الأخبار
أخبار إقليمية
لم يمت من عاش (محجوبا)!!
لم يمت من عاش (محجوبا)!!



04-06-2014 11:45 AM
عبدالله مكاوي

بسم الله الرحمن الرحيم


مدخل للعزاء

رحل في هدوء كعادة النسيم، وهو يفرض حالة وجوده، علي قسوة قوانين المناخ الحار وتقلباته الجافة! وغصبا عن تيار رياح وجوده الشعري الكاسح، وتشبع كل الفضاء برطوبة محبته الناعمة كهمس الليل، وإمتلأ كل الخلايا عشقا وهياما وشوقا، لطلته البهية النادرة كلبن الطير، في هذا الزمن الموحش والمعادي للجمال والخير والقيم النبيلة! لقد جسد الراحل بتواجده الخرافي بيننا، حالة من نبل المشاعر وصدق الإيمان بالقضية وصخرة مبادئ تستعصي علي الإنكسار، وتحيِّر بشموخها الطاغي وعي التعقل، وتنساب كقطرات المطر، مبللة حرقة جوف عوالم الدهشة، بعد طول إنتظار. لم يعش المحجوب للحياة ولكن الحياة عاشت فيه، وبه إكتسبت معناها وألقها، ومن خلاله عبَّرت عن خيريَّتها وأصالتها وشرعية إستحقاقها، بعد أن رد لها الإعتبار! المحجوب لم يكن إنسان فقط، وهو إن كان كافيا، إلا أنه فاض علي إنسانيته، وتمدد بإرتياح في كل النفوس براح، وبشارة خير ومنبع فال! وجاوزت خيول تأثيره كال الحواجز واللغات. يا زول يا عالَم ورينا كيف إتقسمت في كل الناس، وكل الناس إتوحدت فيك؟! ياتو قانون أجبرنا علي هواك، وخلا هواك يتحكم فينا، ويصر علي إنو مافي مثيلك، يا مثلتنا في أشعارك، وكم غنيت بإسمنا نشيدك! يا غاصبنا نكون جواك، ما أنفكينا أبدا من قيدك! تقول فرحان بي شيل هم ذاتنا، ولا قدرنا تعيش جراحاتنا، تعالج بيها جروك فينا! تطمن بيها عوالم خوفك، ما جن خوفك طالق قيدو، تالا عذاب البلد وجراحو! أصلا نِحن ياهو نصيبنا من ها الدنيا، غدر العسكر ونار الفقر الكافر، وجور الحظ العاسر! لولا إنك كنت معانا، بي نغماتك ونبرة صوتك وصدق مشاعرك! وبي أشعارك غيَّرنا مسارنا، يوم وريتنا، إنو العالم حيرجع تاني، تحت أقدامنا، وإنو أقدارنا في إيدينا، وإنو إيدينا كفاية علينا! وطالما بتشرق شمسك فينا، ما همينا ظلام الحاصل! يا حصلت كل همومنا، نِحن نعاهدك، نبرد نارك، ونولع نار الشوق يوماتي!!

كان الأستاذ محجوب شريف، شاعر صاحب مدرسة خاصة، وأسلوب أكثر خصوصية، عنوانه السهل الممتنع، والمفردة المتفردة، والشعر المُلتحم بالواقع او الشعر القضية. بمعني أن الشاعر محجوب شريف، دخل الي دار الشعر من مدخل، تبني قضية تحرير الوطن من الطغيان، والمواطن من ضيق الفقر وذل الحاجة. أي مدخل العدالة الإجتماعية في أفق أكثر تحرر وإستقلال. وقد تزامن هذا المنزع الإجتماعي التحرري، في شخصية المحجوب، مع صعود المد الشيوعي، خاصة في نسخته الباحثة عن العدالة الإجتماعية والمشاركة، و الإقتسام المتساوي للجهد والأنتاج والتوزيع العادل للثروات، وفي رؤيته المُعادية للإستغلال الطبقي، أي إهدار حقوق المجتمعات في الرعاية الإقتصادية، والدول في الإستقلال السياسي. ومؤكد أن هذه الدعوات تماس الجانب الإنساني، علي مستوي الفطرة الأولي(الغير مشوهة بالأطماع والإستغلال)، او المساواة بين البشر علي مستوي الحقوق والواجبات. مع تغليب جانب نصرة الضعفاء ودعم العمال ومطالب الكادحين. وبقول واحد، إزالة كل القيود التي تقود، الي إستعباد الإنسان وحرمانه من حقوقه وتهميش حاجاته الأساسية، وإعاقة تفجير طاقاته وتعمل علي كسر نفسه وإهانة كرامته، أي خفض قيمة إنسانيته وحياته! سواء بالتحكم في الظروف المحيطة به، ومن ثم إرغامه وتدجينه! او بتوظيفه ضد مصالحه، وإن بشكل يمنحه نوع من الحرية والكرامة الشكليات أو منزوعات المضمون، علي مستوي الفطرة السليمة او الفطرة غير المستلبة! المهم صادفت تلك الدعوات والشعارات، إستعداد مسبق لدي هوي وميول الأستاذ محجوب، وكأنها دعوة مجانية له بالإنخراط داخلها! ومن ثم، تمثلها وعبَّر عنها، في قالب شعري شديد العذوبة والتأثير، وكأنه يستمد فتوحاته من منابع الدهشة والسحر وصفاء الأنوار السماوية! وبكلام محدد، مثَّلت مضامين شعارات اليسار، قوة جذب لا تقاوم ، لشخص في رهافة حس وشاعرية وإنسانية الأستاذ محجوب شريف، فما كن منه إلا أن إنتمي بكلياته لهذه الشعارات. وكما ذكرنا سابقا، صاغ بنفسه هذه المضامين شعرا. بهذا المعني يصبح الشاعر محجوب شريف، قوة دعم وإنتشار لمضامين اليسار، او أحد وسائل اليسار في إستقطاب الدعم الجماهيري ونشر رسالته لأكبر مدي. وبتعبير آخر الأستاذ محجوب شريف ليس ضيفا هامشيا علي مائدة اليسار، ولكنه ركن أصيل في بناء منظومة اليسار السوداني، ومصدر إشعاع لمشروعه ومشروعيته. وذلك لسبب بسيط، يتمثل في أن الأستاذ محجوب شريف لأ يحتمل هشاشة المواقف وهامشية الوظائف. وبما أن المحجوب الشريف او الشريف المحجوب المحبوب، شديد الصدق في إنتماءه ومواقفه، فما كان منه إلا أن دعم إنقلاب مايو، بوصفه تجسيِّد لشعارت اليسار علي الأرض، او إختصار للزمن ونقل للمجتمعات علي جناح السرعة، الي عوالم التحرر المادي والإنساني.

ولكن ومن خلال التجربة العملية، إكتشف الأستاذ محجوب شريف، إستحالة الحصول علي أفق ديمقراطي تحرري إنساني، من أنظمة أساسها إنقلابي طغياني فرداني! وذلك نسبة لإرتباط هذه الأنظمة وجوديا بالأفراد، وتاليا تتوجه وظيفتها لحماية مصالح الفرد القائد، ومكتسبات المجموعة المُحيطة به! في علاقة أشبه بالعلاقة الطُفيلية والأصح الرِميَّة بين الطُفيل والعائل!! وهي علي العموم خصم علي جمهور المحكومين، وإنتقاص من حقوقهم ومصالحهم! وهكذا تعلم الأستاذ محجوب من محنة المشاركة او دعم نظام مايو، إن الغايات الديمقراطية التحررية النبيلة، لأ يمكن تحقيقها بوسائل إنقلابية خطيرة وحقيرة! وكعادة كل إنسان مبدئي إتساقي مع أقواله وافعاله، خرج من هذه التجربة بفضيلة الإعتراف بالخطأ، والإبتعاد عن العناد والمشاركة في الخطايا بعد ثبوتها والتحقق منها! والأبعد من ذلك مثَّلت هذه المحنة المايوية، بصدمتها وسجونها وضيِّقها، صقل لموهبته الشعرية ومواقفه المبدئية النضالية! الشئ الذي إنعكس بعد ذلك، في وضوح رؤيته الوطنية الديمقراطية وصلابته المبدئية السياسية، وشموخ شاعريته ذات المضامين التحررية الإنسانية، في كل ما أنتجه من شعر ووقفه من مواقف، حتي رحيله الفاجع، في هذه الأيام النجسة المُرة بتعبير حميد. ونحن في أمس الحاجة الي صوته وأشعاره ومواقفه، وكما ظللنا مشدودين لها، طوال تاريخه الناصع المبدئية والثبات.

والأستاذ محجوب شريف من خلال أشعاره، رفع سقف الوطن والوطنية ومن شأن الحقيقة والعدالة الإجتماعية كذلك، بمعني أنه ربط بين الجدية والمسؤولية والمبدئية الصارمة، وبين تلك المفاهيم او القيم السالفة الذكر. أي جعلها تتحرك في الفضاء الذي يلامس التقديس، غير أنه تقديس وضعي دنيوي، يقبل الإضافة والحذف والجدل والتفكير والتفكر، ويتنافي مع الإحتكار والتعالي والإطلاق. فمشروعه الشعري، ورغم لغته الرومانسية البسيطة المُتأنقة، إلا أنه عبَّر بكل وضوح، عن قضايا سياسية وإقتصادية وإجتماعة وإنسانية ملحة وعاجلة. وتاليا رفع من منسوب التقدير والإحترام الذي يمنح للشعر نفسه! بتعبير آخر، إنه إستخدم الشعر وشاعريته من أجل الإنسان والوطن، أي وظف طاقات الشعر وتاثيره وجاذبيته ومداعبته للباب العقول وشغف النفوس! في وجهة جعل الحياة، مكانا اكثر إحتراما للإنسان وتقديرا للأوطان، ومشروعا مفتوحا للإلتقاء البشري، علي مضامين أكثر تشاركية وتواصلية وإبداع، ونزوع غير مشروط للتسامح والسلام. وذلك عبر تحريرها من قبضة التسلط والإحتكار، وممارسة شهوة التهميش تجاه الآخر، وتجريده من الإحترام وتاليا مقومات الحياة ذاتها! وكانت المحصلة، إن الوطن ومن خلال أشعار المحجوب الشريف، إكتسب نوع من الإستحقاق الذاتي، أو أصبح وطن يستحق معناه، وصدق الإنتماء إليه. بمعني، إن محجوب شريف(كصنو وشريك لحميد او الوجه الآخر لعملته)، حاول من خلال أشعاره، أن يغسل الوطن من أدران الخطايا والذنوب والتقصير، التي إلتصقت به طوال تاريخه المؤسف! أي حاول أن يكمل نقص الوطن، في القيام بواجباته تجاه المواطنين! أي منحهم الحرية والكرامة الأمان. بتعبير آخر، حاول الأستاذ محجوب شريف من خلال أشعاره، أن يحدث فصل او قطع ما بين الوطن المُحتل تاريخا، بواسطة العسكر وأتباعهم عبدة الضلال والدينار والمُتع الوقتية! وما بين الوطن المأمول، الذي يجب الحرص علي إيجاده، والتحكم به، وتوجيهه تجاه المواطن كغاية حصرية! وليس ضد المواطن كما يحدث من جانب الوطن المُحتل، او الوطن المُصادر او الوطن المُعادي بطبعه للمواطنين العاديين! وهو للأسف النُسخة الوطنية المُهيمنة مُنذ الإستقلال(الإستغلال واقعيا). وهذا الوطن المأمول هو ما جعل إحتمال الوطن المُصادر ممكنا، بل هو ما منح شرعية التصدي للوطن المُصادر، مبدئيتها وأحقيتها وأولويتها! ليس بسبب أن الوطن المُصادر، مُجحف تجاه الحقوق والحريات العامة، ولأ بسبب لأ إنسانيته المُطلقة فقط! ولكن لأن الوطن المأمول، هو ما يعطي الوطن قيمة والمواطن وجود حقيقي، وتأثير أكيد في كل ما يعنيه ويعني الوطن. بمعني أن الوطن يستمد وجوده ومعناه، من كم الحرية والمشاركة والإحترام التي يوفرها لمواطنيه. وبتعبير آخر، الأوطان الحُرة تصنع مواطنين أحرار والعكس صحيح! بهذا تصبح الأوطان المُصادرة، ليست مبعث للتفاوت والظلم والفساد فقط، ولكن قبل ذلك ومعه، قتل روح المُبادرة والتطلع للمشاركة في المواطن، والأسوأ من ذلك فقدانه ثقته بنفسه. أي هي أوطان تستلب وجود المواطن الحقيقي، وتستبدله بحالة من المسوخ والتشوهات والإحباطات، التي بدورها تشكل هؤلاء المواطنين المُهدرين! أي الوطن المُصادر هو حالة مفتوحة، لهدر الوطن والمواطنة والوطنية والإنسانية! وإذا صح ذلك، يصبح مشروع الشاعر محجوب شريف الشعري، هو مشروع من أجل إكساب الأوطان شرعيتها والموطنين حقوقهم والوجود معناه. وذلك ليس عبر الهتاف والمباشرة او بيع الشعارات علي عواهنها! ولكن في إطار من البناء الشعري الفكري الثوري، إذا ما إعتبرناه لحظة تجلي الوعي وبروز الإرادة الفاعلة! خاصة بعد إلتصاقها بالمواطنين، وإرتباطها بهمومهم وقضاياهم الملحة، التي لأ تقبل التأجيل! وكذلك مشاركتها بفاعلية في بناء مستقبلهم، علي أسس أكثر ديمقراطية وعدالة إجتماعية وحفظ لحقوقهم الإنسانية. بمعني، إن الشاعر محجوب شريف، أضاف معني جديد للوطن، بعد أن أُستهلك المعني القديم وأصابه البلي والخسران! وأثبت عجزه عن الإيفاء بمتطلبات وظيفته، وقصوره عن إنجاز تطلعات المواطنين وأمانيهم! بسبب خلل بنيوي وشلل هيكلي في تصميمه وحيويته. مما جعل مغادرته هي أكبر تطلعات المواطنين، و منتهي محط أحلامهم وأمانيهم! أي بداية الحياة الحقيقة تبدأ بمغادرته الي غير رجعة! لأوطان أكثر قربا من المواطنين ومقاربة لأحلامهم وهمومهم. ومن لم يستطع الهروب من الوطن المُصادر او الوطن الطارد، هرب الي داخل نفسه وأقصي مدي الي حدود عائلته! أما العاجزون عن المُغادرة كليا، فقد أصابتهم حالة من العزوف عن الوطن والإستقالة من المواطنة! وإنتماء صادق لأحلام اليقظة، لمُعالجة تسرب الواقع والأحلام والعمر من بين أيديهم سدي! ولكن مشروع محجوب شريف الشعري ذهب في الإتجاه المعاكس، بمعني أنه ليس مشروع سلبي يخضع لأحكام الواقع الجائر! ولكنه مشروع مقاوم وعنيد لهذا الواقع المحبط! بل أكثر من ذلك، فقد مثل سلاح مضاد لحالة غياب الوطن وتغييب المواطنين! وذلك بالتشبث بالحقوق والتطلعات والأحلام المشروعة، وبالأصرار علي إحياء الوطن، ومقارعة كل عوامل الفناء الداخلية لهذا الوطن. وذلك ليس عبر بناء وطن موازٍ يسكن الخيال ويدغدغ المشاعر! ولكن بالإصرار علي زرع الأمل في إمكانية صنع الوطن المأمول، والتصدي لكل عوامل الإحباط. وذلك بالتوازي مع حفظ حقوق الشهداء والمناضلين والسياسين الأحرار، ولكل من عمل بجد لتثبيت الوطن المأمول، في الفضاء العام. أي لم ينسب الفضل لنفسه او لأشعاره الثورية، في التأكيد علي بزوغ فجر الوطن المأمول ولو بعد حين! ولكن كجزء من منظومة قادها نفر كريم من أبناء هذه البلاد الأوفياء، وفيهم من قضي نحبه وبعضهم من ينتظر. ولكن الثابت أنهم لم يبدلوا مواقفهم ومشروعية أحلامهم، في الوطن المأمول تبديلا! بهذا المعني، يصبح الشاعر محجوب شريف، هو فقط ضمير الوطن المأمول، والمتحدث الرسمي بإسمه وأشعاره، والمُبشر بنبله والتمتع بمساحات الرحب والحرية والإبداع داخله.

لكل ذلك واجه الشاعر محجوب شريف ومنتوجه الشعري(وكما حدث للشاعر حميد تماما!) عداء مُستحكم من سدنة الوطن المُصادر، أي كره مُتأصل من بناته وحماته! بإعتبار محجوب شريف وبمواقفه وأشعاره، يمثل خطر داهم علي الوطن المُصادر! خاصة وهو يعلن في جميع أشعاره، عن السرقة العلنية للوطن، والتجريم لمواطنيه والتجريد من فضائله، بواسطة الجماعة المُصادرة للوطن والمتغولة علي تاريخه وتراثه، والمنتهكة لحرمة حاضره ومستقبل أجياله! وبهذا يصبح الشاعر محجوب شريف كشوكة الحوت، في حلق هذه الجماعة المُبتلعة للوطن! ويمثل لها بمبدئيته وثوريته وأحلامه الوطنية الصادقة، بؤرة حساسة، تؤرق بال وضمير هذه الجماعة المُغتصبة للوطن والمصادرة له، وذلك غصباعن موات ذاك الضمير!! بل يصيبهم بالصغار والخزي، وهم يتضاءلون في حضرة شموخه الذي يزداد مع مرور الأيام! وهو يحمل بين جوانحه كل هذه العظمة والوطنية والتطلعات الإنسانية، والرفض الصلب لكل ما يمت بصلة، لجماعة المُصادرة والنهب والتخريب للوطن! وهذا يفسر بدوره حالة الغياب شبه الكامل، لتغطية خبر وفاته، وتناول مسيرته الشعرية النضالية الثورية بشئ من الموضوعية، او علي الأقل بنوع من الحياد الخجول! فمن غير المعقول، لشخص في قامة الشاعر الإنسان محجوب شريف، ينحني له الوطن ذاته! بل يُعرف به الوطن وتكتمل به الوطنية. أن تتم تغطية خبر وفاته، من قبل القنوات الفضائية السودانية(إنتحالا)، بكل هذا القدر من الإستهانة والتنكر والجفاء! وكأنه ينتمي لدولة مُعادية!! علي الرغم من أن حياته كلها اوقفها لمصلحة هذا الوطن! ولأ تفي بالغرض تلك التغطية الخجولة، للإستاذ حسين خوجلي في برنامجه الخاص او العائلي(والمقصود أن برامجه يستهدف السطح في تناوله، أي الأعراض والنتائج للمشاكل والأزمات! دون الغوص في الأعماق، أي إستهداف الجذور الكامنة او المؤسسة للأزمات، أي متلازمة الإستبداد/الفساد! والسبب أن هدف البرنامج او مضمونه، هو إستمرار وبقاء هذا النظام، الذي يوفر لود خوجلي قدر مهول من المكاسب والإمتيازات! بمعني، أن البرنامج يعمل علي تخليصه من عيوبه وأخطائه، بأقل تكلفة نقدية اي بالتركيز علي الهوامش، والإبتعاد آلاف الأميال عن متن الكوارث!

والخلاصة، إن برنامج حسين خوجلي يخاطب عاطفة الجماهير، ويتاجر بهمومها وآلامها! ولأ يقدم لها أي جهد معرفي تنويري، يستهدف تخليصها من هذه المحنة الجاثمة علي صدرها والكاتمة علي أنفاسها، وتشكل خطر جدي علي حاضرها ومستقبلها! والمحصلة ورغما عن حديثه الحزين عن الشاعر محجوب شريف، إلا أن موقفه ومصالحه ضد مشروع الشاعر محجوب شريف جذريا، وتاليا تصبح هذه الرواية الحزينة لود خوجلي، مجرد مزحة مجاملة او ذر للرماد في العيون، وتصب في مساحة الهامش السالفة الذكر!). والسؤال، أين كانت قناة أم درمان طوال اليوم أي منذ سماعها خبر وفاته؟! وذلك مع سهولة التواصل والإتصال بأصدقائه وأسرته ومعارفه، للحديث عن الراحل بصورة أكثر عمق وإلمام! ولأ أعتقد أنهم كانوا يمانعون علي الرغم من فداحة المصاب وهول النبأ(علي إعتبار إن الكلام سمح في خشم أصحاب الوجعة). إلا أن إهتمام الإعلام بصفة عامة، لم يكن دون المستوي فقط! وإنما تم بصورة مخجلة، وتمس صميم مهنية تلك القنوات والقائمون علي أمرها! وتطعن في شرف الإستقلالية الذي تتبجح به، وترفعه كقميص عثمان، تجاه أي نقد يوجه لها او لميولها السلطوية! وذلك لأن مجرد تغطية خبر وفاته بصورة مهنية، والتحدث عن أشعاره ومكانته الوطنية، وإفساح المجال لمن يجيد التحدث عنه، وهم ليس بقلة سواء في الداخل او الخارج! وشغل الإهتمام به لمعظم زمان وحيز البث الفضائي علي الأقل يوم الوفاة! كان سيخفف من هول المصاب ومرارة الفاجعة وعذاب الفراق، او علي الأقل يمثل نوع من رد الدين لمن أعطي ولم يستبقِ شيئا! أي لمن عاش للوطن وعاش به! لدرجة إلتصاقهما ببعضهما كتوأمين سياميين! مع العلم أن عدم الإهتمام بتغطية خبر بكل هذه الضخامة، لاينتقص من شخصية المحجوب او شاعريته او قيمة إرثه النضالي!

بل العكس هو الصحيح. فالخاسر الأكبر هي القنوات الفضائية، ولدرجة مصداقيتها، المشكوك فيها أصلا! وقد يصل الأمر لإحتقار هذه الأجهزة الإعلامية، التابعة والمنحازة للسلطة المعادية للجماهير جوهريا! وغير الفقر المُزمن المُلازم للقنوات الفضائية السودانية، سواء علي مستوي الإعداد والتقديم و التناول للقضايا، ما عدا الجاذبية الجسدية لمن يبحث عن تنفيس مكبوتات غريزية! او علي مستوي معرفتها برموز المجتمع الوطنية والإبداعية والنضالية او معرفتها بالمجتمع العريض وبمختلف تكويناته وطريقة التعبير عنها...الخ!

إلا أنها أثبتت أيضا عن ضعف حساسيتها الإعلامية وذائقتها الجمالية المعرفية، والمتوفران بكثرة كنوزية، في شخصية الشاعر الفذ، محجوب شريف وفي مسيرته الشعرية والحياتية والمبدئية. أي حتي إذا تفهمنا أن الأجهزة الإعلامية، مُتحَكم فيها بواسطة الأجهزة الأمنية والسلطوية ورؤساء الأجهزة الإعلامية! إلا أن إبداعية الإعلاميين إذا كانت حقيقية! كانت ستمنحهم المخارج للإلتفاف علي القيود المفروضة عليهم، لتحطيم السياج والحصار المضروب علي الإستاذ محجوب حيا وميتا!! ويمكن توظيف مثل هذه الشخصية بكل ألقها وحضورها وإحترامها، من أجل الإنتشار الإعلامي وإستقطاب نسبة مشاهدة عالية من الجمهور، وتاليا منحها التقدير والإحترام الذي يفيدها مستقبلا! خاصة وإن الجمهور يعلم مسبقا قيمة المحجوب، ولا يحتاج لمعرفتها من تلك القنوات الفضائية، بمعني أنه يبحث فيها فقط عن المصداقية وطريقة التناول لأغير! ويبدو أنه من الأفضل لمتابع القنوات الفضائية السودانية، أن ينتظر جودو، إذا ما أراد أن يظفر بأي درجة من الإنحياز لهمومه الحقيقية، او الإهتمام بنبضه او مجرد معرفته او علي الأقل الحياد في تناول قضاياه الأساسية! من أن ينتظر خيرا او إنصافا من تلك القنوات الإنصرافية، الغارقة في السطحية والدعايات، والباحثة عن البهرجة والزينة وعرض الأزياء! وكأننا مجتمع يعاني من الكبت الجنسي فقط! وليس الكبت السياسي والكبت الأكبر للحريات!! ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهذا يعني بدوره، أن التغيير القادم لابد أن يكون شاملا، ولا يستهدف الرأس السياسي او الجهاز السلطوي فقط! ولكن يجب أن يطال الدولة كهياكل وكمبني وتاليا كمعني! وذلك عبر وضع الدولة السودانية، علي طريق المنهجية والمؤسسية والحياد، ووضوح الهدف والرؤية والإرتباط بالواقع، أي بالإبتعاد عن الشعارات الثورية المُراهقة والدينية المُنافقة، من شاكلة التطهير والصالح العام! والإستهداف الشخصي والتحطيم لكل ما هو قائم خبط عشواء! بمعني إن التغيير لايقصد به الإنتقام الشخصي سواء من الخطائين والمذنبين وأصحاب الجرائم الوطنية او من الصامتين والمشاركين في تلك الجرائم فقط! ولكن التغيير المطلوب هو تغيير في المفاهيم والمعارف والثقافة والأسس التي أنتجت الوطن القديم بكل مآسيه! ومن ثم بناء مفاهيم وقيم جديدة أكثر حرية وحساسية تجاه الحقوق الإنسانية، علي أن تستهدف الصالح العام والإنشغال الناضج بالمستقبل، والإمتناع او القطع مع اي عوامل او سلوكيات تقود الي الماضي وأخطائه، مع الإحترام التام للقوانين والنظم والشفافية والعدالة والإنصاف...ألخ.

وفي هذا المقام الحزين، نعيد التذكير مرة أخري، بموضوع كان حول الراحل المقيم الشاعر محجوب شريف، ويحمل عنوان رسالة من تحت الماء، رافق أيام عودته مُستشفيا من أحد رحلات علاجه الخارجية. وكان ملخصه يحمل حلم او رغبة ملحة او رجاء، بالتوثيق لحياة ومسيرة الشاعر محجوب شريف، في أحد القنوات العربية، بعد أن تعذر هذا الأمر داخليا، بسبب صلابة مبدئية الشاعر وموقفه الجذري، في رفض التعامل مع هكذا نظام بالغ السوء، و بكل تفاصيله ومكوناته! وبما فيها الإعلام الذي يعمل تحت رحمته، وغالبا بدعم من خزائنه وإلتزام بتوجيهاته! وقد أثبتت الأيام صدق حدسه وحديثه وبعد نظره! وبما أن الراحل قد مضي بعد أن أبلي حسنا، إلا أنه ترك لنا إرث عظيم من أشعاره مواقفه، ومسؤولية الحفاظ عليها والإستفادة منها. ولكن العبء الأكبر، يقع علي أهله واصدقائه والمقربين منه، لتسجيل كل تفاصيل حياة هذه الشخصية الوطنية الشعرية الفذة، او الشخصية القضية الفكرة! مع تسليط الضوء علي منتوجه الشعري ومواقفه النضالية، وتوظيفهما في سياق هدف أعظم، عنوانه، إنجاز الوطن المأمول، الذي بشر به الشاعر(قصيدة وطنا بأسمك كتبنا ورطنا نموذج)، أي كنبراس وطريق وقدوة تشع تفاؤل ومبدئية لذاك الوطن المأمول، وطنكم وطنا وطن الكل.

وفي الختام، اللهم أرحم محجوب شريف رحمة تتناسب مع عظمة شخصيته وصدق تواضعه وكم المحبة الغير محدود في نفوسنا وقولبنا تجاهه، اللهم إن محجوب علمنا معني أن نحب الوطن ونعشق الوطنية ونحترم المواطنين، فأجزل له العطاء والغفران ونعيم الجنان. وألهم أهله وأصحابه وأحبابه ومعارفه وجيرانه وكل أبناء الوطن، صبر الأنبياء لإحتمال فراقه وأمنحهم اللهم حسن العزاء وعظيم الجزاء. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 959

التعليقات
#964524 [بدر نورالدائم]
0.00/5 (0 صوت)

04-06-2014 11:54 AM
الله يرحمه ويغفر له اخى ادعو له بالثبات والمغفره هذا اليوم ليس يوم مدح بل ادعو له المغفره

[بدر نورالدائم]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة