الأخبار
أخبار إقليمية
حكومة التكنوقراط لماذا? «2ـ 2»..
حكومة التكنوقراط لماذا? «2ـ 2»..



02-25-2014 12:30 PM
د. هاشم حسين بابكر

ذكرت في المقال السابق أن الاستعمار حين دخل السودان دخله بقطار، وكان الجيش البريطاني بدأ في إنشاء أول خط حديدي في العام 1897 ووصل إلى مدينة أبي حمد في العام 1898 ثم عطبرة في العام 1899 وفي الأول من يناير 1900 كان الخط الحديدي وصل إلى مدينة الخرطوم.
وقد ذكرت أن من حكم السودان كان من التكنوقراط.. بعض القُراء الكرام كان لهم رأي غير ذلك. ولكن طبيعة الجيوش: ما عدا جيوش العالم الثالث وبالذات إفريقيا لا تضم في الغالب تكنوقراط معسكرين، فالجيوش التي دخلت السودان كانت جيوش لها مقدرة هندسية كبيرة، وإلا ما استطاعوا بناء خط حديدي وكباري بقي معظمها حتى اليوم دون أن تجري عليه صيانات تذكر.

وقد كان مدير السكة حديد مهندس ذو رتبة عسكرية لم تقل عن رتبة جنرال إلا آخر مدير عام للسكة حديد فقد كان في رتبة بريقادير أي عميد. مدير السكة حديد كان أعلى درجة من مدير المديرية، كما كان أعلى درجة من القائد العسكري، وكان مدير المديرية قبل أن يدخل مدينة عطبرة، كان يقف بعربته عند مدخل الكبري من الجهة الجنوبية وينزل سائق العربة ويطوي علم مدير المديرية، ولكن عندما يذهب مدير السكة حديد إلى الدامر كان علمه يرفرف في مقدمة عربته فهو الأعلى درجة سياسية كانت أم عسكرية، وكذلك الأمر سرى على مدير مشروع الجزيرة.

فالسودان دخله التكنوقراط في زي عسكري حتى ضباط ومفتشي المجالس المحلية كانوا مهندسي طرق وتخطيط مدن.
الجيوش الحديثة تعتمد اعتماداً كلياً على التكنوقراط العسكريين، واليوم تتم الترقيات في جيوش الدول الكبرى بالإنجازات العلمية وبالحصول على الدرجات العلمية في شتى العلوم طب هندسة زراعة طيران وخلافه فلا يترقى الضابط من رتبة رائد إلى مقدم مثلاً إلا إذا أحرز شهادة ماجستير ومن مقدم إلى عقيد إلا بإحراز درجة دكتوراه الفلسفة «PHD».

وأذكر أن المشرف على رسالتي في جامعة هندسة السكة حديد بمدينة لينجراد كان حاملاً للدكتوراه العلوم وفي درجة بروفيسور ورغم كل هذا كان في رتبة عميد وقد نال المعاش من الاكاديمية العسكرية للسكك الحديدية وتلقته جامعة السكة حديد المدنية وعمل في درجة رئيس شعبة آليات ازاحة التربة..!

وقد ذكرت في مقال سابق بعنوان حُسن الاختيار قصة ذلك المهندس الشاب الذي رافق ستالين في زيارته لأحد مصانع النسيج وقام بشرح عمليات النسيج بطريقة واضحة، وقد أعجبت ستالين وحين عاد إلى موسكو أصدر قراراً بتعيين ذلك المهندس الشاب وزيرًا لصناعة النسيج، وكان هذا المهندس الشاب هو اليكسي كوسجين أشهر وأقدر رئيس وزراء عرفه الاتحاد السوفيتي، ولعلي لا أذيع سراً إذا قلت أن وزير السكك الحديدية كان أحد خريجي الجامعة التي كنت أدرس فيها كما كان وزير الطرق كذلك مهندساً مختصاً بالطرق وكذلك الزراعة والثروة السمكية وعلى ذلك قس، وكانت معظم وزارات كوسجين التخصصية من التكنوقراط.

فالدول تبنى بالتكنوقراط وأذكر أيضاً مثالاً آخر ذكرته من المقال السابق أن هتلر حين أدرك أن ألمانيا ستخسر الحرب طلب من أحد كبار مهندسيه أن يُعد قائمة من أميز المهندسين من مختلف التخصصات الهندسية، وعندما أعد المهندس القائمة وكانت طويلة جداً أمره هتلر بأخذهم إلى مكان آمن حدده هو والبقاء فيه حتى إشعار آخر منه شخصياً، وحين احتج أعوان هتلر وقالوا نحن في أمس الحاجة لهم قال لهم إن المانيا ستتدمر وهؤلاء من سيقوموا ببنائها وإعادتها إلى الحياة مرة أخرى..

وقد حدث ذلك بعد الحرب حيث قام هؤلاء بقيادة المستشار أديناور بإعادة ألمانيا ـ بعد أقل من ربع قرن ـ أكبر اقتصاد اوروبي واحد أكبر اقتصاديات العالم. هؤلاء أعادوا البنية التحتية لألمانيا وهي التي أتاحت لبروز البنية الفوقية لتحكم.

التكنوقراط يعتمدون على الأبحاث العلمية والعملية وليسوا كالساسة الذين يضعون أنفسهم موضع العلماء وما هم بذلك، ليس في مفهوم الساسة مراكز علمية أو بحثية، إنما مراكزهم تملأ البلدان ضجيجاً بلا طحين، كم مركز دراسات في الخرطوم وحدها وكم من الأموال تنفق على تلك المراكز وهي لا تقدم شيئاً بينما مراكز الأبحاث الزراعية لا تجد لها قسطاً ولو يسيراً في الموازنة العامة، وحتى مراكز الأبحاث الطبية كالملاريا مثلاً والتي تحصد الارواح في السودان هي مجرد اسم بلا نتائج تذكر.

التدهور المريع في الخدمات في السكة حديد والصحة والتعليم والزراعة سببه تسييس الوظائف القيادية وحتى ان كانوا تكنوقراط فإنهم ينفذون ما يمليه عليهم النظام الحاكم وقد ترى أحدهم مديراً لسودانير ثم مديرًا للسكة حديد أو الموانئ البحرية في حين أنها تخصصات تختلف عن بعضها البعض حتى في لغتها الهندسية.

ومن يعين من التكنوقراط لا يعين لصفته الهندسية وإجادته لمهنته بل يعين لأنه منتمي إلى حزب النظام، وتملى عليه سياسات النظام حتى وإن تعارضت مع علمه الذي تخصص فيه.
وكل الأمثلة التي ذكرها بعض القراء الكرام امثلة حقيقية ولكن التعيين في المجال لم يكن كخبير في المجال إنما تم تعيينه لولائه للنظام الحاكم، وأمثال هؤلاء التكنوقراط يجب اجتنابهم لأنهم رجس من عمل شيطان النظام الحاكم.

أذكر على سبيل المثال سد هوڤر في الولايات المتحدة الذي شيد خلال الفترة 1931 ـ 1936 خلال فترة الكساد وفي الفترة التي حكمت فيها امريكا حكومة تكنوقراط وكانت الانطلاقة الامريكية فولد السد الفي ميقاوات بتكلفة قدرها تسعة واربعين مليون دولار تعادل في 2005 ستمائة وستة وسبعين مليون دولار «الفترة الزمنية تقريباً لإنشاء سد مروي الذي كلف ثلاثة مليار دولار حسبما ذكر أحد وزراء المالية السابقين أن الكهرباء المائية والحرارية كلفت ستة مليار مناصفة وكان وقتها سد مروي قد تم تشييده، فالذي بني سد هوڤر كان التنكوقراط أما ما حدث عندنا فكان من تنفيد الفشلوقراط من السياسيين..

الانتباهة


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1391

التعليقات
#926212 [ود الخضر]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2014 04:26 PM
كل اخفاقات السودان منذ الاستقلال حتي الان سببها التكنوقراط و المثقفاتيه و المنظراتيه و القلم مابزيل بلم المطلوب المخلصون الصادقون مهما كانت درجاتهم العلميه المعيار هو نظافة اليد و الحكمه.


ردود على ود الخضر
United States [حادب] 02-25-2014 07:59 PM
مشكلتنا هي عدم الاستفادة المثلي من التكنوقراط .. فتجد الطبيب وزيرآ للاعلام .. و الطبيب الآخر وزيرآ للزراعة و دكتورة التمريض وزيرة للكهرباء .. بينما الدباب وزيرآ للخارجية !!!!!


#926201 [adil a omer]
0.00/5 (0 صوت)

02-25-2014 04:16 PM
حكومة التكنوظراط


#926174 [دا كلام ما صاااااح]
5.00/5 (1 صوت)

02-25-2014 03:39 PM
استاذنا الكريم

أراك تخلط بين الحكم بالنسبة للتكنوقراط و تفعيل دورهم فى بناء الدولة . فتارة تطالب بإبعاد التكنوقراط من الحكم وتارة أخرى تقول أن البلاد بناها التكنوقراط .
فاذا كان الجيش الإنجليزى ملىء بالأكاديميين ، فليس يعنى ان الحكومة كانت من التكنوقراط
ومثل ما بنى المهندسون ألمانيا .. كذلك اليابان بناها "رابطة المهندسين والعلماء" بعد تدميرها فى الحرب العالمية الثانية .. لكن فى كلا الحالتين لم يحكمهما تكنوقراك بدليل كلامك عن هتلر .
بل ان بعض العلوم المدنية قد بدأت فى الجيش . وهذا حدث مع "بحوث العمليات" والذى يبحث فى الإستعمال الأمثل للموارد ( بدأ فى الجيش الإنجليزى فى الحرب العالمية الثانية) ..

اتفق معك فى التعيين السياسى للأكاديميين ، والذى لا يمكن ان نطلق عليهم تكنوقراط ، لأن قراراتهم سياسية .. فيخيل لى يا استاذى .. حكومة التكنوقراط لا تعنى اشتراك الأكاديميين فى الحكم فقط وانما تعنى ان الحكم الفصل فى القرارات هو الجانب التقنى المتخصص وليس الجانب السياسى .

اما اذا كان دور مراكز الأبحاث غير مفعل ، فليس معنى ذلك ألا فائدة منها .. بنفس المنطق .. مافائدة الكلية الحربية اذا لم نجد منها غير الإنقلابات و"السجم"؟؟ ..إذن العلة فى طريقة إدارة الدولة .

بنفس منطقك .. يمكن ان اطلب منك ان تكتب فيما تخصصت فيه واترك شأن الإدارة العامة لذوى التخصص


ودمت استاذنا


#926159 [بكري]
5.00/5 (1 صوت)

02-25-2014 03:16 PM
انظر هداك الله لعينة التكنوقراط الذين ابتلينا بهم بآفة التمكين :
طبيب الاسنان مصطفي اسماعيل وزيرآ للخارجية و مستشارآ ثم وزيرآ للاستثمار
طبيب الأسنان غتدور نقيبآ للعمال ثم مساعدآ للرئيس
الطبيب العمومي المتعافي وزيرآ للزراعة و رئيس مجلس ادارة مشروع الجزيرة
د.نافع الزراعي مديرآ لجهاز الأمن
السستر تابيتا بطرس وزير دولة للكهرباء
الدباب التاجر كرتي وزيرآ للخارجية
صهر الرئيس اسامة عبدالله وزيرآ للسدود
فني لحام الطائرات عبد الرحيم حسين وزيرآ للدفاع
الكيميائي هاشم الحسين مديرآ للشرطة
المحامي محمد الحسن الامين رئيسآ للجنة الامن و الدفاع بالبرلمان

و قيل قديمآ : اذا ولي الأمر لغير أهله فانتظروا الطوفان .. و ها نحن منتظرون .



خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة