الأخبار
أخبار إقليمية
عبثية حرب الجنوب وفشل الفرقاء في استيعاب الدرس!
عبثية حرب الجنوب وفشل الفرقاء في استيعاب الدرس!
عبثية حرب الجنوب وفشل الفرقاء في استيعاب الدرس!


01-18-2014 09:04 AM
محجوب محمد صالح

طرفا الصراع المسلح في دولة جنوب السودان يدركان جيداً من واقع تجربتهم في قتالهم ضد حكومة الخرطوم التي امتدت لأكثر من عقدين من الزمان أن الحرب لا تحل أزمة سياسيه بل تفاقمها وأن الحرب مهما طال أمدها لا بد أن تنتهي في مائدة المفاوضات بعد أن تكون قد ألحقت ضرراً كبيراً على الأرض وخلفت دماراً واسعا وأسالت دماء غزيرة وعزيزة ودفع ثمنها المدنيون العزل والنساء والأطفال. وكان المتوقع أن يتعلم قادة الحركة الشعبية من هذا الدرس القاسي وأن يتفادوا الدخول في صراع مسلح في دولتهم الجديدة وهم الذين حاربوا جنباً إلى جنب ليؤسسوا تلك الدولة بكل تلك التضحيات.

ويحار المرء كيف انزلقوا إلى هذا المنعطف الخطير وكيف يقاومون حتى الآن مساعي وقف الاحتراب وأهلهم يدفعون الثمن غاليا قتلا وتخريبا ونزوحا ولجوءاً ودولتهم باتت مهددة بالانهيار؟

الصراع السياسي بينهم لم يكن بالأمر المستغرب فقد كانوا مجموعات شتى وقبائل عدداً وأفكارا سياسية مختلفة لم يجمع بينهم سوى العداء لأهل الشمال، وبتحقيق الانفصال زال ذلك العنصر الذي كان يوحدهم وبرزت إلى السطح أسباب الفرقة بينهم والتنافس على السلطة والثروة، وكان المؤمل أن يتعلموا من دروس الحرب الأهليه فيديروا ذلك الصراع السياسي سلميا وفي إطار ديمقراطي ويتفادوا اللجوء للبندقية فهي لم تعد ميزة لأحد في الجنوب فهم كلهم مسلحون ولكل منهم قوات قبلية مسلحة ومقاتلة وصدام البندقية لن يحسم صراعهم إنما سيزيد الوطن دماراً ويبدد موارده وقدراته المحدودة ولن يكون فيه منتصر وحتى لو انتصر أي طرف فإن انتصاره سيكون مؤقتا لأنه سيرث وطنا محطما ولن يبقى انتصاره إلا ريثما يعيد الطرف الثاني تنظيم صفوفه ليثير الحرب من جديد!

أصل الأزمة أن الحركة السياسية في الجنوب لم يتوفر لها الوقت لكي تتطور في أجواء سلمية آمنة لأنها عندما بدأت تتشكل مطلع خمسينيات القرن الماضي إذا بالتمرد العسكري يفاجئها في العام 1955 في مدينة توريت فنشأت وتربت ومارست نشاطها في أجواء الاحتراب وتجزرت فيها ثقافة العنف قبل أن تتمكن من بناء هياكل حزبية جامعة؛ ولذلك ارتبط ذلك العنف بالولاء القبلي الموروث القائم على صلة الدم الطبيعية فخلق ذلك مجتمعا نتحكم فيه أسوأ عناصر التفرقة: التعصب القبلي وحسم الصراعات عبر فوهة البندقية وكان المأمول أن يعي القادة الجنوبيون أبعاد هذا الخلل عندما رفعوا راية دولتهم المستقلة فيسعوا إلى اقتسام عادل للسطة والثروة وإلى وفاق وطني يتجاوز الطموحات الشخصية والممارسات الشمولية ونزعة الهيمنة والاحتكار حتى يسهموا في خلق المناخ المعافى الذي يحول الحراك السياسي من مفهوم (حرب التحرير) إلى مفاهيم بناء الدولة وتحويل الميليشيات القبلية المنخرطة في حرب العصابات إلى جيش قومي منضبط، وكان تحقيق هذا المنهج يحتاج إلى وقت وإلى قيادة رشيدة وإلى مشروعات تنموية وخدمية تثير حماسة المواطنين وتستقطب ولاءهم رغم اختلاف قبائلهم ولكن شيئا من ذلك لم يتحقق ولذلك سادت عقلية (حرب العصابات السياسية) وأفرزت تكتلات داخلية مع محاولة كل طرف الاستقواء بسلطة الدولة والاستحواز على أموال الدولة فأصبحت المناصب الحكومية (غنيمة) يتحاربون للاستحواذ عليها، وهذا صراع انتحاري في مثل أحوال الجنوب الراهنة وهو داء عصي العلاج ونحن في الشمال ما زلنا نعاني منه، ما يفقدنا الحق الأخلاقي في بذل النصح للآخرين فالحكم الراشد بالنسبة لنا ظل حلما يراودنا منذ الاستقلال وفشلنا في تحقيقه في السودان الكبير ولم نعترف عمليا بالتعددية التي يزخر بها السودان ولم نحترمها ولم ندفع مستحقاتها وما زلنا نعيش الأزمة، وهاهم أبناء الجنوب يرثون هذ الخلل فيما ورثوا من ذلك السودان الكبير ويذهبون فيه شأوا أبعد بسبب واقعهم الداخلي الأكثر تخلفا وأدعى للانقسام والصراعات العرقية والقبلية وأسرع في اللجوء للبندقية لحسم الصراعات وأكثر تكالبا على المال العام.

ومع حداثة مفهوم (الدولة) في الجنوب ومع وجود جيش تحرير هو في حقيقته تجمع لميليشيات قبلية التشكيل وقبلية العقيدة فإن الواقع على الأرض يخلق وضعا شديد الانفجار عصي العلاج؛ ولذلك ظلت محاولات الحوار في أديس أبابا تتعثر لأن كل طرف ينتظر معجزة تحقق له انتصارا في الميدان يضمن له ميزة تفاوضية أفضل وحتى لو قدر لطرف أن يحقق انتصارا اليوم في ميدان الحرب فهو سيفقد انتصاره غدا لأنه في غيبة اتفاق سلام شامل وعادل، فإن أي اتفاق على وقف إطلاق النار لن يكون سوى مجرد هدنة في حرب طويلة المدى!!

العرب
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1603

التعليقات
#889201 [القعقاع الفي القاع]
5.00/5 (1 صوت)

01-19-2014 02:36 AM
"وهذا صراع انتحاري في مثل أحوال الجنوب الراهنة وهو داء عصي العلاج ونحن في الشمال ما زلنا نعاني منه، ما يفقدنا الحق الأخلاقي في بذل النصح للآخرين فالحكم الراشد بالنسبة لنا ظل حلما يراودنا منذ الاستقلال وفشلنا في تحقيقه في السودان الكبير ولم نعترف عمليا بالتعددية التي يزخر بها السودان ولم نحترمها ولم ندفع مستحقاتها وما زلنا نعيش الأزمة، وهاهم أبناء الجنوب يرثون هذ الخلل فيما ورثوا من ذلك السودان الكبير"
وفيت و كفيت يا أُستاذ محجوب محمد صالح. متعك الله بالصحة و العافية و ليت القوم يسمعون


#888960 [MAHMOUDJADEED]
5.00/5 (1 صوت)

01-18-2014 06:32 PM
هكذا هم أهل الجنوب تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى . ( النار تأكل بعضها ان لم تجد ما تأكله )


#888797 [تينا]
5.00/5 (1 صوت)

01-18-2014 02:42 PM
قال الأستاذ محجوب ((( الصراع السياسى لم يكن بالأمر المستغرب فقد كانوا مجموعات شتى وقبائل عددا وأفكارا سياسية مختلفة لم يجمع بينهم سوى العداء لأهل الشمال . وبتحقيق الانفصال زال ذلك العنصر الذى كان يوحدهم وبرزت الى السطح أسباب الفرقة بينهم والتنافس على السلطة والثروة ))) ... هذا هو الموضوع بالضبط أستاذنا محجوب ... قلناه قبل الآن ... والآن أنت تأكده لنا ... ورغم ذلك نحن نتمنى لهم الاستقرار والسلام ... بارك الله فيك ... تحياتى ...



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة