الأخبار
أخبار إقليمية
عبد الرحمن أحمد الجعلي: بنيت المعرض ولم أبن بيتاً
عبد الرحمن أحمد الجعلي: بنيت المعرض ولم أبن بيتاً
عبد الرحمن أحمد الجعلي: بنيت المعرض ولم أبن بيتاً


02-25-2014 12:39 AM

الخرطوم- درية منير

عتبة أولى

يقولون: "رب صدفة خير من ألف ميعاد".. جمعتني سانحة بمدير مكتبه، عثمان ود الترعة. بادرني مُسائلاً عن أوّل مدير لمعرض الخرطوم الدولي، وعن مصمّم علم السودان؟ هنا كان السكوت هو الحاضر بيني وبين زميلتي نمارق. تبرّع بالإجابة بنفسه، ثم بدأ يسرد في إنجازات الرجل. طلبت منه بصورة عمليّة أن يمهّد لـ(اليوم التالي) فرصة اللقاء به. شرعت بعدها أقلّب في أرشيف السودان باحثة عن معلومات حول مصمم العلم الذي ظل يرفع في الحافل الدولية طيلة الـ(44) عاماً الماضية، وجدت عناء في البحث عن خلفية أتكئ عليها كمحاور لأسئلة المقابلة. لم أجد سوى أسطر معدودة. استفزني إهمال التوثيق لشخص وحّد الراية التي نرفعها.

الفنان عبد الرحمن أحمد، هادئ هدوء منزله المتواضع، شخصية متعددة المواهب، وطني من الطراز الأول، وذلك من خلال تصميمه لعلم السوداني الحالي الشامخ مدى أربعة عقود وكذلك من خلال مشاركته في تصميم شعار الجمهورية الحالي (صقر الجديان) مع أساتذته العظماء بجامعة السودان، فنان عشق غناء الحقيبة فشارك في تأسيس وإنشاء اتحاد فن الغناء الشعبي، أنجز الكثير من المهام الصعبة. فكر في إنشاء معرض الخرطوم الدولي الذي وجد قبولا واستحسانا من قبل الرئيس الراحل نميري، كما كان أوّل مدير للمعرض والمعارض الدوليّة، وقبل ذلك درس الفن التشكيلي، ومؤسس لمنظمة شكاك، فإلى مضابط الجلسة التي جمعتنا به:

**

* تجارة وفنون ومعارض

* عمنا عبد الرحمن.. مساك خير.. نحن بصدد التوثيق لمسيرة ممتدة وعامرة بالعطاء؟

- مساء النور.. أنا عبد الرحمن أحمد الجعلي، من مواليد عطبرة 1944م، طفولتي كانت في أمدرمان في مناطق مختلفة، تلقيت تعليم الأساس كما درست الخلوة لمدة أشهر عدة تحقيقا لرغبة الوالد، الثانوي مدرسة الأحفاد. لم أستمر ثم انتقلت للمعهد الفني أربع سنوات، من بعدها ماجستير في المعارض الدولية، بأكاديمية الفنون والمعمار برلين.

* حدّثنا عن الأسرة والنشاطات المختلفة؟

- أنا رباطابي أنتمي إلى أسرة شكاك، التي التزمت بجانب الزراعة والتجارة مركزين على الاقتصاد، بالتجارة في التمر، وهذا ما جعل الأسرة محصورة في التجارة، الى أسرة بابكر بدري مؤسس تعليم المرأة، كما تربطني قرابة بالسريرة أحمد مكي، مصمّمة علم الاستقلال، الذي رفع في عهد الزعيم الأزهري، كما تربطني قرابة بأحمد محمد صالح ناظم نشيد العلم، إضافة للفنان أحد عمر الرباطابي.

* قرارات اتخذتها وحدك؟

- تركت مدرسة الأحفاد، وقدمت لكلية الفنون التي اقترحها الأستاذ بسطاوي البغدادي التي كانت تفتح بابا لامتحان قدرات، كان عدد المقدمين حوالي 120 حصلت على المركز السابع من بين عشرين سجلت في داخلية الكلية ومن بعد ذلك أخبرت أساتذة الأحفاد والأخ الأكبر مبررا عدم رغبتي في مواصلة الدراسة ومتمسكا بعدم الرغبة.

* ثمّ لاحقاً العمل في الحكومة؟

- معروف أن خريجي الفنون يعملون في هذا المجال. أجبرتني الظروف، ولحسن الحظ، وزعت في مكتب النشر. كان جميع العاملين فنانين، وأكثر شخصية مهمّة هي الفنان شرحبيل أحمد، الذي كان في بدايات مشوارة الفني، والذي أصدر مجلة الصبيان. اخترت العمل معه وبدأت بيننا علاقة حميمة استمرت حتى الآن. بعدها جاءت الاستقالة من العمل، وأوّل الأسباب كان النقل من مكتب النشر إلى مدرسة وادي سيدنا الأميرية بالموردة.. لم أستمر فيها سوى أسبوعين حتى نقلت مرة أخرى للعمل ضابط داخلية، فلم أجد نفسي ولم تلب طموحي، لذا قدمت الاستقالة من العمل، وأذكر أنّه في ذاك اليوم كانت هناك حفلة للفنان إبراهيم عوض تسرب لها جميع الطلاب.

**

* فكرة معرض الخرطوم الدولي

* كيف انفتحت أبواب المعارض.. نتكلم عن البدايات؟

- سمعت بأن هناك تقديما للمعرض بشارع الجامعة آنذاك قابلت الأستاذ زكي الحاج (أبو المعرض). رحب بي برفقه الزميلين شريف مطر ومدثر قطبي. انتقلت المكاتب من شارع الجامعة إلى المقرن، كون قسم الأثاثات للوزارة تمدها بالاحتياجات مقابل إنشاء ورشة. لاحقاً أنشأت مكاتب بأبو جنزير على أن تقام معارض محلية وأتذكر أن المكاتب كانت في محل برج البركة حالياً، وما يقابلها من ضريح الشيخ، نستخدمها للمعارض الخارجيّة. هذه المكاتب شهدت أول معرض زراعي كان ناجحاً حتى في الافتتاح يذكر أنّ نميري علق على الدجاج قائلاً "هسي في جداد زي دا في السوق"؟ وقتها كنت مديراً للقسم الفني.

* ومن أين أتت فكرة معرض الخرطوم الدولي؟

- أتيت من ألمانيا بعد أن حصلت على الماجستير في المعارض الدولية ببرلين، اقترحت للسيد أبو القاسم عمل معرض دولي رحب بالفكرة، وسخر لنا كل الإمكانيات وقتها كنت مشرفا على المعرض الزراعي، وأثناء وداع الرئيس نميري أشرت للسيد أبو القاسم كي يفاتح الرئيس في شأن المعرض، وفوض نميري اللواء الباقر بتكليف متابعة إنشاء المعرض، على أن يكون تابعاً لرئاسة الجمهورية مباشرة لتسهيل الإجراءات، وتتبناه شركة أجنبية فكان الاختيار حليف بريطانيا، لسهوله اللغة واخترنا شركة (مونتيغمري).

* تصور المعرض؟

- صمم مانكيت كبير يضم شكل المعرض الذي احتوى على أربع قاعات كبيرة، وممر بجانبه بحيرة صغيرة، وأوصوا بإقامة فندق ومعرض خارجي إضافة للكوبري، ومن ضمن المنشآت مسرح خلف البحيرة، وللأسف لم ينشأ المسرح بتلك المواصفات، حتى في الدول العربية، اندهش اللواء الباقر لسرعة تنفيذ المانكيت، واندهش نميري لتصميم المعرض، وأمر بالتكليف الفوري في التنفيذ، فيما أخلى لنا اللواء الباقر منزله؛ الطابق الأرضي لنا، والعلوي للخبراء، وهذا في منتصف 1976م. استغرق ذلك فترة لم تتعد العام والنصف.

* وما هي المهام التي أوكلت لك بعد اكتمال العمل؟

- عينت أول مدير للشؤون الهندسية الفنية للمعرض بعد أن وضع الأجانب الهيكل الإداري ومن أهم الإدارات الشحن والتفريغ وهي التي عليها الرك، ومن ثم أوّل مدير للمعرض تنضوي تحتي كل الإدارات عدا المالية، أشرف على الوفود والمشاركات الخارجية واختيار المشاركين.

**

* العصر الذهبي للمعرض

* حدّثنا عن الدول المشاركة وكيفية التسويق للفكرة...

- شهد المعرض الخرطوم الدولي عصراً ذهبياً في تلك الفترة حيث شاركت في أول دورة أكثر من (32) دولة من مختلف القارات ولم يشهد لها مثيل حتى الآن، وضعنا السلع الاستهلاكية والسلع الرأسمالية، إضافة إلى ذلك حضور دولتين مهمتين هما الصين واليابان اللذين رفضا المشاركة في البدء حتى قمت بزيارة رسمية أملا في المشاركة، إضافة إلى إشتراك الدول النامية شرط أن تكون موقعين في اتفاقية (لومي)، أول تجربة لاشتراك السوق الأوروبية في معرض موحد رحبوا بالفكرة بفرحة وهناك دول أوروبية لم تكن مشتركة في السوق أصرت على الاشتراك مثل اليونان وإسبانيا. وأذكر أن رئيس السوق الأوروبية شرف الافتتاح وأضيف أن أثيوبيا اشتركت بجناح وأهدته للمعرض استخدم فيما بعد مكاتب.

* في لسانك كلمات لا زالت عالقة فيما يبدو..

المعرض للدولة ولا بد أن تتحول ملكيته للدولة، والدليل أنه يشرف عليه النائب الأول، ومن هنا أوجه رسالة للسيد الرئيس بتحويل المعرض من شركة إلى ملكية الدولة لأنه أساس الاقتصاد، ومن الملاحظ أن الخصخصة أثرت على المعرض ودخله، وأذكر أن وزير تجارة أسبق قرّر بيع المعرض، ووقتها كنت في ليبيا، كتبت جوابا على رأسه عبارة (لن يرحمك التاريخ) حمله صديق أوصيته بإيصاله له، ومنها أوقف البيع.

**

* حكاية علم

* ننتقل إلى جانب آخر من حياة الفنان عبد الرحمن؛ أرو لنا قصة العلم..

- اشتركت ضمن (72) متنافساً لتصميم العلم، وكنت آخر مقدم وذلك قبل ثلاثة أيام من الفرز، الوكيل إبراهيم حسن خليل اتصل بالسيد إدريس للاشتراك في اللجنة، وقتها كنت في إدارة المعرض أحلّ محل إدريس في حالة غيابه، رن الهاتف رددت عليه طلب مني التكليف بالحضور نيابة عنه للاشتراك في اللجنة المكلفة بفرز المسابقة، التي تكونت من أعضاء أمناء مجلس ثورة مايو منهم (أبو القاسم، مأمون أبو زيد، عبد القادر، محمد حامد العربي). اعتذرت بعد أن علمت أن أيام المسابقه شارفت على الانتهاء التي كانت مدتها أربعه أشهر حيث بررت بأنني مشترك، وقتها لم يكن في بالي المشاركة، اجتهدت حتى وضعت الشكل الهندسي حيث يصل المثلث ثلث المستطيل، ومن ناحية تشكيلية لابد من اختيار ألوان غامقة وقوية. أول لون خطر ببالي الأحمر ولم يكن في ذهني علم أي دولة.

* وقمت بحياكته بعد ذلك..

- كان في ورشة المعرض شاب يبلغ عمره (14) عاما يسمى سيد يعمل بمهارة اخترته أن يحيك العلم بيده وأن يختار المقاسات بعناية فائقة وقتها لم أكن أعلم أنني سأنجح في الاختيار وذلك في سرية تامة حتى أنني أعطيته (2) جنيه مقابل أن يقضي الحياكة في الكتمان.

* وبالطبع ثمة مداخل تعريفية للألوان..

- وضعتها بالحس التشكيلي ولم أتأثر بأي دولة عربية كما يزعم عني تأثري بالراحل جمال عبد الناصر وكل شخص يهاجم العلم له أجنده خاصة.

* تغيير الشعار وأنت كعضو لجنة؟

- مجلس الوزراء لم يحدد الشعار مثلما لم يحدد العلم بل كونوا لجنة، والذي لفت نظرها (صقر الجديان) الذي كان أكثر مشاركة ولكن لم ينفذ بصورة تشكيلية منظمه يناسب شعار الجمهورية. اللجنة حددت أساتذة على رأسهم محمد حامد العربي وشبرين وثلاثة آخرين، حددت اللجنه اللون لأنه سيكون شعار للدولة في الأوراق والرتب وغيره، اختير عربي الذي تخصص نحت رغم أنه كان من المفترض اختيار شبرين، طلب مجلس الوزراء الاستعجال لإعلان الشعار مع مسابقة العلم.

* وهل حدثت تعديلات بعد ذلك؟

- بدأ التعديل بالصوف، والخطوط المائلة كانت حادة، واختيار زاوية مناسبة كي يبدو فيها الصقر شامخاً، واختيار شعار (النصر لنا) اللون الذهبي وكيفية استعمالة ووافق المجلس على الشعار بشكلة النهائي المعروف الآن.

**

* خجلت أن أقول للنميري أنا ما عندي بيت

* حدّثنا عن شعورك بعد الاختيار وفوز الشعار؟

- بعد إعلان النتيجه التي أذاعها الرئيس نميري في عام 1970 أن المواطن عبد الرحمن أحمد الجعلي فاز بتصميم العلم الذي رفع في مايو، لم أحضر رفع العلم بل كنت في مأمورية في إنجلترا متوجهاً للسويد. مجلس الوزراء بقياده نميري قرر منحي عدة جوائز منها جواب الشكر الذي بدل بمقابلة رسمية مع الرئيس ونوط الجدارة بجانب قطعة أرض بـ(قاردن سيتي) محددة المكان والرقم. وقتها كانت خلاء. نقل لي هذا محمد كوراك سكرتير لجنة الفرز. لم أنل منهم إلا مقابلة السيد الرئيس، كان عمري حوالي 26 سنة، استغرب نميري وقال:"إنت صغير انت الحوار الغلب شيخو"، سألني عن الجائزة المالية كانت إجابتي عدم الاستلام قلت له: "إتبرع بيها للعطش"، فأجرى اتصالا هاتفيا مباشرة للسكرتير قال له: (الشاب الفاز بمسابقة العلم حيجيك هسي أدي قروشو) كانت ألف جنيه، وأذكر أنه سأل المصور طه هل عندك بيت؟ هنا خجلت أن أقول له أنا ما عندي بيت كذلك.

* ...

- بنيت معرض الخرطوم ولم أبن بيتا لأنني لم أكن استغلالياً.. بحثت عن الجوائز ولم أجد شيئاً، بعد ذلك كتبت للحصول على أرض لمكتب النائب الأول علي عثمان نائب الرئيس السابق ولكن الموضوع أخذ وجهة أخرى، أنا أشكر مدير الأراضي الأسبق، تعاملت بصورة رسمية دخلت في الخطه الإسكانية، ووزعت في الوادي الأخضر وهنا جاءت التفضيلية ولم أجد تفضيلية، ولا قطعه أرض والآن أسكن في بيت إيجار ولو كنت فاسدا كنت بنيت قصرا "مش بيت عادي".

**

* ماهر في الـ(فيسبوك) ولا أحب السياسة

* عبد الرحمن بيشجع منو؟

- أنا هلالابي، وبقرا الصدى ومعجب بالأستاذ مزمل أبو القاسم.

* حصيلتك من اللغات؟

- أجيد اللغتين الألمانية والإنجليزية بجانب اللغة العربية.

* هل لك في الإعلام الجديد ومواقع التواصل؟

- أنا ماهر في الـ(فيسبوك) أدير صفحة جامعة للكل تحت اسم (المتكئ)، بالإضافة لكوني أتمتع بحس صحفي عال لأنني عملت رئيس تحرير لمجلة أفريقيا اليوم الليبية، وأصدرت عددا خاصا وهنا جاءت فكرة مجلة (المدائن) تحتوي على النواحي الاجتماعية والفنية والفنون التشكيلية والمعارض. طبعاً متردد في المشاركات الصحفية وآمل ان أكتب في (اليوم التالي)، حتى لو كان بشكل غير راتب.

* السياسة في حياتك؟

- لا أحب السياسة ولا أميل لها وفي أيام الثانوي كنت جبهة ديمقراطية، والآن قومي ولا أنتمي لأي حزب.


اليوم التالي


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 2331

التعليقات
#926337 [ابو وليد]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2014 07:52 PM
ماانصوفوك ولكن حتما سيجي اليوم الذي تعطي فيه قدرك وانشاه الله يكون قريبا.


#926325 [كسار الثلج]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2014 07:29 PM
أنسان رائع


#926200 [عصمتووف]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2014 04:11 PM
اشم فيك رائحة السودان قديما ي رجل ي نبيل يكفي انك عزيز النفس وهي لا تعوض بالماس والجواهر والذهب


#925537 [ودأبوريش]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2014 07:17 AM
لك التحية السيد عبدالرحمن أحمد الجعلي ونرجو من قراء الراكوبة نشر هذه المقابلة لأكبر عدد ممكن من القراء، عسى أن تقع على من بيده حل، لإكرام هذا الرجل العظيم، عظم السودان وأهله .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة