الأخبار
أخبار إقليمية
ذَهَبَ السودان الموحد أما الحرب فباقية
ذَهَبَ السودان الموحد أما الحرب فباقية



01-03-2014 09:58 AM
رغيد الصلح

خرجت دولة جنوب السودان خلال صيف 2011 إلى النور وسط ترحيب حذر وتفاؤل رغائبي . غلب على المرحبين والمتفائلين الاعتقاد بأن قيام الدولة الجديدة سوف يؤذن بعودة السلام إلى السودانين معاً، وبداية مرحلة من التعاون بينهما لخير السودانيين عموماً . في غمرة هذه المشاعر، أهمل أصحاب الشأن أسئلة مهمة تثار عندما تستبد بالشعوب والدول معضلات مترسخة، مثل معضلة الحرب التي اعتبرت واحدة من أطول وأعنف الحروب التي شهدتها القارة الإفريقية . وترافق ذلك الإهمال مع عزوف عن التبصر في الحلول والمشاريع المقترحة، وللتفتيش عن الطريق الأفضل لإنهاء الحرب ولبناء السودان بشماله وجنوبه .

لقد أهمل مهندسو استقلال الجنوب، الدوليون بصورة خاصة، إحاطة هذا المشروع بالمسوغات الفكرية والحقوقية الكافية . استند البعض منهم إلى الحق في تقرير المصير . ولكن أكثر هؤلاء يعلم أن الحق في تقرير المصير، يحتاج هو نفسه إلى مراجعة شاملة بغرض تنقيته من الغوامض والثغرات وتطبيقه، وفقاً لمبادئ العدالة الدولية التي تقضي بتطبيقه على جميع الشعوب من دون تمييز ومحاباة . فالحق في تقرير المصير يرتبط بمبدأ القوميات . والدعوة إلى إعطاء الشعوب حقها في تقرير مصيرها تنطلق أساساً من الاعتقاد بأن لكل جماعة قومية الحق في إقامة كيانها السياسي المستقل، أي أن هذه الدعوة تنطلق أساساً من الانحياز إلى فكرة الأحادية القومية .

بالارتكاز إلى هذه الفكرة، انطلقت الدعوة إلى فصل الجنوب عن الشمال . فالشمال عربي-إسلامي الهوية، أما الجنوب فلشعبه هوية إفريقية - مسيحية - وإثنية . ولما كان الشمال قابضاً على مفاتيح القوة والسلطة، كان على الجنوب الانصياع للشمال والتخلي عن هويته الخاصة . أو كان عليهم أن يتمردوا على هذا الواقع وأن ينفصلوا عن الشمال، وأن يؤسسوا كيانهم القومي الخاص بهم . وحيث إن الدولة الترابية تدافع عن وحدتها عادة بقوة السلاح، فقد حاربت الدولة المركزية السودانية دعوة الانفصال وحاولت القضاء عليها . هذه السياسة دفعت الجنوبيين، بدورهم، إلى الاحتكام إلى السلاح حتى قيّض لهم إقناع المجتمع الدولي بحقهم في تقرير مصيرهم، وفي إجراء استفتاء للوقوف على خيارهم وللنزول عند إرادة الأكثرية الساحقة منهم المتمثلة بالاستقلال .

هذه النظرة إلى العلاقة بين شمال السودان وجنوبه تستند إلى أساس يخضع اليوم إلى مناقشات واسعة . وتهدف هذه المناقشات العلمية والسياسية إلى إعادة تقييم المبادئ والمقومات التي يقوم عليها النظام الدولي، وخاصة فكرة الأحادية القومية . إن هذه الفكرة تتعرض إلى النقد على أساسين: موضوعي وذاتي .

فعلى الأساس الموضوعي يرى ناقدو فكرة الأحادية القومية مثل البروفيسور بيير فاندن بيرغ، أستاذ علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة واشنطن، أن أكثر من تسعين في المئة من دول العالم اليوم هي ليست بالدول القومية، وفقاً للتعريف الأحادي للدولة القومية . وهذا الحال لا ينطبق على دول العالم الثالث، فحسب بل وحتى على الدول القومية القديمة . فليس هناك أي دولة أحادية القومية في أسرة الدول الإنجلو-سكسونية، أما في القارة الأوروبية فلا يوجد إلا عدد قليل من الدول القومية، حيث إن معظمها هي من فصيلة الدول، المتعددة الإثنيات، كما يصفها فاندن بيرغ . إن هذه الاستنتاجات قد تبدو غريبة في نظر القوميين التقليديين الذين تعودوا على مفهوم للقومية خرج به اليعاقبة الفرنسيون وبعض المفكرين الليبراليين الأوروبيين . ولكن هذه الاستنتاجات سوف تبدو أقرب إلى الواقع إذا انطلقنا من التشديد على أهمية اللغة كمقوم أساسي من مقومات القومية، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن في العالم اليوم، بحسب إحصاءات الأونيسكو، ما يقارب 8000 لغة، وأن التأكيد على الحق في تقرير المصير سوف يدفع بأعداد متزايدة من الناطقين بهذه اللغات، هم أيضاً، إلى المطالبة بالحق في الانفصال وتأسيس دول جديدة مستقلة، وأن هذا النهج كفيل بأن يحول العالم إلى مشتل للحروب القومية والإثنية والفئوية .

أما بالمعيار الذاتي، فإن ناقدي الأحادية القومية، مثل البروفيسور فيليب ريزنيك، أستاذ اللغات في جامعة ميريلاند في الولايات المتحدة، يرون أن معظم المواطنين في الدول القومية يشعرون بولاء مزدوج: للدولة التي يعيشون فيها، وللقومية الفرعية التي ينتمون إليها . ويجد البعض من هؤلاء في سويسرا نموذجاً على هذه الازدواجية التي تنقض فكرة الدولة الأحادية القومية، حيث تبين، بحسب إحصاءات أجريت خلال السنوات المنصرمة، أن هناك نزعة متزايدة بين السويسريين إلى إظهار الولاء للقومية الأم ألمانية كانت أم فرنسية أم إيطالية، ولكن مع تعمق الالتزام بالدولة السويسرية والتعلق بها .

تتسم هذه الجهود العلمية والاستنتاجات بأهمية كبيرة لمن يرغب في دراسة وتقييم التفاعلات المجتمعية التي تمر بها المجتمعات العربية، ومنها بالطبع ما يحدث في السودان اليوم . وترجح هذه الجهود مخاطر فكرة الأحادية القومية وصواب فكرة الدولة المتعددة القومية، وتدعو إلى اعتماد السياسات المنسجمة مع هذا الاستنتاج، وإلى المساعدة على إنجاح التعددية القومية في المجتمع الدولي .

بالمقابل، فإن القوى التي ترغب في تشطير المنطقة تصب جهدها على تكريس الأحادية كنموذج وحيد للدولة القومية . في هذا السياق تقدم تفسيرها للحرب بين الشمال والجنوب . فهذه الحرب دلت، في نظر المشطرين، على استحالة جمع قوميتين أو أكثر في دولة واحدة . استطراداً فإنه من الأفضل للسودان أن يتم تشطيره، كما حصل في الاتحاد السوفييتي ويوغسلافيا وتشيكوسلوفاكيا، بحيث يتحوّل السودان إلى مجموعة دول قومية "سوية"، أي أحادية القومية .

يشوب هذا التفسير العديد من الثغرات منها أنها إلى فكرة تحتاج إلى مراجعة جدية لأنها باتت، في عصرنا الراهن، أقرب إلى فكرة الأحادية العرقية . ولكن حتى لو اعتبرنا أن الأحادية القومية هي النهج الأصلح لرسم خريطة سياسية جديدة للدول التي تعاني الحروب والانقسامات، فإن المقاربة التي اعتمدها رعاة التشطير تجاه المسألة السودانية كانت مملوءة بالثغرات . من أهم هذه الثغرات أنه لم تقم أية جهة دولية مشهود لها بالنزاهة والحياد بإعداد دراسات حقيقية عن جنوب السودان، للوقوف على مصلحة جنوب السودان من حيث علاقته بالشمال، ولا وضعت الدراسات المستقبلية حول أثر الانفصال في مستقبل الديمقراطية في السودان وإفريقيا، ولم تقم أية جهة من هذا النوع باستقصاء مدى قدرة الجنوب على صيانة التنوع الإنساني في أراضيه . ولا اتخذت الاحتياطات الضرورية للحيلولة دون انتقال جنوب السودان من حرب مع الشمال إلى حرب جديدة، طويلة، مريرة، وظالمة بين الجنوبيين أنفسهم . وما نشهده اليوم في السودان من اقتتال ضار سوف تتكرر صوره وآثاره في كل بلد عربي تتمكن فيه قوى التشطير، سواء في المعارضة أو في السلطة، من التحكم بحاضر المجتمعات العربية ومستقبلها .

الخليج


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1410

التعليقات
#875957 [يحي]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2014 10:09 PM
هناك دراسة قام بها الاستعمار الانجليزي وتوصلت الي ان جنوب السودان ليس بدولة ولا يصلح ان يكون دولة ولذلك من الافضل ضمه الي السودان لان هناك عوامل مشتركة


#875773 [عبد المنعم احمد]
0.00/5 (0 صوت)

01-03-2014 03:00 PM
لقد اصبت أصبت يا رغيد الصلح كبد الحقيقة فلو اخذنا برأي دعاة التشطير سوف يتشظأ العالم في القرون القادمة الى اكثر من 8000دولة وسوف ينشطر السودان لوحده الى اكثر من سبعين دولة بحكم ان كل دولة تتكلم لغه واحدة وبالسودان اكثر من سبعين لهجة وقبيلة .أريد ان أفيدك يارغيد الصلح بأنه عندما تنشب بعض المشاكل بين قبيلة وقبيلة اخري من قبائل السودان الغير ناطقة باللغة العربية تكون لغه المخاطبة ومجالس الصلح تتم باللغة العربية . وفي الختام لا أخال ان الدول العربية سوف تكون دولة واحدة بحكم أنها تتكلم لغة واحدة ومن جنس واحد ابناء اسماعيل عليه السلام وهاجر ام العرب لأن لكل قاعدة شواذ ... !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة