الأخبار
أخبار إقليمية
ياتو وطن في الكون الواسع دون عينيك راح يبقى وطن"؟
ياتو وطن في الكون الواسع دون عينيك راح يبقى وطن"؟
ياتو وطن في الكون الواسع دون عينيك راح يبقى وطن


04-04-2014 12:54 AM

أم درمان: درية منير

لم تكن هي الفاجعة الأولى يا أبو مي، ولكنها بدت كخطب غير المسبوق، والأشد فتكا بالقلوب، حسبما مضى بلسان الحال على وجوه المعزين مشهد الحزن الجلل بالأمس؛ الدمع الرقراق كان سيد المشهد، والعويل على رحيل أبو مريم طغى وتسيد على ما عداه من أحداث الكون.. بكت نساء بلادي الشريف الذي قاوم لآخر نفس، وكتب عن زوجته وبناته.. رسم بقلمه وعزف بقافيته الشرود على كل وتر حساس ولم يبارح دوماً موطن الوجع.. كتب محجوب عن المرأة واليافعة في مدرستها، وست البيت، لم يستثن ممرضة ولا سسترة ودكتورة.. عبر من خلال شعره عن كل الأجيال والنضالات والثوراث التي قامت.. وقاوم في الأثناء المرض تماما مثلما قاوم الظلم والسجن.

لا نستطيع أن نخطّه كما كتبنا وعبأ وجداننا ملهما وشاعرا وثائرا في كل الأزمان، وهو الذي بارحنا بالأمس القريب.. بحاجة نحن إلى مائة عام كي نستفيق من هول المصاب، ثم نشرع في استلال الأقلام كي نضطلع بمهمة الكتابة عن محجوب (يوم شكرو)، وهو الذي ظل اسمه على الدوام مرتبطا بكل معاني السمو الأخلاقي وجميل الصفات، تشهد بذلك سيرته، وبالغ تحنانه على الغلابة وسائر أهل البلاد أجمعين.. رحل محجوب جسدا، وسيظل بين أركان حزبه وعشاق شعره روحا ترفرف كالحمامة في ذاكرة الشعب.

كان بكائهن وجلجلتهن من على البعد تشق آذان من كان في سرادق العزاء أمس.. ومن اتخذ مكانا قصيا قاضت بهم الساحة بما رحبت، كان معظم المعزين من الفتيات في عمر متوسط.. ففاق عددهن من شاخ عمرهن، بكت وهي توصف الراحل محجوب وتعزي بقلب محروق وجوف خاو بعد أن سلم الأمانة لربها..

حباب عبد الجاك، عاشقة للملهم، كتبت أبياتا من الشعر آملة أن تصله في فراشه الأبيض، رغم أنها لم تضع في مخيلتها أنه سيفارف الوطن ومحبيه ويرحل تاركا وراءه شعبا ينهل من بحر محبته وحزنا لا يزول وجرحا لا يلتئم.. رثته بعد أن وصلها الخبرالحزين قائلة: (ياتو وطن في الكون الواسع دون عينيك راح يبقى وطن.. يا محجوب عشان خاطرك كل بلد تبقى رئة.. كل كوم وكل فئة.. عشان خاطرك.. عشان تقدل تقوم تشيد حيلك)..

بالنسبة للطبيبة إحسان فقيري، حاولت أن تتكلم وتحكي ولكن خانها التعبير وأبت الحروف أن تخرج من حلقها والعبرة تسده، لكنها قالت في النهاية: تعرفت عليه في منتصف السبعينات.. كان يخطط لعمل خير، زارني ولم تسعني الفرحة، طرح علي أن أقوم بكشف أسبوعي على المرضى على أن يكون مجانيا.. قبلت الفكرة بمساعدة شركات الأدوية لتوزيع الدواء على المحتاجين، زاولنا عملنا.. تعاملنا مع مستشفى الشعب قبل أن ترفع الدولة يدها عن العلاج.. أجرينا العديد من عمليات القلب المفتوح والشرايين، استمر ما يقارب السنتين في هذا العمل حتى في حالاته المرضية الحرجة، وواصلت إحسان.. محجوب شريف شاعر بسيط مهموم بالمواطن.. يكتب عن وجعه وما يعانيه من ظلم وفساد.. يدخل شعره كل البيوت.. اهتم بالمرأة.. خصص لها (ست البيت).. أعطاها قدرها في المجتمع ومكانتها السامية.. أما عن محجوب السياسي، قالت: جرب كل دروب النضال داخل الحزب الشيوعي.. لم يلتفت حتى في مرضه ـ تليف في الرئةـ فعندما قرر أن يزوره وزير رفض، لأنه كان يرى أن سبب مرضه هو ما تعرض له داخل زنزانة الحبس، كما أنه رفض زيارة آخرين من قبله.. لم تخفه دانة ولا رصاص، وأردفت: محجوب بيسط في ما يقدمه للناس حتى في زواجه من أميرة قدم لها (الشيلة كتب).. ووافقت مريم وأمها بما أهداه لها.. وأخيرا جربنا مع مجحوب كل سبل النضال حتى على الصعيد الأسري والشخصي، فعندما كانت أمه ترقد طريحة الفراش في غرفة وأخته في الغرفة المجاورة لم يهتز حتى وصلت أمه لربها.. وحفاظاً على أخته كان يبتسم رغم وجعه..

تتحدث برهة.. وتبكي برهة.. فاطمة غالي، عضو الحزب الشيوعي السوداني: محجوب تضحيات ونكران ذات.. تواضع وكلمة طيبة تخرج من فيهه لتعانق أرواحنا.. لم يتجرأ أن يجرح أيا منا بكلمة ولو مزاح، فهو مع الكبير كبير.. ومع الصغير صغير، زاملناه في منتصف الستينات.. كنا معلمين لم تنقطع علاقتنا، حافظ على وداد الشعب من خلال قصائده التي لو ترجمت إلى أفعال لانصلح حال السودان، وعن شخصه أردفت تتردد.. كل الأجيال على منزله الذي كان مفتوح الأبواب في جميع الأواقات بكرمه وحفاوة زوجته مريم.. وكان منطقة صلح للمتنازعين فهو لا يجبر أحدا على مصالحة أحد.. بل يجمعهم في مائدة واحدة تلاحظ من خلالها تصافي النفوس، فرحيل محجوب حز في قلوب الشعب والحزب والأقربين منه، وأخيرا قالت: كان محجوب صادق المشاعر لا يكذب، فهذا يلاحظ من خلال قصائده التى كانت إلهاما للمستمتعين والمتذوقين لشعره، حسن التعامل مع الجميع حتى السجانة الذين كانوا يقيدونه خلف القضبان

اليوم التالي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2018


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة