الأخبار
أخبار إقليمية
في رثاء محجوب شريف: كان يتنفس الشعر .. والثورة !
في رثاء محجوب شريف: كان يتنفس الشعر .. والثورة !



04-05-2014 08:28 AM
فضيلي جماع

الكثيرون يكتبون الشعر لكنهم لا يعيشونه ، هناك بضع محاط ، جمعتني بمحجوب شريف – الشاعر والإنسان جاء وقت روايتها.
محطة أولى: أمسية شعرية بهندسة جامعة الخرطوم:
المكان كلية الهندسة – جامعة الخرطوم. الزمان: عام 1977م وبعد مضي ثلاثة أشهر على المصالحة الوطنية التي أطلق نظام جعفر النميري بمقتضاها المئات من المعتقلين السياسيين. وقد أقامت الجمعية الثقافية لطلاب الهندسة والمعمار حفلها الشعري على الهواء الطلق. كان كل المشاركين في الأمسية من الشعراء الذين خرجوا لتوهم من المعتقل، أذكر منهم الأستاذ ادريس البنا والأستاذ كمال الجزولي والراحل المقيم محجوب شريف وكاتب هذه السطور وآخرين لا أستحضر أسماءهم الآن بكل أسف. كانت الأمسية باهرة ومستوى ما قدمه الزملاء من قصائد كان رفيعاً بكل المقاييس. لم يكن بيني وبين الكثيرين من أولئك الشعراء سابق معرفة ، أو تواصل. كنت أعرفهم من كتاباتهم وأحتفظ لنفسي بحقي في الإعجاب بشعرهم وبمواقفهم من السلطة الديكتاتورية. وبينما كنت وأحد أقاربي نهم بالانصراف عائدين أدراجنا إلى أحد الأحياء الشعبية في أطراف الخرطوم إذا بذراعين ينفتحان أمامي وبسمة بحجم حلم المحبوس بالحرية ! كان محجوب شريف يفرد ذراعيه ويعانقني وكأننا نعرف بعضنا منذ أمد. ثم قال – وكأنه يعتذر: فتشت عليك...ما خلينا القوز ولا الرميلة..وشاهدي أميرة الواقفة دي (يعني رفيقة دربه الأستاذة أميرة الجزولي)! عقدت الدهشة لساني لشخص يقدم الأعتذار لأنه كما قال جاء ليشكرني . قلت – وقد خمنت السبب: على شنو يا أستاذ محجوب؟ رد بسرعة: دفاعك المستميت عننا في اجتماع الأدباء!!
كان معظم الإخوة من معتقلي اليسار آنذاك لم يتم إطلاق سراحهم إلا بعد شهرين أو ثلاثة أشهر من إعلان المصالحة وكان الواجب يقضي أن نعلن عدم رضانا حضور زملائنا من مبدعي اليسار هذه التظاهرة الثقافية التي كانت البادرة الأولى لما يعتبره النظام آنذاك حسن نوايا ! بعث محجوب شريف خطابا من معتقله وطلب من زوجته السيدة أميرة أن تقرأه بالوكالة عنه. وحدث شد وجذب بيننا وبين بعض الزملاء أنصار النظام حول أحقية أميرة في إلقاء الخطاب..لكننا في النهاية انتصرنا للأخت أميرة حين وافقت لحنة التسيير لها بتلاوة الخطاب. محجوب كان يعتذر لي على شيء هو أبسط ما يمكن أن يقدمه الزميل لزميله في مثل تلك الظروف. وافترقنا وهو يشد على يدي بحرارة ويقول بحماس): شوف ..نحن لازم نتلاقى. بينا حاجات كتيرة!)
إبتلعني وقريبي ليل الخرطوم وحافلاتها التى لا تنام. نسيت وأنا آوى إلى فراشي تلك الليلة كثيرا من الوجوه لكن وجه محجوب شريف وصدق كلماته رافقني طوال حياتي! حقاً بيننا عشق ترابنا الأسمر وشعبنا الذي قد يصمت طويلاً لكنه يعرف كيف يحيل الطواغيت إلى نفايات في خاتمة المطاف.

محطة ثانية: مستشفى طب المناطق الحارة – ام درمان:
الزمان- قبيل انتفاضة مارس ابريل بقليل. عرفت أنه يمارض (الوالدة مريم) في مستشفى طب المناطق الحارة. كانت شقيقته الصغرى تجلس في الداخل مع حاجة مريم عليها الرحمة وهو في البراندة يفترش حصيراً. قرأت الفرح على وجهه – فرح طفل وكأني هبطت إليه من السماء. وبعد تحية الحاجة عدنا للحصيرة نتحدث في كل شيء – أعني كل شيء له علاقة بالوطن. وأسأله فيحكي ولكنه من أفضل من يصغون إليك وأنت تحدثهم في شأن حتى لو كانوا يحيطون به علماً. كان الكلام كله عن نظام جعفر نميري الذي يجب أن يذهب. وأحياناً يطلب مني أن أقرأه شيئاً من شعري. ونخوض في أوجاع الوطن..يتحدث بصوت مسموع وكأنه يقول للحائط الذي له أذان: سوّي الدايرو...منو الخايف منك؟ وحين هممت بوداعه كان حريصاً أن يسعى معي لمسافة وهو يردد كلمات الشكر على الزيارة.
كان محجوب شريف يتنفس الشعر والثورة!!

محطة ثالثة: منزل آل عوض الجزولي – ام درمان:
المكان منزل أسرة المرحوم عوض الجزولي بام درمان. الزمان: عام وبضعة أشهر بعد انتفاضة مارس- ابريل.كنت في زيارة عابرة لمكتب الأستاذ الشاعر كمال الجزولي المحامي. نشأت بيني وبين كمال وقتها إلفة قادت إلى صداقة أنا فخور بها حتى لحظة كتابة هذه السطور. طلب مني الرجل أن نذهب معاً للغداء عندهم. حاولت الاعتذار مبرراً رفضي بأن دعوته جاءت متأخرة. حينها قال لي إن الدعوة ليست في بيته ، وأنّ الحاجة والدتهم رحمها الله سألت عني أكثر من مرة. رضخت للدعوة .. كان ظهر يوم خميس وقد وجدت بعض أفراد الأسرة والحفدة والحفيدات حول جدتهم. وهناك كان محجوب شريف ، الذي فيما يبدو كان قد أخذ (غمدة القيلولة)! وحالما عرف أنني بالبيت هرع إلى حيث نجلس وعانقني ببشاشة وحب كبيرين. وأثناء جلستنا دعيت إلى الداخل حيث حكت لي أميرة الجزولي أنها تم نقلها دون مراعاة لظرفها للتدريس في كردفان.. وأن محجوب يرى أن المسألة لا تستحق كل هذه الضجة..عليها أن تنفذ النقل كما يفعل كل المعلمين والمعلمات في السودان ، وأنه لن يتوسط ولن يسمح لأحد أن يتوسط لها في هذا الشأن! طلبت مني الأخت أميرة معالجة الأمر معه لأنه قد ينصت لي. كنت على ثقة أنّ محبة محجوب لي غير مرتبطة بتطييب خاطر..لكني وعدت أميرة خيراً..لا أذكر ما انتهى عليه أمر النقل لكني على ثقة أن محجوب لم يتوسط ولم يسمح لأحد أن يقوم بوساطة.
الثائر الحقيقي بنظري هو الذي يعيش حيثيات وتفاصيل الثورة في حياته اليومية. كان محجوب شريف يتنفس الثورة كما يتنفس أحدنا الهواء الطلق!

محطة رابعة: لندن – زيارة استشفاء:
الزمان: بضع سنوات مضين – المكان : لندن ، حاضرة بلاد الإنجليز. كان فرحي عظيماً حين علمت أن كمال الجزولي ومحجوب شريف في لندن-الأول جاء في رحلة تتعلق بأشياء تخص مهنته وعمله كناشط حقوقي والثاني جاء لإجراء فحوصات طبية. جئته في نزله (منزل مها الجزولي الشقيقة الصغرى للأستاذ كمال). ولحسن حظنا كان زواره الكثيرون قد خفوا ذلك اليوم. حكينا كثيرا وحين هممت بالذهاب أصر أن يرافقني لمحطة (المترو). رفضت وقلت له مكانك الباب الخارجي. لكن محجوب ظل يترجاني كلما مددت له يدي مودعاً أن أقرأ له شيئاً.. ثم نمضي بضعة أمتار فأطلب منه أن يعود فيقول لي مثل طفل: عليك النبي ..بس الشديرة الهناك دي وبخليك تمشي ياخي. ونقف لأطلب منه أو يطلب مني قراءة شعر. اكتشفنا في الختام أننا قضينا من الوقت وقوفاً أكثر من وقتنا الذي أمضيناه جالسين. فانفجرنا ضاحكين. ذاك الرجل كان قلباً كبيراً يسعى على ساقين.
في تلك الفترة التقينا مرتين.. وكان يجب أن تكون الثالثة لقاء عائلياَ بمنزلي المتواضع شمال غرب لندن، لكن أرادت الأقدار غير ذلك وعاد محجوب للسودان على قدم السرعة تاركاً لي وصايا واعتذارات لا حدود لها. قلت له فيما بعد عبر الهاتف: حصل خير يا ابو مريم وما فيش داعي للاعتذار . رد: لا..لا يا صديقي ..دا اعتذار لأم اولادك، لأنو فاتنا شرف طعامها الطاعم!

كان الشعر والثورة – هاتان المتلازمتان- عند محجوب شريف ممارسة حياتية يومية. كان يتنفس الشعر والثورة.

فضيلي جماع
لندن- أبريل 2014
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1745

التعليقات
#964017 [هجو نصر]
0.00/5 (0 صوت)

04-05-2014 08:35 PM
كان يتنفس الشعر فعلا , مكي لنا احد اصدقائه انهم لجأوا الي احد المتدنازل يوما مطاردين ونسوا ان يغلقوا الباب فدخلت ( غنماية ) تيحث عن ما تأكله فداعبها محجوب ارتجالا :
تَك ! فتَك فنَك !
ان الجوع الذي بك قد فتك
بنا قد فتك
فتَك فتَك فتَك
رحمه الله واحسن اليه كانت الشعر والجزالة طينة لازبة في وجدانه زذلك عطاء الله المنان لخاصة عباده وصادف ذلك انسانية غامرة فنتج عن ذلك هذا الهجين اليديع الذي اطلق عليه الناس شاعر الشعب

[هجو نصر]

#963812 [مارس ماسك يد أبريل]
0.00/5 (0 صوت)

04-05-2014 03:32 PM
قصيدة المحجوب الوطن الواحد
إلي فارس الشعب في مرقده الأخير

المحجوب الوطن الواحد
ما قد كان وما سيكون
المحجوب القلب الواحد
ما قد كان وما سيكون

أيا محجوب لو تدري
مارس حارس ليس يخون
وأنت الفارس فلست تهون
وسيف بارز عز وصون
عِداده قصيد فكرة ومضمون

أيا محجوب لو تدري
تمام النفس في شئ يُزاوج بين الإسم والفعلِ
بأشراطِ هي الصدقِ وحفظ العهدِ والشرفِ
وذكري النفس مربوطة ، بما أقترنت مع عملِ
فهذا صالحُ صالح ، وهذا غاص في الوحلِ

أيا محجوب لو تدري
رأيتك دائماً أبداً ، بشوش الوجه في ألقِ
تبسمُ غير ذي تعبٍ ، كأن الفم معتادُ علي الفرحِ
عيونُ ترقب المشهد ، فهذا الوطن في الحدقِ
بريقُ يشمل الآخر ، بما يملكهُ من أملِ
ومعروفُ صناعتهُ دون الحوجة للشُكرِ
عزائمُ نغتني منها ، في وقت الشَدِ والجَدِ
وصبرك لو تقسم ، لكان النصر مع الفردِ

أيا محجوب لو تدري
فراقك ليس بالأبدي
فروحك حيةُ معنا ، وانفكت عن الجسدِ
ترفرف في رحاب المجد وتزدان بالخلدِ
تمنحنا السعادة دوام ، ألا روحاً هي المجدِ

أيا محجوب لو تدري
وصيتك زي جدودنا زمان
حنبنيهو البنحلم بيهو أياً كان
عزيمة قوية بلا خذلان
لأننا شعب ملآن إيمان
علم ومعارف ، علاج إنسان
زراعة ، صناعة ، تجارة وضأن
ريادة تعود بين العُربان
وزعامة تفوق كل الأوطان

إبنك / حذيفة الزمزمي

[مارس ماسك يد أبريل]

#963808 [عاطف كمال]
0.00/5 (0 صوت)

04-05-2014 03:28 PM
فى رثاء حبيب الشعب
أستاذ الأجيال/ محجوب شريف
بقلم/ عاطف كمال حاج الخضر
****************************
ياأبونا يامحجوب
الحَبّوب
المحبوب

يالبقيت للغلابَه
مُونَه وطُوب
ياضمير خَيْر
الشُّعوب,

تَوالَت علينا
الخطوب
واروك الثَّرى
وَسَّدوك الطُّوب

ورسمك فوق
للثُرَيّا مَشبوب
وإسمك فى لوح
الخلود مكتوب

وعَدُوك من
العليهم مَغضوب
على لوح
الخِزِى مَصلوب

لِعدالة السّماء مطلوب
**********************
عاطف كمال حاج الخضر

[عاطف كمال]

#963767 [عدلان يوسف]
0.00/5 (0 صوت)

04-05-2014 02:45 PM
لمن لا يعرف فإن شاعرنا الكبير فضيلي جماع يشبه راحلنا العظيم في أمور عديدة أهمها (وأقتطف ذلك من المقال ) أنه يوقن فعلا أن :"الثائر الحقيقي هو الذي يعيش حيثيات وتفاصيل الثورة في حياته اليومية" .. ويعيش ذلك بشكل يومي ... الأمر الثاني أن فضيلي جماع لازال إلى الآن يقاطع كل أجهزة النظام من تلفاز وأذاعة وصحف وغيرها... وغيرها .

دمت ضميرا أبيضا نقيا شاعرنا فضيلي جماع ...

[عدلان يوسف]

#963586 [جبير بولاد]
5.00/5 (1 صوت)

04-05-2014 11:21 AM
عزيزنا و أستاذنا الفذ فضيلي الفاضل ..
لقد أبهجتنا حروفك و أنت تنقلنا في الزمان البهي زمان الثورة و الثوار الحقيقيين
بمعني الثوري الذي يجسد معاني و قيم و أدبيات الثورة في حياته كل لحظة و كل شهقة
رحل الشريف المحجوب ..و لكن بقي المثال و العمل و الفكرة ..بقيت الأعمال التي تشهد
علي نبل محجوب و عشقه للناس و الوطن و النيل .
أستاذ فضيلي متعك الله بالعافية
و دمت لهذا الوطن محبا وفيا و شاعرا مجيدا

[جبير بولاد]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة