الأخبار
أخبار إقليمية
جنوب السودان (مضمون النزاع وآفاق الحلول)
جنوب السودان (مضمون النزاع وآفاق الحلول)
جنوب السودان (مضمون النزاع وآفاق الحلول)


01-04-2014 09:38 PM
أحمد عثمان عمر


(1)
في البدء نود أن نعلن حزننا وأسفنا على ما يحدث في دولة جنوب السودان من صراع مكشوف على السلطة، يدفع ثمنه المواطن المغلوب على أمره من دمه وأمنه وإستقراره وقوته وأحلامه المصادرة. وان نعزي أسر الشهداء المظلومين وندعو للجرحى بالشفاء وللبلاد بعودة الإستقرار والأمن ووجود معادلة سياسية تسمح لها بتوفر الحد الأدنى اللازم لحياة المواطن البسيط. وكذلك نود أن نمايز بين أنفسنا وبين الشامتين على أبناء الجنوب ، الراغبين في إستمرار النزاع المسلح وتفتيت الدولة لدويلات متناحرة، دون النظر للأثر السلبي المباشر لمثل هكذا مصير على مصيرهم هم أنفسهم في دولة السودان الحالية. ويجدر بنا أن نؤكد بأننا لاندعم أي من طرفي النزاع الحاليين، لأننا ننظر بعين المراقب لما يجري أولاً، ولأننا نحملهما معاً وزر المشاركة في إنفصال جنوب السودان ثانياً، ولأننا سبق وأن حذرنا مما يحدث حالياً قبل سنوات ثالثاً.

(2)
ففي مقال لنا منشور بعدد كبير من المواقع المهتمة بالشأن السوداني، نشرنا بتاريخ 3/1/2010م مقالاً بعنوان "السودان ونذر التفكك – مخاطر الإنفصال على دولتي الجنوب والشمال" ، أوردنا فيه بالحرف الواحد ما يلي:
"الإنفصال سوف يفضح هشاشة البنية السياسية في دولة الجنوب ويؤكد تغييب مؤسسات المجتمع المدني وإضعاف العمل الحزبي والمؤسسات الحديثة، ويعلي من شأن النفوذ القبلي ومؤسسات المجتمع الأهلي الأخرى في النشاط السياسي، وهذا يرجح تعدد الإنقسامات وإستمرار الفلتات الأمنية وقد يدفع بالحركة الشعبية مرغمة لبناء نظام ديكتاتوري بالجنوب حتى تفرض النظام وتوفر الحد الأدنى من الأمن. وبالتأكيد لن تكون أيادي المؤتمر الوطني بعيدة عن أي تمرد أو تفلتات أمنية تحدث في الجنوب".

كذلك أوردنا أن "ضعف هيكل الدولة في الجنوب وضعف المؤسسات المدنية مع الحضور القوى للعامل القبلي وإنتشار أوضاع التخلف المزمنة الناتجة عن أسباب تاريخية والمعززة بماخلفته الحرب الطويلة، مع الصعوبات الإقتصادية الكبيرة التي ستواجه حكومة دولة الجنوب، يرشح دولة الجنوب لمشروع صوملة أخرى أو على الأقل عدم إستقرار مزمن.

مشكلات بناء دولة في الجنوب بالبدء من مواقع متخلفة، تستدعي بالحتم الإستعانة بالخارج، وليس هنالك خارج مستعد للدعم بلا شروط ودون أن يحقق له هذا الدعم مصالح إقتصادية وسياسية. فالدول المستعدة للدعم دائماً لها أهداف إستعمارية وشروط مجحفة لاسبيل لتفاديها في حال البناء من الصفر او البدء من مواقع متخلفة، ووجود مثل هذه الدول الحتمي بدولة الجنوب لن يشكل خطراً على إستقلالها وسيادتها هي فقط، بل سيشكل خطراً دائماً وداهماً على دولة الشمال الغارقة في أوهامها أيضاً".

(3)
وفي ضوء ما ذكرناه وما كان واضحاً لكل من أراد أن يتدبر مآلات الإنفصال بشكل واقعي دون أوهام أو تسويق شعارات لا علاقة لها بالواقع، دفعت مع عنصرية واستبداد المؤتمر ودولته الدينية إلى فصل الجنوب وبتره من جسد الوطن، يتضح للأسف أن ما توقعناه يتحول شيئاً فشيئاً لواقع معاش ، يؤلم من له ذرة إنسانية ويقطع نياط القلوب. فالصراع الدائر حالياً فضح بالفعل هشاشة دولة الجنوب وأكد تغييب مؤسسات المجتمع المدني وإضعاف العمل الحزبي والمؤسسات الحديثة، وإعلاء شأن النفوذ القبلي ومؤسسات المجتمع الأهلي الأخرى في النشاط السياسي. فأساس الصراع هو رغبة الرئيس سيلفاكير في الهيمنة على السلطة، واستبعاد شركاءه في الحركة الشعبية لتحرير السودان الذين شاركوه النضال في مرحلة ما قبل الإنفصال، وتكريس ديكتاتوريته الشخصية في حكم البلاد، والتي لا يمكن أن تتم بدون إعطائها صبغة حكم مستدام لقبيلته قبيلة الدينكا. فالواضح هو أن الرئيس بدلاً من أن يحسم صراعاته مع المجموعة الأخرى عبر أدوات الصراع التنظيمي داخل الحركة الشعبية وفي مجلس تحريرها وهيئاتها المختصة، فضل أن يقوم بفصل نائبه ريك مشار، والأمين العام المنتخب للحركة الشعبية باقان أموم منذ عدة أشهر، ولم يحتمل مجرد إنعقاد مجلس التحرير لاحقاً ليدير صراعاً سياسياً داخله يقصي عبره المجموعة الأخرى، فنقل الصراع من مستواه السياسي للمستوى العسكري وعمم إدعاءه بوجود إنقلاب لم يصدق أحد وقوعه، ولا حتى الدول الإقليمية التي تدعمه.

(4)
فالناظر لفرية الإنقلاب المزعوم، تواجهه حقائق مزعجة لا يستسيغها عقل. إذ أن هذا الإنقلاب مثلاً هو أول إنقلاب ليس له قيادة عسكرية لا من كبار الضباط أو صغارهم بالعاصمة جوبا، وهو أول إنقلاب في التاريخ يسفر عن إعتقال قادة سياسيين فقط تركوا العمل العسكري منذ حدوث الإنفصال وإعادة هيكلة الجيش الشعبي لتحرير السودان، وهو إنقلاب أيضاً لم يشارك فيه سوى الحرس الرئاسي الذي بدأ المناوشات في بدايته، وكأن العسكريين الذين قاموا به لا يعرفون ضرورة إحتلال المباني العسكرية والحكومية الأساسية والسيطرة على وسائل الإعلام وإغلاق الحدود لتأمين إنقلابهم. فالرئيس سيلفا كير يريد العالم أن يصدق بأن هناك إنقلاب يفتقر إلى جميع عناصر العمل الإنقلابي ولا يشتمل على أي خطة للسيطرة على الأماكن الحيوية في البلاد ومفاصل السلطة. وكذلك يريد الجميع أن يغمض عينيه عن حقيقة وجود صراع سياسي مفضوح على السلطة بينه وبين مجموعة ريك مشار، التي أقصاها منذ يوليو الماضي عن السلطة واختارت بوضوح العمل السياسي وعقدت المؤتمرات الصحفية وحددت مسارها عبر إعلان زعيمها رغبته في الترشح لإنتخابات رئاسة الجمهورية القادمة. وربما توهم السيد/ الرئيس أن العالم لن يتساءل لماذا تتجه مجموعة ريك مشار لإنقلاب عسكري أو تمرد عسكري في حين أنه من الواضح وطوال الأشهر الخمسة الماضية فشل الرئيس الذريع في مقارعتها الحجة بالحجة أو هزيمتها عبر عمل سياسي وتنظيمي مشهود.

(5)
فعلى المستوى السياسي التنظيري، إتهمت مجموعة مشار السيد/ الرئيس بالفشل في تنفيذ برنامج بناء الدولة وبحماية الفساد وبالتنكر لمبادئ الحركة الشعبية وبمحاولة بناء ديكتاتورية خاصة، ودللت على ذلك بالممارسة التي تبناها وأهمها غياب مشاريع التنمية، وإضعاف الأجهزة الحزبية، واستخدام دعاوى الفساد لتصفية خصومته السياسية، واستبعاد قادة الحركة الشعبية بما فيهم المنتخبين لمصلحة أبناء الدينكا الذين كانوا جزءاً أصيلاً من المؤتمر الوطني الحاكم في السودان أو من المتحالفين معه. والرئيس فشل حتى في إستخدام حقيقة أن من إتهموه كانوا جزءاً من هذا الفشل منذ أول لحظة، فهم من الذين تولوا وزر الدفاع عن إنفصال الجنوب بقوة ومشوا في ذلك الإتجاه دون أن يكون لهم برنامج سياسي تنموي واضح لبناء الدولة الجديدة، بل دون أن يتدبروا ويناقشوا مخاطر هذا الإنفصال وتداعياته، وهم من دعموا تخلي الحركة الشعبية عن برنامجها الوحدوي دون أن تتكبد عناء عقد مؤتمر لتغييره، فكرسوا بذلك هوان مؤسسات الحركة الشعبية وضعفها ولا أهميتها حتى في حال تغيير برنامجها الحزبي ناهيك عن وضع برنامج حكومي أو تغيير قيادة سياسية. أي أن لحظة الإنفصال ، كانت هي اللحظة الفارقة في تكريس لا أهمية الإطار التنظيمي للحركة الشعبية وشكلية وجودها، بحيث أصبح الإحتكام لمؤسساتها مجرد وهم لا يغني من يحتكم إليه ولا يغير في واقع توازن القوى شيئاً. فمثلما بررت الحركة الشعبية تركها لبرنامجها الوحدوي برغبة الشارع الجنوبي دون أن تتخذ ما يلزم من إجراءات وتعدل برنامجها، يبرر سيلفا كير اليوم تجاوزه للحركة ومؤسساتها بشرعية السلطة وسلطات رئيس الجمهورية.

(6)
رغبة الرئيس سيلفا كير في الإنفراد بالسلطة، لا يمكن أن تتحقق عبر بنية الحركة الشعبية التنظيمية ولا سبيل لتحققها إلا بتجاوز هذه البنية نفسها ونفيها، بالإنتقال من مؤسسات المجتمع المدني السياسية إلى جذور الصراع الإجتماعي والبناء على مؤسسة المجتمع الأهلي الفاعلة المتمثلة في القبيلة. فجنوب السودان دولة تسود فيها علاقات ما قبل الرأسمالية التي تجعل من القبيلة مؤسسة فاعلة في المجال الإقتصادي والإجتماعي والسياسي. فحقيقة أن تربية الحيوان والرعي تحتل موقعاً مركزياً في البناء الإقتصادي الإجتماعي، وأن الزراعة وملكية الأرض نفسها تمر عبر مؤسسة القبيلة، مع ضعف الصناعة والزراعة الحديثة، يجعل من وجود القبيلة في دائرة الفعل السياسي أمراً لا مناص منه. ولهذا الوجود تداعيات سالبة في الجانب الأعم، بإعتبار أن أي صراع سياسي يتحول بسرعة لصراع إجتماعي حاد يفقد سمته المباشرة بإستدعاء الصيغة التاريخية لعداوات لم تمت ، ويفقد بالتالي سمة القابلية لإدارته وفقاً لأسس إدارة الصراع الحديثة، لينتهي إلى صراع دموي جامح يغيب فيه صوت العقل ، وتنتفي معه فرص المساومة السياسية والتسويات العقلانية. وهذا ما حدث بالضبط، حين توهم الرئيس سلفا كير أنه يستطيع هزيمة المجموعة المناهضة له بضربة عسكرية سريعة تعقبها محاكمات صورية لتصفيتهم ربما جسدياً تحت دعاوى أنهم إنقلابيون، ففلت الأمر منه بسرعة وتحول لصراع قبلي ينذر بتحول البلاد إلى صومال جديد.

(7)
في المقابل لم تستطع مجموعة مشار برغم تنوعها وشمولها للدينكا ممثلين بأسرة قرنق، والشلك ممثلين بباقان أموم، أن تبقي الصراع في مستواه السياسي بإعتباره صراع حول ديموقراطية الحركة الشعبية والدولة، وغرقت في عمل عسكري قوامه أبناء النوير الذين يدعمون قائد المجموعة ريك مشار. فبالرغم من أن سلفا كير يحاول إخفاء حقيقة إعتماده على قبيلته لبناء ديكتاتوريته بوجود بعض أبناء النوير في مناصب حكومية ، يظل أمره مفضوحاً بأن بقاء هؤلاء مرتبط بمناصب عامة لا بولاء شخصي له، ويعتبر أمر إعتماده على قبيلته طبيعياً وفقاً لمعطيات الواقع الجنوبي. أما مشار الذي يتبنى إدعاءات كبيرة حول ديمقراطية الحركة والدولة ومحاربة الفساد – وهو محق فيها من حيث التنظير – فإن إعتماده على قبيلته يضعف حجته ويمنعه من نيل ثقة الحادبين على حقوق المواطن الجنوبي، بإعتبار أن القبيلة من المستحيل أن تنتج نظاماً ديمقراطياً. فبنية الدولة في الجنوب – كما توقعنا سابقاً- من الصعب أن تكون ديمقراطية بالفعل. وانطلاقاً من هذا الفهم المبني على طبيعة بنية مجتمع جنوب السودان، كان على قيادات الحركة الشعبية وضع نظم ديمقراطية دستورية وتنظيمية، مع مراعاة وجود تفاهمات تنتج ديمقراطية تمثيلية توافقية، ووضع برنامج تنموي طموح يبني أسس الدولة ويغير بنيتها الإقتصادية الإجتماعية ليتوفر حامل إجتماعي قوى وقاعدة واسعة للديمقراطية. كان عليهم وضع برنامج تنموي يؤسس لزراعة حديثة وصناعة تغير من نمط التركيبة الإجتماعية بإنتهاز فرصة وجود النفط كعامل مؤثر ومساعد في إنجاز التنمية. ولكن إحتفاء جزء من القيادة بالسلطة ورغبتها في إستمراريتها ، وطموح مجموعة أخرى في بناء دولة مثالية متخيلة خارج أسس الصراع الإجتماعي وبعيداً عن محدداته، ماكان له إلا أن ينجب المأساة الراهنة.

(8)
والواضح أن الرئيس / سيلفاكير لم يكن ذاهلاً عن إمكانية تحول الصراع على قيادة الدولة والحركة الشعبية لصراع قبلي ، ولكنه راهن على أمرين توهم أنهما سيقودان إلى نصر سريع لمجموعته. الأول هو عنصر المفاجأة والمبادأة بتحريك العمل العسكري في مواجهة المجموعة الأخرى في وقت غير متوقع بالنسبة لها وهو وقت إنعقاد إجتماعات مجلس التحرير. فإنعقاد هذا الإجتماع في حد ذاته شكل إنتصاراً لمجموعة مشار بإعتباره عودة للمؤسسات المغيبة، مما دفعها للإسترخاء والعمل على حشد طاقاتها لهزيمة مجموعة سيلفا كير تنظيمياً. وهي بالتالي لم تكن تتوقع هذا التصعيد العسكري الذي فاجأها على حين غرة، بدلالة إعتقال معظم قياداتها فيما عدا ريك مشار نفسه. والأمر الثاني هو الترتيبات الإقليمية التي أنجزها الرئيس سلفاكير منذ فترة مع دولة يوغندا والرئيس يوري موسيفيني، ومع دولة السودان والرئيس/ عمر البشير. والرئيسان المذكوران إتفقا مع الرئيس سلفا كير على دعمه في مواجهة مجموعة مشار لبناء ديكتاتوريته الخاصة حيث لا مصلحة لهما في وجود دولة ديمقراطية في الجنوب بالأساس. وإن كان هذا الدعم الإقليمي قد تبدى في تدخل القوات اليوغندية المباشر لتكرس دعم موسفيني لسيلفاكير عند بدء الصراع وإدعاؤه أن قواته بالأساس موجودة ضمن ترتيبات تخص الصراع مع جيش الرب، فإن التنسيق مع السودان كان واضحاً منذ زيارة البشير الأخيرة لجوبا وتغير الخطاب الرسمي لحكومة السودان إلى غزل صريح مع حكومة الجنوب وسيلفاكير، بمستوى دفع البشير لتوجيه الناطق الرسمي غير المتوج بموقفه العنصري الإنفصالي البغيض الطيب مصطفى لتغيير خطابه أيضاً ومغازلة سيلفاكير. فالرئيس سيلفاكير توهم أن عامل المفاجأة ودعم الرئيسين المذكورين بالإضافة لدعم المجتمع الدولي وخصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية ، سوف يقيض له نصراً حاسماً وسريعاً على خصومه ويحشرهم في زاوية ضيقة لن يستطيعوا أن يجدوا فيها مساحة للمناورة أو تحقيق مشروعهم.

(9)
هذا الوهم بالطبع يحجب حقيقة أن الصراع الذي سوف يتحول حتماً لصراع قبلي – وقد تحول بالفعل – لا يمكن أن ينتهي بإنتصار حاسم. فهو مرشح لأن يتطور لصراع مزمن وحرب إستنزاف طويلة الأمد، لن يمنعها تعهد حكومة البشير بخنق مجموعة مشار ومنع الإمداد العسكري عنها واضعافها لوجستياً بإعتبار أن ظهرها وعمقها هو السودان. وإذا علمنا أن دعم الرئيس موسفيني لسيلفاكير يجد أساسه في رغبته في وجود ديكتاتور ضعيف بحاجة إلى هذا الدعم بصفة مستمرة تقيض له حماية مصالح يوغندا التجارية الكبيرة بدولة الجنوب على أقل تقدير إن لم يكن ضمان إنشاء خط أنابيب لنفط الجنوب عبر يوغندا يسمح له بنقل بتروله المحدود، يصبح لزاماً علينا البحث في مدى الفائدة التي يتوقعها الرئيس/ عمر البشير من دعم مثل هذا الديكتاتور الضعيف المحتاج دوماً للخارج للإستعانة به ضد تمرد الداخل عليه. والمؤكد هو أن نظام البشير قد تلقى تعهداً من سيلفاكير بوقف جميع أشكال الدعم عن الجبهة الثورية بما فيها الحركة الشعبية قطاع الشمال، وهو أمر سبق أن ذكرنا حتمية حدوثه في مقال سابق منشور، إذ أن الجبهة المذكورة غير المرحب بإنتصارها أمريكياً، لا مناص من أن تشكل عبئاً على دولة الجنوب في حال رغبتها في تسوية نزاعاتها مع نظام البشير. كذلك تعهد الرئيس سيلفاكير بمواصلة ضخ البترول عبر الأنابيب التي تمر عبر السودان، مع قبوله تسوية بقية المسائل العالقة مع حكومة البشير بما فيها الحدود ومشكلة أبيي. وحتى يستطيع إنفاذ تعهداته تلك ، لابد له من التخلص من رفاقه ورفاق نضاله وبالتبعية من الحركة الشعبية التي سيصبح مصيرها نفس مصير المؤتمر الوطني بالتحول إلى حزب حكومة بدلاً من حزب حاكم.

(10)
ما شجع سيلفاكير للإقدام على ماتم ، هو رغبة المجتمع الدولي في تصفية النزاع السوداني جنوب سوداني، بإعادة هيكلة السلطة في دولة السودان عبر التغييرات التي قام بها البشير ليتسنى له الخروج من السلطة عبر هبوط ناعم، وترتيبات يقوم بها سيلفاكير تستبعد أولاد قرنق أصحاب مشروع الحركة الشعبية والسودان الجديد، حتى يسهل التوصل لصفقة بين ديكتاتورين، أحدهما يبحث عن خلاصه الفردي على حساب مواطنيه والآخر عن تأكيد سلطته ولو على حساب دماء رفاقه ومواطنيه، إيماناً من الخارج بأن الديكتاتورين ضعيفين وبحاجة مستدامة لخارج يستطيع أن يفرض إرادته عليهما وبإستمرار. ومن أجل تنفيذ هذه الهندسة التخيلية الجامحة، يتناسى الجميع تعقيدات الواقع وتداعيات فشل هذا التصور. إذ لا نعتقد بأن لدى أياً من الأطراف إجابة للسؤال حول ماهي الضمانات التي ستمنع تحول هذا الصراع لحرب قبلية طويلة الأمد، تستنزف قدرات الدولة الوليدة وتوقف إنتاج النفط بإعتباره في أصل المعركة وجذرها حيث أن الصراع على السلطة يقوم على آلية توزيع الثروة والتصرف فيها؟ كيف سيتم إقصاء الجبهة الثورية من مثل هكذا صراع يهدف من ضمن ما يهدف لتسليم مصيرها لنظام عمر البشير وخلق إدريس دبي جديد ليمثل شوكة في خاصرتها؟ كيف سيتم ضبط واقع المجتمع الجنوبي وتحييده في ظل وجود يوغندي مسيطر على تجارته الداخلية والخارجية في حال إستقرار الأمر وفقاً لهذا المخطط قصير النظر؟ لماذا يقدم نظام البشير صراعه مع الجبهة الثورية على إستقرار ضخ النفط عبر الأنابيب الضروري لإقتصاد دولة السودان المنهار أصلاً؟ كيف توصل نظام البشير إلى أن دعم سيلفاكير الذي من الممكن أن يسقط في أحضان يوغندا بالكامل في المستقبل فينشئ خط أنابيب بديل عبرها إلى موانئ كينيا يجعل نقل نفطها ذي جدوى إقتصادية، أفضل من دعم مجموعة مشار التي تؤكد ليل نهار أنها لن تمس حقول النفط ولن توقف تدفقه عبر السودان؟ هل ستقوم حكومة نظام البشير بالتدخل في مناطق النفط لمساعدة سيلفاكير على إستعادتها من مجموعة ريك مشار؟ هل هي على إستعداد للغرق في هذا المستنقع والدخول في حرب إستنزاف جديدة؟ . الطريف هو أن نظام البشير وعبر الناطق الرسمي للقوات المسلحة أبدى تخوفه من توقف ضخ النفط وكأن النفط هونفطه، وكأن رئيسه لم يشنف أذاننا طوال الأعوام السابقة بمطالبة عوض بإغلاق البلف ومنع تصدير هذا البترول.

(11)
يتضح مما تقدم أن الصورة شديدة التعقيد، وأن مخطط سيلفاكير المدعوم إقليمياً ودولياً لن يمر ببساطة ، إذ دون تنفيذه حرب أهلية طويلة الأمد، تستنزف قدرات جنوب السودان وتطال تداعياتها الإقتصادية والأمنية وربما السياسية دولة السودان الذاهلة عن مخاطر هذه الحرب والشامتة على أطرافها. فالحصار الإقليمي والدولي والضغوط الموضوعة على عاتق مجموعة مشار لن يقودها للإستسلام، فهو قد يضعفها ويحولها إلى مليشيا قبيلة تقود حرباً طويلة ومكلفة لجميع الأطراف، ويمنع سلطة سيلفاكير من الإستقرار وتنفيذ ما تخطط لتنفيذه في قابل الأيام. ولو كان في نظام البشير رجل رشيد يفكر بشكل إستراتيجي ، لأوقف دعم النظام لسيلفاكير فوراً وتوصل مع آخرين لدفعه للوصول إلى تسوية حقيقية للنزاع، تعلي من شأن مؤسسات الحركة الشعبية، وتشيع الحريات وتسمح بوجود ديمقراطية توافقية تراعي تركيبة المجتمع ومستوى تطوره، مع تحديد آلية لتوزيع السلطة والثروة، ووضع برنامج تنموي حقيقي ينتشل الجنوب من الوهدة التي تردى فيها، ويسمح بوضع الأسس الإقتصادية الإجتماعية لديمقراطية مستدامة.

أما فيما يخص الجبهة الثورية المعارضة في السودان والتي ابتلع القط لسانها خلال هذه الأزمة – وحسناً فعل القط- نتمنى ألا تتدخل في هذا الصراع الداخلي بدولة الجنوب تحت أي ظرف من الظروف. وأن تصرح علناً بأن ما يتم بدولة جنوب السودان هو شأن داخلي لا دخل لها فيه، وأن تدعو لتحكيم صوت العقل وإيقاف النزاع المسلح وحل المشكلات العالقة حلاً سلمياً ديمقراطياً. وكما دعوناها سابقاً ندعوها مجدداً، لتحضير نفسها لنضال دون دعم دولة الجنوب، أو للوصول لتسوية مع نظام البشير إذا كانت لا تستطيع إسقاطه بعمل عسكري بصورة عاجلة. هذه هي الخيارات التي أمامها وظننا أنها ستختار النضال المسلح دون التعويل على دعم دولة الجنوب لحين الوصول إلى تسوية عادلة أو سقوط نظام البشير عبر إنتفاضة شعبية.

(12)
لأهلنا في جنوب السودان نقول بأننا حزينين على ما جرى ويجري لكم، وأننا نتمنى لكم إستقراراً وازدهاراً وتنمية ودولة تحترمكم وتخدمكم لا قادة يبنون أمجادهم الشخصية على جثثكم وفوق دمائكم. ما يحدث الآن هو إحدى ثمار الإنفصال السامة، وإحدى تداعياته المرة التي لم يحسب حسابها قادتكم حين نفذوا مخطط المؤتمر الوطني ورغبته في فصل جنوب وطننا الحبيب، والتي حذرنا منها سابقاً، وكل ما نأمل هو أن ينتهي الصراع الراهن عبر إيجاد حل سلمي يشكل مدخلاً لسلام شامل ومستدام.
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3359

التعليقات
#877239 [من البداوة إلى الحضور]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2014 01:00 PM
01- سلفا كير قد طلّق الحركة الماركسيّة اللينينيّة ... لظروف موضوعيّة ... ؟؟؟

02- أوّلها أنّ الثورة الأميريكيّة العالميّة الخضراء ... التي أعقبت الحروب العالميّة ... قد فشلت في الدول الأفريقيّة ... التي كان يحكمها أهل التوجّهات الشيوعيّة والإشتراكيّة ... عبر الإنقلابات العسكريّة ... والذين لا يسمحون بوجود الشركات الرأسماليّة الإنتاجيّة ... حتّى إن لم تكن لديهم أيّة بدائل إنتاجيّة ... إقتصاديّة ... وجدوائيّة ... ؟؟؟

03- وثانيها أنّ الثورة الزراعيّة ... قد فشلت في الدول الأفريقيّة ... التي يتم فيها رفع مياه الري بموارد الطاقة الأحفوريّة ... كما يتم فيها ترحيل المنتجات الزراعيّة ... عبر قطارات وشاحنات وبواخر تعمل بموارد الطاقة الأحفوريّة ... ؟؟؟

04- هذا المقال رائع ... ولكن فيه تأجيج للنزرع ... وليست فيه آفاق ولا إشراقات للحلول ... بينما هو عبارة عن تنميطات ومغالطات وإنخمامات ... تشبه مقالات د.حيدر إبراهيم ... ود.كتور الشفيع ... ود. عبد الوهاب الأفندي ... التي كانت تدعو إلى الإنفصال الآيديولوجي ... ثمّ أنّ هذا المقال ليس محايداً ... إنّما تفوح منه رائحة إنحياز للدكتور رياك مشار ... ويُذاق فيه طعم تبخيس لإنجازات سلفاكير ... وتنبعث منه نغمات إغتيال سياسي لسلفاكير ... لأنّه حارب الفساد المالي والإداري ... بناءً على تعليمات حلفائه الإستراتيجيّين ... الذين كانت لهم تحالفات تاكتيكيّة مرحليّة ... مع الحركة الشعبيّة ... الماركسيّة اللينينيّة ... التي دردقوها ... إلى أن إستطاعوا ... أن يثبتوا أنّ قياداتها وكوادرها
فاسدة وإفساديّة وإباديّة و حراميّة ... بتاعين حيازات دولاريّة ... تحت أسماء وحسابات قيادات الحركة الشعبيّة ... أو كما كشف عنها أوباما ... رئيس الولايات المُتّحدة الأميريكيّة ... ولقد أمهل سلفاكير أصحاب تلك الحيازات الدولاريّات ... ثمّ خيّرهم بين الإستقالة أو الإقالة ... بعد عودة الدولارات ... إلى خزائن دولة الأجيال السودانيّات ... فلم يحدث شيئاً من ذلك ... والآن على صفحات هذه الراكوبة الظليلة ... شن سلفا كير هجوماً عنيفاً على مشار ومجموعته ... واتهمهم بالفساد ... وكنز الأموال ... وبناء العمارات في جوبا ... ونيروبي ... وكمبالا ... وأمريكا ... وأستراليا ... مشيراً إلى أن تلك القيادات ... وعلى رأسها مجموعة مشار وباقان وربيكا ... قد فشلت في أداء مهامها أثناء تقلدها للوزارات ... وسعت للوصول إلى رئاسة الحركة الشعبية بطرق غير ديمقراطية ... واستغرب سلفا كير ... مكافأة من سمَّاهم بالمجرمين ... بدلاً من محاسبتهم ... وتقديمهم إلى العدالة في أعقاب محاولتهم الانقلابية ... وقتلهم للأبرياء من أبناء المورلي ... وغيرهم من أبناء الجنوب....؟؟؟

05- لكنّنا ... على أيّة حال ... نرجوا أن يفهم الرفاق الكرام ... أنّ طلاق سلفاكير العسكري ... للحركة السياسيّة الماركسيّة اللينينيّة ... ليس طلاقاً رجعيّاً ... وأنّ إحترام سلفاكير العسكري ... للخصوصيّات الإداريّة الجنوبيّة ... المُحسّنة بالإنتخابات الطبيعيّة ... ليس شأناً شيوعيّاً ... بأيّة حال من الأحوال ... إنّما هي أوامر اميريكيّة ... لسحب البساط من تحت أقدام القوى الإشتراكيّة والشيوعيّة ... التي لم تسمح بوجود الأنظمة الديمقراطيّة ... ولن تسمح بوجود الشركات الرأسماليّة ... إلى أن تسمح بذلك ... عبر إصلاحات بيريستوريكيّة ... عوضاً عن فلسفة الإنقلابات التمويهيّة ... التي تليها الإنقلابات التصحيحيّة ... ؟؟؟

06- كما أنّنا نرجوا أن يفهم الإخوان الكرام ... أنّ البشير العسكري ... قد طلّق مؤتمرات القاعدة الإخوانيّة ... طلاقاً ليس رجعيّاً ... بناءٍ على تعليمات حلفائه الإستراتيجيّين ... الذين أبعدوا عنه الشيوعيّين ... وصنعوا لهم دولة جديدة ... لم يسمحوا لهم بحكمها ... ولن يفعلوا ... لأنّ العداوة بينهما ... مسألة حياة للرأسماليّة ... أو موتها ... في السودان ... وفي وادي النيل ... وفي الشرق الأوسط الكبير ... إلى أن يتطوّر ... أو ينقرض الشيوعيّون والمُتقعدون ... هناك ... في تلك البقاع ... الغنيّة ... بموارد الطاقات الأحفوريّة ... الإشعاعيّة وغير الإشعاعيّة ... الناضبة المعين ... ؟؟؟

07- التحيّة للجميع ... مع إحترامنا للجميع ... ؟؟؟


#877094 [sudani]
5.00/5 (1 صوت)

01-05-2014 11:05 AM
مقال متحيز رغم الجهد المبذول


#876942 [أسدالنيل الصافي]
0.00/5 (0 صوت)

01-05-2014 08:56 AM
مقال يشكر كاتبه على ما بذل فيه من جهد...
يستحق القراءة والتأمل...
لا شك اننا ليس مع احد من قادة طرفي السودان او طرففي النزاع. . لكن في المقال تحيز لفئة دون الاخرى.. وهذا ليس ردا للكاتب عن الكتابة. . ولكن مطالبة له بالاسهاب قليلا ومزيدا.. نريده ان يعود بالصراع من حقبة الخمسينيات.. والسبعينيات.. وظهور كل مت سلفا ومشار. في الساحة العسكرية والسياسية.. لا شك بان للكاتب المقدرة على السرد والتحليل مما يجعلنا ننتظر مثل هذه تتمة.. دخول الجبهة الاسلامية في الصراع الجنوبي يحتاج ايضا لوقفة تامل.. وخصوصا ما يجيب السؤال عما جعل سلفا مسالما بعد نيفاشا متناسيا مرارات الماضي..

ونحن ننتظر



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة