الأخبار
منوعات سودانية
عن مهرجان السينما السودانية المستقلة.. الصوم من أجل دخول جنة "السينما"
عن مهرجان السينما السودانية المستقلة.. الصوم من أجل دخول جنة "السينما"



01-24-2014 11:28 PM

إهداء لطلال عفيفي وصحبه
الخرطوم: عبدالغني كرم الله
في طفولتي، كنت مغرماً بالسينما. أعجابي بها، ودهشتي لا تقتصر على حكاية الفيلم، بل تتلصص عيوني الصغيرة، الفضولية، على أحداث الشاشة كلها، شاشة ضخمة، أكبر من صفحة جامعنا العتيق، تتحرك فيها صور ومشاهد، وحقول ملونة، كل الألوان، تكاد تشم أريج خضرتها، ويلفحك رقيق نسيمها، والشاشة في أحلى حلية لها، عروس أمام نظارة تكتظم بهم باحتها الكبيرة، في شكل دائري، قدسي، إنها سينما كلويزوم.
في قريتنا، كان حائط الجامع العتيق، سينما القرية الفطرية، المجانية، ذلكم الحائط الضخم، الأبيض، تستغله أنوار اللواري، والقندرانات، العابرة بقريتنا، وهي تعكس أشجار الغابة، والحيوانات البعيدة، وبعض السكارى القادمين من الكمبو، على صفحته، فتبدو سينما أبيض وأسود أجمل ما يكون، ونتعجب منه، أي الجامع، سينما وجامع؟ ولم يسمح - أي الجامع - لظلال ود اليسع السكران أن تترنح على صفحته، وتفضحه، بصلعته المعروفة، ولا فضيحة، في القرية سوى المجاز، حين كان الرأي العام سليماً، لا يضيق بتعدد أنماط الشخوص والأمزجة لدى الأفراد (أقام العباد فيما أراد)، ألم يجعله الله جامعا، وسينما؟ من يعترض على ذكاء العقل القديم ومكره؟
كانت قرون الأبقار، تبدو في الحائط العتيق للجامع، كأنها قوارب نوبية ضخمة، فنضحك عليها، وعلى ترنح ود اليسع، وهو لا يعلم أنه بطل حكاية بيضاء وسوداء على حائط المسجد العتيق، تسر عيون الأطفال، كل مساء نضحك عليه، وهو على بعد كيلومتر منَّا، في القلب الظلام، ولكن حزمة أنوار القندرانات، جلبتنا لنا في لمح البصر، وهو لا يعرف أنه يضحكنا، حد السكر، مثله، بخمر الفرح، حتى نحمد الخمر.
وما أكثر الأفلام التي عرضت على الحائط العتيق، كل مساء، فيلم أسود وأبيض، دون مؤثرات صوتية، أو موسيقية، ولكن خيالنا الطفولي كان يصبغ عليه من الحياة (أي فليم الظلال على الحائط) ما يجعله نداً لأفلام بوليووود، وهوليود (تقديم الفاضل على المفضول حينها) فمن يقارن (في طفولة) بين الإفلام الهندية، وبقية الأفلام؟ لا مجال للمقارنة أصلا، هناك (في جنة المراهقة والطفولة)، كانت للأفلام الهندية القدح المعلى.
كنت أتعجب، في سينما كلوزيوم، وأنا أنظر فوقي، في مقعدي الحديدي السعيد، الذي فزت به بشق الأنفس، من حزمة ضوء كثيفة، صغيرة، تتسلل من شباك صغير، عليه بكرات تلف، في مؤخرة السينما، حيث (اللوج)، ثم ترتطم الحزمة بشاشة بيضاء، أمامنا كلنا، فتدب فيها الحياة، والسيارات المسرعة، وأصوات البنادق، والقبلات الحميمية، عالم يتسلل من حزمة ضوء صغيرة، وكثيرا ما كان الغبار يعلق عليها، مثل تلك الثقوب في النوافذ الخشبية، وفرجاتها، فما اسعده من غبار، يسبح في خيالات، وحياة، تنسكب كالخمر على صفحة الشاشة السحرية.
حزمة ضوء سحرية، مثل جراب حاوٍ، كل شيء فيها، في رحمها الضوئي مسدسات، وكاوبوي، وحب، وقطارات مسرعة، تجري فوق قمارتها العصابات، ومن بين الغبار، والنيران، يظهر وجه البطل لنا، فتدوي القاعة كلها بالتصفيق، البطل لا يموت، وكأن النيران، نيران إبراهيم، سلاما عليه، وعلينا في كراسي الحديد البسيطة.
كنت، في الفيلم، لا أكتفي بالفرجة فقط، تلصص عيني على حياتهم، أثاث البيت، الجدة التي تلبس جينز ضيق، وأردافها التي تخجلني في مقعدي، وكأني متلبس بهفوة، أقارنها بحبوبتي زينت، المدهنة بالسمسم دوما، وثوبها فوق رأسها كسقف البيت، لا يفارقها، أيفارق السقف عرش البيت؟ ولو فارقه، لما فارقتها طرحتها الحمراء، كما تأكل مع زوجها، ونسايبها، أراقب الجد الذي يسكر، مع بناته، وحفيداته، في بار صغير (في البيت)، على عينك يا تاجر، تسكر الأم مع حفيدتها، أتعجب من أنماط العيش في الكوكب، كيف سارت؟ كيف ارتضى كل قوم طريقة معيشة، وتفكير واعتقاد؟ الملامح، الدور، الديكور، أحس كأنه ألف كون، من فيلم واحد، تشدني حكايته، وعوالمه، وتلكم الجدة السكيرة.
أنسى تسلسل الحكاية، أحيانا، حين أشاهد في الفيلم طربيزة مليئة بالأقلام، (لكل امرء شأن يغنيه)، أقلام ملونة، آآآآآه.. أناملي تدمن الشخبطة، بقلم الرصاص، فأين أنا من تلكم الطربيزة؟ ولكن الكاميرا، لا تأبه لها، تمضي لشأن الأسرة، وحكاية الفيلم، فأشعر بأن صور الفيلم نفسها حكايات وحكايات، وهناك غرفة لكل فرد، صالوننا الطيني ينام معنا الجيران، وتخرج أختي أكثر من عشرة عناقريب في العصرية من بطنه، وكنت أخجل من (الجراءة في النقاش)، بين الأم وابنتها في الفيلم، مناقشة العلاقات العاطفية، بين بنت وأمها، أو بنت وأخيها، هكذا (وهل الشاشة تكذب)، فأشعر بهوان ما (كم متعدد هذا العالم، هذا الكوكب)، مع أخيها؟ وكشء عادي، (أتصاغ مشاعرنا، وضمائرنا هي الأخرى؟ كما تشاد المدن؟ كل على طريقة معمارية مختلفة؟ كم عجيبة هي الشاشة!!
كانت لنا طرائق، في جمع ثمن التذكرة، وكنا نتعجب كيف فات على الفقهاء ذكر سبب مهم من أسباب الصوم؟ وهو السبب الأهم، بالنسبة لنا، ليس في تعلم الصبر على عضة الجوع، وحالات الصفاء بعيد أذان الإفطار، والجزاء الأوفى بدخول جنة عرضها السموات والأرض، بل دخول السينما، جنة السينما، الحلم الواقعي المعاش، والملموس، ونحن نصفق صادقين، جادين، خدودنا مبلولة من الدموع، حين تتزوج البطلة الجميلة، الهندية، الثرية، النجار البسيط، الذكي، حين صدمها صدفة بدراجته المتهالكة، وعاتبته، ونهرته كالكلب، في بدء علاقتهم.
كان ذلك في سادسة ابتدائي، وأولى ثانوي عام، نصوم أنا وابن أختي (جماع)، عن الفطور (فقط)، ننوي الصيام منذ ليل الأمس.. أليست النية خير من العمل؟ ولابد من النية في الصيام من وقت مبكرا، كنا نقول صادقين، وبنية سلمية:
اللهم نوينا أن نصوم لك غدا، حتى موعد الغداء، كي نوفر سعر تذكرة السينما، ونسألك التوفيق والصبر على عضة الجوع في المدرسة، بقية الحصص التي تعقب الفطور، حتى الحصة السابع، آمين، وأن يكون الفيلم جميلا، بطلته ساحرة، وبطله مبارك، وباسطة لذيذة بعد الفيلم، آآآمين، يا واسع الكرم.
حين نصل البيت، منهكين، بأرجلنا طبعا، الجوع والعرق، وقرصة الجوع، نصبر حتى الغداء، شفاهنا جافة، ولكن جيوبنا بها (ثروة لا تعادل) تعزينا عن حالنا، وهي ثمن التذكرة، ثمن الفطور البسيط المستقطع من فتة وفول، نأكل الغداء بلذة لاتوصف، ونحمد الله، ونحن نتمدد على الأسرة، في قيلولة مباركة، على ابتلال العروق، وذهاب الظمأ، وثبت أجر التذكرة، ونحن في انتظار المساء، حين كان للمساء طعم الشعر، على أحر من الجمر، وقد أعان صبرنا، وجوعنا، بريق الإرادة فينا، والتحدي (مثل أبطال الفيلم)، ألسنا أبطالا؟ صدقنا طفولتنا، بأننا أبطال، لأننا وفرنا سعر التذكرة، من سعر (فتة الفول)، الزهيدة، وصبرنا، وصبرنا، وصبرنا، حتى أنزلت أختي صينية الغداء، حيث الكسرة، تلف في دائرتها السمراء، صحن بامية، وسلطة حديثة القطاف من الحقول، وكانت أحلى لقيمات في الفم، (فالجوع أطهى الطهاة).
كانت لنا أفانين، في الصوم، مثل الصوم الصمدي، وغيره، أحيانا كنا نصوم أسبوعاً كاملاً، (إفطار فقط طبعا)، من أجل الدخول للفيلم الهندي العظيم، والباسطة، وكوب الحليب المقنن، وشراء الألغاز، وميكي، (وأي فيلم هندي كان عظيماً)، ألا تتزوج أجمل البنات وأغناهم، فتى فقير، كناس، أو نجار (وماذا نريد في طفولتنا أكثر من ذلك؟)، فكنا نجوع من أجل (جنة السينما)، ونقف في الصفوف الطويلة، والشمس الحارقة منذ العصر، فعشاقها كثر، والسواري يلف ويضرب بسوطة كل من ينحشر عفوا بين صفوف نمل السينما الأسمر، الوله، حتى نجلس على كراسي الحديد المتهالكة، قبالة شاشة السينما، البيضاء، الضخمة.
كل ذلك معروض على شاشة من قماش دمور سحري، نصدقها كعادة الطفولة، أتريد الطفولة الفقيرة أكثر من ذلك؟ أليست الأديان نفسها، تتحايل بالحور العين كي تحث الجميع للتقوى والإحسان؟ وبالسعادة والخضرة مثل جبال الهند؟ وكل ذلك كنا نجده في الفيلم الهندي، صورة طبق الأصل، حور عين، وخضرة، وبطولة (لا يموت البطل ولو هوى من جبل افيرست)، وزواج ميمون بين طبقات المجتمع، وكأن ماركس لم يخلق ويفكر، في أزمة (الطبقات لعنها الله)، التي تفرق الناس أيدي سبأ، وتهزم الحس الإنساني النبيل، والمساواة المبارة، ما أحلى أيام الطفولة، كنا نصدق الأفلام، قبل أن تجرفنا أكاذيب الشباب، ونعرف بأن (الرومانسية)، مرحلة، ولكن هناك رومانسية أعمق، حين نرى ظلم وجور الواقع، والتوق لتغييره، بكل السبل، ومنها (الفن السابع)، النبيل، والمؤثر كالشعر، والموسيقى في النفس البشرية.
نخرج من السينما، ابن أختي، وأنا، في ظلمة تضيئها قلوبنا الحالمة، نمشي كأبطال الفيلم، نحدق في عمارة طويلة، فنرى غرفة مضيئة، لاشك هناك فتاة جميلة، منكوشة الشعر الجميل على المخدة، تقرأ، سيقودها لا محال القدر، أن تصطدمني بكتفها، وهي مسرعة في طريقها لعربتها الفارهة، وتناثر كتبها، وتعابني، باستفزاز عظيم، حد البكاء، ثم تتحول لرأفة، ويحضر بعد أسبوع ابن أختي تتويجنا معا كقيس وليلى، (هنا مربط الفرس في الفيلم الهندي)، هنا الحلم والواقع أخوان، وتوأم.
حين نصل دار، ليلا، نجد العصير بانتظارنا، من بنات أختي، ليس حبا فينا فقط، بل حبا (لحكاية الفيلم لهن)، وكانت ذاكرتي طيبة، تأوي الفيلم وعوالمه (ومرات أزيد وأنقص كما أريد، في شاشة ذاكرتي وخيالي)، وكنت اتدلع، لهن، وهن (أي بنات أخي)، (يحنسني)، بكل الاغراءات، غسيل، شاي نص الليل، كي أحكي، فأدركت سر الحكاية، وتوق النفس لها، مثل شهريار، الذي نسي قتل شهرزاد، وهام بها حبا، لمجرد أنها أم الحكي، وأميرته الفذة، الحكاية تغيرنا، لسنا نحن في بدئها، مثلما نقرأ (الخاتمة)، وهي تملأ الشاشة الكبيرة، فنخرج وبين قلوبنا قصة عشناها، وبكينا فيها، وحلقنا، ألا يستحق حكيها كباية عصير؟ منتصف الليل؟.
وأنا أحكي الفيلم، أراقب بنات أخي، يشاهدن فيلماً في مخيلتهن، شاشة عذبة، تحيل (ضوء حزمة ذاكرتي)، لفيلم حقيقي في تمثلهن لكل كلمة تقال، فأشعر بأن (الصورة)، ليس في الشاشة، بل في الحروف، والسرد، بل الحياة صورة، في ذهن كل امرء، يثمثلها بشكل فردي، حسب وعيه، ومعاناته، وعشقه، الطرائق بعدد الخلائق، كما يقول شيوخ التصوفي الإنسان، في مقام الفردية.
يا لروعة عيونهن، وأنا أحكي الفيلم، ما أعجب سلطانك أيتها السينما

اليوم التالي


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 561

التعليقات
#895391 [قنقليس]
0.00/5 (0 صوت)

01-25-2014 12:52 PM
للصيام فوائد لا تحصي ، كيف لا وهو يكفر الذنوب ، ويطهر البدن ، ويسمو بالنفس ، يصفي القلب ويجعل الذهن متقدا والمخلوق يرتبط بخالقه بعروة لا انفصام لها !! أليس هو القائل جلا وعلا فيما يعني "إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" أليست هذه نعمة منه الخالق تبارك وعلا؟
يمارس "عبد الغني كرم الله" الصوم لسويعات ليذهب ويقابل من يحبه ويقضي وطره في خضم ذلك العالم الجميل، فهو هنا وكأنه يستجيب لمكارم الصوم كيفما كانت ، فالرجل متفانيا لمن يحب ويعشق، يعشقه كما نعشقه نحن ذلك العالم الذي تحتضنه "دار الخيالة" حيث تتحرر فيه الاخيلة من عنانها، ويصبح المستحيل فيه ممكنا تستدعي فيه الافكار التي الهمتها صور متراقصه علي حوائط وافرة وغير محدودة من الافكار.
شكرا علي هذه المقطوعة الموسيقية الرائعة وهنيئا لاهل "مهرجان الفيلم المستقل" بقلم عبد الغني كرم الله الذي شارك واوفي ونفذ به لمعاني صميمة لم تغادر احدا.



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة