في شأن السودان وتعلقها به. وكانت النتيجة أن تعمقت المشاكل بدلاً من أن تحسم. ولا حلول لهذه الأزمة إلا بأن تأتي الحركة من البر ما ظلت تأمر به الآخرين وتنسى نفسها. فقد اشتكت الحركة مما وصفته بهيمنة النخبة الشمالية على مقاليد الدولة السودانية وبررت الانفصال على هذا الأساس، ولكنها مارست في الجنوب هيمنة الحزب والميليشيا والقبيلة. وليس الحل في تشرذم قبلي أو وصول قبيلة منافسة إلى السلطة، وإنما تطبيق ما ظلت الحركة تدعو إليه من مساواة بين الجميع وعدم التمييز والإقصاء على أساس الهوية. وفي أضعف الإيمان، عدم القتل على الهوية.

القدس العربي


تعليقات 4 | إهداء 1 | زيارات 3996

التعليقات
#862153 [وائل]
5.00/5 (2 صوت)

12-20-2013 01:29 PM
افتكر ان هذا التحليل اعتمد على المعطيات العامه التي نوفرت في فترة مابعد الانفصال وهي مواصلة الابناء الثوريين في الحركة الشعبية في دعم ابناء الحركة الشعبية من الشمال وقبائل النوبة لمواصلة تحرير المناطق الباقية في يد الموتمر الوطني ودعم الحركات المسلحة من ذات الهدف ....وكان الاجدر لهم التفرق لانشاء دولتهم الوليدة عوضا عن التدخل في الشؤون الداخلية للدولة الام .... والتخلي عن الدعم الذي يدفعونه من حر مال الشعب الجنوبي .... عليهم الاستفادة من كل التجارب للدول المجاورة التي تدخلت في اعوام خلت في شؤوننا الداخلية بدعم المعارضات المسلحة ولكنها لم تحصد سوى مزيد من الحروب والخراب .. ولجأت بعد ذلك لسياسة حسن الجوار التي استفادت منها كثيرا في اقتصاداتها منها ..،،اثيوبيا ...تشاد ...ليبيا القذافي ....ارتريا


#862137 [شيبة]
5.00/5 (2 صوت)

12-20-2013 12:45 PM
منذ نشأتها اختارت الحركة الشعبية الهروب إلى الأمام. فبدلاً من معالجة الصراعات الداخلية في الجنوب اختارت شن الحرب على الشمال وتحميله المسؤولية عن كل مشاكل الجنوب. اختارت الحركة كذلك الانفصال كنوع آخر من الهروب إلى الأمام، دون أن تلتزم به، حيث واصلت تدخلها في شأن السودان وتعلقها به. وكانت النتيجة أن تعمقت المشاكل بدلاً من أن تحسم. ولا حلول لهذه الأزمة إلا بأن تأتي الحركة من البر ما ظلت تأمر به الآخرين وتنسى نفسها. فقد اشتكت الحركة مما وصفته بهيمنة النخبة الشمالية على مقاليد الدولة السودانية وبررت الانفصال على هذا الأساس، ولكنها مارست في الجنوب هيمنة الحزب والميليشيا والقبيلة. وليس الحل في تشرذم قبلي أو وصول قبيلة منافسة إلى السلطة، وإنما تطبيق ما ظلت الحركة تدعو إليه من مساواة بين الجميع وعدم التمييز والإقصاء على أساس الهوية. وفي أضعف الإيمان، عدم القتل على الهوية.) هذه الجزئية هي الفرضية الصحيحة, في تحليلك يدكتور الافندي, ويحضرني سخرية احد اللاخوة الجنوبيين بعد ماظن ان استجار من ظلم المندكورات برحمت الحركة الشعبية فوجدها اكثر ظلم وقهر فقال(( والله نحنا قلنا معاكم سودان جديد, ولكن سودانكم الجديد ده قديم اكثر من السودان القديم زاتو)),زبادة علي القبلية, والعنصرية, وحكم القبيلة الواحدة, والجيش الشعبي, وحكم الغابة,والفساد المالي والاداري الكبير, عدم وجود قانون الا قانون الغاب, فكل من لاينتمي للحركة الشعبية, غير مناضل, بل عميل, عجل بنشوب الحرب, علي اساس قبلي وعرقي, وغبن سياسي!


#862115 [جمعه]
1.00/5 (2 صوت)

12-20-2013 11:59 AM
تحليلك بعيد جدا عن الواقع يا دكتور.. وواضح أنك تجهل ما يجرى فى الجنوب.. لا زلت تردد ما يقولة الاخوان المسلمون واصحابك فى المؤتمر الوطنى عن جنوب السودان!

رؤيتك قاصرة جدا عن فهم اسباب الصراع فى الجنوب وآمل ان تقتصر مقالاتك على تنظيم الاخوان المسلمين وتترك الجنوب والقضايا التى لا تفهم فيها لاهلها


ردود على جمعه
United States [البربري] 12-20-2013 10:15 PM
طيب ورينا انت يا جمعه الشاطر التحليل الصاح شنو ؟
اسهل شئ يا جمعه انتقاد الآخرين من غير ايجاد البديل الصاح

United States [سبت] 12-20-2013 06:33 PM
طيب ورينا انت التحليل الصاح يا جمعة


#862069 [ود الحاجة]
2.00/5 (4 صوت)

12-20-2013 10:47 AM
بعد التجية للدكتور الافندي , استغرب من تحليل الدكتور الذي يحاضر في بريطانيا ( مطبخ السياسات الدولية) بتقليص النزاع في قوله (لهذا كان الصراع الأول في الحركة هو بين التيار الذي مال إلى استمرار التورط في السياسة السودانية بقيادة المقربين من زعيم الحركة الراحل جون قرنق، وتيار الرئيس سلفا كير الداعي إلى تقوية الدولة ) من دون دعم هذا القول بأية أدلة عملية و طالما ان الامر مجرد تحليل فاعتقد انه بعد سنتين من اعلان دولة الجنوب الوليدة و انتهاء عام العسل بدأت المشاكل الحقيقية في الظهور و تتمثل هذه المشاكل في الصراعات القبلية و الفساد الاداري الذي تسبب أيضا في الشمال في خروج غازي و ءاخرين و اتهام مجموعة ود ابراهيم و طرد طه و نافع من كابينة القيادة المعلنة فكل هؤلاء ما كان لهم ان يغيبوا لو كان الاقتصاد يدرا بشكل صحيح

و من سوء حظ الجنوبيين ان سلفاكير لا يملك من الحكمة و الدهاء و الصبر ما يكفي لاحتواء هذه المشاكل



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة