الأخبار
منوعات سودانية
صُفرة الموت.. واقع الدهابة المأساوي من تلودي إلى الخناق
صُفرة الموت.. واقع الدهابة المأساوي من تلودي إلى الخناق
صُفرة الموت.. واقع الدهابة المأساوي من تلودي إلى الخناق


02-07-2014 11:31 PM

الخرطوم - الزين عثمان

الكمسنجي بصوته الجهور يهتف في قلب الموقف في مدينة أبوحمد ينادي على الذاهبين إلى أراضي الدهب يرافقهم حلمهم ويحملهم البوكس برفقة عدتهم: "العاوز الغنى.. يركب هنا".. عندما يصلون إلى خواتيم الرحلة ينتظرهم كمسنجي آخر ولكن بصوت مختلف وبنداء مغاير: "أهلك أهلك قبال تهلك"..! الكمسنجي هناك يبدو الصوت الأصدق حين تسمعه بأذنك التي ترى واقع الحال في ساحات التنقيب عن الحلم بلونه الأصفر.. (الدهابة) واقع لا يعيش فيه سوى الصابرين فوق الآخرين أو من أغلقت أمامهم كل السبل سوى (الخلاء) وبعض رفاق كرماء يشاركونه ذات الرهق. (أنت على بعد خطوة من الهلاك).. هكذا تخبرك حكايا الذاهبون إلى هناك.

(الدهب) إحدى أدوات صنع الموت في البلاد التي فقدت نفطها المرصوف بالدماء أيضاً وحكاية الكمسنجي حين حديثه عن اتقاء الهلاك في رحلة البحث عن الذهب بدت وكأنها تقرأ مشهد الموت المتكرر في تلك الفيافي البعيدة.

وفاة أربعة منقبين عن الذهب بسبب انهيار بئر منجم الزراف في سودري وجثث المتوفين تم استخراجها بجهد شعبي. وندد أحد ذوي المتوفين بعدم تجاوب السلطات الرسمية، مؤكداً أنهم أبلغوا الشرطة والمعتمد لكن لم يصل إليهم أحد، مما اضطر ذوي المتوفين إلى الاستعانة بتناكر مياه لرش الأرض ومن ثم استخراج الجثث. والمتوفون هم: الصادق نور الدين أحمد الصادق، حافظ محمد مفرح تابر، عبد الرحمن حسن السيد، وتابر حسن السيد. أيمكنك أن ترفع عنقك قليلاً ليصادفك خبر موت آخر يتعلق بوفاة خمسة منقبين اختناقاً لانعدام الأوكسجين في بئر تنقيب هذه المرة في ولاية نهر النيل.. وتحكي التفاصيل عن نزول أحدهم لحفر البئر في عمق 22 متراً وحين اختنق لحق به الآخرون لإنقاذه ليموتوا معاً في بئر التنقيب، وأن تمضي متابعاً ذات مشاهد الموت.. هنا تلودي انهيار آخر لمنجم آخر في منطقة (النقولا) وراح ضحيته ستة عشر شخصاً بعد أن انهال عليهم التراب.. وتمضي بك أرقام الموت دون توقف (جبل عامر) حكاية أخرى.. هنا لموت الذهب أسباب متعددة تبدأ مثل الأخريات بانهيار الآبار على المنقبين حيث راح ضحايا مثل هذا النوع من الانهيار خمسة منقبين في الأرض المنبسطة لآلاف الآبار وآلاف الضحايا.. في الوقت ذاته هناك المعركة تقودها القبلية ويغذيها النزاع المتراكم في دارفور والاختلاف بين والي الولاية كبر ومساعد الرئيس موسى هلال.. ما يقارب الألف شخص راحوا ضحية الصراع في منطقة (السريف) بين الأبالة وبني حسين حول أحقية امتلاك الأراضي المليئة بالذهب وهو ما يجعل من ضحايا جبل عامر امتداداً لضحايا الذهب في السودان بأرقامه المتناسلة.. يمكن أن تعتبر هذه الأرقام هي النتيجة المباشرة لمن يموتون بالانهيار أو بالصراع في وقت يشير فيه البعض إلى موتى باسباب أخرى تتعلق بطبيعة مكان العمل الذي تتم فيه عمليات التنقيب حيث تغيب مبادئ الرعاية الصحية الأولية وينقطع العمال هناك عن العالم القريب وللتأكيد على ذلك فإنه أثناء أزمة السيول والفيضانات تناقلت وسائل الإعلام أخبارا عن منقبين يعيشون أوضاعاً سئية بسبب قطع السيول للطريق الذي يحمل لهم الطعام اليومي، هذا غير المشاهد التي لم تصل إلى وسائل الإعلام حول الذين تبتلعهم الفلوات ويغتالهم العطش أو تخلو سياراتهم من الوقود الذي يمكنها من مواصلة رحلتها دون توقف.. الأمر كله يضعك أمام معادلة واحدة وهي أن طريق (الدهب) محفوف بالموت من جوانبه كافة ولكنهم يعبرون فيه تأكيداً لما يمكن أن تلعبه محاولة واحدة ناجحة قد تعبر بك من عالم إلى آخر وهو العبور الذي تنتظره الحكومة نفسها وهي تضع كل آمالها على المعدن النفيس في الصعود بها من كبوة سقوط فرس النفط.

ولكن ثمة سقوط لضحايا آخرين تحملهم صحف الأمس وهي تتحدث عن انهيار بئر أخرى للذهب هذه المرة في أرض المحس وبالتفسير الاداري داخل حدود الولاية الشمالية وفي منطقة (الخناق) حيث انهارت أمس الأول البئر على أربعين منقباً يعملون هناك، وتفاصيل الخبر تنبئك عن سبعة تم انتشال جثثهم بالأمس وثلاثة تم نقلهم في حالة حرجة إلى مستشفى دنقلا وعاد الناس هذه المرة برفقة رجال الإنقاذ الذين تمكنوا صباح الأمس من إنتشال تسع جثث جديدة، وما زالوا يواصلون عملهم من أجل إخراج الآخرين من تحت التراب الذي طمرهم.. وبحسب مصادر فإن الضحايا تتراوح أعمارهم ما بين صبية وشباب وشيوخ ونجحت سلطات الولاية بإمكانيات بسيطة في انتشال بعض الجثث بينما بقيت الأخرى في انتظار ما تؤول إليه عمليات البحث لإخراج الجثث والناجيين إن وجدوا بعد يومين من الانهيار.

عموماً مشهد الخناق بإضافته للمشاهد الأخرى من الموت فداء المعدن الأصفر يجعلك في مواجهة الحقيقية التي طالما صرخ بها (الدهابة) وهم يحكون عن الظروف السيئة التي يعملون فيها لكنهم سرعان ما يعودون للضفة الأخرى من النهر مستخدمين عبارة أن ما يجبرك على المر هو الأكثر مرارة منه؛ فالواقع الاقتصادي العام مقروناً بغياب الوظائف أو ضآلة المرتبات المقدمة هي ما دفعت بهم للذهاب إلى هناك يؤملون في انصلاح الحال. كما أن الجثث المنتظر إخراجها من بئر إلى القبور ترسل رسالة أخرى مفادها إن كان الذهب هو ما تبنى عليه الحكومة آمالها الاقتصادية فإن الواجب يحتم عليها النظر بعين الاعتبار لمن يقومون بالتنقيب حتى وإن كان يسبقهم لفظ (العشوائي) وهي عبارة دفعت بأحد القادمين من هناك وفي نقاش حام لأن يرد على أحدهم بالقول: "أي حاجة هناك عشوائية البجي عديل فقط هو الموت

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2782


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة