الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
تطور الترميز….خطر يهدد القصيدة العربية !
تطور الترميز….خطر يهدد القصيدة العربية !
تطور الترميز….خطر يهدد القصيدة العربية !


02-25-2014 07:09 AM
سناء الحافي

إن من أهم ما تميّز به الشعر العربي المعاصر دون غيره من الفنون الأدبية هو الرمزية التي تجلّت أبرز معالمها في التعبيرية المطلقة التي لا تخاطب الفكر مباشرة وإنما تخاطبه من وراء حجاب وتعبر اليها على رمثٍ من الالفاظ أو اساليب انيقة مختارة بأتقان وسبل متداخلة البنية التصويرية، لتجعل من النص الشعري لوحة فنية تتشعّب فيها الألوان وتتداخل فيها الصور.
وأحيانا تكلّف الشاعر كل ما يضفي عليه خياله من معان وصور ليكمن هنا سر من اسرار الابداع الفني والابتكار الادبي المعاصر الذي جعل القارئ في حيرة من أمره في استيعاب المعنى الواضح والمباشر للقصيدة دون التنقل عبر مسارح موضوع الى اخر التي اكتسبها الشاعر انطلاقا من احساسه وثقافته الحداثية كما يتصل بنوعية الطرح الأدبي ….
فجاء توظيف الرمز في القصيدة الحديثة سمة مشتركة بين غالبية الشعراء الذين تحرروا باسم الحداثة من كل قواعد القصيدة العربية الأصيلة على مستويات متفاوتة من حيث الرمز البسيط إلى الرمز العميق ثمّ الرمز الأعمق..
وبالرغم من أن الترميز في الأدب عامة سمة أسلوبية وأحد عناصر النص الأدبي الجوهرية منذ القدم إلا أننا نراه قد تنوع وتعمق وسيطر على لغة القصيدة الحديثة وتراكيبها وصورها وبنياتها المختلفة، باعتبار أن الرمز في نظر الشاعر المعاصر بشتى صوره المجازية والبلاغية والإيحائية تعميق للمعنى الشعري وتأصيل له، ومصدر للتأثير وتجسيد لجماليات التشكيل الشعري في حالة توظيفه بشكل جمالي منسجم، واتساق فكري دقيق، مساهما بذلك في الارتقاء بشعرية القصيدة وعمق دلالاتها وشدة تأثيرها في المتلقي الذي أصبح يعاني من بعض الشتات الفكري في ظل من يدّعون الشعر المزخرف باسم الحداثة .
لتأتي القصيدة المنوّطة بالرموز والإشارات والإيماءات التي لا تنكشف مدلولاتها من القراءة الأولى، وتحتاج إلى وقفة وقراءات متعددة وتحليل عميق واستحضار لمعجم الشاعر ومتابعة سياقات القصيدة في اطارها الزمني الواحد وصورها المتشابكة المترابطة من أول القصيدة إلى آخرها حتى تتوحّد الفكرة العامة لها وتكتمل الرؤى التي يسعى الشاعر الى تصويرها لنا بعد جهد كبير.
وتعد التورية ضرباً من ضروب هذه الرمزية، والامثلة كثيرة في مجالات التورية الرمزية التي اعتمدها الشعراء المعاصرون على عدم مواجهة الحقيقة بأسلوب مباشر، والقصد اليها بطريقة مستعارة متعرجة والتلويح بها ويرجع هذا الامر الذي يعتبره البعض التواء بينيا في أسلوب الشعر إلى اسباب عديدة اهمها تطور الادب وانتقاله من الاتباعي إلى ادب الشكل البراق، وهو سبب داخلي محايث واجتماعي ناتج عن تقدم الحضارة والرغبة في الزينة والزخرفة بصور ظليلة يلجأ فيها الشاعر إلى تشخيص المعنويات، وخلق مدركات بصرية وهمية ونلمس ذلك في البيان الذي يعتبر خارجيا بالنسبة إلى الادب والشعر.
لكن اتجاه الشعر العربي بأبعاد الحداثة الى ما يسمّى بالغموض الفكري وعدم توحيد مفهومية المعنى، جعل الكثيرين يتداركون الخطر الذي يهدد القصيدة العربية التي طالما كانت تجسّد الأصالة والتراث الفكري للعرب الذي وجدوا فيه منبعا للرؤية الشعرية التي تعتبر في حد ذاتها وسيلة تعكس في جوهرها همومهم والماضي الذي يسكنهم والحاضر بلمسات الاخفاق والمستقبل الذي يحاولون بناءه على أسس الخيال والحلم.
لكن الاختباء في ثوب الحداثة وتحرر الشاعر العربي من التقليد في القصيدة العربية جعل البعض يتستر وراء قناع تراثي أوإنساني ويجعل من القصيدة كلمات متقاطعة، يتحدث من خلالها عن نفسه… بشيء أقرب إلى التنميق في الموضوعية مع مشاعر ذاتية تنزوي في اطار الغموض. .ليصبح الترميز المكلّف خطرا يهدد القصيدة العربية بكل أنماطها ويجعل منها صورا متشعبة وايحاءات مبتدعة ومجازات تشعر القارئ بالممل والغموض تصل به أحيانا حدّ التوتر،كعلاقته بالسلطة السياسية في عدم شفافيتها.
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 996


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة