الأخبار
أخبار سياسية
الإسلام وجدان أمة وليس إرهاباً
الإسلام وجدان أمة وليس إرهاباً



02-17-2014 09:37 AM


أسعد البصري

الإسلام أكبر بكثير من تنظيم مسلح دعمته أميركا في حرب الأفغان ضد الإحتلال السوڤيتي. فقد يتعرض أي مسلم علماني في لحظة إنسانية إلى الرغبة بالصلاة في مسجد 'صلاة جماعة'.


بقلم: أسعد البصري

هذا اليوم ذهبت إلى جامع سيدنا أبي بكر الصديق في تورونتو.رائحة المسك والبخور والعمران الباهر في هذا المسجد البعيد جداً عن الشرق. اسم الله ومحمد فوق البناء، صف طويل من التكاتف والصلاة.لا فرق بين طويل وقصير، ولا أسود وأبيض. ولأن الله موجود لا أحد موجود. ما حاجتنا للوجود في وجوده جل جلاله. أوقفت سيارتي في المكان المخصص لسيارات الجنائز. المسلم لا ينسى الصلاة مهما تركها كما لا ينسى الإنسان السباحة. وإذا كان للإسلام كل هذا الحضور والجاذبية في مدينة عصرية غربية كتورونتو فما هو حضوره يا ترى في الشرق؟

الإسلام الذي نكفر به أحيانا، نكتب ضده ونقرأ ريتشارد داوكنز لنقده يفتح لنا الأبواب بابتسامة قديمة أكبر من جهلنا. الإسلام كرامة غريبة تشعر بها حيا وميتا، مؤمنا وكافرا.

إن بيوت الله في الحقيقة بيت مَن لا بيت له، وعشيرة مَن لا عشيرة له، وعزاء مَن لا عزاء له. هذه قضية وجدانية في ثقافتنا. مع تقدم السن وتدهور العافية. في لحظات الضيق والمصاب يلجأ المسلم إلى المسجد ما هي المشكلة؟ هل حبنا لأطفالنا منطقي؟ هل عشقنا للنساء علمي؟ هل جنون الإنسان بالمال رغم أنه يعلم بحتمية الموت عقلاني؟ هل البكاء مفهوم؟ هل كتابة الشعر مثلا قضية طبيعية؟

في القرن السابع عشر وقف ديكارت (ت 1650) أمام مرآة وقال : فلأتخيل نفسي بلا جسد فأغمض عينيه واستطاع بسهولة تخيل نفسه بلا جسد. كان يرى نفسه تخترق الجدران وتدخل في الأشياء. ثم وقف وقال فلأتخيل نفسي بلا عقل. لم يستطع تخيل نفسه بلا عقل لأن التخيل يحدث بالعقل. كان ديكارت حينها يعرف الإنسان على أنه عقل وجسد. لكن عجزه التام عن تخيل نفسه بلا عقل قاده إلى مقولته العظيمة التي فتحت عصر الأنوار "أنا أفكر إذن أنا موجود". ولكن هل التفكير الحر محصور بمهاجمة الإسلام فقط؟

نحن نعلم اليوم بأن الشاب أدولف هتلر فهم فلسفة نيتشه (ت 1900م ) بشكل خاطئ. حتى صار يرسل كتب الفيلسوف لمعارفه ومريديه. قضى الفيلسوف نيتشه الإحدى عشرة سنة الأخيرة من عمره مجنوناً تماماً حتى باعت أخته المسؤولة عن العناية به التذاكر مقابل النظر إلى أخيها في مصح. مارستْ على أخيها فهمها الخاطئ لإرادة القوة. اليزابيث وهبت هتلر عكاز نيتشه المفضلة للمشي مدعية أن هتلر هو الإنسان الأعلى الذي بشر به أخوها. الجيش النازي كان يوزع كتاب "هكذا تكلم زرادشت" هدية للجنود الألمان في المناسبات. والمأساوي أن نيتشه الذي أعلن موت الدين كان يوقع في ذروة جنونه على الورق باسم "المصلوب". لم يتخيل نفسه في النهاية سوى شكل جديد من أشكال السيد المسيح!

الفهم الخاطئ لفلسفة نيتشه هو الذي كلف العالم ثلاثين مليون قتيل ضحايا النازية الألمانية. والفهم الخاطئ لماركس هو الذي كلف البشرية عشرين مليون إنسان بريء ضحايا الستالينية.

الأوروبيون أول من استخدم السلاح الكيمياوي في الحرب العالمية الأولى. والأمة الوحيدة التي استخدمت السلاح النووي ضد المدنيين هي أميركا. العالم المتحضر خاض حربين عالميتين قبل ستين عاما فقط راح ضحيتها مئة مليون إنسان. ويقول لك الإسلام إرهابي!

في هذا العصر يجعلون الضعيف يشعر بالذنب وعذاب الضمير فوق نهبهم لثرواته بكلمة سحرية تم اختراعها اسمها الإرهاب. يريدون الفلوجة تعتذر لواشنطن لأنها قاومت، ويريدون ملجأ العامرية يعتذر لسلاح الجو الأميركي لأنه احترق.

الإسلام أكبر بكثير من تنظيم مسلح دعمته أميركا في حرب الأفغان ضد الإحتلال السوڤيتي.

في السبعينات من القرن الماضي أرادوا مواجهة الإسلام بالرومانسية. غير أني حين أذهب إلى المحكمة في مركز مدينة أوتاوا وأنظر إلى معاملات الطلاق والنفقة، أتيقن بأن الإسلام كان واقعيا. القرآن الكريم أكد على عزلة الإنسان الفرد في هذا العالم فهناك دائماً صاحب يفر من صاحبته وبنيه، وهناك دائماً اعتراف بأن النفس لا تملك شيئا لنفس غيرها. ربما الله هو الحب الحقيقي.

حتى الرومانسية تخضع اليوم للطائفية في العراق. الڤالانتين - عيد الحب - الماضي صادف عاصفة إعلامية حول اغتصاب السجينات العراقيات في السجون السرية. هذا الڤالانتين صادف اجتياح الأنبار ودك الفلوجة والرمادي بالصواريخ. الشباب الشيعة يبالغون في بغداد والبصرة بالإحتفال في هذه الأعياد بينما الفتيان والفتيات السنة غير مدعوين للمساهمة بهذا الترفيه والمرح المنتشر عالمياً، يرددون آيات قرآنية وشعرا عموديا حماسيا بسبب الظلم وفقدان الشعور بالطمأنينة. يقول الفيلسوف الألماني تيودور أدورنو ( ت 1969 م ) "لا يمكن للحياة غير القويمة، أن تُعاش على نحو قويم ".في العراق اليوم يتم دفع طائقة بعينها دفعا إلى التطرف والعزلة لغرض إبادتها واجتثاثها.

هل نسيت الأقليات المسيحية كيف كان اليهود والفلاسفة يهربون إلى الدول المسلمة المتسامحة للنجاة من الحرق بالنار ومحاكم التفتيش التي كانت تقيمها الكنيسة في أوربا المسيحية أيام القرون الوسطى؟ فكيف أصبح الإسلام أصل الشرور؟ في العراق قبل الاحتلال، وبالرغم من مساوئ النظام السابق، جعل المسلمون المسيحي ميشيل عفلق أبا روحيا، وجعلوا المربي الياس فرح المرجع الأساسي لدرس الثقافة القومية في الجامعات، وكان الرجل الثاني في الدولة هو المسيحي طارق عزيز.

جاء الاحتلال فأصبح الأب الروحي هو السيستاني، وأصبح المربي هو أسامة بن لادن. أليست القضية واضحة؟ لقد وضع الاحتلال المسلمين في محنة كبيرة والمؤسف أن نرى بعض المسيحيين متحمسين ضد الإسلام السني بالذات الذي جعل منهم قادة ومعلمين للشعب قبل الإحتلال.

مواجهة الوجدان الإسلامي الحضاري بالمشروع الثقافي العلماني العربي قضية فاشلة. أصلاً نحن ليس عندنا ثقافة بل عبادة أشخاص. لو كتبت الآن قصيدة أهم من قصيدة محمود درويش هل فيكم رجل واحد يقول لي بأنني أهم من محمود درويش؟ لماذا إذن نكابر وعقولنا ما زالت أسيرة السلطة والشهرة وعبادة الأصنام؟ أليس الأكرم لنا لو نكسر الأصنام جميعها بسجدة واحدة إلى الله الرحمن الرحيم؟ أليس في هذه السجدة كرامة أكبر من كل هذا اللغو والجهل الذي نحن فيه؟

وعن تناقض الإسلام مع العلوم نتساءل من الذي كان يوقظنا صباحا للذهاب إلى الجامعات؟ أليس آباؤنا المؤمنون المصلون الذين لم يحترموا شيئا بعد الله أكثر من العلوم والتكنولوجيا والطب وشجعوا أبناءهم عليها.

لماذا إذن يستنكر البعض أهمية الصلاة؟

هناك مَن لا يُفرّق بين الإسلام كوجدان ثقافي وبين الإسلام كحزب سياسي. قد يتعرض أي مسلم علماني في لحظة إنسانية إلى الرغبة بالصلاة في مسجد "صلاة جماعة".

" قلت لشجرة اللوز:

حدّثيني عن الله يا أخت،

فأزهر شجرة اللوز! "

نيكوس كازنتزاكيس



أسعد البصري
ميدل ايست أونلاين


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 658


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة