الأخبار
أخبار إقليمية
محجوب شريف...الموت واقفا
محجوب شريف...الموت واقفا



04-07-2014 11:12 AM
حيدر إبراهيم علي

.

كان(محجوب شريف)حقيقة لا مجازا،حنجرة هذا الشعب،فقد كان لسانه ولسان حاله حين يحاول الطغاة اسكات ذلك اللسان.
كان محجوب شريف هدية الفرح والأمل والحلم الساطع حين يحاول اليأس والإحباط ان يغوي إرادة الشعب،فيرفعه محجوب عاليا ويذكره بأنبل ما فيه..
كانت موهبته تكمن في تلك القدرة المدهشة في التقاط الكلمات العادية من الطين والتراب ليجعل منها فراشات تفيض بالجمال والسحر،ويحولها إلي لغة كأنها من نحت فدياس أو من أوتار زرياب،في حسنها ودقتها وتأثيرها.فقد انفرد محجوب برفع العادي والمعتاد الي عوالم متع العقل والقلب،وتحويله الي محفزات للتفكير الثاقب،وسند لإرادات قلب لا يخاف ولا يتردد.
كانت قصائد محجوب زوادة للروح في أزمنة عسف العسكري الفرّاق والعسكري الكذّاب.تسند ظهر الشعب حين تتعب قدماه من الصمود، ويحاصره الإرهاق والعناء.فتأتيه مثل الأذان منبهة ومذكرة أن الطريق طويل وشاق، ولكن يهزمه الأمل والنضال المستمر واليقظ الذي لا تأتيه سنة ولا نوم..
ويكتب(محجوب) بهذه اللغة الجديدة البسيطة،قصائده السهلة، والتي تمتنع علي كل من يحاول ان يقلده،أو يكتب مثلها.ويحرق اصابعه لأن تلك اللغة والاحرف ليس لها من مطوع غير اصابع محجوب.وهذا أيضا من اعجازه المحير لغة نتداولها يوميا ولكنها نجدها وقد ارتقت عنده الي ما أذن سمعت.
هذا عن شكل قصيدة(محجوب) ،ولكنه يكرر نفس الإعجاز في مضمونها،حين يحوّل الحدث اليومي العاديإلي قضية عظمي وهم إنساني يستوقف كل غافل لا يشغله ما حوله لأنه مستغرق في احلام عصافير، وهو يري العادي من هموم الكون.وهنا(محجوب) يريد أن يقول ليس في حياة ووجود الإنسان ما لا يستحق التوقف والاهتمام.وهذا منبع الاشتراكية الانسانية التي ميزت فكر(محجوب شريف).فالانسان هي القيمة العليا التي لا تعلو فوقها قيمة.وكأنه يردد دائما:لقد خُلق السبت من أجل الإنسان،وكذلك صُنع الحزب من أجل الإنسان.فقد كان الإنسان هو "اللائحة"والنظام،والصلاة.كان يري في أي حدث الإنسان، فيمسك بهذا الإنسان.ولذلك كان يقبض علي هذا الجوهر وصارت له القدرة الخفية علي اقتناصه من وسط كل ما هو عابر أو ضئيل او ****.
كان(محجوب) في قلب قافلة نبلاء رفعوا شعار:" اللغة من أجل الشعب".فنراه دائما مع (بيرم التونسي)و(أحمد فؤاد نجم)و(صلاح جاهين)و(مظفّر النواب)و(والت ويتمان)والاخير الذي وصف أبناء قبيلته:"لقد حملوا الغذاء الي الطيور الزّغب التي عليها الآن أن تنهض وتطير وتغرد بنفسها".
جاء شعره في أصعب الاوقات، ولكنه آمن بأن الجمال ممثلا في الشعر يعيد ترتيب العالم ويجعل الحياة تستحق أن تعاش رغم صعوباتها.وقد تحمل بجسارة مسؤولية إعادة النظام لفوضي العالم،وأن يطارد القبح من حياة الوطن.وحاول ان يسكن الشعب في الحلم واجب التحقق رافعا أياه من عذابات وخيبات لا تنتهي،تبثها وتحرسها انظمة العجز والجحيم.ورغم ان شعر(محجوب)ورفاقه تنوشه أسهم النقد التي تتهمه بالمباشرة وعلو الصوت.يري الكثيرون أن الغموض هو ميزة جمال المرأة والشعر.كما أن (مندور) و(نازك الملائكة)،جاءا الينا بمفهوم "الشعر المهموس" الذي يذهب الي القلب مباشرة دون الارتطام بالأذن. ولكن ناس(مجحوب)اسسوا لجمالية وحساسية شعرية جديدة تقوم بتجميل المباشر قبل أن تنقله كما هو للمتلقي.ويضاف الي ذلك أن هذا الشعر يغني ولا يقرأ أو يتلي فقط.الغناء واللحن يضفي علي المباشر المعلن والواضح جمالا يتشابك مع الطرب والترديد فيعلو درجة علي أي شعر آخر.يستحيل أن يهرب الشعر الملتزم من المباشرة ،ولذلك فهي ليست نقيصة في هذه الحالة لأن للشعر وظيفة الي جانب المتعة والتذوق.فشعر(محجوب)ورفاقه ليس صاخبا أو ضاجا،بل مهمته أن يزلزل ولا يدغدغ تلك النفوس التي غطاها الكري والفتور.
كانت حياته شعره،وكان شعره حياته.فقد كان يتوق أن يري ما يتمناه وينشده قد أصبح واقعا خلال حياته.فقد احتوت قصائده علي "مانيفستو" أو بيان أو نداء: حرية،وتنمية،وسلام.من يقرأ شعره جيدا يجده يحتوي كل تفاصيل برامج الاحزاب، وتوصيات المؤتمرات.وكان يتوق أن تكون حياته وحياة وطنه كما قالت قصائده،فردوسا ارضيا،وكان هذا ممكنا.فقد كان من حقه أن يعيش حياة طبيعية:يدرس التلاميذ،وينظم الشعر،ويجلس مع بناته في مرح،ويشرب شاي المغرب بانتظام في بيته ومع أصدقائه.ولكن شئنا لوطننا أن يكون ساحة سجون ومطاردات وملاحقات ومراقبة،وصار نصف السكان يطارد النصف الآخر. ويُصرف علي الأمن ضعف ما يصرف علي التعليم والصحة.هذا وطن شاذ،قضي(محجوب) فيه عمرا قصيرا بلا راحة:سجينا،أوملاحقا،ومفصولا من العمل.ويتكرر نمط حياته علي آلاف السودانيين الشرفاء.فكيف يُرجي لمثل هذا البلد تقدما؟لقد أصيب الوطن بقرحة العسكر والاستبداد، وظل ينزف منذ الاستقلال وحتي الآن،وقد اقترب من الاحتضار.فقد أهدر السودان كل طاقاته وامكانياته في أمن وتأمين السلطة،فحرم(محجوب) والكثيرين من السودانيين من حق طبيعي بسيط:أن يكون في وطنه وأن يعيش بالطريقة التي يختارها ويريدها. ولكن سُلط القمع اقتطعت جزءا مقدرا وخصبا من حياة(محجوب)وتدخلت في هبة القدر في حياة طبيعية.

لقد مات محجوب شريف واقفا وعينه الي السماء لم يتراجع ولم يهادن حاملا قضيته حتي انتقاله الاخير.وهذه فكرة عظمة الصمود حتي النهاية،وهذه هي القصيدة -الدرس الذي أبي محجوب إلا يكمل بها صورة حياة المناضل الحق،واتساقها فكرا،وقولا،وفعلا.فقد صمد(محجوب)مسلحا بشعره وحزبه،وكان أحساس أنه ليس بمفرده يملأه بالعزيمة القوية والأمل الذي لا يخيب:
يمه السجن مليان رجاله ما بتنداس
الخاتو قبلي الساس
والشالو هم الناس
يالهم من رجال عظماء شامخين ،ولكن بالمناسبة أين هم الآن يامحجوب؟ فقد عرفناهم(كليتون)وطليعة ومقدمة جسورة،وفي الليلة الظلماء يُفتقد البدر.
يحرجني مرأي العابرين:مصطفي سيداحمد،وحميد،ووردي،والدوش،فقد رحلوا
مبكرا قبل أن يروا الفجر الذي غنوا وأنشدوا له.لذلك شملنا الحزن المضاعف
برحيلهم: الفقد والحلم المُعطل.واليوم يلحق بهم محجوب.نحن مطالبون باعتذار لهم ولك يامحجوب، لأننا تركنا ماتحلم به يوماتي مستباحا لعصبة من المشعوذين والطفيليين،ولم نشرع في بنائه بجدية وعزم.وتظل"حنبنيه"تطاردنا وتلاحقنا مثل بومة الصدى"حتي تقول الهامة اسقوني".فقد تأخرت"حنبنيه" وظلت أملا مستقبليا ولم تتحول الي فعل وضع اللبنات لما تحلم به.ولكن قد حدث ما خشيته:-
أخاف الطريق..
اللى ما بودى ليك
وأعاف الصديق
اللى ما بهم بيك
للأسف ،فقد ضاع الدرب أو الطريق الذي يؤدي إليه من الجميع،كما تحول كل الاصدقاء الي الحلول الفردية .ولكم الحق في أن تعافهم لأنهم لم يعدوا يهمون به،ولم يعدوا مهجوسين يومياتي به وببنائه.
أخيرا،يعزينا(درويش)بأن أمثال (محجوب)خالدون وكانوا علي مر التاريخ يهزمون الموت،وأكرر قوله المحبب:-
هزمتك ياموت الفنون جميعها
هزمتك ياموت الاغاني في بلاد
الرافدين.مسلة المصريّ،مقبرة الفراعنة،
النقوش علي حجارة معبد هزمتك
وانتصرت،وأفلت من كمائنك
الخلود...
فاصنع بنا،واصنع بنفسك ما تريد.
e-mail:hayder.ibrahim. ali@gmail.com


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2149

التعليقات
#966224 [أحمد الرضي]
5.00/5 (1 صوت)

04-07-2014 10:30 PM
تساءلت مراراً وتكراراً وما من مجيب، أنني وحتي هذه اللحظة لم أطلع علي نعي الأستاذ/ هاشم صديق، لشاعر الوطن والشعب محجوب شريف، فإذا لم ينعه نتساءل لعل المانع خير،،، وإن فعل، فدلوني عليه، ولكم شكري وتقديري

[أحمد الرضي]

ردود على أحمد الرضي
European Union [kandimr] 04-08-2014 01:24 AM
الأحزان ليست مكابرة..أو مجال ملامة..قبحك الله..كن رجلا.. من أين جئت ؟ ...هاشم والقدال وأزهرى كما طيبوا الذكر محجوب و جميد وعلى عبدالقيوم. رحمهم الله وأسكنهم جناته..نقاية مشاعرنا ..وبناة المساكن الشعبية.. حيث تولد حب الوطن والنضال ودفء الكرامة. ورد الجميل دلالته إستئصال المرض العضال.. والتمضى القافلة.الى النصر بخطى حثيثة. وذخيرتها ترانيم نقابة مشاعرنا..ولن يعيقها نباح الكلاب...نحن رفاق الشهداء..الصابرون نحن..


#965831 [المغترب والمشترق كمان]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2014 02:23 PM
حيدر مفكر وايضا أديب ذواقة كما يبدو في المقال. محجوب شاعر والشاعر لايرحل.إنه يولد في كل قراءة أو ترديدة لشعره.

[المغترب والمشترق كمان]

#965795 [ود الكلس]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2014 01:44 PM
لا حولة ولا قوة الا بالله العلي العظيم ماذا حصل للسودان اللهم إنا نسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك كم اصابني الحزن واري الجموع تذرف الدموع في وفاة محمود عبد العزيز ومحجوب شريف وتستفبل نايل بطل الغناء بالحفاوة و:انه أخذ جائزة نويل ماذا خصل لهذا البلد الذي تأخر عشرات السنيين للوراء هل هولاء اصبحوا لنا قدوة واذا قدموا للسودان نسال الله الرحمة لأمواتناواموات سائر المسلمين اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا

[ود الكلس]

#965692 [abu-shanab]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2014 12:29 PM
Sudanese women born two men only: Mahmoud Mohamed Taha & Mahjoub Shareef

[abu-shanab]

#965667 [صديق الكشيمبو]
0.00/5 (0 صوت)

04-07-2014 12:13 PM
شكرا للدكتور الموقر، ولا شك في أن صوتا أصيلا من أصوات هذا الشعب القوي الوفي، قد وري الثرى، لكن القيمة الفكرية تبقى ما بقي الوجدان الوطني، وما بقي الصدام بين القوة والعدالة، والتسلط والانتعاق، وما بقي الإنسان الذي ولد حرا يعاني من قيود أخيه الإنسان، المتمثلة في ظلم ذوي القربى أو الأباعد من البشر، وتلك هي جدلية الحياة ، منذ القول" لئن بسطت إلي يدك لتقتلني، ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك.".ولو أن أهل القرى آمنوا وتعاونوا على القسطاس والتواضع وعدم نفي الآخر ، لما كانت هذه الضحايا ،، والإشكالية التي لا يدركها الكثيرون أن الدنيا لا تستحق هذا اللهاث وراءها، وكلنا تربينا على التسامي عن صغائرها، وعن ملذاتها سواء أكانت في المطعم أو المشرب أو المسكن أو الملبس ، لكننا نستفز عندما نرى" الأسد تموت في الغابات جوعا ولحم الطير تأكله الكلاب" ومن هنا تتولد هذه التنازعات والتصادمات، وتنشب الفتن والحروب وتسيل الدماء ويخرب العامر، ويرتع البوم في الخرائب التي كانت تزخر بالحياة.
محجوب شريف شاعرأصيل ، كان يبدد العتمة ، وكان يحمل المشعل، وكان يعتلى المئذنة صادحا وصائحا ، بلغة أخذت مفرداتها من (شارع الظلط ، وحلة الملاح، ولفة الطرقة، وخيول الفرسان، وبندقية الجندي، وظلام السجن، وقسوة السجان) ونحن شعب مسكون بالشعر، وبقيت في أدبنا حية تتشحط في دمائها ،كلمات مهيرة وشغبة والخليل، وكل شاعر شرع للانتماء للوطن، وهذب له الشعر، نظما ذهبيا ، سهلا ممتنعا..
محجوب شريف بكاه صدقنا نادر نجم الدين، وهو من ارستقراطية الخرطوم، وما ذاق يوما لهفة الحرمان، ولا استفاق على غربة في أرض الله الواسعة، وما كانت حياته إلا استرخاء ماليا ونفسيا، لكنه أحسّ بصدق محجوب شريف، فبكاه وأرسل قصائده المجلجلة إلى كل من يحس فيهم صدق الانتماء لهذا الوطن الذي يعيش أهله في بيت بكاه الأليم..!

[صديق الكشيمبو]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة