الأخبار
أخبار إقليمية
المفاجأة ربط حجر أم حصب صنم!
المفاجأة ربط حجر أم حصب صنم!



01-26-2014 11:13 AM
تيسير حسن إدريس

(1)
من سلبيات النفسية السودانية التي أماط عنها نظام "الإنقاذ" اللثامَ، هي سيطرة "الأنا"، التي تؤمن بالفردية ، وتنفر من فلسفة العمل الجماعي. والجنوح نحو التفرد صفة إنسانية بقدر، ولكن في الحالة السودانية ، تكاد تتخذ شكل الهوية، وذلك باتساع دائرة أثرها انتقالا من الفرد، لعمق المواعين المنظمة لحياة المجتمع، من أحزاب وتنظيمات سياسية، ومنظمات مدنية، وغيرها، نجد أن جميعها تحمل بصورة ما خصائصَ هذه الصفة الغارقة في الذاتية، مما قد يلقي الضوء ويعطي تفسيرًا للحيرة التي تعم الشارع، وأحلام زلوط التي أخذت تداعب عقول البعض في انتظار "المفاجأة الرئاسية".

(2)
هذا الخلل في سيكولوجية الفرد تفضحه شواهدُ كثيرةٌ، نحاول تلمس أثرها في عالم السياسة دون الخوض في ميادينَ أخرى، ومن أهم هذه الشواهد فشل تجربة ما سمي حينها "بالتجمع الوطني الديمقراطي" المعارض، والضعف البين الذي يتجلى اليوم في تحالف "قوى الإجماع الوطني"، ويمكن لأي باحث غير مدقق أن يرى أسبابه التي اقعدت به طوال ربع قرن وحالت بينه وبين إنجاز التغيير المنشود. ودون عناء يمكن تحديد مكمن العلة المتمثلة في تنازع الزعامات القيادة، وجنوح كل زعيم لتضخيم ذاته، وإظهارها بمظهر المخلص المنتظر، والمفكر المبتكر، وغيره من القيادات "طرور وكرور".

(3)
والعجيب أن نهج الزعامات النرجسي ينتقل تلقائيا لداخل الأحزاب، ويصبح سياسة حزبية معتمدة تتبناها القيادة، والقواعد الفاعلة "بالإشارة"؛ بسبب غياب الديمقراطية الداخلية، وضعف الممارسة النقدية، مما يقود لتناقض سياسات الأحزاب المتحالفة التي يعيش أغلبها في "جلباب الزعيم"، فيصعب أمر الاتفاق على قضايا الوطن المصيرية، ويضيع الوقت والجهد المبذول سدا، في نقاشات ماراثونية عقيمة تقطع نفس "خيل" القوى المعارضة، دون الوصول "لميس" التغيير، فيما أسميته اصطلاحا بـ"معارضة الحلقة المفرغة"، تلك التي تدور في مكانها وحول نفسها متوهمة أنها تتقدم.

(4)
وما قضية إعادة هيكلة وتسمية التحالف المعارض، المثارة من قبل السيد الصادق المهدي زعيم حزب "الأمة" في هذا التوقيت الدقيق إلا مثال ساطع على سيطرة وتحكم "الأنا"، ودليل قاطع على خضوع الشأن العام لسطوتها ، دون أن يكون "للعقل الجمعي" دور فاعل يلعبه. وبهذا السيكولوجية الغارقة في الذاتية تم إجهاض انتفاضة سبتمبر /أكتوبر الشبابية في العام الماضي، وضاعت أرواح ودماء شهدائها بلا ثمن، وزعامات "الأنا" البائسة منقسمون ما بين مخذلٍ ومراقب لا يحرك ساكنا.

(5)
وهي نفس "الأنا" المنحرفة التي أجهضت ثورتي أكتوبر 1964م وأبريل 1985م الشعبيتين من قبل، دون أن يتعظ "هبل" أو يعيد "اللات والعزى" النظر في نهجه الخرب ويدكر. ففي الثورتين عجزت القيادات عن السير بالعملية الثورية نحو أهدافها التي حددتها الجماهير، واكتفت بحصاد مكاسبها الذاتية الضيقة دون مصالح الجماهير، وهنا نكتشف الفرق الشاسع بين الفهم الثوري في الحالتين الوطنيتين، وما شهدنا مؤخرا من فهم ثوري عميق، وزخم نضالي مستمر ، من أجل تحقيق الأهداف ، وعدم التفريط في المكاسب فيما عرف بثورات الربيع العربي خاصة في مصر وتونس.

(6)
فالفرق الشاسع بين التفريط هنا، والحرص هناك، يشير بوضوح لضعف بين في النفسية الوطنية يشوش ويؤثر سلبا على"الوجدان الجمعي"، لحد اختلاط المفاهيم وتتداخل القيم في بعضها البعض، فلا يكاد الفرد يميز بين مناهج السياسة التي يمكن الاختلاف حولها، وبين "الوطنية" كقيمة عليا لا خلاف عليها،. فمن العبث حقا أن لا يستطيع الفرد المنتمي التمييز بين مصالح حزبه الضيقة، التي يمكن التنازل عنها عند الضرورة لمصلحة الوطن والثوابت الوطنية العليا التي يفترض على الجميع الحرص على التمسك بها.

(7)
هذا الخلط المريع في القيم والمفاهيم، وتراخي الهمة الوطنية، هو الذي يؤطر للخلاف حول طبيعة التغيير المراد انجازه، ويجعل من القوى المعارضة فسطاطين متناقضين كلاهما أوهن من بيت العنكبوت. فصاحب فسطاط التغيير "الناعم" يرفض التغيير "الثوري" بحجة الخوف من "سقوط الدولة"، وصاحب فسطاط التغيير "الخشن" أعجز من أن يقدم طرحا مقبولا للشرائح كافة، وأضعف من أن يلف القاعدة الجماهيرية القادرة على المضي ببرنامجه نحو التغيير دون عون الآخر؛ وهاكذا تظل القضية المركزية تتأرجح حائرة كبندول الساعة بين هذا وذاك.

(8)
وما بين الدعوة لربط حجر على البطون الخاوية في انتظار حل "ناعم" يهبط من السماء، ودعوات المخاشنة و"حصب" الصنم الإنقاذي الرافض للحلول كافة، تسقط بطول الانتظار ورقة التوت عن عورة "الهبوط الناعم"، وتكتسب دعوة المخاشنة المصداقية، والجميع يشهد مع الوقت تلاشي أسس الدولة المراد الحفاظ عليها، والناظر لوضع الدولة السودانية اليوم - بعد مرور ربع قرن أعجف من حكم "الإنقاذ" - لا يرى حوله سوى الدمار، وركام أنقاض دولة قد سقطت وانهارت ركائزها بالفعل، رغم مغالطة بعض القوى والزاعمات لهذه الحقيقة الساطعة، والتي من شدة وضوحها يكاد يبصرها الأعشى ليلا.

(9)
فالدولة التي ذهب ثلث ترابها الوطني بإنسانه وموارده دولة سقطت جغرافيا ؛ والدولة المعزولة إقليميا ودوليا، ومطارد رئيسها بأمر المحكمة الجنائية، وتحكمها جماعة فاسدة تحد من عمل الأحزاب والتنظيمات، دولةٌ سقطت سياسيا ؛ والدولة التي تتدحرج قيمة عملتها الوطنية أمام العملات الأخرى، وتشارف خزانتها العامة على الإفلاس، ويعيش نظامها الحاكم مترمما على جيب المواطن المسحوق، دولة قد سقطت اقتصاديا ؛ والدولة التي تعربد على أراضيها القوات الدولية، وتعتدي على سيادتها دول الجوار، وتحتل أرضها وتهاجم مدنها طائرات العدو دون رادع، هي بتأكيد دولة قد سقطت عسكريا.

(10)
والدولة التي يشن نظامها الحاكم حرب إبادة على مواطنيه، ويفقد السيطرة على مساحات شاسعة تسيطر عليها القوى المتمردة على سياساته الفاسدة، دولة قد سقطت أمنيا ؛ والدولة التي أجدبت مشاريعها الزراعية، وانهارت مقوماتها الصناعية نتيجة سياسة "التمكين"، وتشريد الكفاءات، وتهجير العقول، دولة قد سقطت إداريا؛ وأخيرا الدولة التي طفحت دور الرعاية الاجتماعية فيها بالأطفال فاقدي السند، ومراهقيها يتلذذون بممارسة الاغتصاب والجنس الجماعي وتعاطي المحرمات، هي دون شك دولة قد سقطت أخلاقيا وتربويا.

(11)
ولم يتبقى اليوم منطق سياسي أو أخلاقي يدعم دعوة التغيير "الناعم" المستندة على حجة الخوف من سقوط الدولة؛ لأنها سقطت وانتهى الأمر، ولا عزاء لأصحاب الدعوة إلا أن يكون البعض لا يزال يتوهم أنه وسط الأنقاض والركام يستطيع أن ينجو "ببيته" أو "بطائفته" من براثن الخراب، وهذا منطق عقيم سياسيا ، وساقط أخلاقيا لأنه غارق في الذاتية. فالدعوة التي تبدو شكلا مقبولة، جوهرها معطوب لتناقضها وطبيعة العمل الثوري القائم على الهدم وإعادة البناء كشرط "عين" لاستقامة عود الوطن.

(12)
عليه فمن الأجدى أن تكف الزاعمات التي تعاني من همود الهمة عن سياسة دفن الرؤوس في الرمال، ومداعبة الأماني، حتى لا يضيع ما تبقى من وطن الجدود، ونصحو ذات صباح ولا نجد اسم السودان على الخارطة الدولية، وذاك ليس ببعيد وتجربة "يوغسلافيا" حاضرة في الأذهان، ومخطط تقسيم السودان قد نضج على نار هادئة وخطى خطواته الاولى بانفصال الجنوب والقادم أعظم، فليستيقظ الجميع سادتي قبل أن يسقط الوطن كما سقطت الدولة ونحن في انتظار المفاجاءة الرئاسية.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.

تيسير حسن إدريس
[email protected]


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2441

التعليقات
#896783 [Al kalaas]
5.00/5 (1 صوت)

01-26-2014 05:43 PM
قد شملت قيادات التجمع الوطنى بالأقصائية ولكن إحقاقآ فى حق الأموات منهم.أخص بالأسم منهم د.جون والتجانى الطيب الذان تساما فوق الذات وعملوا بإخلاص من أجل الوطن.


#896546 [شخلول]
4.50/5 (3 صوت)

01-26-2014 02:08 PM
راجيلك مفاجاة من من تسبب فى كل الدمار والخراب العددته\البدمر ما بعمر


#896476 [slah40]
5.00/5 (3 صوت)

01-26-2014 01:03 PM
واكمالا للسقوط المدوى للدولة فالدولة التى تكذب وتستغل الدين دون ان تتمثل قيمه فى سلوك مسؤوليها وتستغل الدين حتى فى دعايتها التجارية مثال عدس الصحابة و...و..و لبن الصحابة معقول لبن الصحابة ما يكون جيد واذا لم بكن لبن الصحابة جيد فماذا يقول السذج والاطفال وغير المؤمنين بالاسلام عن الصحابة وليس اللبن فى حد ذاته؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟.بهذاايضا سقطت دينيا.


#896380 [Abdo]
4.50/5 (3 صوت)

01-26-2014 11:45 AM
و الله يا تيسير كلامك كله مظبوط إلا أن خاتمته بإنتظار مفاجاة الرئيس دى طبظت الحكاية .


ردود على Abdo
United States [krkasa] 01-26-2014 02:59 PM
الفهم قسم ..؟؟ وحسب فهمي يا Abdo الكاتب يقصد اذا كنت في انتظار مفاجأة الرئيس... خم وصر ...؟؟


#896378 [كروري]
4.50/5 (3 صوت)

01-26-2014 11:44 AM
مشكور على النقال الرصين و لكن لا حياة لمن تنادي



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة