الأخبار
أخبار إقليمية
مركز الخاتم عدلان والوثبة المزعومة
مركز الخاتم عدلان والوثبة المزعومة



04-13-2014 12:51 AM
طلعت الطيب

تهل علينا الذكرى السنوية للخاتم عدلان عليه رحمة الله الذى رحل عن دنيانا صبيحة 23 ابريل 2005. وتمر الذكرى التاسعة للرحيل الفاجع حزينة مثل سابقاتها خاصة وأن أهم مؤسسة تحمل إسمه وتسعى لتخليد سيرته ورسالته والمتمثلة فى مركز الخاتم عدلان للإستنارة والتنمية البشرية، مازالت تتعرض للمنع والمصادرة بواسطة سلطة الإنقاذ دون إبداء أسباب واضحة ومبررة حتى الآن. وقد قامت أجهزة الأمن بإغلاق المركز على عجل وفى إرتباك واضح فى آخر يوم من العام قبل الماضى مما يوحى بأنها كانت تسابق الزمن فى تنفيذ قرار غير معلن يقضى بإسكات صوت المركز قبل بزوغ العام الجديد حتى يأتى خاليا منه ومن نشاطه ليلحق بمركز الدراسات السودانية، وذلك بعد أن فشلوا فى تشويه سمعة القائمين على أمر هذين المركزين تمهيدا لتصفيتهما مثلما فعلوا مع منظمات سابقة.

أتابع بإعزاز بالغ المقاومة الباسلة التى يبديها الاخ والزميل د. الباقر العفيف مختار مدير مركز الخاتم عدلان وهو يقود معركة الشرف من أجل إسترداد نشاط المركز من براثن الشمولية إلى إحضان المجتمع المدنى الحر فى الخرطوم. ولكنه إعجاب مشوب بالاحساس بعقدة الضمير لأن الرجل ومن معه يقاومون ممارسات السلطة الجائرة وهم على مقربة من عش الدبابير بينما من هم من أمثالى يقيمون بمأمن فى بلاد الإنجليز إذا جاز لى أن أستعير ما قاله أستاذنا الطيب صالح، طيب الله ثراه، أبان دفاعه المجيد عن عميد الدبلوماسية المرحوم جمال محمد أحمد فى وجه الطغمة المايوية وقتها وذلك فى معرض رثائه له. ولأن الإنقاذ لم تأت من فراغ بل تعد إمتدادا لثقافة سياسية ذات طابع شمولى واسعة الإنتشار فى السودان، فإن الرجل كان قد إضطر لأن يخوض مواجهة مع محاولة أطلت برأسها داخل منظمتنا السياسية (حق) تسعى لفرض وصاية على المركز بحجة اصلاح أوضاعه بدلا عن ترك المهمة لمؤسساته وجمعيته العمومية. وقد تعرض الرجل لمحاولات لإشانة سمعته ولكنه صمد وتجاوزها إيمانا منه برسالة المركز أولا وعينه على اجهزة أمن الإنقاذ المتربصة بالمركز ونشاطه ثانيا.

وفى إطار واجبه الوطنى الساعى لإستعادة الحقوق والحريات، لجأ مدير مركز الخاتم عدلان للقضاء على علاته، فى محاولة لإلغاء القرار التعسفى الذى بموجبه تم إغلاق المركز. كانت قضية المركز تسير سيرا طبيعيا وتنعقد الجلسات وسط تضامن كبير من الناشطين حتى جاءت جلسة الثلاثاء الماضى الموافق 8 ابريل الجارى حين فوجىء الجميع بقرار من المحكمة العليا يقضى بسحب القضية وإيقاف الإجراءات. وكان من المفترض أن يتم فى تلك الجلسة إستجواب مدير المنظمات الوطنية بخصوص الأسباب الحقيقية وراء قرار إغلاق المركز. وقد إتضح بجلاء أن الإنقاذ مستمرة فى سياساتها الإقصائية وحماية منتسبيها من المساءلة، وتتبدى المفارقة بوضوح هنا لانها جاءت بعد إعلان الحكومة عن تبنىيها لحوار وطنى جامع، او ما عرف بحوار الوثبة بغية تجاوز الإزمات الوطنية العميقة التى تمر بها البلاد. ولكن كان قرار سحب القضية بواسطة المحكمة العليا وتوقيته تجسيدا حيا لمدى إستعداد الانقاذ لتغييب مبدأ المساءلة.

تغييب المساءلة accountability يعتبر خرق جسيم لقواعد الحوار وتقاليده المعروفة بين الإنسانية المعاصرة ويبدو هنا أن إستخدام قادة الإنقاذ ورموزه لمفردة (وثبة) كان تعبيرا لا شعوريا قويا لديهم بالرغبة فى الهروب إلى الأمام وتفادى مواجهة القضايا الماثلة ومراجعة الذات. للحوار والتفاهم شروط وقواعد راسخة فى المجتمعات المتحضرة ولكنها أقرب للقواعد النحوية منها لقواعد مكتوبة لاية لعبة رياضية او شىء آخر لأن إتقان اللغة لا يشترط ان يكون الشخص ملما بكامل قواعدها النحوية. للحوار الوطنى أيضا أجندة يجب ان يحدث إتفاق حولها مثل الإيقاف الفورى للحرب فى دارفور وجنوبى كردفان والنيل الأزرق وإعادة توطين النازحين وتوفير الخدمات الأساسية وتعويض المتضررين، إضافة إلى قضية العدالة الإنتقالية والحكم الإنتقالى وآلياته المفضية لحكم ديمقراطى تعددى وفيدرالية فعالة. ويمكن إجمال قواعد الحوار فى ثلاث مستويات حيث تأتى فى المستوى الأول منه المسائل الدلالية مثل حرص المشاركين على ضرورة الإتساق عند طرح القضايا وتجنب الوقوع فى التناقض ظاهريا كان explicit او مستترا implicit. اما المستويين الثانى والثالث من قواعد الحوار المتعارف عليها فهى التى تتعلق بمسائل إجرائية وبحزمة معايير سلوكية norms لإنجاح اى حوار جاد ومنتج. فالمستوى الثانى يكتمل بحرص المشاركين والتزامهم بالإخلاص فى طرح وجهات نظرهم والتعبير عما يدور فى أذهانهم وأفئدتهم والإبتعاد عن الأجندة الخفية وتقبل المساءلة وإبداء الإستعداد لتفسير وتبرير الأسباب التى دعتهم لطرح او تبنى هذا الرأى أو ذاك. أما المستوى الثالث والأخير فهو المتعلق بتوفير الضمانات الخاصة بمنع إقصاء أى طرف فى الحوار الشامل والحرص على حماية حرية الرأى والتعبير والإبتعاد عن القمع والتخويف.

الشاهد أن الإنقاذ لم تظهر حتى الآن رغبة عملية فى توفير شروط لحوار جامع لا من حيث الأجندة المطروحة بشفافية وإجماع ولا من حيث إدارة حوار بحياد. كما أنها قد فشلت فى إقناع الكثير من الناس بتخليها عن أجندتها الخاصة بالإستمرار فى إحتكار السلطة والثروة فى البلاد. التعامل مع قضية مركز الخاتم عدلان ومواصلة فرض الرقابة سيئة السمعة على الصحف تعتبر من الأمثلة الصارخة التى تدل على خرقها لتقاليد الحوار وإنعدام المصداقية تجاهه. وحقيقة أن للحوار تقاليد وقواعد اشرت اليها بعاليه تعتبر متأصلة ingrained فى المجتمعات فإن كل ما عداها يعد عارضا ويشمل ذلك ثقافة المجتمع الابوى الوصائى الواسعة الانتشار فى السودان ولذلك المطلوب الضغط على الإنقاذ حتى لا تستخدم الحوار كوسيلة لإجهاضه كما فعلت فى السابق.

الإنتباه الى توظيف الإنقاذ للثقافة الابوية الوصائية فى خدمة اجندتها لأنه لا يقل سطوة وفعالية عن الاجهزة الأمنية الأخطبوطية التى تعتمد عليها يعد أمرا ضروريا. ولذلك المطلوب فى المقابل التركيز اكثر على التربية الديمقراطية وثقافة السلام خاصة من قبل القوى الوطنية والديمقراطية ونشرها على اوسع نطاق لمحاصرة كل ماهو وصائى. وقد ظل البشير يدرك جيدا أهمية الثقافة الوصائية التقليدية فى تثبيت اركان نظامه ولعلنا نذكر تصريحاته على رؤوس الأشهاد حينما قال منتشيا امام جمع غفير أنه أخذ الحكم بقوة السلاح ومن اراد ان ينتزعه منه فعليه به (أى عليه بالسلاح وليس بالحوار)، لانه قول ربما يثير الإعجاب وسط قطاعات واسعة من بسطاء شعبنا حيث تسود ثقافة ذكورية إختلطت فيها القيم، فصار العنف شجاعة، والبلطجة (رجالة)، وقد بلغ بنا الامر أن نصف المرأة الكريمة بأنها (ضكرانة) دونما إحساس بالذنب لمدى الإهانة التى الحقناها بها وبأنوثتها بعد أن قررنا أن يحتكر الرجل الحق والجمال. الإنتباه لتعارض حركة الإسلام السياسى مع الديمقراطية وثقافة السلام يعد ايضا امرا ضروريا لأن إنتشاره ساعد كثيرا على إضعاف مناعة المجتمع المدنى الغض ضد الإنقلابات العسكرية وتدخل الجيش فى حكم البلاد، لأنه ظل يرفع وعلى الدوام كل ما هو مقدس فى وجه من يؤمنون بأن الشعب هو مصدر السلطات.
طلعت الطيب
عضو المجلس القيادى فى حركة (حق).
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 750


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة