الأخبار
أخبار إقليمية
الإبداع في إنتاج ونشر الفشل والإحباط ..خطاب البشير نموذجا!!
الإبداع في إنتاج ونشر الفشل والإحباط ..خطاب البشير نموذجا!!
الإبداع في إنتاج ونشر الفشل والإحباط ..خطاب البشير نموذجا!!


02-02-2014 01:46 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

عبدالله مكاوي

حرصت كغيري علي الإستماع لخطاب البشير، الذي مُهد وقُدم له، بكثير من الدعايات والبشريات. وأجتهدت آليات الداعية والإعلام الكيزانية في تصويره كخطاب القرن! حتي ظننا أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، بُعث من مرقده علي عجل! ونُفض عن إذاعة صوت العرب غُبار السنين وذكريات الصمت والأنين، لتُعيد لنا بعد غيبة، أمجاد الخطابات الجماهيرية، التي تُدار بها الدول والمجتمعات العربية، ووقودها الحيوي او محركها قضية العرب المركزية! وغيرها من أجواء تلك الحقبة الماضية، بشرها الكثير وخيرها القليل(مقارنة بالمأمول وليس بالواقع الحالي!). او تصوير الخطاب كبساط الريح السحري(كجزء من العقلية الطفولية التي تحكم سلوك ورؤية المجموعة الكيزانية)، الذي ينقل السودان وأهله، في لحظة إستماع وإنتباهتها! من هذا الحضيض الذي يرزح تحت نيره لمُدة ربع قرن، الي مرافئ التقدم والرفاه والإنبساط! ولكن وكغيري أيضا، لم يكُن سبب الحرص علي الحضور، تصديق هذه الترهات والتفاؤل بهذه البشريات! والسبب في ذلك بسيط، وهو أن الثقة في البشير او النظام أصبحت معدومة! وتحتاج لمُعجزة لإرجاعها او لبعثها من قبرها!! ولكن السبب الوحيد لذلك الحرص، يرجع الي أن الوطن وأهله أصبحا رهينة، في أيدي نظام مُفلس وعاجز، أردي بهما الي مهاوي الفشل والتردي والضياع. ورئيس يعاني من حالة خصام حادة، مع الموهبة القيادية والحس السياسي، والقبول الداخلي والإحترام الخارجي! والأنكي و الأمر، أنه أصبح طريد العدالة الدولية، التي تترصده بمجرد مغادرته لدولته المُغتصبة. بمعني أنه أصبح رهين المحبسين، الجنائية الدولية والمحاسبة الداخلية. بسبب إنقلابه علي السلطة الشرعية، وتسببه في مقتل وتشريد الآلاف، وإهدار موارد البلاد، بتوظيفها لصالح التنظيم والأقرباء والمحاسيب وجهاز حمايته من الأمن والشرطة والجيش. بمعني أنه رئيس غير مؤهل لا سياسيا ولا وظيفيا ولا شرعيا، لإدارة دولة مثل الدولة السودانية. لا تنقصها لا الكوارد القيادية المؤهلة إذا ما وجدت فرصتها، ولا الثروات والإمكانات المادية، التي تدفع بها الي مصاف الدول، علي الأقل القابلة للتقدم والإنطلاق الي الأمام، إن لم يكن الدول المتقدمة. وذلك بعد معرفة إشكالاتها بالضبط، ومن ثم وضع الحلول والمعالجات المُمكنة والمناسبة، والتي تستجيب لمرحلة تطورها التاريخية. أي دون القيام بقفزات عاطفية مثالية إستعجالية، ومن دون إستعداد كافٍ لها! وكذلك بالإستجابة لنداء الحداثة العصري. وعبر الدمج المبدع بينهما، يمكن وضع البلاد في طريقها الصحيح. اي طريق الخلاص من هذا التيه الوطني الذي أعقب الإستقلال! وأزداد آلام وضلال، بوصول هذه الجماعة الضالة، حاملة لواء النكبات والكوارث الوطنية.

وقبل الدخول في مضمون الخطاب، الذي أجاد الآخرون تحليله والتعريف به، لابد من (التعريج) علي توقيته وشكله ودوافعه. فهذا الخطاب في إعتقادي الشخصي يمثل خطاب مفصلي، في تاريخ النظام(المرض) والدولة السودانية (المريضة)! أي بإعتباره آخر فرصة للتسوية السلمية مع هكذا نظام، يجيد تضييع الفرص علي البلاد والتضييق علي نفسه!! ويأتي هذا الخطاب في هذا التوقيت، الذي تعاني فيه الدولة السودانية من الإنهيارات، والمشاكل المُزمنة علي كل المستويات، سياسية إقتصادية إجتماعية دولية...الخ. الشئ الذي يستدعي الإرتفاع، لمستوي مسؤولية اللحظة التاريخية الراهنة! بتقديم أجوبة مُقنعة لتساؤلاتها المصيرية، و تقديم خارطة طريق عملية، تستوعب كل القوي السياسية والمدنية. بإشراكها علي قدم المساواة، وهذا إذا لم تُمنح أفضلية إمتيازية، بسبب عدم مشاركتها المُباشرة في هذا التردي! وذلك بإعطائها الفرصة الكاملة، لتقديم وجهة نظرها او رؤيتها للحلول المناسبة، للخروج من هذه الإنهيارات. والتي بدورها تُعرض علي الجمهور، لإبداء رايه او قبوله/رفضه لها. ومن ثم الإنطلاق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. بعد تحديد الإطار الشرعي والقانوني والزمني، لخطة او مرحلة الإنقاذ هذه(أي إنقاذ حقيقي وليس إنقاذ مزور ومضروب كإنقاذ الجماعة الضالة)، أي خطة لا تستثني أحدا او فصيلا او جهة من الجهات، أي خطة تلاقٍ وتنازلات بين الفرقاء. ومعيارها الوحيد الصالح العام، برغبة الكتلة الجماهيرية الأعرض، او مرحلة للقطع مع الإنفراد بإدارة الشأن العام، لكائن من كان، لا بدعم من السماء او بغلبة علي الأرض! المهم في هذه اللحظة الحرجة، التي أجبرت معظم المواطنين الحادبين علي مصلحة الوطن، او المشفقون علي مصيره من الإنفراط، وذهاب ريحه كما تنبئ الأخطار المحيطة. علي وضع أياديهم علي قلوبهم، مخافة أن يصدق حدسهم وتتأكد مخاوفهم وتوقعاتهم، بتفويت هذه الفُرصة(الأخيرة) كسابقاتها! والسبب في ذلك بسيط، لأن ما بعد هذا الخطاب (الأخير) ليس كقبله! أي إما وضع حلول عملية وتقديم تنازلات جريئة، حدها الأدني الإبتعاد عن السلطة، وتقديم إعتذار صريح(وبالفم المليان)، وطلب السماح والغفران من الشعب الجريح! وإما الذهاب في خط العناد الي آخر مداه! وبكل ما يحمله هذا العناد، من مخاطر علي سلامة البلاد وأرواح العباد! بمعني أن السودان يمر بمنعطف حرج ومحك خطير، يمس بقاءه ككيان موحد وقادر، علي رعاية كل القبائل والملل والتيارات داخله، علي أسس التعايش والإحترام المتبادل والمواطنة، أي تعظيم المُشتركات أو تعلية شأن المصالح والمنافع المُشتركة! أي لحظة تحتاج للقادة الحقيقين، الذين يقدمون المصالح العامة علي الرغبات الخاصة والعناد والغرور الكاذب! قادة يملكون مجاس إستشعار لإكتشاف المخاطر المُحيطة، وفي نفس الوقت يرون الفرص المُتاحة للنجاة! ومن ثم يدخلون غير هيابين غمار أغتنام الفرص، رغما عن الخسائر الظاهرية لإمتيازاتهم المطلقة!! وذلك من أجل حماية شعوبهم ومستقبل أجيال أبناءهم. ولكن البشير وبسبب تضاده مع هذه النوعية من القادة العظام كما أسلفنا! فضل وبمحض إرادته، وأستجابة لإفلاسه القيادي وإنعدم حسه التاريخي، ولرغبته المريضة في إمتلاك السُلطة لأبد الآبدين! كقيمة تمنح غروره وعجزه، التوازن النفسي المنشود! إختار طريق العناد، وبغض النظر عن حجم الأخطار التي يحملها هذا العناد، والتي لا قبل للبلاد والعباد بها! خاصة بعد أن فاض الكيل، ووهنت القدرة علي الإحتمال لهذه الأخطاء المتتابعة! بمعني، حاول البشير من خلال خطابه، تصوير أن هنالك مُشكلة وطنية، والكل شركاء فيها وبنفس القدر!! وفي نفس الوقت ينسب لنفسه ولحزبه، شرف القيام بمُبادرة لعلاج هذه المشكلة الوطنية! فهذا التفسير الذاتي المريض للوقائع، غير أنه غير صحيح ومُغالط لبداهة الحقائق، وفيه ظُلم وتجني علي الآخرين! فهو أيضا يُمثل نوع من الهروب الي الأمام، لعدم دفع إستحقاقات اللحظة الراهنة. أي عدم فك الإرتباط بين المؤتمر الوطني والدولة، والمؤسسة العسكرية الإنقلابية والحكم. ورد الدولة الي وظيفتها والشرعية الي مسارها والحُكم الي الشعب. أي تحرير المجال العام، وفتحه أمام المُنافسة العادلة للكافة، و بكل شروطها المُستحقة. أي البشير بهذا المسلك الهروبي، فجر خطابه من الداخل، كإنتحاري القاعدة، وسفه بُشريات المروجين لهذا الخطاب الإنتحاري!!
أما الخطاب نفسه من حيث الشكل، فلغته تبدو عليها التثاقُف والغموض والإرتباك، او قول كل شئ من غير قول شئ! وخلاصتها أنها لا تحمل جديد، بمعني، أن الخطاب حاول أن يستعيض باللُغة والخطابة والشعارات البراقة، عن الأفعال المادية علي أرض الواقع المتردي. أي تقديم الشعارات المُستهلكة التي فقدت رونقها وصلاحيتها(expire)، بلغة خطابية جديدة! بمعني تقديم الشعارات التالفة والوعود الجوفاء المُكررة، في ثوب لغوي خطابي جديد ومُبهم! ومن شدة غرائبيته، في مثل هكذا مُناسبات مصيرية ولحظات تاريخية فارقة، تتطلب الوضوح والحكمة! أرهق حبال البشير الصوتية، خاصة وهي تعاني سلفا، من الإرتخاء والإجهاد بسبب شدة الصياح والهياج(وأوكامبو الله يجازيه!)، الذي أدمنه لمدة ربع قرن. وكأنه مُشجع مُتعصب، لفريق إعتاد الهزائم المُتلاحقة، ومشجعوه لها مُنكرون!! ولكن أهم ما في الخطاب أنه يُلخص أزمة البشير والنظام بصفة خاصة، والشمولية والإستبداد بصفة عامة! وهي الإنطلاق من أرضية مفادها، أنها الأفضل والأصلح وصاحبة المبادرات، وأن ما تقدمه وتقوم به هو الأمثل، من ناحية الأفكار او الإنجازات علي الأرض! وبهذا فهي تخلق نوع من الدولة، المُتخيلة المثالية الزائفة، المُترفعة عن النواقص والأخطاء! أي دولة ترضي تطلعاتها ورغباتها وتصوارتها المريضة، وحبها العصابي للسلطة. وكل ذلك في موازاة دولة الواقع المُنهارة والمرفوضة، علي مستوي الوعي والنفس، وتاليا الإرادة الفاعلة للتغيير المنشود! بمعني أنها تحاول العيش داخل دولة متوهمة، تحمل طابع النشوة المُسكرة او كأنها تعيش تحت تأثير مُخدر لذيذ، يفصلها عن واقع فشلها وعجزها وإستيلاءها الغادر، علي حقوق الآخرين ومصيرهم! او يمنع تذكيرها بواجبها الفوري، في التخلي عن السلطة التي إغتصبتها. ومن ثم إساءة إستخدامها، وإيرادها البلاد والعباد، موارد الهلاك والفقر والمثقبة، والحروبات الداخلية المتوالية بغير إنقطاع. وبتعبير أكثر وضوح، إن هذا الخطاب لا يُعلن فقط عن أزمة البشير والنظام، وفشلهما البيِّن علي كافة الأصعدة! ولكنه يعلن أيضا عن إمتناع، أي إمكانية للإصلاح او التفاهم او القابيلة للتراجع والتسليم. او التغيير الجذري والإنفتاح علي آفاق الحريات العامة، والديمقراطية والمشاركة، وإقتسام السلطة والثروة بعدالة وإقتناع. أي خطاب يظهر حجم الغيبوبة او الإنقطاع عن الواقع بصورة كلية، وهي غيبوبة غير قابلة للإفتكاك او العلاج. بمعني، إن البشير/النظام والغيبوبة أصبحا يمثلان حالة واحدة، حقيقتها الإمتناع علي التغيير والإصلاح، او تقديم ما يفيد البلاد وشعبها. وهذا معناه الأ أمل في التعويل، علي أي ذرة عقلانية او مساحة عدلية او روح إنصافية او مشاعر وطنية، في هذا النظام/البشير! وتاليا هذا الخطاب وضع الجماهير والمعارضة، بكل تشكيلاتها وأطيافها أمام خيارين لا ثالث لهما! إما التصدي لهذا النظام، ووضع حد لهذه المهزلة المُحزنة، والمُكلفة بشريا وماديا ومعنويا ومستقبليا! او الدخول في حالة العجز المُتبادل، بين مُعارضة أو شعب صاحب حق أصيل ومطالب عادلة، ولكنه غير قادر علي إزالة حكومة فاشلة وقاتلة وعاجزة! وبين نظام فقد مُبررات وجوده منذ أمد بعيد، ولكنه يصر علي المُكابرة والعناد، ولا يري وجوده وقيمته، إلا وهو مُتسلط ومُتحكم بالآخرين، كوجه مُعادل لعقدة التميُّز والتمتع بالنقاء العرقي والديني!! والمحُصلة الدخول في نفق إنتظار الإنهيار الكامل والمحتوم! وتوالي المآسي والفقر والجدب، والتصحُر التنموي والتجريِّف القيمي! وبكلمة مؤسفة، الدخول في حالة العجز السورية او حالة العجز اللأأخلاقية او العجز الخلَّاق! والتي يدفع ثمنها الشعب حاضرا وعاجلا، دما وخرابا وفسادا، وإنسدادا لأفق المُستقبل، ومن ثم الإنذار بالأنقسامات والحروب الأهلية والفناء.

أي أن هذا الخطاب في حقيقته، ليس موجه الي الجمهور، الغائب أساسا علي مستوي الوعي والمعرفة والأحساس بهمومه وإحتياجاته، والحاضر فقط علي مستوي إستغلاله والمتاجرة به! ولكنه موجه في الأساس الي النظام أي للداخل! بكلام آخر، إن الخطاب هو حوجة داخلية للبشير والنظام، أي محاولة للتنفيس عن الهموم، وحصار الفشل والضغوطات الإقتصادية والعجز السياسي! التي سببوها بأنفسهم وجنتها أياديهم الغادرة، او كحصاد واقعي ومتوقع، لبوار مشروعهم الحضاري العدمي!! وذلك عبر إختراع خطاب تمويهي، يُخاطب جذور المخاوف، التي يعاني منها النظام والبشير. وبالأخص هواجس البشير و مهددات إستمرار بقائه في السلطة بصورة حصرية! والتي بدورها توفر له الحماية والنفوذ والسيطرة علي الآخرين! أي تفلُتات وجنوح الإسلامويين الجامح للمغانم والسلطة!! وظهر ذلك بوضوح ليس في لُغة الخطاب، المُفارقة للوضوح والإبانة والإستقامة اللفظية والموضوعية! ولا في إرتباكه أثناء القراءة وجهله لفحوي الخطاب وقيمة المناسبة! ولكن في التمهيِّد الهستيري لهذا الخطاب من ناحية، ومن الناحية الأخري التفكير الخلاصي او الوعي الخلاصي، الذي يحمله الخطاب ذاته، أي كأن الخطاب يمثل منتهي سدرة الحلول العبقرية، التي أتحفنا بها بعد طول إنتظار!! وعموما الوعي الخلاصي، يُمثل أحد تجليات أزمة الشموليات ومغالطاتها للواقع المأزوم. وتاليا لا يحمل الخطاب أي جديد، لأ علي مستوي لُغة الأفكار المُنتجة، او الإعتراف بالحقائق او الإعتذار عن الأخطاء! اللهم إلا إعلانه وعبر هذا الخطاب الخشبي، عن ضياع آخر فرصة للنجاة!! أي بعد هذا الخطاب الإستعلائي الأجوف، لأ مخارج سليمة وآمنة للبشير، بعد أن أغرق كل مراكب العودة الآمنة! ليس بسبب ثمرة الخطاب الفاسدة فقط، ولكن في تفويته لهذه الفرصة المؤاتية واللحظة الحرجة! بمعني أنه بهذا الخطاب الكارثي، يعلن علي الملأ، إما هو وإما الخراب، وعلي وعلي أعدائي! وكأن لسان حاله يقول، من أراد أن يفقده حزبه ويخسره وطنه وتشتهيه ذاكرة السلطة(فاليلقاني داخل القصر الجمهوري او يحاول إخترق تحصيناتي الأمنية والدفاعية!!).

وكل ذلك يعني، أن العروض الهوائية، التي قدمها من خلال خطابه، لا جدوي لها! ولن تغير في الواقع قيد أنملة، من ناحية تحريره وتخليصه من قبضة الشمولية الثقيلة! لأنها محكومة سلفا بسقف إستمراره حاكما مُتحكما!! وأن ما يقدمه من تنازلات شكلية، هي نفسها مشروطة بإستثناءات تبطل مفعولها!! لأن الإشكالية الحقيقية تكمن في وعي التنازلات، الذي يستبطن التفضل علي الآخرين! وليس مساواتهم كما يقول منطق الواقع، وتحكم حكمة العدل وحق المواطنة. لأنه يفترض فيمن يتفضل بها، أنهُ الصاح المُطلق وصحاب الحق والحكمة...الخ، وهذا كله باطل، وأكثر بطلان في نموذج البشير والإسلامويين، إذا ما ربطناه بطريقة وصولهم الي السلطة، عبر الإنقلاب علي السُلطة الشرعية!! المهم، هو يتحدث عن مطلوبات السلام وكأنه يعيش في دولة مجاورة او يحكم أقوام آخرين!! او كأنه لم يتسبب بنفسه وبسياسات نظامه الإحتكارية الإستحواذية الإستعلائية، في تفجير هذه الحروبات والمشاكل. وأحيانا خلقها من العدم! كجزء من آليات إكتساب الشرعية والإستمرارية غير المُستحقة! بمعني أنهُ يُرحل وبكل إطمئنان أخطائه، وخلقه لشروط النزاع والإقتتال الي الطرف الآخر! أي الي الحركات المُسلحة. ومن ثم يشترط عليها إلقاء السلاح، وغيرها من الإشتراطات، التي تحمل في جوفها إنكار حقوق الآخرين! والإصرار علي مجرد إلحاقهم بالدولة او الحكومة، كتوابع عاجزة عن خلق المبادرات وتحمل مسؤوليات الحكم والقيادة. او هي أقل قامة من إمتيازات السلطة والحكم، كحقوق حصرية للبشير وصحبه الشرفاء!! ..

وليس ذلك فقط، ولكنه يُحمِّل إشتراطاته طابع التهديد، أي يشير الي فرض السلام او حمايته بقوة السلاح، وليس بقوة القانون او التنمية والإستقرار وتحقيق المطالب العادلة. مما يدل علي أن هذا المحور من الخطاب، يُقدم كمنحة او كهدية فوقية، وليس كنتيجة لقناعة بإرتكاب أخطاء ماضية، قادت الي الصراع، وحان أوان الإعتراف بها، ورد الحقوق والمظالم الي أهلها! وخلاصة هذه الجزئية، إن ما يقدمه من أطروحات وبدائل، تمثل خيانة للُبْ المُشكلة والقضية. لأن السلام المُستدام والرغبة الصادقة في إحلاله، تستوجب الإعتراف بأسباب المشاكل الجذرية، التي أجبرت الآخرين علي حمل السلاح. لأن حمل السلاح ليس لعبة او مجرد مزحة عابرة، او هواية قاتلة يعشقها المغامرون! ولكنه وسيلة وعرة الدروب وعالية التكاليف، لإرجاع الحقوق وتحقيق العدالة. ولو أنها هي نفسها، تحمل أخطار كثيرة في جوفها علي ساليكيها وعلي البلاد! لكل ذلك يتمثل العلاج الحقيقي، ليس في وضع الحركات المسلحة للسلاح فقط، وإنما في معالجة الإشكالات والقضايا التي أجبرتهم علي حمل السلاح. وهي قضايا حقيقية وغير مُصطنعة، وتركت إفرازاتها السلبية، ليس علي الحركات المسلحة فقط، ولكن علي كل البلاد! وأولها قضية السلطة، التي يتحدث بإسمها كحق موروث له ولجماعته! ومن بعدها التحكم في موارد الدولة بصورة مُطلقة، تتعالي علي الضوابط المحاسبية والمراجعية والقانونية! وكذلك التلاعب بمقدرات البلاد وطريقة إدارتها، وتغيير المناهج التعليمية وعقيدة الخدمة المدنية، وتعطيل المشاريع الإقتصادية والتنموية...الخ، وغيرها من الممارسات، التي لأ يتم الرجوع فيها الي الشعب، صاحب المصلحة الحقيقية في كل يجري داخل دولته. أي الحل او عودة السلام مرهون بتصرف وأحد وشجاع! هو إرجاع الحقوق الي أهلها، أي إرجاع السُلطة الي الشعب، والإحتكام لخياراته وإرادته. وهذا الحل يمر عبر طريق واحد لا غير، وهو التخلي الطوعي عن السلطة. وهذا ما لم يذكره في خطابه سالف الذكر!! أي هو خطاب لتعقيِّد قضية السلام، وليس حلها كما يدعي ويتوهم!!

أما حديثه عن الحريات السياسية، وغيرها من الترهات، التي ما أنفك يرددها كأسطوانة مشروخة، ومقطوعة لحنية بائسة ومملة! فهو يحاول من خلالها الإيحاء برغبته في إشراك الآخرين، وإشاعة الحريات وغيرها! إلا أنه يطرح هذه المُقترحات، ليس كارضية ينطلق منها الجميع، لبناء توافقات سياسية، وتحديد أسس العملية السياسية، والأُطر الشرعية، والقنوات الرسمية، للعبور السلمي والآمن في الوصول الي السلطة. التي تتيح المنافسة العادلة للبرامج السياسية اوالمشاريع التنظيمية، والرؤية الإدارية العلمية المنهجية المنضبطة، لإدارة الدولة السودانية! ولكنه يطرحها من خلال تحديده المُسبق، لشكل الملعب وحدود اللعب وطريقة اللعب، علي أن يحكم هو هذه اللعبة!! أي يطرح نفسه كمرجع للعملية السياسية، او كموجه لها وضابط لإيقاع حركتها، وبكلمة واحدة، يفرض نفسه كأب أو كعمدة وصي علي العملية السياسية! وما علي الآخرين إلا الخضوع لهذه المشيئة الأبوية، التي أُعطيت الحكمة وفصل الخطاب! ومعرفة الصواب حتي قبل ميلاد القضايا موضع الإختلاف!! بمعني أن البشير والنظام يُجسدان الصالح العام! وكفي بهذا الوهم داء ومصيبة علي الوطن وعلي الصالح العام!!

أما حديثه عن الفقر و الضائقة المعيشية، فلم يكن من باب الفضيلة، التي تجاور الإعتراف بالخطأ وتُجمِّل التواضع. وإلا لأستتبع ذلك بقررات عاجلة وواضحة. ضد تجنيب الأموال، والشركات (الخاصحكومية) وكبح جماح الفساد، والبدء بالأقربين...الخ. وكذلك حديثه عن تطوير الإقتصاد، ولو أنه بُني علي حقائق وكلام صحيح، بإعتبار أن السلام والإستقرار السياسي، هما كفيلان بتهيئة البيئة المناسبة، لتأسيس الإقتصاد علي أسس أكثر رسوخ، وقدرة علي الإنطلاق، وعكس مردود إيجابي علي المدي الطويل. ولكن هذه النتائج بنيت علي مقدمات خاطئة، تطال رؤيته للسلام والإستقرار السياسي، اللذان ربطهما برؤية النظام وشخصه! علما بأن الإشكالات التي يعاني منهما هذان المحوران، هما السبب فيهما اي البشر والنظام! وتاليا تعقيداتهما وبكل إفرازتهما، التي تنعكس علي كل المجالات. أي كل الصعوبات والعقبات ترتد مباشرة الي نحر الحكومة والنظام. بمعني أنه لا يصلح في هذه الحالة، قول أبي نواس، داوني بالتي هي الداء! أي ليس في مقدور مُنتج الفشل ومصدره وناشره، بناء كيان او صرح اوهيكل للحلول والنجاح! وذلك ليس فقط، بسبب أن فاقد الشئ لا يعطيه، ولكن لأن فاقد الشئ، يصر علي إمتلاكه ما لا يملك! مع أن كل المؤشرات والدلائل، تشير الي أن ما يملكه وتاليا ما يقدمه هو فقط، مجرد كوارث وفواجع، علي إمتداد مكوثه القسري علي سُدة الحكم، عبر إنقلابه الذي أبطل كل ما بُني عليه!

ولكن الكلمة الشاذة في هذا التجمع الهزلي، الذي يسخر من أحوال الوطن ومواطنيه! كانت في وجود الدكتور منصور خالد! وسط هذه الجوقة الفاشلة، صاحبة أكبر نصيب فيما حاق بالبلد من دمار وكوارث! أي الجوقة التي تستند علي مشاريع تديين السياسة او الإستثمار في الدين، سواء بصورة تقلدية او حديثة! لتزيِّح الإجتماع السوداني او الطبقة السياسية الأحدث، والأقدر علي مواكبة الأحداث، وتفهُم ظروف اللحظة التاريخية الراهنة وروح العصر. والأكثر تأهيل للنهوض بهذه البلاد من كبوتها. وذلك بالطبع بعد تخلُصها هي نفسها، من سجن الإيدولوجيات المُعيقة، والتحرر من الأفكار الجامدة والمسبقة، أي السابقة علي الواقع، الذي تحاول تقديم أجوبة لأسئلته ومعالجة لإشكالاته! أي بعد إرتباطاها أكثر بالواقع المعني بالتغيير، وبمقاربة حلول أقرب لمزاج وتطلعات الجماهير، من دون تفريط في قيم الحداثة وإنجازاتها! او إفراط في مجاراة الجماهير وإستدرار عاطفتها!! المهم مثَّل وجود الدكتور منصور خالد، بكل إرثه الفكري والسياسي، وقراءته الأقرب لفهم الواقع، وإجتراح حلول عملية وواقعية له! أي بوصفه في الإتجاه المُضاد، لهذه المنظومة العبثية المُحيطة به! مثَّلَ كلمة ليست شاذة فقط، ولكن خصم علي هذا الإرث الفكري والسياسي الهائل، وإختبارٍ قاسٍ لمصداقية إلتزامه بمنتجه! وأكثر ما أخاف أن يكون الدكتور وبعد أن بلغ هذا المبلغ المديد من العمر، وإحتاج للرعاية والحماية من غدر الزمان أو الجماعة الإسلاموية، قد حنُّ لماضيه المايوي المُنكر! او قد يكون محاولة منه لمجاملة قائد هذه الجوقة الرجعية(بالمعني السياسي وليس التقييمي الإستعلائي)، كجزء من تقاليد المجاملة المجتمعية! ولو صدق ذلك، كان حري به، أن يعمل علي تغيير هذه العادة الإجتاعية، المُكلفة سياسيا ومبدئيا. ووسيلة سهلة تتسلق بها الجماعة الكيزانية المُقعدة وطنيا وتاريخيا، لتصل بها الي القمم السامقة في رحاب الوطن وتاريخه الحديث! أما إذا كان ذهابه عن إقتناع بجدوي المشاركة او ثقته وتفاؤله بالخطاب وصاحبه، فهذه طامة كبري وردة فكرية وسياسية لا تُغتفر، وهي تعادل سوء الخاتمة السياسية! أما إذا ذهب دونما إكتراث للغرض المُضمر من هذه الدعوة، وهو الأعلم ببواطن هذه الدعوة المسمومة، وما يرمي إليه النظام، من كسب سياسي، يشكله حضور شخص بقامة الدكتور منصور، بتاريخه المشبع بالفتوحات الفكرية، ورؤيته السياسية المُستنيرة لحل المشكلة السودانية، فهنا تصبح الطامة أكبر!! فالدكتور منصور خالد قال في الراحل النميري، ما لم يقله مالك في الخمر، علما بأن النميري أفضل من هولاء عشرات المرات! بل مقارنة بهم، يعتبر النميري قديس، تضرب له أكباد الأبل لنيل بركاته وشفاعته! ولكن جميعهم في الهم والشر والإستبداد شرق! أما إذا كان هذا ديدن وطبع القادة السياسين، بإنتماءهم جميعا للجذر النخبوي الإستعلائي، علي الموطنين البسطاء المظاليم، وإزدراء لجراحهم وهضم حقوقهم بواسطة الحكام المستبدون، الذين تقبل دعواتهم بصدر رحب وتصدق دعاويهم الكاذبة! علي الرغم من إنفاق عمر هولاء، القادة السياسيون في الحديث عن مشاكل وهموم هولاء المواطنين. مع طبقة كهذه، وبغض النظر عن شكل الطرح ومدي ملاءمته، لقضايا الوطن والمواطنين، أي أكان مصدره يميني او يساري، ففي حضرتها يصح القول(منه العوض وعليه العوض). وعندها يصبح إلزام علي المجتمع عدم الإرتهان لطبقة كهذه، وعدم التعويل علي وعودها ومشاريعها الإنهزامية. ويتوجب علي الجماهير في ظروف كهذه إفراز أشكال جديدة من التنظيمات، أكثر دينامية وإلتصاق بمشاكل الجماهير، وقدرة علي تقديم هموم الجماهير علي همومها وتطلعاتها الشخصية! وإذا عجزت الجماهير نفسها عن إنتاج ممثليها القادرين علي حمل رأية ورؤية مطالبها، وفي نفس الوقت فقدت القدرة علي إجبار طبقتها السياسية الحالية، علي تبني قضايها بحزم وإقتدار، فعندها يصبح علي التغيير السلام! وفي هذا المقام لابد من تقديم صوت شكر وتسجيل موقف إحترام، لبقية التنظيمات السياسية المعارضة، التي رفضت الإنجرار وراء هذه الدعوات الثعلبية الماكرة، والمشاركة في مسرح اللأمعقول الكيزاني او الإستجابة لهذا التهريج العبثي، الذي لا يفيد بأكثر من إنتاج المشاكل والصعوبات، بصورة أكثر مأساوية وضرواة!

وأخيرا، هذا الخطاب وبشكله الحالي وفي هذا التوقيت الحرج! يمثل حلقة من حلقات، إلتفاف البشير ومن خلفه النظام، علي وضع معالجات حقيقية لمشاكل البلاد المتفاقمة، من فقر وحروبات، وإنحسار السياسي لصالح الأمني! ووضع الإرهاب محل الإقناع والمشاركة في السلطة والثروة والجدارة الإجتماعية. أي يمثل فشل جديد يضاف لسلسة الفشل المديدة التي خلفها وراءها، ولكنه فشل هذه المرة يحمل نذر الشر المستطير، بإعتباره يماس آخر درجات الصبر، الذي شارف علي النفاد! وهذا الخطاب بالتحديد يستفز هذه المعادلة الصبرية الصفرية، التي طالت وإستطالت، ووقفت كساتر أمام الإنفجار الداخلي في الأزمان السابقة. وهي أزمان مُحفزة علي الثورة والغليان والإنتفاض، لولا هذا الصبر السوداني المُحيِّر، والمحاط بحاجز من الخوف! كأحد أهم آليات إستمرار وبقاء هذا النظام العاطل، حتي عن تقديم الأساسيات الضرورية للحياة، والأبجديات في العملية السياسية، والعاجز عن إنارة ولو مجرد شمعة باهت ضوءها، في نفق مستقبل الأجيال المظلم! والمؤلم أن هذا النظام اللأنظامي، لم يلغِ معني الحياة فقط، ولكن حتي الأحلام صادرها، بنموذج هذا الخطاب المُفلس والمُحبط والمُبشر، بالوعود الكاذبة والشعارات الجوفاء، وبالإستمرار كاتما علي أنفاس أمة عظيمة، لا تستحق كل هذا العناء.

آخر كلمة
أن يأتي رئيس دولة، بعد ربع قرن من الحُكم المُطلق! بوعد الخلاص لشعبه من المُعاناة التي سببه بنفسه، ودون أن يتنازل عن الحكم فهذه مهزلة! وأن يصدق شعبه المُنهك هذه الوعود فهذه مصيبة! ولكن أن تتنادي جماعات سياسية، سبق وأن أهانها عشرات المرات، وسلب حقها الشرعي في الحكم! بهذه الخفة وتسارع للمجئ والحضور، لمجرد وعود، سبق وأن بذلت لها عشرات المرات!! أي دون معرفة شكل الوعود ومدي تأثيرها في تغيير الواقع، والأهم آليات تنفيذ تللك الوعود! فهذه كارثه لا مكان لها حتي في قاموس او محيط الفشل العريض!!
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1671


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة