الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
دون كيخوته: النبالة حين تـُفتقد إلا في روح الجنون
دون كيخوته: النبالة حين تـُفتقد إلا في روح الجنون
دون كيخوته: النبالة حين تـُفتقد إلا في روح الجنون


04-13-2014 01:30 PM

غمكين مراد

لعل كتاب ثربانتس′دون كيخوته، الفارس الألمعي النبيل’ يعد من الكتب الخالدة حقا، ففيه من الصواب كلـّه بدءا من عمق الحياة إلى حوافها، لأن الجنون الغائر على روح الحياة التائهة لدون كيخوته في كونه النبيل الذي يجافي اللذة ويحمل صخرة سيزيف طوعا، صخرة ليست إلا التحام ذرا الحق المنتثرة في هواء الحياة المسمومة بأنفاس الباطل الطاغي على وعي وكينونة الإنسان.
إن مسألة البحث عن الفضيلة من قبل بطل ثربانتس ‘دون كيخوته’ واختيار الطريق للوصول إليها أو العيش في فحواها لا يتم إلا بالجنون’ دون كيخوته’ برفقة ظلٍّ يهدهد الجنون بأصابع النقاء’سانشو’، لأنها مسألة توحي بأن مسيرة هذين الشخصين ورحلاتهما المتقطعة، ومجالسهما الملتهبة. ليدرك عن كثب أن ثربانتس قد اختمر الحياة لخُبز قصته في تنور لا يشتعل إلا بنار الأنفاس الخارجة سعياً لإضفاء الحكمة الخيّرة على وجه الحياة ونزع الأقنعة المتوالدة باطلاً على كثرتها.
إن دون كيخوته بما يمثله للاسترجاع اللامنطقي لعصر الفروسية في زمن أخر غير زمنها ، ليجسد في هذه الألفية العلمية العالمية سينمائية آلة الزمن الهوليودية في التواصل والاستمرار وترابط تشعبات الحياة ومكتنزاتها وموروثاتها النفسية والأخلاقية والاجتماعية بكلِّ سلبياتها وايجابياتها وتقنياتها.
إن دون كيخوته و سانشو يمثلان زبد النقاء في العصور كلـِّها أمام بحر اللغط والخديعة الإنسانية وعلى رمالها وبين حصاتها، وما يستدعي النفور حقاً من الوجه الأخر لغير هذين الفصيلين هو حقيقة وجوده مقنعاً بكل الأشكال اللازمة ليتوالد ما يناظره.
لا يترك ثربانتس لرائعته أن تنتهي بكلمة’ تمت’ وإن كتبها، لكنه يُعيد إلى دون كيخوته حياته غير الجنونية ليدفنه وهو بكامل قواه العقلية و يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه، حيث تلج فيه الصيرورة الزمنية لحقٍ لا يُعاش إلا بالجنون وبباطل لا يظهر إلا بالعودة عنه.
لكن ليت أستطيع بعد كلِّ هذه السنين أن أصنع مفتاحاً من الكلمات لفك القيود الشفافة الملفوفة على فكر ثربانتس في عصره من قبل الكنيسة، وما يدفعني إلى هذا التمني (وقد أسعى لتحقيقه) بأن هذه الملحمة لا تحتاج إلى لجوء ردعي تحت مظلة خوف الكنيسة، لأن جزءاً من أنفاسه النابعة عن فكره تكون مقيدة بمرجعية خاصة لا تلبي متطلبات الحركة الدائمة في الوصول أو إضفاء الفضيلة التي تجافي السكون، إذ أنه لا يكف عن التذكرة بين الحين والأخر على لسان سانشو (النقاء) وكيخوته(الإنسان) من التودد إلى القالب الجاهز الذي صنعته الكنيسة.
وأخيراً لعل المتتبع لنهر كلمات ثربانتس بتعرجاته يدرك تماماً بأن العصور تتوالد والإنسان يتوالد وأن الأزمنة وإن تباينت تتوالد، إلا أنه يبقى هناك دوماً حقيقة تتكرر أو تتوالد، سيان، بثوب جنون أو بديمقراطية في الوقت الحاضر. ويبقى علينا نحن أن نختار أن نكون’دون كيخوته’ أو’ سانشو’ ، أو الوجه الأخر لهما، مع التأكيد على أن كلاهما وجودٌ لا بد منه.
القامشلي – سوريا
القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1025


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة