الأخبار
أخبار إقليمية
جامعة الموت : لغة الرصاص بدلاً عن لغة العلم والحوار!!
جامعة الموت : لغة الرصاص بدلاً عن لغة العلم والحوار!!
جامعة الموت : لغة الرصاص بدلاً عن لغة العلم والحوار!!


03-15-2014 10:41 PM
عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم

أعادت حادثة مقتل طالب في جامعة الخرطوم، وجرح الكثير من الطلاب، من قبل أجهزة الأمن المتعددة الأغراض والمسميات. الي الواجهة الحقيقة البديهية، بشأن الكيفية التي تعالج بها، هذه النوعية من الأنظمة الإستبدادية، خاصة بنسختها الثيروقراطية، المشاكل والأزمات التي تواجهها. علما بأنها هي من أوجد هذه الأزمات، أي بعد أن مهدت الأرضية الملاءمة لإستيلاد الأزمات، بوصفها أنظمة منتجة للأزمات والكوارث، نتيجة لقصورها الشرعي وعجزها القيمي وإفراطها العنفي. ويتمظهر ذلك بجلاء في مصادرتها لحق الحوار والإختلاف والتعبير والمشاركة الإيجابية، أي بندية للآخر في شأن الوطن! الذي إحتكرته حصريا لها ولأتباعها ومناصريها بالحق او بالباطل. الشئ الذي أفرز وطنين متقابلين! وطن حقيقي تنعم فيه الطغمة الحاكمة، بكل الملزات وإشباع كل الرغبات، المادية منها والمعنوية! ووطن مجازي يسع الغالبية العظمي من الجمهور غير المنتمي للطبقة الحاكمة. والذي لم يُحرم من حق المواطنة الكاملة فقط! ولكنه أُجبر علي دعم الوطن او الدولة الحقيقية الحاكمة، سواء بالصمت علي الأخطاء والموبقات وما أكثرها، خوفا. او بقبول الحرمان من كامل حقوقه، التي تنقله من دولة المجاز الي دولة الحقيقة، والتي تحفظ له هذه الحقوق كمواطن كامل الأهلية، وذلك حرصا علي ما تبقي من الحياة! والأسوأ من ذلك، هو تسخير هذه الطبقة العريضة من المواطنين المحرومين، لتلبية حاجات وطلبات تلك الطبقة الحاكمة! وذلك عبر سوقها قسريا او (خداعيا) للدفاع عن الطبقة الحاكمة/الدولة الحقيقية، التي إحتكرت تعريف الدولة والقيم والوطنية والدين! وتاليا إمتصاص فائض جهد وعرق الطبقة المحكومة، والمحرومة سلفا من أهلية المواطنة والإحترام الكاملين(أي وضعية السخرة)! وذلك عبر إمتلاك كل الأدوات الإقتصادية والخدمية، وإعادة توظيفها، بحيث تصب في إتجاه مصلحة وحماية الطبقة الحاكمة/الطبقة الإسلاموية!!


ويمثل مقتل الطالب الشهيد(علي أبكر موسى إدريس) وجرح زملاءه الآخرين، واحدة من حلقات مسلسل الرعب والعنف. الذي داومت هذه الجماعة المتأسلمة المتعطشة للدماء، والمندفعة لممارسة وإستخدام العنف، علي عرضه! كرسالة تحذيرية وتهديدية لكل من (يَهوِّب) ناحية سلطاتها او إمتيازاتها، او يقف في طريق الوصول إليهما! أي كأحد آليات الإستمرار والبقاء(حمارة عين)! وهذا الأسلوب الهمجي في التعاطي مع الشأن العام، لم يكن وليد اللحظة او دخيل علي ممارستها المعهودة! ولكنها إبتدرته منذ عهد الطلبة! وتربي عليه كادرها السياسي والتنظيمي والعضوي! بمعني أنه أحد سمات هذا التنظيم او هذه الجماعة الإسلاموية الهمجية العنفية. والتي يؤرخ لها، بأنها أول من أدخل العنف بصفته العارية، وكوسيلة أولية لحل الخلافات الفكرية والسياسية، وبسند فقهي تضليلي تبريري، علي الوسط الطلابي. ومن ثم نقله الي الحقل السياسي العام، وتوظيفه بصورة تكاد تكون حصرية! وذلك منذ حادثة (رقصة العجكو الشهيرة) أوآخر الستينيات علي مسرح جامعة الخرطوم، وأيضا الإستثمار في حادثة معهد المعلمين، بصورة دوغمائية ومثيرة ومهيجة ومستغلة، لمشاعر المواطنين المسلمين(التكسب من إيقاظ الفتنة!!).

وفي الحقيقة العنف الذي يسم هذه الجماعة، لا يتوقف علي العنف العاري الفاضح في حل الخلافات فقط! ولكنه يتحول عندها الي لغة جسدية وذوقية(تجهم وصرامة وعبوس ومعاداة للجمال والفنون والرياضة لغالبية الأعضاء!) وإعاقة عقلية وأخلاقية(تعديل الدستور او تجاوزه وتخطيه او إعادة تفسيره او أسلمته وبما يتوافق مع مصالحها وليس الصالح العام!) وأداة سياسية(طرد نواب الحزب الشيوعي من البرلمان دستوقهريا، والقيام بإنقلاب علي السلطة الشرعية لأحقا!). الشئ الذي مهد للعُنف المُضاد في الوسط السياسي، وتمثلت أبرز تجلياته في الإرتداد لآلية الإنقلابات في حسم الصراع السياسي(إنقلاب نميري المدعوم من التيار العروبي والشيوعي المُصادر حقه الشرعي في التمثيل والمشاركة!!).

بمعني، إن الممارسة العنفية او النهج العنفي العام والمتخفي وراء الديمقراطية الشكلانية او الديمقراطية منزوعة الروح والمضمون! الذي مارسه التيار اليمني بصفة عامة، والإسلامويون بصفة خاصة! كان في الحقيقة إعلان صريح بالردة عن مُنجزات ثورة إكتوبر العظيمة، ونكوص عن قيم الحرية والديمقراطية والمشاركة وإعلا شأن الحوار والشرعية والسلمية في ممارسة العمل السياسي. وهذه النكبة الإرتدادية او مفارقة النهج الديمقراطي القويم والإيمان بالتداول السلمي للسطة، لم تنقضِ آثارها بإنقلاب مايو فقط! ولكن مازالت ذيول آثارها وسلبياتها تؤثر علي الحياة السياسية حتي اليوم!! وبكلام آخر، إن جزء من الأزمة السياسية الخانقة التي تعيشها بلادنا اليوم، تمتد جذورها الي ذاك الماضي البعيد، والغدر المُبكر بالمُنجز الثوري الديمقراطي!!

المهم في الأمر، إن الجماعة الإسلاموية ومنذ وعيها المُبكر، ورغبتها المشاركة في العملية السياسية. إستبطنت العنف، من خلال أقوالها وأدبياتها وتاليا أفعالها علي أرض الواقع العملي أي اللأمنبري او اللأنظري. وذلك حتي أثناء الفترات الديمقراطية القليلة، التي تهيئ البيئة للحوار ونبذ العنف! ومرد ذلك المسلك العنفي يعود، لإعتقاد فاسد او وعي مُضلل، يشوش علي تفكيرها ويضغط علي عصب حركتها. وهو الوهم بإمتلاكها الطهرانية الدينية والقدوة الأخلاقية والنصر الإلهي! والحس او الإحساس النخبوي، وذلك قياسا علي الأداء الأكاديمي وتربية اللحية وإرتياد المساجد وعدم مصافحة النساء والتحدث بإسم الله حصريا!! وبناءً علي ذلك، يصبح الحق في جانبها بداهةً او هي الوجه الأبلج للحق!! وتاليا الآخر في الإتجاه الخاطئ او هو مُلازم للخطأ والخطيئة والإثم، كموقف جوهري او ماهية تعريفية، لأ تحتمل أي درجة من الصواب، أي الخطأ في كونه آخر!! ولذلك يجب إقناعه بالتخلي عن كونه آخر، او إكراهه علي الإقتناع!! بهذا المعني يصبح الحوار رسالة للهداية ومعرفة طريق الحق والنور! بمعني إن الجماعة إنتحلت صفة النبوة او علي الأقل حدث نوع من المُماهة بين الجماعة والدعوة النبوية او هي إمتداد للدعوة النبوية! مما أكسبها الطابع الوصائي الطاغي علي مشروعها السياسي. والنتيجة، أنها إستبدلت البرامج السياسية بمعناها الشامل، وبكل تشعباتها وتفصيلاتها وقنواتها وطريقة عملها، او ما يبرر تسميتها بالحزب! بوهم الدور الرسالي، الذي يتمثل في إنقاذ وقيادة الأمة الجاهلة الضالة، الي الصراط المستقيم، حتي ولو عُنفيا او إنقلابيا!! وبكلام صريح، أصبح العنف في شرعتها، ليس فعلا فظا عديم الرحمة ويخلو من الحس الإنساني و الحضاري فقط! ولكنه تلميح ديني او أمر فقهي، القصد منه إرضا الله ورسوله وإقامة شرع الله، أي كأن الدين ساحة صراع رومانية!!

ولذلك في حضور هذه الجماعة، تغيب كل مكتسبات التعليم الحديث والبعثات الخارجية والإحتكاك بالغرب ومنجزاته، بل تضيع حتي الموروثات القيمية المحلية! وتحضر فقط، الهمجية والفظاظة وروح التغوُّل و(التكويش) والتسلط والإستعداد التام او التحفز للعداء. وتتمظهر هذه النزعة العدوانية العنفية بوضوح، في حواراتهم المُتشنجة المُتعالية علي الآخر! وفي الاسلوب الماسوني السري في إدارة التنظيم/الجماعة، أي أسلوب يستبطن الشر والإجرام أي أسلوب اللصوص! وكذلك في أداءهم الإعلامي الذي يمتح من إناء السب واللعن والسخرية، ويستلف ألفاظه من قاموس الغمز واللمز والتكفير والتخوين وتشويه صورة المخالفين، حتي ولو كانوا من خيرة أبناء البلاد، او رموز فخرها بين العالمين! وأكثر من عاني من هذا الهُراء الإسلاموي الإعلاموي الباطل، هم الإخوان الجمهوريون. وكذلك طال هذا التجني المجاني الشخصي والإعلامي والسياسي، بقية التنظيمات المُخالفة، بل حتي المُهادنة والمُشابهة، لهذا الكيان الضلالي المتعالي الأجوف(هذا وصف حال ونتيجة وليس نبذ!). وبناءً علي هذه المسيرة الطويلة من المكر، لهذه الجماعة الضالة، عديمة الرحمة بالمجتمع والرأفة بالمخالفيِّن، وكفيفة الحس الإنساني والوطني والأخلاقي.

كانت المحصلة الطبيعية هي القيام بإنقلاب يونيو 1989م بمساعدة العسكر المؤدلج. بمعني إن الإنقلاب كان تتويج او إلتحام للعنف المدني، المتمثل في الجماعة الإسلاموية! والعنف العسكري، كجزء من عقيدة هذه المؤسسة العسكرية! وتحالف كهذا، أي مزيج العصبوية الدينية والإنحراف العسكري، مؤكد ينتج عنه، حالة من الإرهاب العام والكبت والتضييق والإستبعاد، ومصادرة حقوق المبعدين من هذا التحالف الشيطاني العنفي العدمي، وبما فيها حق الحياة!! وطبيعي في أجواء كهذه، لا معني للحديث عن كرامة او حريات او تنمية او وطن او مواطنة، بمعني أنها أجواء خلقت بيئة، فسدت فيها المفاهيم وتسممت فيها المضامين، وتحللت فيها كل قيم المجتمع وممسكاته، وأصبح لأ ينقصه فيها إلا إعلان الوفاة!! ولو إكتفت هذه الجماعة الهمجية، بإستيلائها الغادر علي السلطة او الإدعاء بإحتكار الحقيقة فقط! لكان أهون عليها وأخف وطأة بالمجتمع! ولكنها أضافت الي ذلك ممارسة هواية حقدية تجاه المجتمع، او إعتنقت عقيدة الأرض المحروقة حقدا تجاه المجتمع!! وبالأخص الجامعات والتعليم بصف عامة!

بمعني أنها لم تكتفِ بتدمير الحاضر فقط! ولكنها دلقت مياهها الآسنة علي نهر المستقبل لتسميم أجياله!! بإعتبار، أن التعليم الجيد يمثل أهم روافع المجتمع، والقاطرة التي تقود البلاد الي النهضة والإنطلاق! وبما أنها وضعت نفسها في مواجهة المجتمع عوضا عن خدمته! فلذلك حرصت هذه الجماعة التجهيلية، علي إفراغ التعليم الحكومي من محتواه، وجعلت التعليم شبه الجيد، تعليم خاص ومرتع للإستثمار وحكرا علي القادرين. وداومت بصبر لأ يعرف الكلل، علي التخريب المُمنهج للتعليم ككل و التعليم الجامعي علي وجه الخصوص! بعد ان عهدت به الي كوادر مؤدلجة ضيقة الأفق قلية الفهم عديمة الخيال، تتلقي الأوامر من جهات علاقتها بالتعليم ملتبسة ان لم تكن معدومة! وهي مسكونة بتعاويذ وهمهمات وقليلا من التُراث المُرتبك، وشك أكيد بالتعليم الحديث و يقين راسخ برفض كل حديث! والنموذج الصارخ والمأساوي علي الحقد الدفين، هو التحطيم المُتعمَّد لجامعة الخرطوم، التي علَّمَت ورعت معظم كوادر هذه الجماعة الناكرة للجميل!! فعملت علي تجفيف حق الإعاشة وصادرت حق السكن المجاني، وبادرت بتعريب الجامعة والمناهج خبط عشواء او إحتطاب ليل...الخ، وألتفت علي هذا الإفتئات الشائن، بالإعلان عن ثورة التعليم العالي، دون إعداد كافٍ او رؤية علمية منهجية او مجرد إمتلاك بصيرة رجل الشارع العادي، في التعامل مع رغباته في حدود مُدخراته وإستطاعته! أي أعلنت عن ثورتها للتعليم، و كأنها تُعلن عن دعاية لصابون او مبيض أسنان او دهان للشعر!!

بمعني الإستهانة والإستهتار، بقضية تحمل كل هذا القدر من الخطورة والتأثير، علي مستقبل الدولة وحقوق أجيالها! الشئ الذي يعكس غياب التحلي بروح المسؤولية الذي يتأصل داخل أسلوب عمل هذه الجماعة. أي غياب الضوابط المعرفية والمنهجية والأخلاقية التي تضبط عمل هذه الجماعة الفالتة! فالمهم لديها هو تحطيم جامعة الخرطوم ولو بالإدعاء بإنشاء المزيد من الجامعات، وهي دعوة حق( إنشاء المزيد من الجامعات) يراد بها باطل(الغرض سياسي وليس تعليمي!). أي الإهتمام بالكم علي حساب الكيف، او الإستسهال بدلا عن التجويِّد! ولأ يعني ذلك أن جامعة الخرطوم مُبرأة من النخبوية! وضعف إرتباطها بقضايا المجتمع، خاصة علي المستوي التنموي، أي كفاف البصيرة وضعف الهِمَّة، فيما يلي توجيه المعارف بما يخدم قضية التنمية الشاملة للمجتمع. بهذا المعني، يصبح الحراك السياسي داخل الجامعة، هو نفسه هاجس نخبوي، خاصة بعد تجريده من بعده التنموي والحقوقي العام! أي الغائب علي الدوام، التفكير في المجتمع والإنشغال بهمومه ومخاوفه، ويحضر عوضا عن ذلك، التفكير في الذات والإنشغال بطموحات النخبة الخاصة، وما أعظمها!! المهم المقصود من تحطيم جامعة الخرطوم، ليس الصالح العام او النهضة التعليمية بمنظور تجديدي وشامل! (والتحطيم المعني هنا هو تحطيم النخبوية التعليمية) إذا ما أعتبرنا أن جامعة الخرطوم، شكلت مركزية حول نفسها وحول خريجيها ومخرجاتها، وهي مركزية طاولت السياسي والثقافي والتنموي والوطني، وغصبا عن ضعف مردودها تصر علي الإستمرارية والبقاء! تاركة الهامش بكل إرتياح لبقية مكونات المجتمع، وبصلف وإحساس مكتوم يرقي لدرجة (الخرطوميون في مواجهة اللاخرطوميين)!

بمعني، إن التحطيم كان مقصودا لذاته، اي كجزء من مخطط هدم المجتمع، وإضعاف منارات الوعي بعلاتها داخله، وتعطيل قدرته علي التصدي لهذه المنظمومة التخريبية! أي الهدف الحصري من تحطيم الجامعة، هو إكساب المجتمع القابلية للتعايش مع الحالة الكيزانية التدميرية، المُرادفة للفساد الشامل. وذلك عبر تقديم جرعات تعليمية ضعيفة وغالبا نظرية، وتشتيت الطلاب علي كل بقاع السودان كجزر معزولة، وشغلهم بتدبير أمر معاشهم، أكثر من إنشغالهم بالتحصيل والدرس وممارسة أنشطة سياسية او إجتماعية..الخ. وفي جامعة الخرطوم خاصة، وإحتمال في غيرها من الجامعات ولو بصورة أقل سفور، سعت الجماعة/السلطة/الحكومة لمُصادرة الحق النقابي للطلاب. سواء بالتلاعب بظروف إجراء الإنتخابات، لتخدم الفصيل المُمثل للجماعة، كجزء من الدعم اللوجستي غير المحدود! او بمصادرة هذا الحق جملة وتفصيلا وتعليقه، مما يعني عمليا إحكام سيطرة الجماعة، علي بيئة العمل السياسي داخل الجامعة بوسائل أخري! وهذا ناهيك عن المُعاكسات والحروب المُعلنة والخفية، التي تواجهها التيارات المُخالفة للتيار الإسلاموي، في حالة فوزها في الإنتخابات بإعجوبة! وذلك بتواطؤ الإدارة وجزء من الأساتذة والطلاب المحسوبين علي الإتجاه الإسلاموي، إضافة للحرس وبعض الموظفين، ضد التيارات المُخالفة!! وأحيانا يصل التعطيل سنين عددا، وأتحدث هنا عن جامعة الخرطوم، لدرجة أن أجيال مرت علي الجامعة، منذ دخولها وحتي مغادرتها لم يسعدها حظها بحضور جولة إنتخابية واحدة!!

وحتي أركان النقاش التي يتم فيها إعداد قادة المستقبل السياسيين، بتعليمهم فضيلة النقاش وتقبل الراي الآخر ومقابلة الحجة بالحجة. أفسدتها هذه الجماعة، بعد أن خلقت حالة من العداء، بين الطلاب السياسيين في جهة، والطلاب الإسلامويون المتفرعنون المدعمون من الخارج ومن الأمن في الداخل، من الجهة المقابلة. والنتيجة تحولت أركان النقاش الي حلبة مصارعة لفظية، ومهاترات ومعارك تكسير عظام، لنيل الإنتصارات الشخصية/الحزبية وليس للإفكار او البرامج! وتاليا فقدت دورها وأهميتها، في رفع القدرات السياسية والحوارية لبقية الطلاب غير المنتمين سياسيا، وهم الغالبية(الشريحة المستهدفة). والأسوأ من ذلك، أن كلمة السياسة وممارسة السياسة او الإهتمام بها داخل الجامعة، أصبح مرادفا للعنف وتعطيل الدراسة وإضعاف التحصيل الأكاديمي. أي تم إفساد كامل للبيئة السياسية الجاذبة لهذة الشريحة من الطلاب، خلال هذه المرحلة العمرية الإعدادية للمستقبل! علما بأن كوادر هذه الجماعة كانوا الأكثر إستفادة من هذه الأركان، ومن البيئة الديمقراطية الآمنة المحيطة بها! وأفادتهم تنظيميا وسياسيا. ولكنها فائدة وجهت مستقبليا، لتلبية ملزات الجماعة وكادرها بصورة شخصية وتنظيمية، وعلي حساب الوطن والمواطن وحقوقهما في أعناق هؤلاء الكوادر الجاحدة! ولكن يبدو أن هذه الأنانية التنظيمية، وسوء التربية فيما يتعلق بالتعامل مع المصلحة العامة! يعود الي أنها جماعة غير قابلة لتعلم الحس الوطني او مُعدَّة للقيام بأدوار كبري تتلاءم مع النفوس الكبيرة، او مُقدِّرة لحجم الفرص والإستفادة من التسهيلات التنظيمية المُتاحة! بسبب غرورها وعنادها وإحساسها، أنها فوق العلم والتعلم والإنضباط، وفق أي معيار وضعي، ولا حتي ديني تُزعم أنها تتبناه. وغالبا ما تحوِّل الوسائل التنظيمية الحديثة، من أدوات لترقية العملية السياسية ونهضة المجتمع، الي غايات تهدف لتلبية رغباتها الطفولية وعاداتها السياسية الرذيلة!

وبالعودة الي أحداث جامعة الخرطوم الأخيرة، ومقتل الطالب الشهيد وجرح طلبة آخرين، بسبب ركن للنقاش أقامه طلاب دارفور، لتوضيح قضيتهم وشرحها للفصيل الطلابي. كجزء من الأنشطة الطبيعية والمسموح بها داخل الجامعة، بدليل إقامته ذاتها! وإحتمال الإعلان عن قيامه قبل وقت كافٍ(إذا ما كان هذا التقليد قائم حتي الآن، ولم تبله تصاريف الدهر الكيزاني المشئوم). لأن هذا يمثل جزء من واجب طلاب دارفور، في التفاعل مع قضايا الوطن بصورة عامة ومع قضايا إقليمهم بصورة خاصة! بل ويعتبروا مقصرين وناكرين لجميل أهاليهم ومناطقهم، إذا ما تخاذلوا عن أداء هذا الواجب الضروري. خصوصا في ظل التعتيِّم الإعلامي، الذي يُضرب علي ما يجري في دارفور! وغياب لُبْ هذه القضية عن رادارات التنظيمات السياسية والمنظمات المدنية المركزية، أو لجهة عدم التعاطي معها بإنفعال حقيقي، او بصورة أكثر حساسية وجدية، او علي الأقل بإهتمام يعادل حجم المآسي والكوارث التي يعيشها الأقليم المنكوب، والمراحل الخطيرة التي وصلت إليها قضيته. وكذلك توهانها المتعمد في زحمة القضايا الإنصرافية، التي يناقشها نجوم الساحات الفضائية والصحفية، في هذا الزمن الإنقاذوي النكد، الذي يتصدره نموذج الصحفي/المُستثمر او الإعلامي/التاجر، أمثال السيد حسين خوجلي والطفل الصحفي المعجزة علي وزن الدبلوماسي المعجزة، السيد الهندي عز الدين!

وفي كل الأحوال وبغض النظر عن نوع القضية، او الإتفاق او الإختلاف معها. فهي تظل قضية مطروحة في ركن للنقاش، ومن قبل طلاب وفي حدود المسموح به. وبما أنها قضية مطروحة للنقاش، وكما جرت العادة في هذه الأركان(إذا لم يطرا جديد ويبدل الطلبة اللاحقون في تقاليد أسلافهم تبديلا!) فهذا يعني أنه ليس مسموح للراي المخالف بالمشاركة والتعبير عن نفسه فقط، بل مطلوب بشدة هذه المشاركة! كجزء من آلية عمل هذه الأركان في الإقناع وتوصيل رسالتها، ومعرفة نقاط الضعف في هذه الرسالة/القضية، وتاليا زيادة الوعي بالقضية، ليس للمتلقين فقط، ولكن حتي للمتبنين، القضية محور النقاش! وبكلام واضح، إن الفرصة كانت مُتاحة للجهة المُخالفة او المختلفة مع هؤلاء الطلاب، للتعبير عن رأيها بصراحة وشفافية، وتفنيِّد كل حُجج الطرف الآخر! أي أن مجمل العملية كانت سلمية، وتسلح الطلاب فيها بآراءهم وإيمانهم بقضيتهم. ولم يمتشقوا السلاح او او يخفوا القنابل والمسدسات والمدافع تحت ملابسهم! وفي أوضاع كهذه، ما الداعي لدخول الأجهزة الأمنية كطرف في الموضع أساسا؟

وهي سلفا خالية من الذخيرة الفكرية ورافضة لمبدأ الحوار والنقاش! وما المسوغ لإستخدام الرصاص الحي، في معالجة قضية جدلية مطروحة للنقاش؟! يطرحها طلاب داخل جامعتهم، ومن صميم حقوقهم الطلابية! ولا تصدق عليهم دعاوي التخريب وغيرها من الهرطقات، التي درجت الأجهزة الأمنية والشرطية، علي إشهارها في وجه أي تحرك يخص المعارضين!! وكيف تسمح إدارة الجامعة، بدخول أجهزة وعناصر غريبة عن الجامعة ومسلحة؟ بل ومعادية للطلاب عقديا وتكوينيا؟! وما يمثله ذلك من خطورة علي حياة الطلاب، مسؤولية إدارة الجامعة الرشيدة! إضافة الي إنتهاك هذا المسلك لحرمة الحرم الجامعي! والأخطر ألا يمثل هذا المسلك او تبريره او الدفاع عنه، دعوة مجانية لممارسة العنف؟! ألا تمثل هذه الجريمة رخصة مرور لأي حركة مطلبية، لإستخدام العنف والرصاص، علي الأقل لحماية نفسها، من حكومة تتفاهم بلغة الرصاص والكلاشنكوف!

بمعني، إن غياب الحوار او تغيِّبه، و عدم السماح للراي الآخر بالتعبير عن نفسه، والدفاع عن حقوقه بصورة سلمية. يمثل إعلان صريح ومبرر شرعي لإستخدام العنف المضاد، وإزدراء مُعلن للغة العقل والحوار، ولتهيئة الشروط الأولية والبديهية لخلق بيئة الإستقرار والسلام! أما إذا كان الغرض من هذا المسلك العنفي المُجرم المدان إبتداءً، هو إستدراج للحركات والتحركات السلمية، ضد النظام المُغتصب للشرعية لإستخدام العنف! ومن ثم تبرير الرد العنفي الإفراطي تجاهها. فهذا بدوره يمثل أعلي درجات الرعونة، وسيناريو جاهز للحرب الأهلية! التي إن إندلعت لن تطال الضعفاء والعزل فقط! كما يتوهم رعاة هذه المشاريع العنفية العدمية الكارهة للآخر والحياة! ولكنها ستطال في مرحلة من مراحل الحريق العظيم، مُشعلها وبصورة أكثر عنف وجذرية. حسب قانون الفعل ورد الفعل، الذي كما ينطبق علي الطبيعة، يصدق أحيانا علي الطبيعة البشرية المُعقدة(كما تدين تدان)! وما مصير القذافي منا ببعيد!! والسؤال الأهم، من المسؤول عن تفجير كل هذه الأزمات؟ والتي بدورها تستدعي النقاش وإقامة الأركان. وتستنزف الجهد الفكري والتنظيمي والأكاديمي، في إطفاء حرائقها! بدلا عن توظيف هذه الطاقة والجهود، وإستثمارها في تطوير وتحسين، قضية التنمية البشرية والمادية والبناء القيمي! ثم أليس لأهل دارفور قضية مُلحة وعاجلة، تمس أمنهم وحياتهم وتدبير معاشهم؟ ويصح أن مشكلة دارفور وكغيرها من مشاكل الوطن، تتداخل فيها عوامل عدة، ماضوية وجغرافية وقبلية بل حتي بيئية و تهميشية! ولكن الأصح أن علاج هذه المشاكل لن يتم إلا بصورة حوارية سلمية، تساهم في خلق بيئة السلام والإستقرار، وتُعلي من شأن المواطن وكرامته ونيل حقوقه كاملة. ولكن الأكثر صحة أن معظم مشاكل دارفور تقع علي عاتق الحكومة/النظام/الجماعة المُتأسلمة حصريا، وذلك لعدة أسباب منها،

أولا، لأنها قامت بإنقلاب علي السلطة الشرعية المُنتخبة، وأدعت أنها قادرة علي حل كل مشاكل الوطن وبصوة منفردة. بعد أن رحلت تلك المشاكل للحكومة الديمقراطية العاجزة، والأحزاب الأخري الضعيفة والفاشلة!

ثانيا، قُدمت لها منذ بداية الأزمة إقتراحات، باللجؤ للحلول السلمية، علي الأقل كخطوة أولية! ومن قبل عناصر من داخلها وبعضهم بصفته العسكرية! ولكنها فضلت الحلول العسكرية والأمنية(العناصر الأكثر أدلجة وراديكالية داخلها وهم يشكلون الغالبية العظمي). وذلك لأنها حلول توافق مزاجها وتكوينها العنفي العدمي. ولإنعدام مساحة الحوار او لإحتقار الآخر داخل وعيها المشوه، وصعوبة إحتماله داخل سلوكها المنافي حتي للإعراف المحلية، وكأنها تستمد قيمها من بقع شيطانية تتلبس روحها الشريرة!

وثالثا، لأنها فضلت أن تستثمر في التناقُضات والخلافات، التي تضرب أهل هذا الإقليم، وطالت حتي حركاته المسلحة. بمعني أنها فضلت زرع بذور الأزمة والفتنة، بين مكونات الإقليم شديدة التعقيد إثنيا، وزاد من تعقيدها تباين طرق العيش وتقلبات المناخ، وتنافس الحركات المسلحة او عدم إجتماعها علي عقيدة وأحدة وهدف مشترك، او بلورة رؤية شاملة ومتفق عليها لحل مشكلة الإقليم جذريا! وكل تلك التناقُضات عملت علي تكريسها وإدامتها. بدلا عن تقديم المساعدة والعمل علي توحيد الإقليم، بكل مكوناته علي صعيد واحد، الشئ الذي يسهل حل القضية بصورة شاملة ومستقرة!

رابعا، إصرارها علي الفصل بين مشكلة دارفور وبين بقية مشاكل الوطن، أي ممارسة سياسية تجزئة الحلول علي الرغم من ثبوت فشلها. بكلام آخر، هروبها المتعمد من الإعتراف صراحة، بأن الأزمة الوطنية هي أزمة شاملة ومركبة وتطال كل الجهات والأفراد. وهي المتسبب الأول فيها. وبناءً عليه لأبد من أن يكون الحل شاملا، ويمر عبر تفككيها بإعتبارها المؤسسة للأزمات والعقبة في طريق الحلول. وبكلمة وأحدة لأ حل للأزمة الوطنية إلا بحل المتسبب فيها! ومن ثم مشاركة جميع قاطني ما تبقي من الجغرافية السودانية. في التأسيس لدولة المشاركة، او الدولة العامة والعابرة، للتكوينات المجتمعية والمناطقية والتيارات الفكرية...الخ أي دولة السعة وحفظ التباين ورعاية الإختلاف. بعد القطع نهائيا مع الدولة الموجهة، لصالح جهات محددة او أفكار محددة او طبقات محددة، أي دولة النخبة والوصاية والإحتكار. التي تسببت في كل الأزمات الوطنية المتناسلة تاريخيا ومازالت تعدنا بالمزيد!!

والمُحصلة، إن للجامعات حرمة ومكانة محترمة في كل مكان، وهي مكان للحوار والتلاقي وبناء القدرات العلمية والشخصية والسياسية..الخ. أي هي ساحة نشاط العقل وإكتساب الحضارة. لذا فهي تمتنع جوهريا، علي دخول العسكر والأمن وغيرهم من العناصر والأسلحة وأجواء الرعب المرافقة لهما. والتي تفسد البيئة الطلابية وتخل بتوازن أهم مكوناتها، وهي الحرية علي مستوي البحث العلمي والنشاط الفكري والسياسي والإجتماعي، مع تحمُّل كامل لمسؤولياتها. والأهم من ذلك، أن النفس الإنسانية أكثر قداسة، ولأ يجوز إهانتها او حرمانها حقوقها، ناهيك عن قتلها المحرم في كل الأديان والشرائع الوضعية، إلا لأسباب معلومة وفق معايير العدالة! والمؤكد، إن هذه القضية لأ تخص الطالب الشهيد وحده او طلاب دارفور خاصة، ولكنها قضية تخص كل الوسط الطلابي. مما يستدعي وقوف هذا الوسط، بصلابة وتضامن وإتحاد، وقفة رجل واحد. حتي يتم الإقتصاص لهذا الطالب ومحاسبة الجُناة. وبناء كل الضمانات التي تمنع تكراره، وتحول دون تغوُّل إدارات الجامعات والأجهزة الأمنية او الحكومية، علي هذا الوسط. او حق الطلاب في الحوار بحرية وممارسة النشاط السياسي الثقافي...الخ. بل وأخذ رأي الطلاب فيما ينالونه من تعليم وتقييمهم حتي لأساتذتهم. أي القيام بمسؤولياتهم تجاه توفير بيئة علمية جيدة و مفيدة، ومن كل النواحي. وعدم الركون لوضع القصور والتلقي السلبي والتحكم، لكائن من كان!!

وكذلك هذه الحادثة لأ تمثل شأنا خاص بالطلاب، ولكنها تمس كل الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني. بمعني يجب تضامن الجميع، من أجل وضع حد لتجاوزات هذه الجماعة/الحكومة، بكل أذرعها الأمنية والعسكرية والشرطية والإعلامية والتعليمية والإدارية..الخ. ويبدأ ذلك بقطع الحوار او الإتصال او التعامل، مع هكذا جماعة/حكومة تستهين ليس بحقوق المواطنين السياسية والإقتصادية والثقافية فقط، ولكن حتي بدمائهم!!

كما أن الهروب من مواجهة قضية دارفور او غيرها من القضايا، لأ يعني أنه لأ توجد قضايا او مطالب عادلة، او أن الزمان كفيل بحلها بصورة آلية ودون تدخل الفعل البشري! لذلك فالأفضل للحكومة وللمواطنين، وكسبا للزمن وحفظا للأنفس والثمرات. مواجهة هذه القضايا بكل شجاعة وتجرد وإعتراف بالأخطاء، وإرجاع الحقوق الي أهلها. فالوطن يكبر وينتفع به أهله ويكتسب معناه، إذا ما كان مستقرا وآهلاً للسكن! بل ويمكن أن يمنح حتي الجيران من خيره وفيضه النافع. وأقصر الطرق لإحداث كل ذلك، هو طريق حسن الإدرة، من مدخل النهج الديمقراطي القويم، وبإستصحاب كل تفاصيله ومضامينه وخبرات البشرية والسنين. ومؤكد لن يتم ذلك، في وجود تيار او جماعة او جهة، تدعي إمتلاك الحقيقة والمعرفة والقوة والأخلاق، دون خلق الله! والسبب في ذلك بسيط، لأن هذا الإدعاء، غير أنه يؤسس للظلم والعصبية وإهدار الحقوق والعنف الفالت. فهو يتعامي عن رؤية أبسط البديهيات، وهي أن كل المواطنين شركاء في هذه القيم او الملكات. وإن المعيار الوحيد للتفاوت، هو الإلتزام بالقوانين والمؤسسية والمنهجية العلمية.
في الختام التحية والمجد في العلياء للطالب الشهيد(علي أبكر موسى إدريس)، ولكل الشهداء بطول عمر هذا النظام القاتل. ونسأل الله أن يتقبلهم قبولا حسنا، ويعوض دمائهم الطاهرة خلاصا لهذا الشعب المظلوم، والمحشور في ضيق معيشي يحاكي الجوع! وعاجل الشفاء لكل الجرحي والمصابين وللوالدة وهي تعاني آلام المرض.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3390


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة