الأخبار
منوعات سودانية
ضابط مقادير الألحان
ضابط مقادير الألحان
ضابط مقادير الألحان


02-10-2014 11:46 PM


الخرطوم- يوسف حمد
(أضرب على "سي" فاضي من أجل البداية... انتظر انتظر لحظة، دع نادر في "الدرمز" يدخلكم على اللزمة من قبل دخول "البيز". هيا: )1، 2، 3). (تادادا- دا.. تادادا- دا، صولا فا.....). كانت مثل هذه الجمل، والتعبيرات الموسيقية تنسرب على مدى ساعتين من الموسيقي علي الزين. كان حينها يقود "بروفة" عنيفة لفرقة موسيقية غنائية، تستعد لإنتاج عمليْن غنائييْن من أشعار الشاعر المغترب الطيب برير والشاعرة إيمان آدم... ينهمك الزين في الأداء الموسيقي مع الفرقة عازفا على آلة العود المحببة إليه. ويحرك رأسه برشاقةٍ مع الجمل الموسيقية وهو مغمض العينيْن كما لو أنه يخشع في طقس ديني. ويغيب بعيداً بعيداً.
ثمّ، ها هو علي الزين مجدداً؛ يخرج حافي القدميْن من غرفة بحجم زنزانة ضيقة. كان في هذه المرة ممسكاً بقلم وورقة، في زيارة سريعة ومرتجلة لغرفة أوسع، تناثرت عليها الآلات والمقاعد. تبدو الغرفة الأوسع في حجم صالون يبتلع تلك الزنزانة. خرج الزين يُوجِّه أعضاء الفرقة ويُناقش بقية الموسيقيين المتماهين مع الآلات الموسيقية بشكل منفرد. والغرفتان مجتمعتان عُلِّقتا في سطح لمبنىً قديمٍ راسخ، وأُلحقتا بسلم شديد الإنحدار، ليكوِّنا: مركز علي الزين الثقافي بمدينة بحري.
المساحة في مجملها "ضيقة لكنها رحبة" كما يقول الشاعر الشاب حاتم الكناني. ويشغل الزين منصب المدير العام في المركز، ويقوده بعصامية مفرطة، يظاهرها إصرار على فعل عدة أشياء، من شأنها أن تُجنِّب المركز شقاء يبدو ظاهراً للعيان، وذلك في هيئة الأثاثات القديمة التي تناثرت بالمكان. يقول علي الزين: "صحيح، ينقصنا المال كي نتقدم بشكل جيد، لكن الأشخاص مثلي لا يتقاعسون". والصحيح أيضا أن التحديات حين تبدأ لا تنتهي بسرعة.
علي الزين الذي تخرج في معهد الموسيقى (1983) عازفاً محترفاً على آلة العود، أنشأ هذا المركز في 2010، ليقوم بتدريس الموسيقى للراغبين من الجنسين. وتخرج فيه، حتى الآن، عدد مهول من الموسيقيين، من بينهم 5 عوادين مرشحون بقوة للفوز بالمراكز الخمسة الأولى في مهرجان العود الذي ستقيمه شركة "دال" في الأسبوع الأخير من فبراير الجاري ضمن أنشطتها الثقافية.
إلى جانب ذلك، يجد كثير من الشعراء رحابة في المركز تمكِّنهم من عرض منتوجهم الشعري الجديد أمام فطاحلة من الشعراء. وكوّنوا لهذا الضرب من النشاط؛ منتدى مشافهة النص الشعري، الذي يؤمه شعراء خناذيذ يتمتّعون باعتراف النقّاد. وقدم المنتدى، حتى الآن، أكثر من 60 شاعراً من مختلف الأعمار..
كان الشاعر حاتم الكناني آخر الشعراء الذين دشنوا دواوينهم الشعرية هنا. وقد بدا الكناني ممنوناً للزين وهو يحدثني، لكون الزين "نذر حياته لخدمة الثقافة، حتى أنه يلوم المبدعين في ما يخصهم، متى ما لمس منهم خمولا".
وسبق للزين الذي أسس برنامج "ضربة حرة" بالمركز أن عمل، في التسعينيات، ضمن فريق من الأطباء المعالجين بالموسيقى، تابعين لمصحة كوبر. لكن الزين، الذي يمت بصلة قرابة من الدرجة الأولى للرئيس البشير، لا يستطيع الآن تجديد ترخيص المركز الذي يديره، وذلك لاعتبارات سياسية تغذيها أغنيات جمة يؤديها هو كمغنٍ بمصاحبة آلة العود، وتوصف جميعها بأنها أغانٍ ثورية، لكون كتّبة كلماتها هم المصري الراحل أحمد فؤاد نجم، والعراقي مظفر النواب وغيرهما من الشعراء. ويشير الزين إلي ما يسميه "عسف قانوني تجاه المركز" تفرضه مادة في قانون تسجيل المراكز الثقافية "تمنع المراكز من العمل في الجانب الإنساني، إنما الثقافي فقط". رغم أن الثقافة والعمل الإنساني لا ينفصلان، في رأي الزين.
يفتح المركز أبوابه للراغبين في دراسة الموسيقى، مقابل دفع رسوم قدرها 800 جنيه و1000 جنيه لكورسين بالتتابع. وهي رسوم "رمزية ضئيلة" على حد تعبير أحد الطلاب الدارسين. وقد استطاعت سامية، مثلاً، وهي مهندسة معمارية، أن تلبي رغبات موسيقية خاصة بها وتصبح عوادة حاذقة، ووفرت بذلك أجواء بديعة لأبنائها عبر العزف على آلة العود التي تعلمتها في المركز. بل وجدت "مجتمعاً يشاركها هوايات محببة إليها".
يقوم علي الزين، نفسه، بالتدريس في الكورسين إلى جانب موسيقيين آخرين، أبرزهم مجاهد عمر، العضو السابق في فرقة عقد الجلاد الغنائية. ويقول الزين إنه "يعتمد بالأساس على عائد هذه الكورسات في تشغيل المركز". ويجزم بأنه لا يتلقى أية إعانات من أي جهة، بالداخل أو الخارح. وبالكاد، يستطيع الزين دفع إيجار المبنى المعلق ذي الغرفتين، وتوصيل خدمة الكهرباء، وصيانة الآلات التي تعطب. مما يضطره، شخصيا، إلى القيام بأعباء الكنس والنظافة، وغير ذلك من الخدمات التي تستوجب تعيين عاملين بالراتب.
باعتراف الموسيقيين، ومنهم محمود السراج، يتمتع علي الزين بأفكار موسيقية غاية في الجدة. ويصفه السراج بإنه "شيخ طريقة فنية" لها تقاليد وشروط جمالية. لكن الزين زاهد، إلى حد كبير، في الوقوع في شرك تقييم الفنان عبر ذيوع صيته، ويرد على منتقديه بقوله إنه "موجود بكثرة في المنابر الأهلية، وأنه فاز بالمركز الأول في مجال الأغنية الوطنية في احتفالات الأول من يناير 1989" ثم أبعد من الساحة الفنية بعد ذلك مما أصابه بحالة سوء ظن أكيد في الساحة الفنية الإعلامية، على حد قوله.
(تتا تتا.. صو.. تتا تتا.. صو..) هو صوت الزين يملأ فراغ الغرفة بعد أن يصمت الجميع، يتحرك بين المجموعات كطباخ ماهر في مدرسة لتعلم الطهو، يتذوق جميع الألحان المنسربة، ويضبط مقاديرها، ويطمع، فقط، في أن "يتربى السودانيون على الموسيقى، ويتخلوا عن إقصاء الآخر

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 828


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة