الأخبار
منوعات سودانية
في الذكرى الثانية لرحيله - محمد وردي ضمير الغناء السوداني
في الذكرى الثانية لرحيله - محمد وردي ضمير الغناء السوداني



02-17-2014 10:37 PM

بقلم : بدرالدين حسن علي



رغم روعة شهر فبراير إلا أنه أيضا شهر الأحزان ، ففي 18 فيراير 2012 رحل الفنان قيثارة السودان الصديق العزيز محمدعثمان حسن صالح وردي وفي 18 فبراير 2012 رحل الفنان الشاعر الصديق العزيز حلمي سالم من ابرز شعراء السبعينات في مصر ، كلاهما أعز أصدقائي من أصحاب المواقف الواضحة الصلبة ، كم كنت أود أن يكونا بيننا هذه الأيام ،لا أدري لماذا رحيلهما ما يزال يقتلني ، تماما مثلما يقتلني رحيل الكثيرين ويا له من رحيل نبيل ، تموت الأسد جوعا ونبقى نحن ، ذكراك إلى الأبد يا وردي و يا حلمي سالم ، وذكرى الآخرين أيضا ستبقى إلى الأبد .
شغلتني هموم الكتابة و الدنيا ومشاكلها عن قول كلمة حق في الشخصيات النبيلة ، ومنعتني ظروفي الصحية حضور أيام العزاء ، وحرمتني الغربة القاسية أن أكون بين الأصدقاء ، لألقي النظرة الأخيرة على أرواحهما الطاهرة السمحاء ، ولكن كل ذلك لا يمنعني أن أتذكرهما صبح مساء ، كما أشكر كل الذين وقفوا معهما وبادلوهما الوفاء والرثاء .

الفنان النوبي السوداني العربي الإفريقي العالمي محمد وردي
أتذكر الآن وبعد مضي نحو أربعين عاما على تلك اللوحة الرائعة للفنان التشكيلي الراحل المقيم فينا ميرغني الأمين .. ذلك المبدع المتمرد المنتمي إلى شعبه ووطنه لدرجة الذوبان في طينه ورماله ، فعلى خلفية زرقاء صافية رسم حروف " وردي " على هيئة طيور بيضاء ترفرف بأجنحتها في عنان السماء حمائم للسلام ، وبلوحته تلك أخرج لنا قصيدة تشكيلية كقصيدة الطيور المهاجرة للشاعر السوداني الكبير صلاح أحمد إبراهيم بل كانت أصدق تعبيراّ عن هذا الفنان النوبي السوداني العربي الإفريقي العالمي محمد عثمان وردي وشدوه الجميل الذي صاحبنا كل هذه السنين الطويلة وساعدنا أن نضحك ونغني ونرقص ونتمسرح في هذه الدنيا حتى لو كنا في منافي كندا.
وما زلت حتى الآن أسمع وردي كما كنت أسمعه وأنا في الصبا وأصر على ترديد كل أغانيه التي أحفظها عن ظهر قلب ، وما من نشيد إلا وأنشدناه أطفالاّ ونساءّ ورجالاّ بحماسة تلهب مشاعرنا بحب الوطن وسلامته وأمنه وإستقراره وأزدهاره ، كما احببت ذلك الشاعر العظيم اسماعيل حسن ، أحببته وأنا صغير السن وأنا احادثه كصيق ومستمع لأستاذ .
هو فنان مدهش ورائع إلتف حوله كل السودانيين وأصبح رمزاّ وطنياّ ومطرباّ متفرداّ ومتميزاّ .. مسيرته غنية بالعطاء الخالص المتدفق ألقاّ وإبداعاّ .. قدم خلالها عشرات العشرات من أحلى الأغنيات ، والتي إختارها بعناية فائقة لكبار الشعراء .. تفاعل مع كل القصائد بروح فنان يعرف ماذا يريد ويعرف كيف يعبر عما يريد .. ولعل هذا هو السحر الخاص الذي يمتلكه الفنا ن وردي .
عندما تقع القصيدة بين يديه يدخل في أحشائها .. يتغلغل في شرايينها وفي كل حروف كلماتها ومن داخلها يفجر تلك الشحنات التي تجعلها قصيدة لوردي وبس كما لو كان هو مؤلفها .. ولم لا .. فليس بالضرورة أن يكون الشاعر هو المؤلف فقد يكون ذلك المتلقي الراهب المتعبد في صومعة الشعر ولهاّ وتيها حتى يفنى فيه .. ووردي شاعر ورسام ومطرب ومغرد ومنشد وموسيقار ومايسترو يعزف على أوتار القصيدة على نحو لا يجود الزمان بمثله إلا مرات قليلة .
كم من السنين مرت يا وردي على تلك اللوحة التشكيلية التي رسمها لك الفنان الراحل المقيم ميرغني الأمين ؟ وهل ما تزال معك ؟ في تلك اللوحة أرى شموخك وكبرياءك ، أرى وردي الذي لم ينكسر في زمن الإنكسار ، ولم ينهزم في زمن الإنهزام ، لم يهادن أو يصالح ، تعامل مع الجميع بذكاء وعقل ووعي ، قل لي يا أيها النوبي ما سر هذه القوة والجسارة ؟ أنا أعرف أن لكل شيء ضمير ولكن أعرف أيضاّ أن ضمير الغناء السوداني هو محمد وردي وأعرف أيضاّ لماذا أنت شاغل الدنيا والناس .تعثرت مشاريعك الفنية الكبرى ؟ لا تحزن يا صديقي كل مشاريعك أمانة في أعناقنا إلى يوم الدين .. مهموم بمشروعك لإنقاذ أطفال السودان ؟ تأكد يا صديقي سندعم مشروعك بكل ما نملك من أجل أطفال أهلي الطيبين ومن أجلك .نتابع أخبارك عن بعد، ونفتح التلفاز كي نستمع لشدوك الرائع يا جميل يا سكر يا عسل .
قرأت الكثير عن ما كتب عن الموسيقار محمدوردي ، ومن أجمل ما قرأت ما كتبه عبدالغني كرم الله ، كتب يقول :



في البدء، أعزيك في سفر حنجرتك السمراء..
محلقة بأجنحة من غير ريش لتخوم السماء..
حنجرة صغيرة، عذبة، فريدة، طوت تحت لسانها، صوت بلادي، من خفق الموج، وحتى حفيف الشجر، ونبض القلب، وإضطراب النور، وخفقه جرسه.. كانت حنجرة حلم، ونبرة أمل، وأنة حزن.. ، عزة، مات لحنا، فولد هنا، مرة ثانية، كأجمل ذكرى تزخرف وجدان شعبك وحقولك، بلغي عزائي لأشجار الليمون، والبرتقال، وللعصافير برأسها الخافق، ولضفة النهر، ولمقابر أهلي، ولنبض قلوب الأطفال في مهدهم، ولذرات التراب أنى كانت، ولصفحات الكتب، وللنسيم الذي فقد مغني يستنشقه، كخمر حلال...


وتذكرت ما كتبه أخي وصديقي عيد عبدالمنعم عن حلمي سالم فقلت والله يا وردي ويا حلمي وغيركما " إنا لفراقكم لمحزونون "
وغنيت مع وردي والحلنقي :
هجرة عصافير الخريف
في موسم الشوق الحلو
هيج رحيلها مع الغروب
إحساس غلبني اتحملو
وكتمت أشواق الحنين داير الدموع يتقلو


تذكرت ما قاله لي حلمي ذات مساء :
مر من هنا الصيادون وذواقة التبغ
والأسري الذين فروا من خليج الخنازير
كان الفتي ذو الكاب
يطبب المزارعين من هجمة الجديري
وقيئة السل،
ثم راح يطبب الطبيعة من خيانات المصانع
جدارياته علي كل بيت وقميص
تشير أن الهوي غلاب
وتذكرت قوله :
يأتي عوادون من جلطة المخ،
ويأتي عازفو النبع من عجز كليتين
ويأتي لاعبو كمنجة من ارتفاع الضغط،
كل بكاء يحمل الآلة تحت الإبط،
وفي أطراف الأصابع شارات الخسارة،
أما أنا فمهمتي كانت
تجميع الآلات والرئات،
علي كاهل المصابين،
كل رئة وآلتها المكسورة،
كل آلة ورئتها النازفة،
وأهتف: يعيش انسجام الكسيرين،
ثم تجميع الخسائر في جسد واحد،
يمر من مطهر إلي جحيم
قلت لقائد البحر:
اجعل لي آية
قال: آيتك أن تتجلي للجار
ليلة،
علي هيئة حلم
هذا بالطبع إلى جانب مقالاته ومواقفه الحادة كالسكين ، ومثل حلمي يمكن أن ينتصر الشعب المصري
وكما قال أخي وشقيقي وصديقي كمال الجزولي لرفيق دربه عبدالهادي الصديق " اللهمَّ إنَّا لا نزكِّي عبدالهادي الصديق لديك، ولكنَّا نشهد، فحسب، بأنه كان من أنفع النَّاس للنَّاس، فقد كان من أحدِّهم ذكاء، وأوسعهم معرفة، وأغزرهم علماً، وأطرفهم إبداعاً، وأوفرهم إنتاجاً، وأعفِّهم لساناً، وأزكاهم فؤاداً، وأطيبهم معشراً، وأصدقهم لهجة، وأقلهم خلافاً، وأندرهم نفوراً، وأكثرهم كرماً، وأعطرهم سيرة، وأنقاهم سريرة.
ونشهد، وقد أضحى يا ربُّ في رحابك، بأنه كان ليِّن العريكة في شمم، ميمون النقيبة في إباء، وكان حمولاً للنازلات، صبوراً على المكاره، عُركة للأذى بجنبه، أخا أخوان، تهفو نفسه إلى المعالي، وتنهد للمكرمات، وتعفُّ عن الدَّنايا، وتتجافى عن الرذائل. ونشهد اللهم، والدِّين المعاملة، بأن أفئدة العارفين فضله قد هوت إليه، ولطالما شرحها منظره، وأبهجها مخبره، وراقها مظهره، وآنسها محضره، فهشَّت لإطلالته، واستوحشت من غيابه، فكيف بالغياب الذي لا عودة منه، ياربُّ، وبالفقد الذي لا أمل في لقاء بعده؟!
وردي في حدقات العيون وكلاهما وردي وحلمي تظل ذكراهما تقتلني في اليوم الواحد عشر مرات ، ويا ما جلست إليهما واستمتعت بحديثهما العذب ودواخلهما وصفاءهما وذوقهما الفني الأدبي العالي الفريد .
اللهم أغفر لهما وأدخلها فسيح جناتك ، اللهم أغفر لهم جميعا وألهمنا من بعدهما الصبر الجميل، يا ربُّ، وتلحقنا بهم في زمرة الصِّديقين والشُّهداء وحسن أولئك رفيقاً، إنا لله وإنا إليه راجعون.





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1153


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة