الأخبار
منوعات
ارشيف الرياضة، العلوم، التكنلولوجيا والصحة، والثقافة والفنون
ثقافة وفنون
في ‘هنا القاهرة’ لإبراهيم عبد المجيد: تبكي مع الشمس وتضحك مع القمر
في ‘هنا القاهرة’ لإبراهيم عبد المجيد: تبكي مع الشمس وتضحك مع القمر
في ‘هنا القاهرة’ لإبراهيم عبد المجيد: تبكي مع الشمس وتضحك مع القمر


02-11-2014 09:52 AM
د. شهلا العجيلي


كتب كافكا عام 1904 إلى صديق له: ‘على المرء ألاّ يقرأ إلاّ تلك الكتب التي تعضّه أو تخزه. إذا كان الكتاب الذي نقرأه لا يوقظنا بخبطة على جمجمتنا فلماذا نقرأ الكتاب إذاً؟ كي يجعلنا سعداء؟ يا إلهي كنّا سنصبح سعداء حتّى لو لم تكن لدينا كتب، والكتب التي تجعلنا سعداء يمكن عند الحاجة أن نكتبها. إنّنا نحتاج إلى الكتب التي تنزل علينا كالبليّة التي تؤلمنا، كموت من نحبّه أكثر ممّا نحبّ أنفسنا، الكتب التي تجعلنا نشعر وكأنّنا طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس، مثل الانتحار. على الكتاب أن يكون كالفأس التي تهشّم البحر المتجمّد في داخلنا. هذا ما أظنّه…’.
لقد كان كافكا واهماً، أو أنّه قد أوغل كثيراً في درب السوداويّة، فتلك الكتب التي تحدّث عنها، والتي هشّمتنا، قد صادفناها جميعاً، آلمتنا، وأبكتنا. لكن ليس صحيحاً أبداً، أنّه يمكن لمن يحتاج السعادة، أن يكتب الكتاب الذي يسعده ويسعد الآخرين، كما أنّنا لن نكون سعداء بلا كتب، بالطريقة ذاتها التي تسعدنا بها الكتب! إنّ كافكا لم يتخيّل السعادة التي يمكن أن يجلبها نصّ مثل نصّ ‘هنا القاهرة’ لإبراهيم عبد المجيد، والصادر مؤخّراً عن الدار المصريّة اللّبنانيّة، 2014.
في ‘هنا القاهرة’ تهبّ عليك السعادة من كلّ مكان، لكنّك لا تستطيع أن تحدّد الجهة التي تأتي منها، مهما كنت ناقداً مبجّلاً! هل تأتي السعادة من الشجن، أم من النكتة، أم من المفارقات التي يصنعها الحشيش، أم من المعرفة، أم من الحكايات التراجيديّة؟ لكن ما يمكن قوله هو أنّ الجميع سيكون سعيداً، لأنّ أبطال النصّ أنفسهم سعداء بوجودهم، وسعداء بمرورهم في دروب الحزن التي تركوا عليها بصماتهم. إنّ أبطال ‘هنا القاهرة’ مبهجون، ويشبهون في ذلك أبطال كريستوفر مارلو صاحب ‘ يهودي مالطة’، وأستاذ شكسبير، أو شخصيّته الأخرى، كما يشاع.
حينما يقرأ المرء كتاباً مهمّاً، يتعلّم، ثمّ ينسى، لكن لابدّ من شيء يحتفظ به للمستقبل، وسيحتفظ قارئ ‘هنا القاهرة’ بأشياء كثيرة، لكنّه لن ينسى أبداً البهجة التي سترافقه طويلاً، والتي سيستعيدها كلّما مرّ عنوان النصّ في خاطره، وإنّ كاتباً من طراز (إبراهيم عبد المجيد) صاحب ‘عتبات البهجة’، و’ثلاثيّة الإسكندريّة’، يعرف منذ البداية أنّه لا يستطيع أن يحبس الحياة في كتاب، لذلك هو ينتقي منها، ولا يضع نصب عينيه أن تكون كلّ كلمة يقولها عظيمة، ومهمّة بالنسبة إلى العالم، لكنّه يجعلها بالضرورة مهمّة للسياق، فمن هذا السياق ينتج العالم الذي يراه المتلقّي.
بطلا هذا النصّ شابان تخرّجا في الجامعة، ويعملان في الحقل الثقافيّ، أحدهما ناقد، والآخرمخرج مسرحيّ، وهما يعيدان تشكيل الحياة وفاقاً للآداب والفنون العظيمة التي عرفاها. إنّ نبل روحيهما المتأتّي من عشق الفنّ، يقودهما إلى حبّ الظواهر الخالدة، التي تجتذب المشاعر والخيال، ولأنّهما يعيشان في عالم واقعيّ لا مثاليّ، يشعران بروحيهما مقيّدتين، فيلجآن إلى التأمّل، لكنّه ليس تأمّل الأنبياء أو المتصوّفة، إنّه تأمّل الحشّاشين، فالحشيش الذي تعرّفا إليه في القاهرة، راح يفكّ قيود الروح والجسد على حدّ سواء، لترتسم شخصيّتان أخريتان، هما الشخصيّتان الروائيّتان الّلتان من خلالهما نتعرّف إلى عالم القاهرة، العاصمة التاريخيّة التي تباهي بثرائها وتنوّعها، وننطلق من هذا العالم باتجاه حياة الأفراد الخاصّة، نحو إخفاقاتهم ومكاسبهم في الحبّ والعمل. وهكذا ترتسم للقاهرة صورة أخرى في عيون الحشّاشين، ألم يكن يفعل الصديقان كوليردج ووردزورث، وكذلك رامبو، وبودلير ذلك!
وبما أنّه ليس على الحشّاش حرج، فيمكن أن يحكي عن كلّ شيء بلا سقف، عن الحبّ والكره والجنس، والإخلاص والخيانة، والفساد والسياسة…فتظهر المشاعر، والتصوّرات، ووجهات النظر صادقة تجاه العالم، وتبدو فكرة الصدق ركيزة رئيسة في هذا النصّ، فحينما يواجهنا النصّ بذلك الصدق نستغرب، وننكمش، ونسعد، لأنّ الصدق فكرة غريبة وبعيدة، لطالما افتقدناها في الكتابة عموماً، ويتجلّى الصدق، بانتمائه إلى علم الأخلاق، في النصّ، في تجليات عدّة، كالصدق مع الذات، ومع الآخر الشريك في النصّ، ومع المتلقّي.
يختم إبراهيم عبد المجيد النصّ بختمه، كما يفعل دائماً، إذ ننتقل مع الشخصيّات إلى الأمكنة على امتداد القاهرة، فنعرف تاريخها والتحوّلات التي أمست عليها في السبعينيّات، ونطلّ على الحياة السياسيّة، وما يفعله السادات، وسياسة الانفتاح في البلد، والفساد، ونتابع ظهور العشوائيّات، ونتابع الحركة الفنّيّة، من المسرح، إلى الشعر، والرواية، والغناء، والسينما، ونراقب صعود نجم الإخوان المسلمين، وانكسارات اليسار، واعتقالات الشيوعيين، وغير ذلك ممّا يمثّل الإشارات الثقافيّة والاجتماعيّة، أو المخزون الثقافي للنصّ. نمضي في ذلك كلّه من غير ادعاءات لبطولة، أو لمغامرات ثقافيّة، أومعارك سياسيّة مفتعلة، ممّا يذكّر بأدب الإخوانيّات، والمدوّنات عن الصداقة، والنقاء، في النصوص التي عرفها تاريخ الأدب.
لعلّ أهمّ ما يصنع البهجة في النصّ، هو المفارقات الموجودة فيه، والتي تقوم أساساً على التضادّ بين الضحك والبكاء، إذ يحمل البطلان اسم (صابر سعيد)، و(سعيد صابر)، الذي يسمن وينحف، ثمّ يعود فيسمن، وكان قد ترك قماشاً لدى الخيّاط ليفصّل له بدلة، وفي كلّ مرّة يغيّر الخيّاط المقاسات، ويبكي على حاله. ثمّ نجد رقم تلفون الرفيق الأكبر الذي يختصر تاريخ مصر الحديث 736752: حرب أكتوبر، والهزيمة، وثورة يوليو، ثمّ ندخل عالم العاهرات في أزقّة شارع (كلوت باشا) بالتزامن مع دخولنا عالم (نجيب محفوظ)، فالقاهرة لا تكون قاهرة بلا (نجيب محفوظ):
‘عادت ترتدي روباً جميلاً هذه المرّة، لكنّه أيضاً يكشف عن ذراعيها، ورائحة بارفان غلبت رائحة البخور، وبدا أنّها أضافت ‘روج’ على شفتيها، ومعها امرأة عجوز في حوالي السبعين…جدّتي قالت لي وأنا صغيرة قبل أن تتوقّف عن الكلام إنّ نجيب محفوظ كان يعرفها. كان كثير التردّد على المكان، ليس من أجل النساء، لكن من أجل الحشيش. آه والله! لم تنجب جدّتي غير أمّي، ولم تنجب أمّي غيري، ولا تسألني عن أبي أرجوك. نجيب محفوظ كان صديقاً لجدّتي، وكتب روايته بداية ونهاية كلّها هنا. كل شخصيّاتها كانوا حقيقيّين، عرفهم عن طريق جدّتي. ماتوا جميعاً وتركوا جدّتي.’.ص292
يأتي معنى النصّ من مفارقات أخرى بين الحبّ والخذلان، وبين (صفاء) الأولى التي أحبّها صابر، و(صفاء) الثانية التي أحبّها أيضاً، الأولى التي تتزوّج عسكريّاً، والثانية التي تطلّ عليه من صورة الزفاف المعلّقة على جدار منزل المهندس المصريّ الذي تعرّف إليه في الرياض.
لعلّ المفارقة الرئيسة التي تصنع المعنى العام للنصّ، هي المفارقة القادمة من تجاور الصدق الأخلاقيّ، والمبالغة الفنيّة، إنّك تقرأ رواية يرسم فضاءها الداخليّ الحشاشون، فهي ستقوم، لاشكّ، على المبالغة الفنيّة التي حكى عنها كلّ من أرسطو ولونجينوس، وإنّ ما فعله (عبد المجيد) هو ما كان يفعله (تشيشيرون)، إذ يعمد إلى المبالغة التي تجمع أجزاء مستقلّة في كلّ موحّد، فيضخم بذلك الموضوع المصوّر، فينعقد كي يوضّح فكرته، مثل سيل عريض، أو نار ممتدّة على مساحات شاسعة، تلفّ الأشياء بلهيبها القويّ الذي لا ينطفئ، والذي ينتشر انتشاراً متساوياً في الجهات كلّها. إنّ هذا السيل التشيشيروني هدفه إغراق من يستمع إليه، وهذا يتمّ عبر استعمال (عبد المجيد) لجنسين فنيّين هما الغريب والعجيب، اللّذان يجعلان المتلقّي يتقبّل كلّ شيء، وهو راض وسعيد ومكتف فنيّاً.
قال لي صديق قبل أن نقرأ النصّ: لا أعتقد أنّ (إبراهيم عبد المجيد)، سيتمكّن من الكتابة عن القاهرة، كما كتب عن الإسكندريّة، سيكون مثل رجل كتب عن امرأة يعشقها، ثمّ سيكتب عن أخرى لا تمثّل لديه الكثير! ولأنّني أعرف أسرار الكتابة أكدت له: إنّها ستكون رواية مدهشة، ومختلفة، وسامية، وهكذا كانت، لأنّ الفنّ هو الفنّ.

‘ كاتبة سورية
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2235


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة