الأخبار
أخبار إقليمية
وداعاً شاعر الشعب المناضل الجسور محجوب شريف
وداعاً شاعر الشعب المناضل الجسور محجوب شريف



04-06-2014 12:58 AM
د. محمد مراد

غابت شمس يوم الثاني من ابريل 2014 حزينة ساعة رحيل شاعر الشعب المناضل الجسور محجوب شريف الذي كان يبدأ برنامج يومه الحافل بكل ما هو جديد ومفيد الذي ينتهي عند غروبها وليستمر وحتى تشرق في اليوم الثاني اذا اقتضى الأمر.
الحزن العميق خيم على سماء البلاد طولاً وعرضاً وعلى كل بقاع المعمورة حيث يعيش السودانيون في مرافيء الغربة والشتات الذين وجدوا فيما كتبه محجوب من اشعار الغذاء الروحي والبلسم الشافي لتضميد الجراح ومجابهة المأساة التي يعيشها الوطن الذي تردى حاله وأصبح على مقربة من شفير الهاوية.. تغنى بشعره عمالقة الفن السوداني الراحل المقيم محمد عثمان وردي والفنان العظيم محمد الامين والفنان ابوعركي البخيت والفنان صلاح مصطفى والفنان حمد الريح الذين نتمنى لهم الصحة والعافية وطول العمر والآخرين من النجوم والهواة وبذلك اثروا وجدان الشعب وبعثوا فيه روح التفاؤل والامل في بزوغ فجر جديد ومستقبل واعد بالخير والسعادة.
كانت صدمة كبيرة عند سماع وانتشار خبر رحيل المناضل العظيم والبطل المغوار الذي تناولته وسائل الاعلام والاتصال المرئية والمسموعة والمقروءة بسرعة البرق.
انحبست الانفاس والحناجر وانهمرت الدموع كالسيل دون انقطاع وتنادى السودانيون يعزون بعضهم البعض في مشهد فريد من نوعه في مثل تلك المناسبات غير السارة. وكان المشهد الاكبر في مدينة امدرمان حيث تلاقت جموع مواكب التشييع التي جاءت من كل حدبً وصوب لتودع الشهيد في مثواه الاخير جاؤا شباباً صغاراً وكباراً ونساء من كل اطياف المجتمع سيراً على الاقدام رافعين الشعارات والرايات التي تعبر عن حبهم واحترامهم وتقديرهم وتكريمهم لشخص الفقيد العظيم الذي ناضل ووهب كلما يملك من قدرات وامكانات في سبيل حرية وتقدم الشعب السوداني.
كنا نتابع بقلق عظيم مسيرة العلاج التي بدأها عام 2006 في انجلترا والمانيا والتي استمرت حتى قبيل رحيله يوم الثاني من ابريل 2014.
كان يحدونا الأمل أن يطيل العلاج عمر محجوب ونلتقي ونعيد ما انقطع من حبل الوصل ونستعيد ذكرى سنين جميلة معاً بما فيها ما كان داخل معتقلات السودان التي نزل محجوب ضيفاً عليها.
عندما نكتب وندون سيرة الراحل محجوب لابد من الاشادة والشكر للدور الذي قام به الاطباء حيال علاجه. وفي هذا الجانب الاشادة بالدور الخاص الذي اطلع به الدكتور الراحل بدرالدين فضل السيد الذي كان يستقبل سنوياً محجوب والاخت أميرة دون انقطاع.
إنني عندما انظر للوراء متأملاً تفاصيل العلاقة التي جمعتني بالراحل محجوب شريف والاخت الاستاذة أميرة الجزولي لن أنسى الدور الفعال الذي لعباه في التقارب وتوطيد العلاقة بيني وبين زوجتي خديجة محمد حسنين الرفاعي والتي تكللت بالخطوبة. شهد العام 1979 وبالتحديد حدث هام تاريخي كان له اثر كبير في مسار حياتي السياسية والاجتماعية الا وهو اعلان خطوبتنا يوم 22 يناير 1979 كان ذلك اليوم يسمح فيه بزيارة المعتقلين.
جاءت خديجة كالعادة تحمل ما نحتاجه من اغراض لكنها جاءت تحمل في هذه المرة اللحظة الفريدة خاتم المنى اي دبلة الخطوبة بعد انتهاء الزيارة رجعت الى مكاني وجاءني الرفاق يسألوني عن الأخبار فابلغتهم الخبر السعيد الفرحة والعواطف الجياشة ملأت القلوب وحينها سالت دموع الفرحة من مآقي الزملاء السر الناطق وعبدالرؤوف علي ابنعوف ض ومنذ ذاك اليوم بدأ التفكير والتحضير للمناسبة التاريخية.
اكتملت عملية التحضير وجرى الاحتفال كانت امسية الاحتفال في غاية الجمال من ناحية المراسيم التي تتم في مثل هذه المناسبة لم ينقص شئ سوى الضريرة حتى الحريرة والهلال تم صنعهما في الداخل صدحت الأصوات بالغناء والسيرة والاناشيد وتألق المبدعين بالمشاركة اذكر منهم الراحل السر الناطق كما القيت كلمات مؤثرة تم التعبير فيها عن جلالة المناسبة والفرحة والتمنيات الطيبة.
ما زالت في ذاكرتي تفاصيل ما كتبه الاستاذ كمال الجزولي لكن وللاسف لم اتمكن من ايجاد نص الكلمة بعد خروجنا من المعتقل أما الكلمة التي القاها الراحل محجوب شريف كما عودنا كانت نتاجاً وعصارةً لفكره النير والمشاعر الطيبة. هنا اقتبس جزء من هذه الكلمة التي وجدت طريقها خارج المعتقل ونشرت في الجامعات والمدارس على جرائد الحائط وتناقلتها الايدي في البيوت والاحياء كما نشرت خبر الاحتفال صحيفة الميدان ومجلة صوت المراة.
في هذا السياق انقل مقطعاً من الكلمة التي القاها الراحل محجوب في امسية الخطوبة تحت عنوان
الدبلة وقانون امن الدولة
(هل سمعتم بالسيرة جواً الى لندن أو بالخادم الذي كانت من ضمن أصناف الشيلة, ولعلكم سمعتم بتبادل مفاتيح العربات بين التشابه بعيداً عن مشاعر الود العميق. وهكذا يصبح الزواج نوعاً من أغلى منتجات السوق الرأسمالي وتصبح المرأة سلعة تبادلية مهمتها الامتاع والانجاب هي والمرسيدس وبطاقة العضوية في النادي الليلي جزءً من ديكور السيد المرموق اجتماعياً يكمل بها مظاهر شخصيته وتعدد ممتلكاته. وتحت مظلة المجتمع الاستهلاكي ومفاهيم السلوك الرأسمالي ترتفع اسعار النساء وتتبدل بالتالي معاني الجمال والكرامة الانسانية السوية.
ومثلما تغلف شركات الادوية والسجاير عن منتجاتها من كنج سايز فلتر افخم سيجارة في العالم
والمال عليك يا غالية ابداً ما غلا.... وانت ما بدوكي لزولاً مسيكين... وفي حمى هذا الترويج الاعلامي المحقر لشأن المرأة باشرت الردة مهمتها في معاني الحب والجمال واحلال القيم الاستهلاكية محل القدرة بحجم الملكية والاستطاعة بما يمكن التنازل عنه بمفاهيم جديدة شقت طريقها وسط الصخر وفوق الاوحال الحرية, الارادة, الاختيار, المشاركة و المساواة.).
بعد خروجنا من المعتقل والفضل فيه يرجع لانتفاضة الشعب في مارس ابريل 1985 التقينا في منزل جدة ال الجزولي الراحلة الوالدة نفيسة والدة الراحلة السيدة نعمة عميدة الاسرة في بيت السوق كان الحضور الراحل محجوب والفنان محمد عثمان وردي واميرة الجزولي وخديجة والراحلة الاخت شامة مراد واسيا مراد اتفقنا في ذاك اللقاء على تفاصيل برنامج الزواج بما في ذلك الحفل وتحدد يوم الاحتفال يوم 9 مايو 1985 تبرع محمد وردي وفرقته بإحياء الحفل لا انسى ان اذكر الراحل محجوب وصديقنا حسن الجزولي في حركة دائمة ومتصلة لانجاز مهمة اقامة حفل الزواج ومن أهم ما انجز في هذا الجانب بطاقة الدعوة التي صممها وكتب كلماتها الراحل محجوب تحت عنوان (زواج السترة).
كان حفلاً رائعاً أدخل البهجة والسرور لقلوب ونفوس كل الذين شاركوا فيه بالحضور انني اعتبره بمثابه حفل انتصار الشعب السوداني على الدكتاتورية التي عاثت في البلاد فساداً وظلماً وارهاباً وانني على قناعة تامة ان المصير الاسود الذي ينتظر من صنعوا دكتاتورية يونيو 1989 لن يكون افضل من مصير دكتاتورية الهارب الجنرال جعفر نميري.
في ختام هذه المساهمة المتواضعة اود أن اطرح سؤالاً ربما تقدم الاجابة عليه ملخصاً للكيفية التي تعامل بها محجوب مع قضايا المجتمع والتي أدت الى النجاحات الباهرة التي حققها في عدة المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية التي جعلت منه رمزاً وقطباً حادباً لابناء وبنات الشعب السوداني الذين هبوا الى وداعه وحمله على الاكتاف الى مثواه الأخير.
السؤال يتعلق بالرؤيا التي تبناها الراحل محجوب في تعامله مع قضايا المجتمع والكيفية التي تعامل بها مع تلك القضايا؟
كما هو معلوم الراحل محجوب ولد وترعرع في أرض الجزيرة المروية التي بنى عليها واحداً من أكبر المشاريع الزراعية في العالم. القوى الاساسية التي ضمها المشروع شكلت من المزارعين صغاراً وكباراً حسب عدد الحواشات المملوكة القوى الثانية تتمثل في ادارة المشروع المتمثلة في الاداريين والمفتشين ثم المهندسين والعمال الزراعيين. جميع هؤلاء كانوا منتظمين في تقابات واتحادات ترعى حقوقهم وتدافع عنها هذا يوضح درجة الوعي عند تلك الفئات كانت عالية دليل على ذلك ان اتحاد مزارعي الجزيرة لعب دوراً كبيراً في الدفاع عن حقوق المزارعين كما انه لعب دوراً بارزاً في اطار الحركة الوطنية السياسية. انطلاقاً من هذه الخلفية توجه الراحل محجوب الى عاصمة السودان المركزية باحثاً عن العلم والمعرفة حاملاً معه هموم وتطلعات امله في العيش الكريم والحرية والعدالة. توسعت مداركه وانفتحت امامه الافاق العريضة بعد أن استقر في مدينة امدرمان وانغمس في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية وانخرط في سلم التعليم و الانتماء الى حركة المعلمين العريقة.
وعيه المبكر بقضايا الوطن وهموم الشعب ومعاناته خاصة بالنسبة للكادحين والفقراء اوصلته الى قناعة راسخة مفادها ان استقلال الوطن واكتمال سيادته وتطوره تظل ناقصةً إذا لم ينعم الوطن بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم بناءً عليه اكتملت رؤيته الفكرية والسياسية في المجتمع الذي يشكل فيه الانسان القيمة الحقيقية التي يتوجب الدفاع عنها والتضحية في سبيلها.
هذا ما فعله محجوب قبل رحيله ضارباً المثل الذي يحتذى به في النضال والتضحية ونكران الذات.
في الختام لا يسعني الا ان اتقدم باحر التعازي الى اسرة الراحل محجوب السيدة الاستاذة الاخت اميرة الجزولي والابنة مريم والابنة مي ولكل ال الجزولي والى اخوة الراحل محجوب, الخير شريف وأحمد شريف.
د. محمد مراد
براغ 5 أبريل 2014




تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1175


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة