الأخبار
أخبار إقليمية
حكاية زول من طين البلد: حميد.. عامان على رحيل التربال
حكاية زول من طين البلد: حميد.. عامان على رحيل التربال



03-21-2014 12:18 AM

الخرطوم - الزين عثمان

عتبة اولى

* العشرون من مارس خرج الصوت في كل الشوارع وهو يردد نصاً واحداً "وانطفأ مصباح السماء الثامنة".. ساعة الموت ذاتها تتلاحق الأسئلة على طريقة الراحل، وبصوته؛ "وهل تعني النهاية الموت، وينبعزق غناك سدىً؟ أم أن الغيم حيتسابق على الأرض العزيزة فدىً؟"

قاعة الصداقة يكسوها السواد، وتتسربل بلافتة كبيرة، أوضح ما فيها عبارة "وطني البموت وبخلي حي". صورة لحميد، وصوت لطفل اسمه منجد معاوية، يستأذن في أن يخلع نعليه في دار حميد، ويستأذن ليسأل: هو المات حميد، ولا الأطفال؟ المات حميد، ولا الأجيال؟ المات حميد ولا العمال؟ استفهامات الصغير يجيب عليها العشرون من مارس 2012 ليترسخ مارس في الأذهان بذات صفته القديمة؛ شهر الكوارث.

صبيحة ذلك اليوم حمل الخبر حزنه ووضع العم عبد الرحيم عصا ترحاله.. لم يكن المتهم هذه المرة هو (القطر) وإن كان القدوم للخرطوم سببه جزء آخر من النص: "وإيه الدنيا غير لمة ناس في خير أو ساعة حزن"؟.. حميد كان قادماً إلى الخرطوم لحضور حفل تدشين ديوان (بحر المودّة) للشاعر السر عثمان الطيب، ولمواصلة المودّة مع أخته وهي تخرج من حبس الحزن على زوجها الراحل، ولكن... كان الموت أسرع.

* العام 1956 هو عام ميلاد الوطن. ارتفعت راية استقلاله عالية خفاقة في فاتحته.. هو ذات العام الذي ولد فيه محمد الحسن سالم عمر عبد الله حميد في منطقة نوري؛ (البلد) المكان الذي تحلو دائماً له العودة، وللبيت القديم.. هادي البيوت مستورة خلقة.. البيت بيتك ادخل مخيّر وماك غريب، واتمدّا في أقرب عنقريب مبهول في حوضه الهمبريب.. من خزن النفوس الماهلة مفتاحا القلب. مرق حميد إلى الدنيا، وغنى الوطن كما اشتهاه؛ زي حلم المسيح، زي صدر الرسول ماهل وهيط، ما أحلى الوطن، ما أجمل المكان هنا في منحنى النيل.

خرج من طوع العامية في حضرة الشعر، وطوع النظم لخدمة كل الناس، والتعبير عنهم. هنا نوري البلد؛ ذات المكان الذي يرقد فيه تهراقا شاهداً على وطن لا تشبهه الأوطان. وطن براه يقف شاهداً على تاريخ يمتد في جذور الأرض.. نحن الآن في الطرابيل؛ المنطقة الأثرية بنوري.. يؤرقني السؤال الذي طرحته زائرة لبنانية في زمن ما في نفس البقعة (السودانيّون، هل هم أمة استقالت من تاريخها وجغرافيتها)؟ ربما يقول الواقع: نعم، ولكن إحساس العظمة الذي ينتابك حين تقف في وسطهم يؤكد لك كم نحن أمة متفردة في كل شيء، حتى في عدم مبالاتها لما نملك وفي عجزها عن تسويقه للآخرين!

حميد الراحل مولود بالقرب من تهراقا، عاش بين الجروف، وفوق سبيط النخل.. درس مراحله التعليمية الأولى في نوري الأولية، والمتوسطة، قبل أن يشد الرحال نحو (أتبرا الطيبة) التي أكمل فيها دراسة المرحلة الثانوية، في مدرسة عطبرة الشعبية الثانوية، زميلاً لمدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني السابق صلاح عبد الله قوش.. بعدها عمل الرجل في هيئة الموانئ البحرية منذ العام 1978، وفي التسعينيات حزم الرجل حقائبه راحلاً إلى الخليج من أجل ممارضة مصطفى سيد أحمد، وهو الذي كان قد عاد قبلها إلى منطقته في نوري حاملاً معوله وملوده فالحاً الأرض، وهو الذي يصف نفسه بأنه مجرد (تربالي)، ولكنه كان تربالاً على طريقته الخاصة والحميدة.

حميد والسلطة

أي المدارس الفكرية كان ينطلق منها صوت حميد وغنائه الطاعم؟ حين ينادي حميد هاشم الأخضر سلام، فإن للأمر علاقة بفكرة سياسية معينة، وعندما يرسم في جبة العم عبد الرحيم (ناساً حالا زين مصنع مصنعين)، وعندما يعبر في رسائل الزين ود حامد منتقداً الأمريكان والبنك الدولي، فنحن في مواجهة رجل في أقصى اليسار، ولكن حميد نفسه ينفي عنه التهمة في حواره مع "المشاهد" عقب عودته بالقول: "كوني مصنف يساري أو أي اتجاه لا تعني لي شيئاً، ولكن دعني أسألك؛ متى استقرت الأوضاع في السودان حتى يصنف هذا باليسار وذاك باليمين؟ فهذا التصنيف منقول من قاموس ليس لنا، ففي بريطانيا والدول التي استقرت فيها الديمقراطية لأمد طويل يمكن أن تصنف الأشياء، ومثل هذا التصنيف لا يُمكن أن يقال إلا في الأيام التي شهدت نشاط السياسة، أما عن الصوفية فدعني أقول لك إن معظم السودانيين صوفية، وهذا هو الوضع السائد والموجود، أما الإسلام الجديد أو الإسلام السياسي دخل عبر جهات أخرى وأقول لك إنني شاهدت بعض الناس الذين يطرحون أفكاراً إسلامية حركية دخلوا المسايد ونقزوا فيها، وأنا لم أدخل مسيداً لأنقز فيه، وأقول لك إن المسيد جواي، فأنا ختمي، واسمي ختمي، وعلاقتي بالختمية قديمة جداً، ومنذ نشأتي والبلد هناك كلها ختمية وغير ذلك، فإن أصدقائي من الصوفيين كثيرون جداً، ويوم ليلتكم فإن ناس الصائم ديمة كانوا يودون حضور هذه الليلة، وأتمنى أن تكون الصوفية في جواي طالما أنها تعني الصدق والأريحية، ولكن أن تقول لي رغم اليسار أو مصنف يسار فما الذي يمنعك من أن تقول وبوضوح أنت يا حميد مصنف شيوعي، وأنتم تقولون ذلك وكأن هؤلاء الشيوعية يحملون سيفاً ضد الصوفية! ودعني أقول إن تصنيفك الذي وضعته مربوط بصندوق الانتخابات، وحكاية إنت صوفي برغم اليسار، فهذا الوصف غير لائق؛ لأنه يوحي بأن أهل اليسار هم الكفار أو ما شابه ذلك، ويشكل اليسار الذي قلته، دعني أقول إنني كنت مقيماً بمكة لمدة خمسة أعوام وكل عام أؤدي فريضة الحج، واليساريون الذين تتحدث عنهم جاءوا للحج أكثر من هؤلاء الناس".

حميد الذي يضيف في ذات الحوار إنّه تعرض لمضايقات من السلطة دفعت به للهجرة، وهو راغب عنها يقول: إنّ معركة المثقف والسلطة ليست وليدة اللحظة ولن تنتهي في حوار أجرته معه قناة النيل الأزرق، وفي ختام المطاف سينتصر الغناء والمغنون لحلمهم بالوطن وللوطن، وإن الغناء بمرق زي الهواء ما قاعد يمرق، ولا يحتاج لمن يجيزه، يعني هو (بمرق بمرق).

عموماً مشهد حميد والسلطة يرسم معركة استمرت بينهما، هو بقلمه وصوته وهي بسلطاتها.

حميد يمشي بيننا

العم عبد الرحيم يشد حماره يخاطب أم الرحوم، شان ما تنكسف يوم.. اليوم لا ينتهي إلا والسفينة ترسو على شاطئ النيل في مساءات الطوارئ، تلتقي بعمنا الحاج ود عجبنا في ذهابه إلى المخبز.. يلاقي الشغلانتو نار والجو كيف سخن.. تمتد حرارة المشهد، هناك (النوباوية) تقود مظاهرتها بمعية (الزين ود حامد) مارق من بيت العزابة ويحمل مظروف خطابه البارز.. هناك في طهور راشد، والتومات قاعدات في حضن ست الدار بت أحمد، وهي هناك في بيت العمدة، وهو يراطن الخوّاجات.. (الشول) وسبابها، تغادر كل هذا لتضع جنبك هناك مع (السرة بت عوض الكريم) بسنوات عمرها التسعين وبحكاياتها بصوتها الواضح ضد الظلم بالتأكيد هو أعلى من صوت بلة الطيب علي بلاع الذي أخفته صورة الشافع البكتب في حيطة الجامع: "يسقط يسقط دجل السلطة، يسقط بلة وشيخنا التابع، يحيا ضراع الزيتهم طالع".

الضو وجهجهة التساب صورة أخرى لحميد في حكايات البلد الذي لا يغادره إلا ليسكنه مرة أخرى مع (نورة)، ومع شفع العرب الفتارى البفنّوا الشايلا إيدهم ويجروا ساكين القطارة، يعود مع حس الطائرات والقدرة المنتهية، وسيرة العريس الضحكة والقرمصيص، عرق الجباه الشم الراح شمار في مرقة، وتلك الأبت تطلع من الأقلام، من الواسوق أبت تطلع، من الأبرول أبت تطلع عشان تطلع من المدفع.

رحل حميد، ولكن بقيت شخوصه تمشي بين الناس، تتحدث بلسانهم وتكتب أحلامهم وأوجاعهم في ذات الوقت كما يفعل ذلك العامل أمام المصنع وهو يكتب مخاطباً الماهية بذات العبارة (والماهية أف عيشة هااااااك وكف).

رسائل للحياة من المنداري

قبل عامان من الآن وحين عم الخبر حمل الكل حلمه، واتجه إلى هناك، حيث سيوارى الجسد التراب.. الرحلة تبتدر من مستشفى أم درمان، ومن مشرحته، ومن ثم فعلى الرجل أن يقطع الخرطوم التي خاطبها ذات صباح بالقول "يا خرطوم شن شب وغلبك وسلبك نوبتك بجتك زنجك وعربك".. لا أحد استطاع أن يسلبها إرادة حزنها في ذلك اليوم وتابعت حميدها إلى آخر محطة ووسدته الثرى بصوته الذي عشقته وعادت لتتساءل: أوحقاً مات حميد؟ يجيبهم على التساؤل حميد نفسه حين يرافق العائدين الصوت ومعه الصورة ذات أمسية، وحميد في قناة النيل الأزرق يردد الوطن لا سواه.. يرفع يده ثلاث مرات وهو يردد: "وطني البموت وبخلي حي".. ومسترسلاً في ذات القصيدة

وطني البريدك منو لي

وطني البيمرق من حشاي

مع الله لي

وطني البهدهدو فوق يدي

وطني البوسدو من حنان صدري

وبغطي بضي عيني وطني الصبي

وطني الأبوي أمي وأخي

يا الما بسويلك بي قفاي

يا الما بفوتك بي وشي

فات حميد بجسده وبقي الوطن عصياً على الانكسار، بقي الوطن بشعبه وبناسه وبتاريخه الضارب في الجذور ولم يذهب حميد أيضاً، فقد بقي هو يردد ما كان قد نعى به الفنان مصطفى سيد أحمد: "من كان يسمع مصطفى مات ووهج صوته انطفا.. ومن كان يسمع مصطفى باقي بقضيته وكفى".

كان حميد في وطننا أنشودة جديدة ولكن كان الوطن هو الأنشودة الدائمة. حزمنا حقائب الرحيل تلقاء حميد، فوجدنا فقط وطناً غناه حميد وأناساً كان منهم، وبقي هو فيهم على الدوام. ربما يعني هنا أن حميد لم يمت وهو الذي انتظر فقط أن يأتيه وطن اشتهاه كما السودانيون جميعم باختلافاتهم المتعددة.

والبنداري لا تقف رسائلها إلى ناس البلد. حميد وقبل رحيله يصدر الديوان بحلمه.. لم يكن سوى حلماً للسلام وبالسلام حين يهتف بأعلى صوته أن "أرضاً سلاح.. أرضاً سلاح"

ترحل هموم

تنصان دموم

والبال يرتاح

أرضاً سلاح

وينفتح باب الصلاح

ينفرج هم القلوب

تتندى بالأمل المباح

والرجل في رقدته الأبدية يرافقه السؤال بس لي متين

نحن نتظر الصباح

يات يوم نقوم فجر الصباح

نسمع منادي القوم يقول:

أرضاً سلاح؟

المشهد ما قبل الأخير

المساء هناك مختلف بهدوئه ولكنه في تلك الليلة كان يضج بالذاكرة وبالوفاء وبالحضور. يضج بالذي يحتل كل الأماكن المداخل، يضج بحميد، وصوت حميد والذين جاء بهم حميد، الكل يعمل من شباب نوري لتلك الليلة.. نادي نوري الثقافي الاجتماعي لبس حلة زاهية، كل المشاهد والصور لا تحمل سوى حميد المجسد في قلوب الناس وفي ألسنتهم، فالكل يعدد مآثره؛ الكبير والصغير.. من النيل تخرج الصورة حميد راكباً المركب وتحتها بخط جميل كتب: "إيه الدنيا غير لمة ناس في خير أو ساعة حزن". كانت ساعة الحزن هي التي جمعت الجميع.. في حضرة حميد جاءت الحكومة عبر معتمد مروي. كانت المعارضة أيضاً موجودة، وضاع الاثنان في لجة اجتماع الشعب وإجماعه على حميد وعلى إنسانيته.. حملت جوليا الأبنوسية راية الجنوب وهي تغني أنشودة الرحيل: "وطن صم عصي على الانقسام".. امتطى عمر إحساس فرس دارفور ليقول إنه جاء ليقول لكل أهل مروي البركة فينا وفيكم في حميد، فما يربطني به كان الوطن، لذا أتيت. قالت أسرته إن حميد لم يكن لنا وحدنا، فهو كان لكل الوطن ولكل السودان.. البعض زلقتهم دموعهم من على المسرح، فهبطوا بحزنهم دون أن يكملوا قصائدهم التي صعدوا بها، بكى أزهري شعراً، وفعل غيره ذات الشيء، حمل الهاتف صوت القدال بعد أن أعجزه المرض، اجتمعت النساء مع الرجال، ولم يغب الأطفال عن ليلة حميد، قالها باللسان العربي المبين السر عثمان الطيب: "الآن نفتقد هرماً وركناً كنا نتكئ عليه". ختمها يحيى فضل الله بالقول: "حُق لحميد أن يتباهى بنوري، وحُق لنوري أن تتباهى بحميد، الذي تجاوز كل شيء ليقدم تجربته الإنسانية عابرة للقومية". آخر المشاهد تخبرك أن عامان مضيا على رحيل حميد، ولكنه مازال هنا في كل تفاصيل البلد والوطن.. المنتظر تتحقّق أحلامو

اليوم التالي


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 2224

التعليقات
#949113 [حميد بين مرارة الماضي ونبوءات المستقبل]
0.00/5 (0 صوت)

03-21-2014 05:49 PM
الراحل حميد بين مرارة الماضي ونبوءات المستقبل

بقلم دكتور / توفيق الطيب البشير / منتدي التوثيق الشامل

بسم الله الرحمن الرحيم
كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام
صدق الله العظيم
...
سأتجاوز تقاليد المقدمة.. فالموقف ليس تقليدياً .. وسأبكي صامتاً ولكم أن تستمعوا إلى بغير آذان ..
جاء حميد إلى هذه الدنيا لطيفاً مثلما يأتي الغمام، ورحل عنها خفيفاً مثلما يرحل الظل .. عاش بين الناس عفيفاً كريماً لا يحمل هماً يفصله عن هموم الناس، ولا يطلب عزاً يستأثر به دون سائر الناس ..
أحب وطنه كما أحب المجنون ليلى، وعشق ترابه كما عشق كثير عزةَ عزة .. وقد ألمح الصديق الدكتور عبدالرحيم عبدالحليم إلى أنه ولد في سنة الاستقلال ومات في عام الانفصال، وكأنه أراد أن يقول ولد بفرحة الحكيم ومات بغضبة الحليم .
كان موته فاجعة لكل أهل السودان بل كان خبر وفاته كالصيحة .. ورغم أن السودان قد افتقد قبله كثيراً من العظماء والمبدعين ، وتلقى كثيراً من الصدمات واللكمات، إلا أن موته كان فاجعةً وكان خبرُ وفاته كالصيحة.
ولقد جمعتني بالراحل حميد صحبةُ عجيبة اقتربت فيها من هذا الرجل الخاص، ورأيت كيف أنه كان يحمل فوق كتفيه هموم المهمومين ودين المدينين وعثرات الفقراء المتعبين وآمال الغبش الهائمين والغلابة المنهكين .. حتى إنه حرم على نفسه أن يعيش بعيداً عنهم فكان سكنه كسكنهم وعيشه كعيشهم .
لمـّا أفوتك من دون خاطر
أو دون خاطر منى تفوتى
بلقى حبايب فى كل حِتـّة
وكل بيوت الفُقرا .. بيوتى
كان حميد شاعراً عبقرياً، ولكنه لم يكن كسائر الشعراء ولا كان شعره كسائر الشعر، فهو ما كان يقول الشعر ليمتّع ويستمتع، ولكنه كان يزن الهم ويقفيه، ويبني جرح الوطن أبياتاً ويصرعها، ليخرج للناس أغنية يمنيهم بها ويبشرهم بقرب بلوغ الهدف.
لقد كان حميد حقاً صاحب مدرسة شعرية متفردة استطاع أن يؤسس بنيانها على قواعد الحكمة والعبقرية الفذة ، وأن يجمل حيطانها بحب الوطن .. والدفاع عن الغلابة والمعدمين من الفقراء والمساكين .. فهو لا يكتب الشعر من أجل النظم ولا يهمه نتاج القصيد .. وإنما هو ينادي بقيم العدل والمساواة وينهى عن الظلم والفساد فيخرج كل ذلك للناس كلاماً موزوناً كأجمل ما يكون الوزن ومقفى كأحسن ما تكون التقفية ... وهنا يكمن الفرق بينه وبين معظم الشعراء .. فالشاعر يتجه لإبراز قدراته الأدبية والفكرية الإبداعية من خلال ما يطرح من قضايا، ولكن حميد كان يتجه لإبراز قضيته من خلال قدراته الأدبية والفكرية الإبداعية.
وحميد لا يدفع بأفكاره إلى الكلمات فقط بل يضيف عليها نسيجاً حياً من انفعالاته فيعلو بها قمم الجبال .. وإذا كانت قصائده المكتوبة تحرك النفس الخامدة وتلامس الوجدان المغبون، فإن أداءه الشعري يقتل اليأس في النفس ويعمق الإحساس بالحياة .
بدأ حميد شعره بالمباشرة والتصريح، ثم عمد زماناً طويلاً إلى الرمز والتلميح، ثم اتجه بعد ذلك إلى المعاني المزدوجة فكان ما يقوله، وإن كشفت مفرداتُه المعنى، فإن المتلقي يفسره حسب ما يشتهي بتفسير يقترب به من هدفه هو ولا يبعده من أصل المقصود، وبذلك استطاع حميد أن يشحذ جموعاً كثيراً من المتلقين المختلفي الثقافة والتوجه حول النص الذي بات يحمله كل ضروب الحكمة وفنون التلوين وزخرفة الجمال.
كنت حين استمع إلى حميد أو أجالسه أقارن بينه وبين أبي الطيب المتنبي .. كان ذلك في أول الأمر بسبب عجبي بهما معاً، ثم سيطر ذلك على تفكيري فبدأت ألتمس أسباب ذلك فوجدت شبهاً شديداً في جوانب عديدة.. رأيت أن كلا منهما قوي الحجة شديد الفصاحة متقد الشاعرية عظيم الحكمة بالغ التصوير رفيع الانتقاء، ثم رأيت أن هناك أموراً أخرى أشد عجباً وغرابة جمعت بين الشاعرين وشابهت بينهما، وأموراً تليها أشد عجباً وغرابة فرقت بينهما فإذا هما شديدي الاختلاف .. رغم اختلاف العصر والبيئة وتفاوت المنهج واللسان وتباين التكوين..
كان لكل منهما قضيةٌ ضخمة تشغل الفكر والفؤاد، ولكن كانت قضية أبي الطيب قضية شخصية ينظر من خلالها إلى السماء وكانت قضية حميد قضية عامة ينظر من خلالها إلى الأرض..
وكان أبو الطيب يبحث عن الملك، وكان حميد يبحث عن العدل الذي هو أساس الملك ...
وكان كلاهما أبياً عزيزاً ولكن العزة التي قتلتهما كان مصدرها مختلفاً .. أنظر إلى أبي الطيب يخاطب أمه قائلاً
ولو لم تكوني بنت أكرم والد لكان أباك الضخم كونك لي أماَ
ثم أنظر إلى حميد كيف يخاطب أمه !
زينوبا كلما افتح كتاب ألقاكي في أول سطر
القى الحبايب والصحاب القى الجناين والتمر
فالمتبني جعلته العزة معتداً بنفسه وأما حميد فقد جعلته العزة معتداً بقومه ...
فهذا يقول عن نفسه:
لا بقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفُوا بي وَبنَفْسِي فَخَرْتُ لا بجُدودِي

وحميد يقول عن قومه :
غلابه وأمان مو الطيابة
ضكارى بصارى وكرام
حبابه الحبان في بابه
وتدخلوا عليّ الحرام
فقارى ولكن غنايا
غنايا بهذا الغمام
بهذا النيل كم تغايا
وتيرابا النرميهو قام
ويقول
وطنى ولا ملى بطنى
سكاتى ولا الكلام النّى
قليلتى ولا كُتُرْ سمّى
بليلتى ولا ضبايح طى
فالمتنبي معتد بنفسه فوق قومه، وحميد معتد بقومه فوق نفسه..
وأكثر الذي يجمع بينهما في إطار هذا الشبه هو نبوءاتهما .. فأبو الطيب الذي لقب بالمتنبئ بسبب قوله :
ما مُقامي بأرض نخلة إلا كمقام المسيح بين اليهود
وقوله
أنا في امة تداركها الله غريب كصالح في ثمود

قال عنه بعض الشراح إنه سمي بالمتنبيء لأنه تنبأ بنبوءتين تحققتا على زمانه .. وأما حميد فقد كان له في هذا الباب أمر عجيب .. فقد تنبأ بخمس نبوءات، تحققت على زمانه ثلاثٌ منها، ومات عند وقوع الرابعة، وترك لنا واحدةً الله وحده يعلم متى تتحقق ولكننا نتوق شوقاً إليها ونتوقع حدوثها كل حين!
أما الأولى فنبوءته بإنشاء طريق شريان الشمال .. وحينها كان السفر إلى الخرطوم من شمال السودان عبر الصحراء فيه من المعاناة والمشقة والتيه والموت ما لايخفى على أحد وكان مشروع الشريان وقتها ضرب من الخيال المحض حين قال:
يا مطر عز الحريق
يا مصابيح الطريق
يالمراكبيي البتجبد من فك الموج الغريق
جينا ليك والشوق دفرنا يا المراسي النتحويبا
لما ينشعوت بحرنا
يا جزرنا وقيف عمرنا
يا نشوق روحنا ودمرنا
يا المحطات الحنيني القصرت مشوار سفرنا

وأما الثانية، فقد كانت سد مروي ذلك الأسطورة التي لم يصل حتى المسئولون آنذاك فيها إلى مجرد التفاؤل أو التذرع بالأمل .. كان حميد وقتها يحلم بخزان الحامداب ...
يلاقوك شفّع الكتـّاب
نضاف وظراف بلا النسمى
يغنولك غناوى السـاب
وفى بيوضة مافى سراب
جبال كجبي وفيافى الكاب
تميد بى الخضرة ...منقسمى
فيافى الصّى وبيوضة ..
البراسيم فيها مفروضة
خدارا يرارى شوف عينى
على الأبواب .. طواريها وحواريها
بقت روضة
بقت تشرب من الحامداب ..
تشوفى رهاب ... بُعُد نجمى ..
بشوفو قريب قُرُب نضمى

وأما الثالثة فهي انفصال الجنوب عن سوداننا الحبيب، وقد تنبأ بالانفصال حين كانت الوحدة هي حديث المتمردين ورأسهم الأكبر جون قرنق .. كانوا يتحدثون عن السودان الجديد وعن تحرير السودان وضم وداي النيل وكان حميد يلمح إلى الانفصال ..
يا بت العرب النوبية
يا بت النوبة العربية
دسيني من الزمن الفارغ .. من روح المتعة الوقتية
من شر الساحق والماحق .. بين دبش المدن المدعية
والليل يتحكر بيناتا
كحّل بي دبشو عويناتا
يا شمس الناس المسبية
روحت اتنسم أخبارك .. لا تشفق قالو لي نصيحي
وأنا عارفك ممكونة وصابرة .. لكن لي ناس إلا تصيحي
جواي مأساتك مغروسة ..
يا طفلة تفتش في باكر ما بينات نخلة وأبنوسة
الجوع العطش الفد واحد .. الفقر الضارب زي سوسة
الخوف والحالة المنحوسة
يا بحر الحاصل .. لاك ناشف .. لا قلمي الفي إيدي عصا موسى

ولك أن تتساءل لماذا قال بت العرب النوبية ولم يقل بت العرب الزنجية وهو يتحدث عن الجنوب والشمال؟ فهو لا يريد ان يحدث وصفين للشمال والجنوب مثلما فعل حينما رمز للشمال بالنخلة وللجنوب بالابنوسة لذلك اختار سحنة اقرب الي تكوين النصفين، ولربما أراد أن يقول الأمر أبلغ من الشمال والجنوب! ولا شك أن في ذلك إشارة كذلك لما يجري الآن في منطقة جنوب كردفان كأحد أهم نتائج الانفصال! ومعلوم أن منطقة جبال النوبة هي منطقة حدودية طولية يدور حولها أعظم الصراع حالياً فاستخدم عبارة موحية لأمرين عنيفين أحدهما يتبع الآخر وينتج عنه أو ينتجه!ولماذا ربط قضية الانفصال بالجوع والعطش الفد واحد والفقر الضارب زي سوسة والخوف والحالة المنحوسة؟ لأنه إذن لم يكن يتنبأ بمجرد الانفصال ولكنه الحق به توابعه! ولعل الجميع شاهدوا هذا يحدث الآن في جنوب السودان بعد الانفصال.
ثم لماذا شبه ما جرى بقصة موسى وفرعون وبني إسرائيل؟ لماذا قال يا بحر الحاصل لاك ناشف لا قلمي الفي ايدي عصا موسى؟ ولماذا لم يختر أنموذجا غير انفصال البحر ونبياً غير موسى؟

لأنه هو يقارن بين الفصل الذي وقع في البحر لمصلحة بني اسرائيل بالحق حين كرمهم الله، وبالفصل الذي سيقع على اليابسة لمصلحة بني إسرائيل بالباطل بعد أن أذلهم الله! فكانت الأولى ابتلاء وكانت الثانية استدراجاً ... وهذا لا يخفى على أحد! ..

وأما الرابعة فهي موته في صحراء بيوضة ! وقد تنبأ قبل ثلاثين عاماً بموته في الصحراء ولم يلتفت لذلك أحد، وتنبأ أنه سيموت بسبب الرمل الزاحف على شريان الشمال..
بالمد الثوري المتدافع .. فوق دربك تب ما متراجع
رغماً عن عنت الأيام .. والزمن الجهجاه الفاجع
ما رمل الدرب الوسطاني .. وكتين الراحل وصاني
لا ترجع ساكت يا شافع
لا ترجع شافع يا ساكت (أي أشفع بموتك(
خُتْ بالك وعينك في الشارع
لا ترجع .. لا .. لا
لا ترجع .. لا .. لا
لا ترجع .. لا .. لا
لا ترجع .. لا .. لا
ولك أن تنظر فقط إلى المفردات التالية : المتدافع .. الفاجع .. رمل الدرب الوسطاني .. خت بالك وعينك في الشارع ... ما متراجع .. لا ترجع


ومن الغريب أنه ربط نبوءة موته بنبوءته الخامسة وهي عودة السودان بعد حين من الدهر إلى الوحدة وإلى مليون ميله المربع! وهذا ما يقوله الآن دعاة الانفصال انفسهم!
يا نورة شليلك ما فات
بي عدلو شليلك جاييكي .. ما جايي ألم التمرات
لا أبكي وأقابل بالفاتحة .. في زولاً ليّا مرض .. مات
جاييك أتزود من غلبك .. وأكفر خطأ غيمةً ما جات
نبحت لها كل المعمورة
والناس يوم تمرق مدخورة
يا نورة نشيلك غنوات
وآمال بي باكر مضفورة ..
طلابك وأقلامنا هويتك .. قدامنا قضيتك سبورة
رتّبنا الخرطة البتوصل .. أدِّينا الخاطر يا نورة

وهو هنا يتحدث بمرارة عما سيفعله الانفصال كمرحلة تاريخية حتمية سابقة لنبوءة الوحدة وهو خطأ الغيمة التي ستأتي محدثة الانفصال ( والغيمة يقصد بها الانفصال السلمي) وهو الامر الذي تنادت به وارتضته كل الدنيا فيا سبحان الله! جاييك اكفر خطأ غيمة ما جات نبحت لها كل المعمورة ! ومن منا لم يلاحظ الانحياز الواضح او الصمت الفاضح لما جرى لتقسيم السودان؟ ثم طمأن نورة قائلا يا نورة شليلك ما راح والناس يوم تمرق مدخورة يانورة نشيلك غنوات وآمال بي باكر مضفورة ... طلابك واقلامنا هويتك قدامنا قضيتك سبورة رتبنا الخرطة البتوصل ادينا الخاطر يانورة ! ولك ان تتأمل كل هذه المفردات .. نعم كل هذه المفردات، وقد ألمح إلى ذلك جلياً وهو العودة مجددا الي الوحدة حين قال فيما بعد وبعد أن أصبح غبار الانفصال يشاهد في كل مساء ..
بلد صمي وشعب واحد
عصية على الانقسام
ولكل الذين يرون في نبوءة حميد بالعودة إلى الوحدة ضرباً من الخرافة أقول .. إن سد مروي كان أكبر خرافة، وكذلك انفصال الجنوب لمن كانوا يحلمون بالوحدة الجاذبة من أبناء الشمال والجنوب كان أكبر خرافة .. وستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود!

مرة أخرى سأتجاوز همهمات الخاتمة... فالموقف ليس تقليدياً...
اللهم يا رحمن يا رحيم .. إرحم عبدك حميداً .. اللهم أكرم نزله ووسع مدخله واجعل قبره روضة من رياض الجنة .. آمين

رحم الله الشاعر الوطن حميد

[حميد بين مرارة الماضي ونبوءات المستقبل]

ردود على حميد بين مرارة الماضي ونبوءات المستقبل
European Union [حسين عز الدين] 03-21-2014 11:21 PM
الاخ الدكتور توفيق:
لقد اوفيت وكفيت ، جزاك الله خيرا في اعطاءك شاهرنا الكبير جدا حميد جزءا من مستحقاته المفروضة علينا وعلي جميع الشرفاء من ابناء هذا الوطن
شكرا لك لانك جعلت الجميع يتذكرون حميد ليسالوا له الرحمة والمغفرة ، وشكرا لك لانك ساهمت بايضاحات قيمة لما كتابه شاعر الامة

اللهم ارحم حميد وارزقه الفردوس الاعلي من الجنة اللهم ارحم فناننا الكبير مصطفي سيد احمد وسائر موتي المسلمين وارحمنا اذا صرنا الي ما صاروا اليه
وانا لله وانا اليه راجعون

الرياض


#948987 [منحنى النيل]
1.50/5 (2 صوت)

03-21-2014 02:13 PM
حميد رحل عن دنيا الكل عنها راحلون ترحل الاجساد وتحيا الىالابد الاعمال النبيلهوالعزاء موصول لنوره وحمتو وعيوشه ولكل الغلابه اللذين تغنى لهم حميدست الدار بت احمد والعم عبد الرحيم
واطمئن ياحميد فشعب السودان يسير على دربك بكل تصميم

[منحنى النيل]

#948768 [خالد حسن]
2.25/5 (3 صوت)

03-21-2014 07:33 AM
رحم الله حميد
واسكنه فسيح جناته بقدر ما احب هذا الوطن
حميد وطن داخل وطن
وطني البموت وبخليه حي .. مابخليه لكوز وعسكري
عشان يبيع فيه ويشتري ... عشان يكتِل فيه ويفتري
عشان يهدم فيه ويزدري ...
وعلي كيفنا ماعلي كيف الرمم ناس قوش وغندور العجم
ولاعلي كيف البشير والترابي ونافع السجم
ولاعلي كيف كلاب عطا البجم

[خالد حسن]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة