الأخبار
منوعات سودانية
" .. قولوا للنيل ضفه .. ضفه والعشيات لما تصفي .. إنو شوقي يزيد بحر .."
" .. قولوا للنيل ضفه .. ضفه والعشيات لما تصفي .. إنو شوقي يزيد بحر .."



01-16-2014 12:29 AM
ابراهيم علي ابراهيم ( الصحفي )



" مصطفي سيد احمد "



حينما أخبرت الصديق الزميل محمد الاسباط بإنني أنتوي زيارة الاستاذ مصطفي سيد احمد لمعاودته بعد عودته من موسكو بعد الاستشفاء ، رحب بذلك فقلت له هل ستدبر المواعيد عبر الهاتف حيث كان مصطفي يسكن منطقة عين شمس بالقاهرة ، قال الاسباط : " لا مصطفي ما عنده تلفون " .. الجمت الدهشة لساني .. ّ! كيف .. ؟ قال مرددا : " ما عنده تلفون " .. ّ!
منزله كان عبارة عن شقة صغيره مدخل الي غرفة " مضيفه " وغرفة نوم . لا أكثر . رحب بنا أيما ترحيب .. وكان سعيدا بالزيارة .. ، بينما نحن ذهبنا بدون موعد ويسكننا حرج .. ، ولكن مصطفي ود البلد الاصيل الذي يحافظ علي قيمها وتقاليدها وإرثها .. ، أزال عنا الحرج . ..
أكرم وفادتنا بغناء عذب لم أسمعه من قبل ، ومن أسف فقد ذهبنا لمعاودته لا للإستماع أو إجراء حوار صحفي .. ولذا لم نسجل تلك الاعمال . من ضمن ما تغني به رائعة مظفر النواب :
في طريق الليل ضاع الحادث الثاني
وضاعت زهرة الصبار
لا تسل عني لماذا جنتي في النار
فالهوي أسرار
والذي يفضي الي جمر الهوي أسرار
يا الذي تخفي الهوي بالصبر
يا بالله كيف النار تطفي النار " ..
...
مصطفي سيد احمد هو الرمز الوضاءة والاكثر نقاءا في جيل السبعينات .. ، عبقرية وتواضع ، همة وعطاء متصل .. ، ونكران ذات ، صاحب مشروع ثقافي إبداعي ، يتجسد في إعتماد الحداثة نهجا في فن الغناء والموسيقي كرافد أكثر إنتشارا في حياتنا الثقافية .. ، وكان إنتقاءه للنصوص الشعرية الحداثية جديدا علي الساحة الفنية .. ، ولهذا لم يتمكن يعض الناس من إستيعابه ، وبالمقابل تمكن من إحداث نقلة لقطاع وافر من جيل الثمانينات وما تلاه .. ، ولم يكن عطاء مصطفي من فراغ إنما هناك تراث تركه العباقرة في تاريخ الفن الموسيقي والغناء منهم الرائد خليل فرح في غالبية أعماله ومن ثم جاء الفرعون محمد وردي في أعماله الكبيرة وأبوعركي البخيت في غالبية أعماله وغيرهم .
لكن مصطفي تميز بأنه مضي للتجريب غير آبه كثيرا بموقعه " كفنان شباك " وما تتطلبه رغبات البعض خاصة من جبلوا علي الموسيقي سريعة الايقاع والغناء الراقص ، وحقق نجاحا كبيرا ، وبطبيعة الحال لم يكن هناك نقد يرقي لتجربته العبقرية الفريدة . وتجاربه العديدة علي الصعيدين الموسيقي والغنائي ستحتاج الي دراسات علمية وتقييم من أساتذة الموسيقي والنقاد ورموز الفن
كدأب كل عباقرة السودان من معاوية نور والخليل والخاتم والكد وحميد وسامي وعبد الخالق محجوب .. ، وسلسلة أقمار السودان وعزة السودان الولادة ..فالأشجار في بلادنا تموت واقفة .. يذهبون في ربيع العمر .. ولاراد لقضاءه .. ، ولكن هناك ما يقتل وهناك من يقتلون.. وما زلنا نردد مع مصطفي سيد احمد بيت الشعر : " بلادي وان جارت علي عزيزة وأهلي وإن ضنوا علي كرام" . .. "
في تلك الجلسة ما أن يضع العود جانبا حتي يبتدر الحوار عما يدور في الوطن .. ، ثم يستأنف الغناء ويعرج بأحاديثة الشيقة علي أكبر حدث في القرن العشرين تفكك الاتحاد السوفيتي .. وكان وقتها قد عاصر الحدث في موسكو، وكان له موقف صارم إذ يري ان ما قام به قورباتشوف ويلتسين لم يكن إلا صنيعة غربية سوف تؤدي بالعالم بأسره ولزمن طويل . وربما هذا ما نشهد فصوله في عالمنا اليوم . قلت له : كنا نقول ما تقول به لأصدقاءنا الماركسيين .. ولكنهم كانوا يتحدثون عن الديمقراطية التي سيأتي بها قوراتشوف .. ، والقاريء لكتابه المبهم عن البروسترويكا والقلاسنوست .. سيدرك انه لم يأتي بجديد .. إنه الانقلاب العسكري .
* مصطفي سيد احمد من قلة من المبدعين الذين يمكن ان ينطبق عليهم تعريف المثقف حسب قرامشي ، في تكامل شخصيته الانسانية والفكرية والابداعية والاخلاقية ، وأختط لنفسه نهجا لم يحيد عنه مطلقا ، فالفنان بلا موقف .. بلا هوية ، لا قيمة له .. مجرد مغني سيجرفه النسيان .
ولا يمكن لفنان يري مأساة بلاده أمام عينيه ولاينحاز للشعب الذي ينتمي اليه .. ، إنحاز مصطفي للفقراء والمسحوقين .. ، ولم يبحث عن الشهرة ولا المال .. ، وكان محاربا من كل النظم السياسية .. حتي في ظل الديمقراطية الثالثة ، ولا أدل علي ذلك من عدم توفر تسجيلات لأعماله بالأذاعة اللهم إلا لعمل واحد هو " المسافة " .. ، ويحكي عن التزامه وإنضباطه الصارم انه في يوم من الايام قام بتكسير آلة العود بكلتا يدية .. وأعتزل الغناء .. ، نسبة لأن أحد الملحنين أعطاه لحنا .. ، ثم سارع وأعطاه لفنان آخر .. ، ولم يعد مصطفي الي الغناء إلا بعد ستة أشهر من التوقف ..، بعد رجاءات ووساطات عديدة من رموز الفن والمجتمع .. " ومن عجب ان ذلك الملحن الذي أختفي .. كان قد صدعنا إبان الحقبة المايوية بنشيد " أمتي " وهو للأسف نشيد مسروق من تونس . وربما كان هذا الحدث مدخلا لتفجر عبقريته الموسيقية .
الفنان لايمكن ان ينحاز للشمولية والتسلط والاستبداد ، وكما يقول فإن كل مبدع لابد ان ينال قدرا من العقاب .. ، وربما كانت محبة الناس أيضا قدر من العقاب ، فقد أهرق مصطفي حياته في محبة الناس ، إذ لم يرد طالبا .. كان يذهب ويغني لكل من يطلبه .. حتي في المناسبات الخاصة .. لايرد فقيرا أو معدما .. ، وحفلت حقبة الثمانينات بثراء ثقافي وفني .. وكان مصطفي في قلبها حيث أشتهر بتلبية دعوات " جلسات الاستماع " وكنت أقول لمن يدعوني لمثل تلك الجلسات : " كم دفعتم لمصطفي ؟ " .. لا شيء .. كنت أرفض الحضور ، فالفنان له حقوق بالقدر الذي عليه واجبات .
أذكر انني كنت أجلس مع الراحل الكبير الفنان محمد وردي في مكتبه بعمارة المجانين بالخرطوم حينما جاءته مجموعة من الشباب لتأخذه لحفل في قاعة الصداقة ، قال لهم مباشرة : هل جهزتم المبلغ المتفق عليه .. ؟ فتلجلجوا .. ، فقال لهم إذا لم تحضروا المبلغ المتفق عليه لن يكون هناك حفل . والتفت يقول لي " نحن تعبنا مع الناس دي " .. وكان حسن عطية دائما يعلق علي ذلك بقوله ان محمد وردي عمل قيمة كبيرة للفنانيين أجبر الكل علي احترام الفن والفنانيين ..، ففي يوم من الايام كانوا يطلقون عليهم " الصعاليك " ..
* .. في ذكري رحيل مصطفي لابد لنا من مناشدة الموسيقار الفنان يوسف الموصلي بإن يعمل بوصية صديقه مصطفي الذي أوصاه بتوزيع كل أعماله .. ، ومعروفة هي تجربة " الحزن النبيل " كتجربة ناجحه ، أبرزت طبيعة أعمال مصطفي كلونية جديدة أكثر من غيرها من تسجيلات ، خاصة في الجانب الموسيقي .. ،إذ ان عشرات الاعمال التي أنتجها مصطفي لم تري النور أو هي موجودة في تسجيلات ضعيفة أي لم يتم تسجيلها في استديوهات متخصصة .فضلا عن المقدرات الباهرة للموسيقار الموصلي والتي ستضفي جديدا علي هذه الاعمال . وهناك بعض الاعمال انتجها الموصلي وأزيعت في حفل بواشنطون قبل عدة سنوات لكن للأسف لم نستمع اليها .
* .. كما أدعو شاعر الشعب محجوب شريف .. ، وارجوه رجاءا خاصا في ذكري رحيل مصطفي ان يفرج عن أغنية " العمر الجميل " التي لحنها مصطفي سيد احمد والتي أرسلها له الفنان سيف الجامعة من القاهرة وأعادها مصطفي له بعد ان لحنها في سبعة أيام .. ، وهي من اروع مالحن مصطفي وكتب شاعر الشعب وتغني سيف .
الحديث عن مصطفي سيد احمد لا ينتهي ، ونتمني علي الموسيقيين والنقاد والكتاب أن يقوموا بدراسة أعماله ، وان يتم تقويمها بشكل علمي .. ، حتي يقف الناس علي أهمية ما ترك من أعمال للأجيال القادمة .. ، هناك تقصير في حق مصطفي نتمني ان نتجاوزه , وأن ينهض الموسيقار الموصلي وأساتذة الموسيقي والنقاد المتخصصين بهذا العمل .
رحم الله مصطفي سيد احمد بقدر حبه للسودان وبقدر عطاءه و إخلاصه وتفانيه في أداء رسالته الفنية والانسانية علي الوجه الاكمل ..
* .. وأتركك عزيزي القاريء مع كلمات لصديقة الشاعر محمد الحسن سالم حميد رحمه الله وهو يتحدث عن قيمة مصطفي كفنان ملتزم له جماهيره إذ يقول :
عندما تأتي ذكري مصطفي وسبحان الله فهذا مخلوق تخاف منه السلطة بحالها تخاف منه حياً وميتاً ويمكن وحتي اليوم انهم لم يصدقوا ان مصطفي قد رحل وهنا لابد من أن اطمئنهم تماماً واطمئن كل الناغمين ان مصطفي مات ولاقى ربه مطمئن القلب مطمئن البال لكن هذا المصطفي سيظل حياً حتى يوم القيامة وليس لمشروعه الغنائي ولكن لاشياء بسيطة وماتركه من غناء سيظل خالداً رغم وجود كل الانظمة وكل انظمة القبح ويبقي الحزن عندما يحتشد احباب وعشاق مصطفى لاحياء ذكراه فقط فيتم منعهم وكأن مصطفي سيخرج من وسط هؤلاء الناس حاملاً عوده ليغني وعندما اقول ذلك فلابد من ان اقول ان غناء مصطفي يشد الناس ويرتاحون إليه لكن يبدو ان العود الذي يحمله مصطفي كأنه«طبنجة» او كأنه اباتشي وغير ذلك، فمصابيح السماء التي ذكرت من خلالها كل هذه الاشياء فأنا حزين جداً عندما تكون هناك لجنة لما يسمي بالمصنفات حينما يرفضون نصاً كتب عن مصطفي باعتبار ان الشئ السياسي فيه كثير ومن هنا اقول ما لكم والسياسة وهل تم تكليفكم بالبحث في الامور السياسية حيث كان يجب ان تتم المناقشة من ناحية نص وليس من ناحية سياسة ولقد قمت بتقديم نصين«مصابيح السماء الثامن» و«حجر الدغش» فقاموا باجازة «حجر الدغش» وكتبوا عنه كلاماً جميلاً جداً وقاموا بارجاع الاخر ويبقي السؤال عن ارجاع هذا النص هل سأقوم بكتابته من جديد او ماذا افعل به وهذه واحدة من الاشكاليات وانا بالنسبة لي يبدو الامر باني لم اخسر المنبر ولكني ربحت
-------------------------
[email protected]




تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 2637

التعليقات
#887202 [منعم الريح]
0.00/5 (0 صوت)

01-16-2014 12:11 PM
عندما رحل رحل معه اخر نور ضوء


#887081 [مساكم خير]
5.00/5 (1 صوت)

01-16-2014 10:43 AM
رحمة الله عليك يامصطفى سيداحمد - اللهم أغفر له وأرحمه وابدله دارا خير من داره وأسكنه فسيح جناتك- عشت بطلا ومت بطلا في عيون الشعب - ورغم حجب اغانيك في الاذاعة والقنوات التلفزيونية ولكن تظل عالقة أعمالك في أذهان الناس لأن الذهب لايصدا .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة