الأخبار
منوعات سودانية
نساء سوق الحفرة يُحددن بشكل قاطع: الطواحين ضرتنا الوحيدة!!
نساء سوق الحفرة يُحددن بشكل قاطع: الطواحين ضرتنا الوحيدة!!
نساء سوق الحفرة يُحددن بشكل قاطع: الطواحين ضرتنا الوحيدة!!


01-27-2014 11:04 PM

القضارف: عبد الجليل سليمان
نساء طاعنات يضعن على رؤوسهن قبعات سعف لا ظليلة ولا تغني من شمس، ربما تحميهن من نثيث (الطرفة البكاية) في خريف قضارفي لرعده هزيم ولبرقه خطف. صبايا تسربن – ربما – من مقاعد دراسة متهالكة إلى سوق لن (يبلغن) حلمهن فيه طالما رزقهن مرهون بغربلة وطحن.
بين جسري القيادة والمأمور، أشهر (كوبريين) في القضارف، يرمي (سوق الحفرة) نفسه على منخفض من (خور) عجوز لا يأتي بماء إلا وطيّه أوساخ وفضلات بشرية وروث حيوانات فلا أحد هناك يعير عبارات مثل (ممنوع البول)، لمحة بصر.
وسوق الحفرة يخفض من جناحي رحمته رزقاً للنسوة والبنات، وهن يمارسن مهنة تقليدية ظللن وحدهن يجابهن بها جرف الماكينات، طحن الطواحين، (سحن السحانات)، وغربلة الغرابيل الحديثة. هو سوق لــ(دق الويكة) والبهارات المختلفة في (فنادك) من جذوع سنط ضخمة ومضارب من سيقانها، وتنظيف البقول في غرابيل من (صوانٍ) مثقوبة بمسامير أحجامها مختلفة.
نجي كداري ونرجع كداري
باكرا تصيح (ديكة) الحي (طرف المدينة)، على عجل يتناولن ما تيسر من طعام، يخرجن إلى الشارع والظلمة لم تسحب بعد كل ذيلها، إنهن نساء سوق الحفرة، إنها (حكايات) نساء وسوق يأكل الناس من (ويكته، وفوله، وشطته، وعدسة) طعاما مُتبلا وحاذقا، دعونا ندخل، بسم الله الرحمن الرحيم.
تحت (كوبري) الجيش، تضرب الحاجة (حجرة أبكر زكريا) بقوة عمق الفندك، فتنسحق دوائر البامية المجففة وتئن، وتحت رحمة المضارب ترفع راية بيضاء وتستسلم إلى حالة كونها (ويكة)، تقول (حاجة حجرة): أنا والله قديمة شوية في السوق دا، يعني زي 40 سنة كدا، طبعا السوق زمان كان طرف (العياشة) هناك، وكنا من صباح الرحمن نجي من حي المطار كداري، صمتت برهة قبل أن تردف: ونرجع كدااااري كمان، هكذا مطتها، ثم انفجرت ضاحكة، ومضت: أها من الصباح للمغربية، بس إلاً (نتف الويكة، الكزبرة، الشمار، الزنجبيل، الشطة، القرض، واللوبا)، وأضافت: 40 سنة أنا بشتغل الشغلة دي، مطر ما يوقفنا، سخانة ما توقف، برد ما نقيف، الطواحين والسحانات ذاتها ما وقفتنا، وتساءلت بغتة: عارف ليه؟ ولما تواطئتُ بالصمتِ، واصلت: لأنو دي شغل حبوباتنا وأمهاتنا، يعني وراثة عديل.
إيقاعات متسقة
ساعدا الحاجة (حوار عبد الله محمد)، بدتا أكثر قوة مما تصورت، حيثُ انزاحت فجأة (كرمشتهما) البادية للعيان، فما أن أمسكت بالـ(مدق) حتى انشدت التجاعيد واستحالت عضلات تسحق ما جثم في قاع (الفندك) من بهارات، دق، دق ددق، دق، ضربة، إثنين، فواحدة أخري، خطة محكمة (1، 2، 1)، تساءلت لماذا لا تستعين أنديتنا الرياضية بهؤلاء النسوة، ربما أخرجننا من حفرتنا الراهنة وسحقوا منافسينا، دق، دق ددق، دق، واصلت (حاجة حوار) إدارة حوارها مع الويكة والمدق والفندق، بينما كانت تتحدث إليَّ، فقالت: طاحونة دا بقى ضرتنا، لكن ناس كتار ما بودو طاحونة، أحسن التف لانو عندو طعم! وأضافت: نحن سعرنا غالي ندق (الكيلة) بـ 2 جنيه، الطاحونة (يدقق بجنيه واحد)، وفي النهاية نحن الكسبانين، لأنو شغل حقنا أصلي.
صباح أخضر
فوقهن (شوالات) متسخة، وتحتهن خور نتن، رواكيب من (كرتون، وجوالات)، وأعواد نخرها السوس، البامية مجففة، مفروشة على الأرض في انتظار سواعد النساء لتقول لها: سحقا لك! (عدة العمل) غرابيل، جركانات.. فنادك، وسواعد، جاهزة للمهام ومدججة بالخبرة والقوة.
تقول (أمونه): أنا عمري 15 سنة، من حى التضامن، قلت مدرسة نسوى بي شنو، أخير نشتغل من بدري، نلمو قروش. أمونة تغربل الصباحات فولا، وعدسا، فتفرز الشوائب عنهما، تمسك بإطار الغربال تديره كـ(دركسون)، ثم تقذف بمحتوياته إلى أعلى وتتلقفها ببطنه في سرعة مذهلة دون أن تسقط حبة واحدة.
وفي المساء تعود ببضع جنيهات، وفستان (كاكي)، تنظر إليه بحسرة وهي تقول: الصباح كان أخدر!
يا بنية من خبز الفنادك
الزبائن يأتون من كل صوب وحدب، ولأن ويكة سوق الحفرة لها طعم خاص، مثل طعم (خبز الفنادك)، ليست به رائحة حديد أو وقود، ولأن (البامية) هنا من نوع (السارا) اللايوق والطاعم – تأتي السيدة/ وداد خالد، الموظفة، لأخذ كوتتها من هنا، قالت: طبعا الحاجات ديل ويكتهم طاعمة، وشغلهم نجيض، أنا زبونة دائمة لنساء سوف الحفرة، منذ أن تزوجت رجلا يحب (اللواييق) على حد تعبيرها. وأضافت: الفرق كبير (في الطعم) بين ويكة وتوابل السحانات والطواحين، وبين (بتاع) الفنادك، عشان كدا لازم الواحدة تحجز من بدري، خاصة ورمضان مقبل.
مظلات وبس
ونحن نهم برفع أرجلنا أعلى (الكبري) لنغادر، انهالت علينا الشكاوى من نساء السوق، عايزين مظلات، السوق وسخان، عاين (العفانة) تحت الكبري، والنفايات دي ما في زول يجي يرفعها. ثم: (شايف) انت ذاتك عطست، الحساسية دي جاتك من العفانة والوساخة النحن فيها يا ولدي. وكنا خارج السوق، ننظر إليه من علٍ، بدأ يختفي رويدا، رويدا كلما اتسعت وتسارعت خطواتنا، لكن صورة النساء احتلت أعيننا، وصوت (المدقات) كان يلاحق آذاننا بخطته المُحكمة (1،2،1)، دق، ددق، دق.انه سوق الحفرة

اليوم التالي


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1107

التعليقات
#899848 [عدالة]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2014 06:30 PM
يا والى القضارف هؤلاء النسوة أمانة في عنقك - والمولى عز وجل يسألك عنهم ماذا قدمت لهن - وهن لم يطالبوك بالمستحيل ( تخصيص مكان نطيف به القليل من الخدمات التى لا تكلف - لوعملت لهن جملون وتوفير المياه ودورات المياه ) يكفي 0 بس من دون فرض أي رسوم ولا قرش واحد - وأبعد عنهن البلديات والمعتمديات وأرانيك الجبايات - وخاف الله وراجع نفسك أمام الله قبل أن تغادر الفانية و تسأل يوم لا ينفع مال ولا بنون - ولا شىء ينفعك حينهاسوى دعوات هؤلاء النسوة ولا تفوت الفرصة .


#899556 [مصطفي سعيد]
0.00/5 (0 صوت)

01-28-2014 02:34 PM
عبد الجليل سليمان قلم رشيق رائع .. كلمات جميلات ... وبرغم ذلك نزلت مني دمعه وتذكرت الرائع عبد العزيز بركه ساكن والجنقو مسامير الارض ....الحاجة (حجرة أبكر زكريا).. 40 سنه وكداري ( لو ان بغله في العراق ... ) واه ياوطني في المطارات القصيه !!



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة