الأخبار
ملحق الثقافة والفنون
حكايات ‘لقمان’ عن حي الرومانسية الهادئ في أرض الميعاد المصرية..رواية تدور أحداثها حول الحب والجريمة
حكايات ‘لقمان’ عن حي الرومانسية الهادئ في أرض الميعاد المصرية..رواية تدور أحداثها حول الحب والجريمة
حكايات ‘لقمان’ عن حي الرومانسية الهادئ في أرض الميعاد المصرية..رواية تدور أحداثها حول الحب والجريمة


04-15-2014 07:38 AM
كمال القاضي: حي المعادي من الأحياء التي ورد ذكرها عرضا في بعض الأعمال الأدبية والفنية باعتباره محل إقامة البطل أو البطلة او مسرحا لأحداث جزء من الرواية او الفيلم ولكنه لم يحتل موقع الصدارة كما حدث لحي خان الخليلي الذي كتب عنه عميد الرواية العربية نجيب محفوظ رواية كاملة تحمل الاسم نفسه رصد من خلالها سيرة المكان والشخصيات علي خلفية تاريخية أخذت أبعادا اجتماعية كاشفة لتفاصيل كثيرة عن العادات والتقاليد والطبيعة الإنسانية والقصص العاطفية التي لم تكتمل جراء ظروف أبطالها الصحية والموت الذي كان لها بالمرصاد لتنتهي حياتهم نهاية مأساوية فاجعة ويضع عناوين عبثية جديرة بأن يقف أمامها الإنسان عاجزا ومشدوها .
تمضي الأيام وتتوالى السنوات ليأتي الدور على المعادي ليدخل التاريخ الروائي عبر بوابة واسعة يفتحها الكاتب الصحافي محمد غزلان فتكون جواز المرور إلى عالم مليء بالحكايات والتفاصيل والصخب على عكس ما عهدناه عن الحي الهادئ وربما العنوان الذي اختاره غزلان لروايته أو كاتب المقدمة الأديب المعروف يوسف الشاروني كان دالا على ذلك وإن كان بمقدور الكاتب أن يستوحى عدة عناوين أخرى غير عنوانها المباشر ‘المعادي حدوتة’ .
لكن لا بأس فما تضمنه المتن كان أكثر ثراء من الإشارة إليه بأي مسمى، فليس صحيحا أن الجواب يقرأ من عنوانه فهذه مقوله خاطئة ليست جائزة طوال الوقت أو على الأقل لا تنطبق على كل الجوابات ومن ثم الإبداعات أيضا .
كتب عزلان بشكل تقريري في الصفحات الأولى من الرواية معرفا الشخصيات التي يتعرض لها ومتبنيا أسلوب السرد بطريقة رأسية قد قطع شوطا طويلا في إدراك ما وراء كل شخصية وأسهب في التمهيد للحدث مما خلق نوعا من الملل في بادئ الأمر إلا ان أقترب الدخول في التفاصيل الجوهرية قد أنقذ الرواية من هذا الوصم وشجع المتعطش لما سيأتي بعد ذلك على القراءة.
ويمكن أن هذه الحيلة التي قد تكون مقصودة من الكاتب نجحت في تشبث القارئ بالرواية حتى نقطة النهاية.. وللنهاية خصوصية في المعادي حدوتة حيث أنها مثلت قمة التراجيديا فالبطل ‘ لقمان القاضي ‘ الذي يمكن اعتباره العمود الفقري للأحداث والبطل الرئيسي للرواية مات فجأة إثر تعرضه لذبحة صدرية وهو الذي كان يملأ الدنيا مرحا ويضفي جو من البهجة والأنس على جلسات السهر والسمرات طالما عايشنا بها محمد غزلان وجعلنا ضمن شخوصها المحوريين فوزي الحلاق والسفير قابيل وعبده الساعاتي والدكتور رجائي وغيرهم فثمة علاقة تربط القارئ بهؤلاء بعد الدخول في عمق الرواية والتغلغل داخل سطورها واكتشاف مواطن القوة والضعف والإطلاع على الغريب والمثير في حياتهم وواقعهم .
غير أن الملابسات المحيطة بالأبطال وما يتمتعون به من خصال تحتم عليهم تجاوز خلافاتهم الصغيرة في الملمات كفيلة بأن تدفع القارئ للإصرار على تتبع سيرهم ومسيراتهم لاكتشاف المزيد من عجائب الدنيا لا سيما ان المفارقات الواضحة في واقعهم وحياتهم الشخصية مفرطة في الغرابة فأم بوسة بائعة فائقة الجمال والدلال تتعفف عما يزيد عن لمسة اليد ونظرات الإعجاب التي تتلقاها في صمت وتبدي عزوفا كاملا عن الطامعين من في أنوثتها الطاغية تفاجئنا بزواجها العرفي من فوزي الحلاق ذلك الرجل المرفوض من غالبية الشلة وعلى رأسهم لقمان القاضي لتورطه في علاقة مريبة مع أم سوسو اليهودية الأصل وفضلا عن شبهات أخرى هو ليس بعيدا عنها .
وليست هذه هي المفارقة الوحيدة وإنما هناك ‘ جمالات’ الشابة الفاتنة التي أدركتها العنوسة ولكنها لحقت بآخر عربة في قطار الزواج بارتباطها بدبلوماسي سوداني عاشت معه سنوات قليلة قبل أن يرحل ويترك لها ميراثا إضافيا تضمه إلى ميراث أبوها وأمها الراحلين في وقت مبكر فيغير الثراء باستثمار أموالها في الحرام وتقديمها قروضا بالربا لمن يرغب من أهل المعادي فتكون النتيجة مصرعها بشكل غامض دون ان تتوصل جهات التحقيق إلي الجاني .
أشياء أخرى وملامح غائبة عن التقسيمات الجغرافية والطبقية لسكان المعادي القديمة يرصدها كاتب الرواية محمد غزلان الذي يعود بنا الى تاريخ إنشاء الحي موضحا أن اسم المعادي مشتق أساسا من أرض الميعاد وهو الاسم الذي رغب بعض أعضاء الجالية اليهودية إطلاقه على المنطقة السكنية الجديدة آن ذاك لولا تصدي بعض الشخصيات الوطنية التي حالت دون تأسيس وطنا أخر لليهود في مصر فتم تغيير الاسم إلى ‘ الميعاد ‘ فقط بعد حذف الجزء الأول ثم تحريفه مع مرور الأيام إلى ‘ المعادي ‘ ليظل هو الاسم المشهر والمعروف لدى الخاصة والعامة .
كما وردت إشارات أخرى ساقها الكاتب ليدلل بها على عراقة موطنه المحلي متمثلة في أحد المعالم الرئيسية كوبري ظلموه الذي غنى عليه الفنان عبد الحليم حافظ أغنيته الشهيرة ‘ظلموه’ للفتاة ماجدة الصباحي في فيلم ‘بنات اليوم’ مؤكدا ان الكوبري صار بعد عرض هذا الفيلم في خمسينيات القرن العشرين رمزا للرومانسية يرتاده العشاق تيمنا بالبطلين السينمائيين العندليب الأسمر وماجدة ومن يومها سمي بهذا الاسم المشتق من اسم الأغنية .
ولم ينس غزلان صاحب الكتابة الموفقة بتبصيرنا بما طرأ على المعادي من متغيرات طمست وجهها الحضاري وشكلها المعماري الهندسي الذي صممه نخبة من المعماريين الخواجات ممن وضعوا خرائط الأرض العمار وجعلوا لها أشجارا لطرد الناموس ثم استيرادها من اوروبا خصيصا لهذا الغرض فضلا عن مزايا أخرى كانت من نصيب المعادي وقت إنشائها وحتى سكانها ليست ببعيدة طالما استمتع بها سكانها الأصليون قبل نزوح الوافدين والمهاجرين إليها من كل حدب وصوب ومن تسببوا في تقسيمها على نحو عشوائي باتساع رقعتها والانتساب إليها قسرا لاكتساب وجاهة اجتماعية ليست لهم .
يلاحظ حكايات الكاتب المسلية استهجان واضح لممارسات من وصفهم بالغوغاء من المتطفلين على حيه الراقي وموطنه المفضل إذ يسوق دائما على لسان بطله لقمان عبارات السخرية باعتباره من السكان الأوائل وصاحب الحق المطلق في التأريخ للمعادي دون غيره، فدائما ما يشغل البطل نفسه بتصنيف أهل المنطقة وتفنيدهم، فهو اعلم العالمين بشعاب دولته السكنية التي باتت مترامية الأطراف بفضل الامتدادات المعمارية التي لا تنته وهو كلام يحمل في سياقه شهادات موثقة بالتواريخ بما يعني صدقها أو اقترابها من الصدق .
لقد أناب محمد غزلان عنه لقمان في توصيل ما خفي من معلومات عن العامة وبرز نوع من التأييد في الانحياز لمعظم ما ورد على لسانه بالتصريح او التلميح، بيد أنه في كثير من الأحيان يتحفظ والإشارة هنا للكاتب في إبداء ملاحظاته على الشخصيات ويتحرى الأدب في رسمه لها فهو على سبيل المثال يذكر بحياء شديد مواطن الفتنة عند أم بوسة، ويكتفي فقط بالتغزل في عنقها الأبيض الناصع والمسافة المنحسر عنها ثوبها الريفي أعلى الصدر.
وليست هذه هي الشخصية الوحيدة التي يفتتن بها غزلان ولا يتكلم عنها إلا رمزا فجمالات أيضا يصفها وصفا متبورا وكأنه يراقبها عن بعد وهو ما يتنافى إبداعيا وأسلوبا مع الأدب الذي ساور كاتبه الخجل فقدت الكتابة رونقها وجمالها وباتت محض سرد لا يعدو كونه ثرثرة وهذا ما لم يقع فيه بالطبع صاحب الرواية لكونه تحرر من الخوف في كثير من المواقف وصاغ شخصياته بحرفية ومهارة تضعه في مصاف الروائيين الكبار ولو تحرر أكثر لزاد تمكنه وأتسع أفق إبداعه فقليل من الجرأة لا يفسد الفن ولا يصم الرواية.

القدس العربي


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1548


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة