الأخبار
أخبار إقليمية
حكومة التكنوقراط لماذا?
حكومة التكنوقراط لماذا?



02-23-2014 11:45 AM
د. هاشم حسين بابكر


حتى يفهم القارئ معنى مصطلح تكنوقراط.. وهو يعني النخب المثقفة الأكثر علماً وتخصصاً في مجال المهام المنوطة بهم، وهم غالباً لا ينتمون إلى أحزاب سياسية والمصطلح مشتق من كلمتين يونانيتين ـ تكنو وتعني المعرفة أو العلم وقراط وتعني الحكم أي أنها تعني حكم العلم أو حكم المعرفة.

ظهر مصطلح التكنوقراط والهدف منه هو كيفية تطوير أداء الحكومات في الدول لتكون أكثر كفاءة وفعالية وأكثر إنتاجاً وقدرة على إدارة شؤون الدولة وتطوير مختلف قطاعاتها، وكانت هناك حاجة في ذلك الوقت لظهور العديد من النظريات والأفكار السياسية التي يمكن أن تساعد الحكومات والتجارب السياسية على تحقيق مثل هذا الهدف: فظهرت فكرة التكنوقراطية التي تعتمد بشكل أساسي على إدخال النخب صاحبة الخبرات المتخصصة والعلماء في الحكومات لإدارة شؤون البلاد.

تاريخياً يشير التاريخ السياسي إلى استخدام التكنوقراط في الممارسات السياسية منذ العام 1932 وفي الولايات المتحدة بالذات ظهرت العديد من الدعوات تطالب بتفعيل دور المتخصصين وتمكينهم سياسياً وقد كان للتكنوقراط الأثر الفعال في التقدم التكنولوجي الذي أخذ ينمو آنذاك في الولايات المتحدة.
التكنوقراطية وظهورها في أمريكا كانت بسبب وجود قناعة بعدم جدوى الساسة في إدارة بعض الشؤون المتخصصة للدولة، مثلاً لا يمكن أن تدار الشؤون الاقتصادية للدولة من خلال سياسيين، بل يجب أن تدار من خلال رجال اقتصاد ورجال الأعمال وكذلك الحال في الصناعة والرعي والكهرباء والمياه يجب أن تدار من قبل مهندسين.
وقد تطور هذا المفهوم «التكنوقراط» وقُصد حالياً جميع أصحاب الخبرات المتخصصة عندما يتولون مناصب سياسية سواء في السلطة التنفيذية أو التشريعية وأيضاً المجالس البلدية.

وهنا تظهر الأهمية للحديث عن التكنوقراط فهناك ثلاث مدارس في هذا الصدد..
المدرسة الأولى: ترى ضرورة أن تعتمد الدول في حكوماتها وسلطاتها التشريعية على التكنوقراط وتبرر وجهة النظر هذه بأنهم الأكثر كفاءة وقدرة على إدارة شؤون الدولة من السياسيين، الذين عادة ما تشغلهم السياسة على حساب شؤون الدولة الأساسية، فضلاً عن اهتمامهم بالصراع السياسي مع خصومهم السياسيين دائماً حول النفوذ وتحقيق الأجندة والمكاسب.

المدرسة الثانية: ترى ضرورة إبعاد التكنوقراط عن السياسة وبالتالي الحد من إشراكهم في الحكومات والبرلمانات، وتفسير هذا يعود إلى أن انخراط التكنوقراط في السياسة سيؤدي إلى انشغالهم بأمور أخرى غير تلك التي تخصصوا لإداراتها وتطويرها مثل البحث والتطوير، فمثلاً الطبيب يخسر مهنته كطبيب إذا اشتغل بالسياسة ولن يكون له دور في تطوير مهنة الطب التي كان يمارسها وينشغل بالسياسة.
المدرسة الثالثة: تعتمد على الواقعية السياسية لأنها ترى أهمية كل من الساسة والتكنوقراط باعتبار أن أي طرف منهما يتحمل الآخر ويعزز وجود التكامل السياسي، ووفقاً لهذه المدرسة يجب إشراك الساسة والتكنوقراط معاً في تشكيل أي حكومة وكذلك الحال بالنسبة للانتخابات التشريعية، والفكرة هنا من المزواجة بين الطرفين، إمكانية فتح المجال لكليهما فالسياسي الذي يفهم طبيعة العلاقات وإداراتها داخلياً وخارجياً ضروري كما أن شؤون الدولة بحاجة أيضاً إلى جهود وخدمات التكنوقراط المستفاد منها في إدارة وتطوير بعض القطاعات التي تحتاج كفاءات متخصصة في مجالات معينة.

على مستوى السودان نجد أن من المدارس الثلاث لم تطبق إلا المدرسة الثانية التي تدعو لإبعاد التكنوقراط عن الصورة تماماً.
وحتى نذكر بأهمية التكنوقراط في بناء الدولة أذكر بأن الجيش البريطاني المستعمر حين دخل السودان دخله بقطار، وبعد حوالى عقدين من الزمان انشأ مشروع الجزيرة وخزان سنار، كما أن الغالبية العظمى من قيادات الجيش كانت من التكنوقراط، فقادوا السكة حديد وتم ربط مديريات السودان بها وأقاموا المشروعات الزراعية وكانوا يديرونها بالتكنوقراط.
التكنوقراط يقيمون البنيات التحتية «Infrastructure» وبعد ذلك تقوم البنيات الفوقية «Ultrastructure» والسودان اليوم وبعد أكثر من نصف قرن من الزمان انهارت كل بنياته الأساسية من زراعة ونقل وصناعة والسودان اليوم يحتاج لبناء البنيات التحتية التي انهارت ولا يمكن إعادة البناء إلا بواسطة التكنوقراط.

وفي حالة السودان أنا من أنصار المدرسة الأولى، رغم أن المدرسة الثالثة تمثل نموذجاً أفضل، إلا أن وضع السياسيين الآن لا يشجع لإشراكهم في الحكم وهذا أبرره بأن السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم لم تكمل حكومة سياسية دورتها وازيحت بانقلاب عسكري، وبسبب الصراع على السلطة لم تقم في السودان حكومة قومية واحدة لضعف المفهوم القومي لدى أعرق الأحزاب السياسية ناهيك عن المواطن العادي. فالسياسيون هم أُس البلاء.

والحكومات التي حكمت السودان أساساً حكومات بيوتات أجبرتها الظروف على المشاركة في الحكم لكن الصراع بينها «صراع المصالح» عجل بالإطاحة بانقلابات عسكرية. أما العقائديون فما كان لهم إلا أن ينقلبوا عليهم والذي يستخدم البندقية للوصول إلى الحكم عادة لا يعترف لا بسياسي ولا تكنوقراط، فيعيث في البلاد جوراً وفساداً.

الحكومة القادمة يجب أن تكون حكومة تكنوقراط تعيد بناء البنيات التحتية وهذه تحتاج لفترة أقلاها خمسة سنوات إذ لا تستقيم أن يعاد بناء السكة حديد وربط كل السودان في فترة أقل من هذه، كما أن إعادة بناء المشروعات الزراعية تحتاج لفترة مماثلة، وكذلك توفير المياه لشرب الإنسان والحيوان والمراعي والزراعة مشاريع تحتاج لفترات طويلة حتى تقف على رجليها.
حكومة التكنوقراط بهذه الأعمال تكون قد ربطت السودان ببعضه البعض سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
وربط السودان اقتصادياً لا يتم إلا بالسكة حديد ومن ثم تنمو الروابط الأخرى سياسية واجتماعية.

في الفترة المحددة لحكومة التكنوقراط وهي خمس سنوات تلك الفترة التي سيتفاعل معها المواطنون ستتغير الكثير من الانتماءات السياسية الموروثة وستظهر أفكاراً سياسية جديدة وتتبلور في شكل تنظيمات سياسية حديثة تغني الشعب عن أحزاب تحضير الأرواح التي ظلت هي هي لا تتجدد منذ أكثر من ستين عاماً.
يكفي السياسيين والعسكريين الذين تناوبوا حكم السودان ميراث الفشل السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي الذي تركوه فينا وكان حصادنا هشيماً..

الانتباهة


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2827

التعليقات
#924317 [أحمد الرضي]
0.00/5 (0 صوت)

02-23-2014 10:02 PM
الشكر لك أستاذ/ هاشم حسين ولك مني هذه الملاحظات:
أولاً من إعتمدت عليهم الإدارة الإنجليزية في تسيير دفة العمل لا يمكن وصفهم بالتكنوقراط، ولكنهم الأكثر تعلماً آنذاك ولكن تعليمهم كان ناقص جداً والمتوفر منه فقط لأغراض تسيير دفة العمل.
تم تجريب التكنوقراط في كل حكومات السودان، وهم حملة الشهادات العليا والتخصصات النادرة ولكن لم يتم إستخدام أغلبهم في مجالات تخصصاتهم تلك، فلم يستخدم بهاء الدين في مجال تخصصة ولا حسين أبو صالح في مجال تخصصة ولا غندور النائب الأول في مجال تخصصة، ولا نافع في مجال تخصصه ولا...، وغيرهم العشرات ممن تم إستخدامهم في تشكيلات الحكومات المتعاقبة، ولا تخلو حكومة من حكومات البشير ولا من قبله حكومات النميري منهم.
أخيراً وهو رأيي الشخصي في هذا المجال ويوافق المدرسة الثانية التي أشار اليها المقال وذلك بسبب أن الدولة بل وحتي المرافق داخل الدوله أصبحت من التشعب والتعدد وتزايد مجالات التخصص في كل جزئية من الجزئيات، ما لا يحيط به تخصص متخصص لذلك كان السياسي أقوي وأجدي بمفوم أن السياسي هو الذي يضع الإستراتجيات، ويتمسك بالموجهات التي علي أصحاب التخصصات الإجتهاد في تحقيقها.
ولو أن أياً من هؤلاء التكنوقراط إهتم يوماً بالسياسة ودهاليزها ومتغيراتها لما وصل ولما حصل من العلم والتخصص ما أهله لحمل ذاك الوصف.
لذلك فالتكوين مختلف وطريقة التفكير مختلفة وبالتالي وبالتبعية فإن طريقة الفعل ونتيجته ستكون مختلفة.
دعوا أصحاب العلوم الحقيقيون لعلمهم وعلومهم ولا تشغلوهم بالسياسه فتفقدونهم في العلم ولن تكسبوهم في السياسة التي يعتبر ولوجهم اليها من نقطة الصفر وليس من ذات الدرجة العلمية


#924217 [المشروع]
0.00/5 (0 صوت)

02-23-2014 07:19 PM
يا دكتور هاشم دائما تحليلاتك جميلة ولكن وانت كاتب في صحيفة الإنتباهة هل تعقد يوجد تكنوقراط في السودان؟ بعد خمسة وعشرين سنة قضاها النظام في السلطة اول حاجة تدمرت كانت التكنوقراط واول من تدمر الخدمة المدنية واذا جاءات حكومة تكنو قراط فستكون نفس الحكومة الحالية لأن الوزارات كل المسئولين فيها تابعين للنظام حتى الوكيل اصبح تعيين سياسي تاني نجيب تنكوقراط من وين؟


#924087 [دا كلام ما صاااااح]
5.00/5 (1 صوت)

02-23-2014 04:16 PM
الأخ د. هاشم
السلام عليكم .
اولا لى ملاحظة فى أصل كلمة تكنوقراط .. احد المتخصصين فى اللغة العربية والمتحيزين لها .. قال ان الشق الأول (تكنو) والذى جاءت منه كلمة تكنلوجيا هى فى الأصل عربية (تقنية) واصلها من الفعل اتقن يتقن اتقانا .. ربما اول من استعمل المصطلح كانوا اليونانيين .. والله اعلم

يخيل لى قبل ان نتطرق لنوعية الخلطة بين المهنيين المتخصصين والسياسيين ، يجب علينا تعريف السياسى .. من هو السياسى؟؟ .. هل هو الممارس للسياسة ام الدارس لها ؟؟ .. وهل يمكن استبدال السياسى الممارس بدارس (تكنوقراط) ؟؟
كذلك من الضرورى تغيير مفهوم الحاكم عندنا ..حتى الحاكم فى الدول المتقدمة او كان عندنا فى سودان ما بعد الإستقلال ، هو عبارة عن موظف يسأل عندما يخطىء .. اليوم حتى مفهوم كلمة مسؤول (وهى فى اللغة اسم مفعول) قد تبدل واصبح (الذى لايمكن مساءلته).
فى تصورى المتواضع لمسألة الحكم والفرق بين فترة ما بعد الإستعمار وما يجرى حالياً هى اولا ازمة ادارة عامة .. كان الضباط الإداريين والمجالس الشعبية هى التى تدير البلد .. وهم اناس متخصصين فى الإدارة العامة .. وبعد التمرس يرقوا ليكونوا محافظين للمديريات .. ولو تلاحظ ان معظم الرؤساء الغربيين كانوا محافظين وخاصة للعاصمة ..اليوم تتحكم المحليات والمعتمدية فى الإدارة بسلطات مطلقة وقرارات غير مدروسة ومعظمهم من ذوى تخصصات بعيدة عن الإدارة.
اما بخصوص المدارس التى ذكرتها ، اعتقد هى محاولة لتنميط نوع الحكم ..ماهو نوع الحكم الآتى ، اذا كان الحكام والوزراء سياسيين (حسب تصنيفكم) لكن قراراتهم تعتمد على الدراسات والبحوث من مراكز البحوث ؟
بمعنى آخر ، هل يمكن ترك المناصب السياسية للسياسيين مع تفعيل دور العلم والمعرفة ومشاركتهم فى اتخاذ القرار؟؟ .. هذه العملية تحتاج الى علم منفصل وهو ادارة المعرفة، وهى تختص بكيفية ادارة المعرفة والبحوث حتى تكون فاعلة فى اتخاذ القرارات التى تخص البلد. فيجب تصنيف البحوث من اكاديمية واساسية وتطبيقية ، وانشاء المراكز البحثية على هذا الأساس ، والتنسيق بين المراكز البحثية والأكاديمية ومراكز صنع القرار بطريقة علمية حتى تنتقل المعلومة بطريقة انسيابية لتصل لمراكز صنع القرار. ( ادارة المعرفة لها مفهوم آخر فى ادارة الشركات والمؤسسات)
هنا اكتب لك رأى الشخصى القائم على الاجتهاد فى مسألة الحكم ..
اولاً : الدولة تحتاج لمن يرسم لها موجهاتها العامة . بمعنى ان يحدد لها الوجهة والأهداف بعيدة المدى وهذا بمثابة الروح لها .. فهو دور المفكرين ومراكز التخطيط الإستراتيجى وكبار الباحثين المتمرسين "ربما اصحاب المعاشات" .. وهذه تعتبر ثوابت متفق عليها ولا تختلف باختلاف الحكومات
ثانياً : أرى ان الوزراء (الجهات التنفيذية) من الضرورة ان يكون متخصصاً فى بعض الوزارات (وهذا لا يعنى امكانية انفراده بالقرارات) وفى البعض الآخر يكفى ان يكون ادارى .. يخيل الى ان مهمة الوزير الأساسية هى ادارية اكثر من أى شىء آخر . فمهمته الأولى هى التنسيق بين الوزارات الأخرى ، اما الإدارة الداخلية للوزارة فلها متخصصيها من ذوى الخبرة فى الوزارة المعنية وعلى راسهم الوكيل .
فى النهاية ، ان الحكم هو ادارة بلد باستعمال مواردها المتاحة بالطريقة المثلى لإرضاء حاجيات مواطنيها والتى تبدأ بالإحتياجات الأساسية (مأكل ، مشرب ، ملبس ، مسكن ، أمن، علاج وتعليم) ثم ما تليها من إحتياجات .

المستعمر الإنجليزى ترك فينا من انظمة الإدارة ما كان يفاخر به من ضمن انجازاته .واليوم حالنا يغنى عن سؤالنا.

لك الشكر
ودمت


#924016 [المتجهجه بسبب الانفصال]
5.00/5 (1 صوت)

02-23-2014 02:48 PM
أعتقد أن الراعي الامين ضرب التكنوقراط في مقتل، فاغلب تكنوقراط السودان يلتحقون بالحكومات العسكرية زمراً،،، ومن الحوادث المضحكة جدا أن نميري عندما استلم الحكم لم يكن يدري ما الحكم وما السياسة وما البرنامج فاقترح عليه مجلس قيادة الثورة دعوة بعض التكنوقراط المشهورين آنذاك وكان فيهم الدكتور والمهندس والمحاضر بالجامعة ليرى امكانية مشاركتهم في مايو لتطعيمها بالمدنيين، وكان الاجتماع باحد الاندية الثقافية في الخرطوم فقام احد هؤلاء التكنوقراط وهو حي يرزق ولازال يمارس السياسة وتحدث عن مايو وكأنه هو الذي جاء بها مما أدهش نميري ذاتو ،،، تعتبر حكومة مايو بعد انقلاب هاشم العطا وحتى 1977 حكومة تكنوقراط أو تكنوقراط ولاءاتهم السياسية للاحزاب ضعيفة أو لا علاقة لهم بالاحزاب وعملوا في مايو وكانت فترتهم فعلا من افضل الفترات،،، ثم جاء الاتحاد الاشتراكي كحزب لمايو ولكن لم يطلق عليه ذلك ثم جاء الاسلامويون في كل وادي يهيمون،،،، لا حل الا بدولة قائمة على وثيقة الحقوق أو دستور يركز على حقوق الفرد أولا وأن الفرد والوطن فوق الحكومة ،،،،



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة