الأخبار
أخبار إقليمية
علي خليفة عسكوري.. خزان الحماداب – نموذج الإسلام السياسي للإفقار ونهب الموارد
علي خليفة عسكوري.. خزان الحماداب – نموذج الإسلام السياسي للإفقار ونهب الموارد


04-15-2014 07:23 AM
تقديم

د. سلمان محمد أحمد سلمان

ظلّتْ السدودُ منذ منتصفِ القرنِ الماضي من أكثر مشاريع التنمية في العالم إثارةً للجدل. فمن جانبٍ ترى معظم الحكومات في السدود المولّدَ الأكبرَ للطاقة الكهربائية الرخيصة والنظيفة، والمصدرَ الموثوق به لمياه الري والشرب، وخطَ الدفاع الأول والمأمون ضد الفيضانات المدمّرة، والمستودعَ المائي الآمن لمواجهة أيٍ من سنوات الجفاف. كما تشير تلك الحكومات إلى دور السدود في تنظيم انسياب الأنهار طوال العام مما ينتج عنه تعدّد الدورات الزراعية، وتنظيم التوليد الكهربائي وتغذية المياه الجوفية.
لكن من الجانب الآخر يركّز المعارضون على الآثار البيئية السالبة للسدود المتمثّلة في إغراق أراضي خصبة كثيرة وغابات غنيّة تحت بحيرات السدود، والتأثيرات السالبة على تحركات وتوالد الأسماك والحيوانات المائية. كما يشيرون إلى أن الأعشاب المائية التي تتكاثر وتنتشر على بحيرات السدود قد أصبحت مصدراً رئيسياً للغازات التي تساعد على الانحباس الحراري والتغييرات المناخية. ويعزون الأمراض المعدية والقاتلة مثل الملاريا والبلهارسيا إلى الطفيليات التي تتوالد بكثرة في بحيرات السدود. كما يثير المعارضون مشكلة الآثار والمعالم التاريخية الهامة التي تمّ ويتمّ إغراقها تحت بحيرات هذه السدود، وإلى الأبد.
ويركّز المعارضون بصورةٍ أكبر على الآثار الاجتماعية السالبة، ويوردون الأرقام الهائلة للقوميات والمجموعات القبلية والأسر (ومعظمها من الشرائح الفقيرة والضعيفة والمجموعات القبليّة والشعوب الأصليّة) التي تمّ ترحيلها قسريّاً بعد أن نُزِعتْ أراضيها، وبدون أدنى درجة من العدالة والإنصاف، لكي يتسنّى بناء السدود التي تمتد بحيراتها لمئات الأميال وتُغرِق مساكنهم ومزارعهم ومدارسهم ودور عبادتهم وحتى قبور أحبائهم، دون تعويضاتٍ عادلة، ودون أدنى استفادة من أيٍ من منافع هذه السدود المتعدّدة.
وقد أوضحت عدّة دراسات أعدّها البنك الدولي والمفوضية الدولية للسدود أن إعادة التوطين القسْريّة في إطار مشروعات التنمية، خصوصاً مشاريع السدود، تؤدّي في أحيان كثيرة، إذا لم تُخفّفْ آثارها، إلى حدوث مخاطر اقتصادية واجتماعية وبيئية حادة: إذ تُزال أنظمة الإنتاج؛ ويواجه الناس العوز والفقر لفقدانهم أصولهم الإنتاجية أو مصادر دخلهم إذا لم يتم تعويضهم بأصول ومصادر دخلٍ لها نفس الإمكانيات الإنتاجية؛ ويُنْقل الناسُ إلى بيئاتٍ قد تكون مهاراتهم الإنتاجية أقل ملاءمةً لها وتكون المنافسة أكبر على الموارد؛ وتُصاب المؤسسات المجتمعية والشبكات الاجتماعية بالضعف؛ وتتشتّت المجموعات التي ترتبط بأواصر القُربى؛ وتتضاءل أو تضيع الهويّة الثقافية، والتراث، والسلطة التقليدية، وإمكانية تقديم المساعدة المتبادلة بين أفراد المجتمع الذي تم تهجيره قسْريّاً. كما أن التهجير قد يتمُّ إلى مناطق تختلف من حيث البيئة والطبيعة والمناخ من مناطق عيشهم الأصلية، وقد لا تُرحِّب بهم المجموعات التي سيُشاركونها أراضيها ومواردها. ويُصاب الكثيرُ من المُهجّرين بالاكتئاب لسنواتٍ طويلة بسبب فراقهم لمراتع طفولتهم وشبابهم، ورؤيتهم ذكرياتهم ومنازلهم ومزارعهم وقبور أحبّتِهم وهي تغرق إلى الأبد تحت بحيرة السدّ.
وعلى هدي هذا المنوال فقد أشارت المفوضية الدولية للسدود في تقريرها الذائع الصيت الذي صدر عام 2000 إلى منافع السدود من ناحية، والتكلفة البيئية والاجتماعية من الناحية الأخرى. غير أن التقرير أشار إلى أن السدود الكبيرة التي تمّ بناؤها حتى الآن حول العالم، والتي تجاوزر عددها 45,000 سدّاً، لم تفِ بوعودها ومنافعها، وكانت تكلفتها البيئية والاجتماعية والاقتصادية أعلى بكثيرٍ من نتائجها الإيجابية. وأوضح التقرير أنه في حالات كثيرة كان هناك ثمنٌ غير مقبول وغير ضروري تمّ دفعه، وأن العبء الأكبر وقع بصورةٍ غير مناسبة على الفقراء والمجموعات الضعيفة وأجيال المستقبل. وقد تضمّن التقرير سبع اسبقيات استراتيجية تشمل 26 مؤشراً رأت المفوضية ضرورة الالتزام بها لمعالجة الآثار السالبة المتوقّعة من السدود، ولضمان أن تُنجِزَ السدود ما وعدت به الحكومات. وتضمّنت هذه المؤشرات أسساً لإنهاء أو الحد من التأثيرات السلبية على البيئة، ووقف الظلم والإجحافٍ على المجوعات القبليّة والقوميات التي ستُقام السدود على أراضيها، بما في ذلك ضرورة الحصول على موافقتها المسبقة والحرّة على قيام المشروع.
مثل بقية العالم فقد كانت سدود السودان منذ بداية القرن العشرين وحتى اليوم موضوعَ جدلٍ ونزاعاتٍ حادة، خصوصاً في قضايا المهجّرين الذين نُزِعت أراضيهم لتقام عليها السدود وتمتد فيها بحيراتها. غير أن ما يُميّز بعض سدود السودان، أو التي تأثّر بها السودان، عن غيرها من سدود العالم أن اثنين منها قد تم إنشاؤها لمصلحة مصر، بينما دفع السودان ثمناً باهظاً تمثّل في التأثيرات البيئية والاجتماعية السالبة، ونزع الأراضي والتهجير القسري لعشرات الآلاف من السودانيين.
كان خزان سنار الذي بدأ بناؤه عام 1919 واكتمل عام 1925 أول سدٍّ يقام في السودان. وقد كانت تأثيراته الاجتماعية محدودةً بسبب صغر حجم البحيرة وقلّة السكان في منطقتها. غير أن الثمن الذي دفعه السودان لقيام السدّ كان كبيراً وغير مناسب. فقد اشترطت مصر على موافقتها لقيام خزان سنار، ومشروع الجزيرة الذي سيُروى من الخزان، موافقة السودان على قيام خزان جبل أولياء لمصلحة مصر الحصرية. كانت تلك أول مرةٍ في التاريخ البشري يُقام فيها سدٌّ في دولةٍ للمصلحة الكاملة لدولةٍ أخرى.
بدأ العمل في خزان جبل أولياء في عام 1933 واكتمل العمل عام 1937. وقد كانت تأثيرات الخزان البيئية والاجتماعية كبيرة، وغمرت مياه بحيرة الخزان آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة. وقد دفعت مصر مبلغ 750,000 جنيه استرلينى فقط كتعويضاتٍ لآلاف السودانيين الذين اضُطروا للنزوح بسبب إغراق أراضيهم الزراعية ومنازلهم، وكذلك لتغطية الأضرار التى أصابت بعض المباني والمنشآت الحكومية في تلك المنطقة. وقد رفض سكان بعض القرى حول مدينة القطينة النزوح وآثروا البقاء قرب البحيرة رغم التحذيرات من الأثار السالبة مثل أمراض الملاريا والبلهارسيا. وهذا الخيار أصبح شبيهاً بما عُرِف لاحقاً بـ "الخيار المحلي." ولأنه لم تكن هناك خطّة للري في السودان عموماً أو في منطقة القطينة تحديداً من خزان جبل أولياء فقد وافقت سلطات الحكم الثنائي على ذلك الخيار. لكن الجهات الرسمية التي وافقت على الخيار المحلي في حالة المناصير وسدّ مروي عادت وتنصّلت منه كما يخبرنا الكاتب بالتفصيل في هذا الكتاب.
ولأن خزان جبل أولياء كان سيخزّن مياه النيل الأبيض لمصلحة مصر أثناء فترة فيضان النيل الأزرق، فقد أصبح بإمكان مصر أن تروي أراضيها الزراعية خلال كل العام وليس فقط في فترة انسياب النيل الأزرق. وأصبح خزان جبل أولياء أول سدٍّ في العالم يُبنى في دولةٍ للمصلحة الكاملة لدولةٍ أخرى، إذ أن الخزان لم يشمل ولم تنتج عنه أي منافع للسودان.
لكن خزان جبل أولياء أطّر وأكّد مبدأ سدّ مقابل سدّ – خزان جبل أولياء لمصلحة مصر مقابل خزان سنار لمصلحة السودان. عليه فعندما بدأت مفاوضات مياه النيل بين مصر والسودان عام 1954 وعرضَ السودانُ طلبَه بناء خزان الروصيرص لري امتداد المناقل لمشروع الجزيرة، كان ردُّ مصر الموافقة على خزان الروصيرص شريطة موافقة السودان على قيام السدّ العالي. وقد وافق السيد خضر حمد وزير الري في أبريل عام 1955 في جولة المفاوضات الثالثة مع مصر على هذا الربط بين السدّين، على أن يتم تعويض أهالي حلفا الذين سيُغرِق السدُّ العالي أراضيهم تعويضاً كاملاً.
في 8 نوفمبر عام 1959، أي بعد أربعة أعوامٍ ونصف من موافقة السيد خضر حمد وحكومة السيد إسماعيل الأزهري على قيام السدّ العالي، وقّعت حكومة الفريق إبراهيم عبود على اتفاقية مياه النيل لعام 1959 مع مصر. وتضمّنت الاتفاقية موافقة السودان على الترحيل الكامل لأهالي حلفا في أقل من أربع سنوات، ووافقت مصر بعد لأيٍ وجهد، وبعد وساطة الرئيس عبد الناصر، على دفع مبلغ 15 مليون جنيه كتعويضاتٍ شاملة لأهالي وادي حلفا.
بلغ عدد المهجرين قسرياً من أهالي وادي حلفا 50,000 فرد، وبلغت القرى التي غرقت تحت بحيرة السدّ 27 قرية بالإضافة إلى مدينة وادي حلفا. غرقت مع هذه القرى مدارس ومستشفيات ومكاتب حكومية، وفنادق ومباني أندية رياضية واجتماعية، وخطوط سكك حديدية ومقابر أحباء المهجّرين وضرائح أوليائهم. واختفت تحت بحيرة السدّ التي امتدت لمسافة 150 كيلومتر داخل السودان أراضي زراعية خصبة فاقت مساحتها 200,000 فدان، بالإضافة إلى أراضي أخرى كان يمكن استصلاحها وزراعتها، وغرقت معها أكثر من مليون شجرة نخيل وحوامض كانت في قمة عطائها.
كما غمرت مياه بحيرة السدّ، وإلى الأبد، آثار ومعالم تاريخية لاتُقدّر بثمن، لحضاراتٍ امتدت من شمال السودان وحتى ضفاف البحر الأبيض المتوسط. واختفى تحت البحيرة الشلال الثاني الذي كان يمكن أن يولّد أكثر من 650 ميقاواط من الكهرباء، كافيةً لإضاءة المديرية الشمالية وقتها بكاملها. وقد فاقت تكلفة ترحيل وتوطين أهالي وادي حلفا 37 مليون جنيه، أي حوالى 250% مما دفعته مصر للسودان. ولم يحظ السودان بأي نصيبٍ من الكهرباء التي ولّدها السد العالي والتي تجاوزت 2,000 ميقاواط. وهكذا أصبح السدُّ العالي السدَّ الثاني (بعد خزان جبل أولياء) الذي تمتد تأثيراته الكارثية في دولةٍ للمصلحة الحصرية لدولةٍ أخرى.
تمّ تهجير أهالي حلفا إلى بيئةٍ تختلف اختلافاً تاماً عن بيئتهم، وفي منطقةٍ تبعد أكثر من 700 كيلومتر من موطنهم الأصلي، وبين مجموعاتٍ قبلية تختلف اختلافاً كبيراُ عنهم، ولم يكن لهم تداخل أو معرفة بها، وفي طقس ماطرٍ راعدٍ لم يكونوا على درايةٍ به أو بآثاره إطلاقاً، وقد تعرّضوا بسببه لمشاكل صحية وأمراض لم يكونوا على معرفةٍ بها من قبل. وكانت الحكومة السودانية قد رفضت خيارات المهجّرين لمناطق إعادة التوطين التي اقترحتها عليهم، وفرضت عليهم منطقة خشم القربة التي لم تكن ضمن أولويات خياراتهم. وقد قابل المهجّرون ذلك الإجراء التعسفي بالرفض، وأدّى ذلك بدوره إلى زيادة حدّة النزاع وتحويل عملية التهجير القسري إلى إجراءٍ استبداديٍ تعسفيٍ ظالم.
ورغم أن السدّ العالي لم يكتمل حتى عام 1970، إلاّ أن اتفاقية مياه النيل لعام 1959 ألزمت حكومة السودان "بأن تتخذ اجراءات ترحيل أهالي سكان حلفا وغيرهم من السكان السودانيين الذين ستُغْمَرْ أراضيهم بمياه التخزين بحيث يتم نزوحهم عنها نهائياً قبل يوليو سنة 1963." عليه فإن الاتفاقية كانت قاطعةً ولم تترك أي مساحةٍ من المرونة للسودان إذا حدث أي طارئٍ أدّى إلى بعض التأخير. كما أن الوقت كان ضيقاً، ووضح هذا فى العجالة التي كان السيد حسن دفع الله، مفوّض الهجرة، مضطراً للتعامل بها لإنجاز مسئولياته بذلك التاريخ.
كما لم تكن هناك اتصالاتٌ وتنسيقٌ بين المسئولين عن عملية التهجير فى السودان وبين منفّذي السدّ العالي فى مصر لضمان الربط بين التقدم فى بناء السدّ وتنفيذ عملية التهجير كما تقضي بذلك المعايير الدولية لإعادة التوطين القسري. وقد رفضت الحكومة المصرية الطلب السوداني بتأجيل برنامج التخزين فى بحيرة السدّ العالي لمدة ستة أشهر لإكمال بناء المنازل للمهجّرين بعد نشوء خلافات حادة مع شركة "تيرف" التي كانت تتولّى عملية البناء. عليه فقد تعثّرت عملية التهجير، وبدأ التخزين فى البحيرة، وبدأ إغراق الأراضي السودانية قبل إخلاء كل السكان المتأثرين، وقبل ترحيل الممتلكات الحكومية من المنطقة.
بالإضافة إلى مشاكل الطقس والبيئة التي تعرّض لها المُهجّرون، فقد تعالت الشكاوى أن التعويضات لم يتم تقديرها بطريقةٍ عادلة ولا بالصورة التي تمّ الاتفاق عليها. كما برزت أيضاً مشكلة علاقات الإنتاج فى مشروع حلفا الجديدة الزراعي التي كانت مختلفةً تماماً عن الحرية التي كان يتمتع بها المزراعون فى حلفا القديمة. فقد كانوا في حلفا القديمة مُلّاكاً للأرض يتّخذون كافة قرارتهم بأنفسهم ويتحمّلون تبعاتها. لكن الزراعة فى حلفا الجديدة تخضع لعلاقات إنتاجٍ معقّدة ونظامٍ سلطويٍ مركزيٍ تحدّد فيه الشركة الزراعية نوع ووقت زراعة المحاصيل ووقت حصادها وتسليمها للشركة (مثلما كان النظام الزراعي وعلاقات الإنتاج فى مشروع الجزيرة)، مما جعل الزرّاع يحسون بأنهم مُستأجِرون وليسوا مزارعين أحرار كما كانوا فى منطقة حلفا القديمة.
وقد قلّت المساحة التي كانت تُروى من خزان خشم القربة في مشروع حلفا الجديدة الزراعي بصورةٍ كبيرة بسبب كميات الطمي الضخمة التي يحملها نهر عطبرة كل عامٍ من الهضبة الاثيوبية. فقد ترسّبتْ تلك الكميات من الطمي بمرور السنين في بحيرة السد وأضعفتْ إمكانيات تخزين المياه وتوليد الكهرباء بما يفوق النصف. كما زادت الشكوى من أن أراضي المشروع (سهل البطانة) هي أراضي رعيٍ ولا تصلح للزراعة. عليه فقد أصبح لزاماً على الكثير من المهجّرين البحث عن وسائل كسب عيشٍ أخرى غير الزراعة. وقد حزم الكثيرون أمتعتهم وعادوا إلى مناطقهم التي أتوا منها، منضمين إلى الآلاف الذين رفضوا التهجير القسري منذ بدايته، وأقاموا تحت ظروف في غاية القسوة حول بحيرة السد العالي المتزايدة كل فترةٍ من الزمن، مما فرض عليهم رحيلاً دائماً.
وقد سرد السيد حسن دفع الله المأساة الكبيرة التي تعرّض لها النوبيون السودانيون الذين تمّ تهجيرهم قسريا بسبب بناء السدّ العالي في كتابه "هجرة النوبيين"، رغم أن سرده، كما سنناقش لاحقاً، كان شرحاً وتحليلاً للطريقة التي أدّى بها واجباته الإدارية.
وقد أعاد التاريخ نفسه مرة أخرى بعد قرابة نصف قرنٍ من الزمان بتكرار الظلم الاجتماعي والاقتصادي في التهجير القسري الذي ارتبط بسدِّ مروي للمجموعات المتأثّرة بالسدّ. وها نحن الآن أمام كتابٍ آخر عن المآسي التي تعرّضت وتتعرّض لها الأسر والمجموعات التي تم ترحيلها قسرياً – كما حدث للنوبيين السودانيين – جراء بناء سدّ مروي. لقد كان إسم السد بدايةً، كما ذكر الأستاذ علي عسكوري، هو "خزان الحماداب"، وهو الإسم الذي اختاره الكاتب عنواناً لكتابه الذي هو موضوع هذا التقديم.
يقع سدّ مروي أو خزان الحماداب في نهاية الشلال الرابع الذي يغطي المنطقة من شمال مدينة أبو حمد وحتى جنوب مدينة نوري، عند منتصف المنحنى الجنوبي لنهر النيل. وهو أول سدّ على مجرى نهر النيل الرئيسي في السودان. وقد قسّمت إدارة السدّ المتأثرين إلى ثلاث مجموعات يمثل الحماداب حوالى 7% (ويتمُّ إعادة توطينهم في مشروع الملتقى)، ويمثل الأمري 28% (ويتمُّ توطينهم في مشروع وادي المقدم)، بينما يمثل المناصير 65% من المتأثرين (ويتمُّ توطينهم في مشروع المكابراب جنوب شرق الدامر، ومشروع الفداء شمال مدينة أبو حمد حوالى 40 كيلومتر في صحراء النوبة). ويذكر الكاتب أن عدد المهجّرين قسرياً بسبب سدّ مروي قد بلغ 70,000 فرد، أي أنه تجاوز كثيراً عدد المهجّرين السودانيين بسبب السدّ العالي الذين بلغوا 50,000 فرد.
وقد شمل الكتاب وصفاً دقيقاً ومفصلاً للوعود والاتفاقيات التي تم إبرامها مع المتأثرين وقامت السلطات بنقضها، وعن التقديرات والتعويضات الشحيحة والتي لم يتم دفعها بالكامل، وعن اللجان التي تمَّ تكوينها ثم تمَّ تجاهلها وإضعافها وحلها، وعن الضغوط التي تعرض لها المهجّرون والتي شملت إغراق مزارعهم ومنازلهم قبل بدء عملية التهجير، وعن المعاناة والعوز والحاجة التي تعرضوا لها. ووصف أيضاً كيف قابل المهجرون تلك الأوضاع وثاروا عليها وحاولوا تغييرها. وحدثنا عن الخيار المحلي الذي طالب به المناصير وهو البقاء في مناطقهم الأصلية قرب بحيرة السدّ، والذي وافقت السلطات عليه قبل أن تعود وتتنصّل منه وترفض تطبيقه.
وليس بالطبع كل ما كتبه الأستاذ علي عسكوري جديداً علينا. فقد تابع السودانيون والعالم احتجاجات المناصير والمجموعات الأخرى على الظلم الذي حلّ بهم جراء سياسات التهجير القسري الظالمة التي اتبعتها السلطات المركزية والإقليمية.
غير أن الكاتب اتبع أساليب علمية ومنهجية في غاية الدقة والصرامة استطاع من خلالها تقديم معلوماتٍ في غاية التفصيل لم يكن الكثيرون منّا على علمٍ بها. وقد استطاع بتلك الصرامة الأكاديمية التحلّل من اتهام الانحياز لأهله وعشيرته، ومن اتهام أنه ناشطٌ في منظمات المجتمع المدني وليس كاتباً أكاديمياً. فقضية التهجير القسري، والسياسات والخطط القاصرة في هذا المضمار، كما يوضح الكاتب في سردٍ منهجيٍ وتاريخيٍ وجغرافيٍ متكامل، ليست حكراً على سدِّ مروي أو السودان أو حتى نهر النيل.
فالكاتب يحلّق بناء في سماوات السدود وبحيراتها في آسيا وأمريكا الجنوبية وأفريقيا ويطلعنا على ما خلّفته معظم تلك السدود من مآسي اجتماعية في مشاريع أمريكا الجنوبية - في غواتيمالا والبرازيل والمكسيك - خصوصاً "سدّ ياسريتا" الذي ما تزال الخلافات والقضايا في المحاكم حول حقوق المهجّرين بسببه تتصدّر الاهتمامات. ثم يعرّج بنا الكاتب إلى الهند ومشاريع السدود المتكاثرة والمختلفة وآثارها الكارثية على المجموعات القبليّة والشعوب الأصليّة الفقيرة والضعيفة. ويفصّل الكاتب مشاكل السدود فيها مركّزاً على تاريخ مشروع "سدّ نارمادا" (وهو ما سُميّ أيضاً "سد ساردار ساروفور") وما خلّفه من ظلمٍ اجتماعي وإجحاف، وكيف أدّت الثورة على ذلك السدّ إلى نتائج عالمية تمثّلت في تكوين البنك الدولي، لأول مرة في تاريخه، للجنةٍ مستقلّة للنظر في الآثار السالبة لذلك السدّ التي أثارتها منظمات المجتمع المدني. وقد تلى نشر تقرير تلك اللجنة تغييراتٌ جذرية في سياسات البنك الدولي خصوصاً في مجال التهجير القسري وقضايا الشعوب الأصليّة والبيئة، قام الكاتب بتحليلها بصدقٍ بعد دراسةٍ دقيقة وعلمية. أقول هذا القول لأنني كنتُ أنا نفسي أحد الذين ساهموا في إعداد وصياغة وتقديم سياسات البنك الدولي تلك من موقعي كمستشار لقوانين وسياسات المياه بالبنك الدولي. ومن هذا المنطلق فقد أصبح في إمكاني تقييم كتابات الآخرين، بمن فيهم الكاتب، عن تلك السياسات.
لم تقف مقدرات الكاتب على مناقشة سياسات البنك الدولي والمنظمات الأخرى الخاصة بالقضايا الاجتماعية والبيئية للسدود بل تعداها ليقدّم لنا سرداً متكاملاً للمفوضية الدولية للسدود – تكوينها ومرجعيتها وبرنامج عملها وتقريرها - الذي قام بتلخيصه وعرضه بإيجازٍ لم يُخِلْ إطلاقاً بروح أو مضمون التقرير.
بعد عرضٍ دوليٍ وإقليميٍ علمي لقضايا ومشاكل السدود الاجتماعية والبيئية انتقل بنا الكاتب إلى سدود السودان، بدءاً بخزان سنار ثم خزان جبل أولياء، ليتوقف طويلاً عند السدّ العالي والتهجير القسري للنوبيين السودانيين قبل أن يعكف على موضوع كتابه عن خزان الحماداب. فقضية السدود إذن هي قضية قومية سودانية تحتاج إلى دراسة ونظرة وطنية متكاملة، وحلول علمية تشمل الهندسة فيما يتعلق بالبدائل للسدود. وتشمل أيضاً العدل الاجتماعي والتوزيع المنصف بين كل الفئات لما قد تحقّقه هذه السدود من فوائد في مياه الري والكهرباء ومياه الشرب. إذ كيف يعقل أن يولّدَ خزان الروصيرص والسدُّ العالي وسدُّ مروي الكهرباء وتكون قرى الدمازين وما تبقّى من قرى وادي حلفا ومدن ومعسكرات المهجرين قسرياً من سدّ مروي ترزح في الظلام؟ وأي عدالةٍ أو شريعةٍ تلك التي تسمح بأخذ أراضي المهجرين قسرياً وريّها من السدّ الذي أفضى إلى تهجيرهم ثم تقوم الجهات الحكومية بتوزيع تلك الأراضي على شركاتٍ أو جهاتٍ أو أفراد من خارج دائرة المهجرين قسرياً؟
ويواصل الكاتب نهجه الأكاديمي الصارم ليعضّد ويؤيد بالمعلومات الرسمية ما كتبه وحلّله. فقد ضمّن في كتابه كملاحق: القرارات الجمهورية الخاصة بنزع الأراضي، وتكوين وحدة تنفيذ السدود ومرجعيتها وصلاحيتها، والقوانين الخاصة بإعادة توطين وتعويض المتأثرين بسدّ مروي، وتحديد فئات التعويض، وكذلك القرارات الولائية والمعتمدية. كما شمل الكتاب أيضاً اتفاقية قاعة الصداقة الخاصة بالخيار المحلي والتي كان قد وقّع عليها وزير المالية من الحكومة الاتحادية، ووالي ولاية نهر النيل، ورئيس مجلس المتأثرين بسدّ مروي. وتأتي أهمية تضمين هذه الوثائق أيضاً في كونها قد أصبحت متاحةً للباحثين الآخرين في المستقبل في هذا المجال، وبسهولةٍ ويسر.
ولا يكتفي الكاتب بذلك بل يحدثنا بأسلوبٍ علميٍ موثق عن تاريخ سدّ مروي وعن الدراسات التي تم إعدادها عنه منذ بداية القرن الماضي، وعن الهيئات والشركات التي أعدّت تلك الدراسات. ويواصل الكاتب توضيح جوانب بحثه المتعدّدة فيكتب بإسهاب عن دور شركة لاهمير الألمانية التي ساهمت في بناء السدّ، والمشاكل القانونية التي واجهتها بسبب إدانتها برشوة أحد المسئولين في "دولة لوسوتو" في مشروع نقل مياه نهر الأورانج إلى جنوب أفريقيا. ويناقش الكاتب بعد ذلك دور الصين المتزايد في بناء السدود وفي مشاريع البنية التحتية في السودان، ودور الصناديق العربية في تمويل سدّ مروي.
من هنا يظهر الخلاف في المنهج والتحليل والمعلومات بين كتاب السيد حسن دفع الله "هجرة النوبيين" وكتاب "خزان الحماداب" الذي هو موضوع هذا التقديم. فالسيد حسن دفع الله قد كتب كتابه كيوميات موظف حكومة عن مرجعيته في تنفيذ التهجير القسريّة للنوبيين، يصف فيها كيف أدّى تلك الواجبات، وعما وقف في طريقه، وعما ساعده في أداء مهامه. ويبدو أن غرضه كان أن يقول في نهاية الأمر: "لقد قمتُ بتنفيذ ما طُلِبَ مني رغم أنف كل الظروف، ونجحت في مهمتي رغم كل الصعاب." وبسبب تلك الوظيفة والمرجعية فقد أتى كتابه جافّاً وخالياً من التحليل (دعك من التعاطف) للبعد الإنساني للكارثة التي كان يقوم بتنفيذها ببيروقراطية باردة وحماية حكومية، ودون المقدرة (أو الإمكانيات) على تفهّم قضية وتظلّمات الآخر، وكيف حطم ذلك القرار الإداري السلطوي الذي كان يقوم هو بتنفيذه تاريخَ ذلك الآخر وجغرافيته وتراثه وثقافته ومستقبله ومستقبل أبنائه وبناته. بل إن القارئ لا بد أن يتساءل لماذا كتب السيد حسن دفع الله كتابه باللغة الإنجليزية؟ ولمن كتبه؟ ومن هو القارئ المقصود بالكتاب؟ أليس غريباً أن يصدر ذلك الكتاب باللغة الإنجليزية في لندن عام 1975، ولا تصدر له ترجمة عربية في السودان حتى عام 2002؟ (مع الشكر والعرفان لمركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية – جامعة أم درمان الأهلية).
أما الكاتب فهو يقف في نقيض الأستاذ حسن دفع الله. فهو وأسرته وأهله وأصدقاؤه ومعارفه وقبيلته قد ذاقوا الأمرّين من جراء التهجير القسري بسبب سدّ مروي. إذن فهو يكتب (وينشر باللغة العربية) من زاوية المكتوي بالنار، ومن منطلق الكارثة التي أصابته وأصابت قومه.
ولكن لا بد لذلك الوضع أن يثير تساؤل القارئ: ألا يؤثّر ارتباط الكاتب بقضية سد مروي وتهجير أهله القسري في مصداقية كتابه، مثلما أثّر دور السيد حسن دفع الله الوظيفي في مصداقيته في أداء دوره كما شرحنا في الفقرات الماضية؟ وإضافةً إلى هذا: أليس الكاتب نفسه (بالإضافة إلى كونه أحد المتأثرين) ناشطاً في منظمات المجتمع المدني التي تعارض السدود دون أي اعتبارٍ لفوائدها، ودون أي اعترافٍ بحق الدولة في بنائها كجزءٍ من برنامج الدولة وخططها التنموية؟ هذه بالطبع أسئلة مشروعة ولا بُدّ من إثارتها والتطرّق إليها بدلاً من محاولة إخفائها بهدوءٍ وصمت تحت بساط البحث.
لكن كما ذكرنا من قبل فقد تناول الكاتب موضوع الهجرة القسرية من المناحي العالمية والإقليمية والقطرية، ومن زوايا التاريخ والتنمية والقانون والسياسات، وشرح موجّهات المنظمات المالية العالمية، خصوصاً البنك الدولي في هذا المضمار، كما تعرّض الكاتب لدور وتقرير المفوضية الدولية للسدود. وقد ساهم هذا العرض والتحليل في تحويل الكاتب إلى شخصٍ يعي جيداً ما يتحدث عنه، وأوضح أنه يناقشه بعلمية وعقلانية، رغم الانغماس الشخصي في غمار النزاع. ودون شك فقد ساهم هذا المنهج العلمي والتناول المقارن لقضايا التهجير القسري في تحويله من ناشطٍ اجتماعيٍ سياسيٍ إلى كاتبٍ أكاديمي.
كما أن تحليل الكاتب ونتائج بحثه والمطالب والمقترحات التي تقدّم بها باسم المتأثرين من سدّ مروي لا تختلف أو تتعارض أو تتعدّى ما يشمله القانون الدولي المتعلق بالتهجير القسري، والسياسات والمعايير الدولية التي نتجت عن ممارسات المنظمات المالية الدولية. دعونا نلقي نظرةً فاحصة وعاجلة على هذه القوانين والسياسات والمعايير لنقارنها بما شمله الكتاب. لقد أجازت الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في 10 ديسمبر عام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. ورغم أن الإعلان ليس معاهدةً دولية تقوم الدول بالتوقيع ثم التصديق عليها، إلاّ أنه حَظِي بقبول دوليٍّ لا سابقة له أعطاه مكانةً لا تقِلُّ عن أيِّ معاهدةٍ دولية، وأصبحت نصوصه وروحه المصدرَ الأساسي للتشريعات العالمية والإقليمية والوطنية المتعلّقة بحقوق الإنسان، ومُكوّناً أساسياً لمبادئ القانون العرفي فيه. وقد أشارت الديباجة إلى أن تناسي حقوق الإنسان وازدراءها قد أفضيا إلى أعمالٍ همجيةٍ أساءت إلى الضمير الإنساني، وكان غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالمٍ يتمتع فيه الفرد بحريّة القول والعقيدة ويتحرّر من الفزع والفاقة. كما أشار الإعلان إلى ضرورة أن يتولّى القانون حماية حقوق الإنسان لكيلا يضطر المرء آخر الأمر إلى التمرد على الاستبداد والظلم.
وتُشير المادة 17 من الإعلان إلى حق كل شخصٍ في التملك سواءٌ كان بمفرده أو بالاشتراك مع غيره، وأنه لا يجوز تجريد أحدٍ من ملكه تعسّفاً. وقد أوضحت التعليقات القانونية على هذه المادة وتفسيرات المحاكم لها حق الدولة في الاستيلاء على أراضي الأفراد أو الجماعات شريطة أن يكون هذا النزع للمصلحة العامة وأن يصاحبه دفع التعويض العادل والفوري لأصحاب الأراضي التي تمَّ نزعها.
بعد حوالى العقدين من صدور الإعلان أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 16 ديسمبر عام 1966 العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد دخلت هذه المعاهدة حيّز التنفيذ في 3 يناير عام 1976. وقد صادقت عليها حتى اليوم 161 دولة من بينها السودان. وقد أشار العهد إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وأكد أن السبيل الوحيد لتحقيق المُثل العليا التي تضمّنها الإعلان في أن يكون البشر أحراراً ومتحررين من الخوف والفاقة هو تهيئة الظروف الضرورية لتمكين كل إنسانٍ من التمتع بحقوقه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وكذلك بحقوقه المدنية والسياسية. وأكّدتْ المادة 11 إقرار الدول الأطراف في العهد بحق كل شخصٍ في مستوى معيشي كافٍ له ولأسرته، يوفّر ما يفي لهم بحاجتهم من الغذاء والكساء والمأوى، وبحقّه في تحسينٍ متواصلٍ لظروفه المعيشية، كما أكّدتْ أيضاً تعهّد هذه الدول باتخاذ التدابير اللازمة لإنفاذ هذا الحق. وهذا التعهد يتمُّ بإصدار الدول الأطراف في العهد القوانين المتضمنة لالتزاماتها، ورصد الميزانية التي تفي بتنفيذ هذه الالتزامات.
وكما ذكرنا من قبل فقد أصدرت معظم المنظمات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي وبنك التنمية الأسيوي وبنك التنمية الأفريقي والبنك الأوربي للإنشاء والتعمير وبنك الأمريكتين للتنمية سياساتٍ للعمليات تنظّم مسألة إعادة التوطين القسْريّة التي تنتج عن المشاريع التي تقوم هذه المنظمات بتمويلها، وحقوق المجموعات التي يتم ترحيلها قسْريّاً والتفاصيل المتعلّقة بإعادة توطينها. ورغم أن هذه السياسات جاءت متأخرةً، إلاّ انها، وبسبب ضغوط منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية، جاءت شاملةً ومتكاملةً.
وكما ذكرنا أيضاً فقد أصدرت المفوضية الدولية للسدود التي تمّ تكوينها عام 1997 تقريراً مفصلاً عام 2000 بعنوان "السدود والتنمية – إطار عملٍ جديد لاتخاذ القرارات." وقد تعرّض هذا التقرير إلى كافة المسائل المتعلّقة بالسدود شاملةً الاقتصادية والتمويلية والهندسية والبيئية والاجتماعية والقانونية ومسائل الأنهار المشتركة، وتضمّن التقرير نقداً قاسياً للطريقة التي تمّ بها بناء السدود، وشمل توصياتٍ عديدة في كلٍ من هذه المجالات، أهمها حق المجموعات المتأثّرة بالسدود في رفض المشروع. وقد حظي التقرير بقبولٍ ومكانةٍ وشرعيّةٍ كبيرة لأن اللجنة التي قامت بإعداده مُثِّلتْ فيها قطاعاتٌ واسعة من المجتمع شملت الحكومات والمؤسسات الدولية والأكاديمية ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعين الخاص والعام. كما أن اللجنة قد ترأسها أكاديميٌ وقانونيٌ وسياسيٌ من الدول النامية، يحظى باحترامٍ دوليٍّ كبير، وهو السيد كادر أسمل والذي كان وقتها وزيراً للمياه في جمهورية جنوب أفريقيا.
عليه فإن المبادئ التي تضمّنها الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وسياسات المنظمات المالية الدولية وعلى رأسها البنك الدولي، وتقرير المفوضية الدولية للسدود تُرسِي معايير وقواعد أساسية ومتكاملة للكيفيّة التي يجب أن يتم بها إعادة التوطين القسْريّة للمجموعات المتأثرة بالسدود.
ويمكن تلخيص المبادئ والمعايير الأساسية والإجراءات الوقائية التي تضمّنتها سياسات المنظمات المالية الدولية وتوسّعت فيها المفوضية الدولية للسدود لمعالجة وتخفيف المخاطر التي يتعرّض لها الأشخاص والمجموعات التي يتمُّ ترحيلها قسْريّا في الآتي:
أولاً: يجب تجنّب إعادة التوطين القسْريّة حيثما كان ذلك ممكناً عملياً، أو تقليلها إلى أدنى حدٍ ممكنٍ، وبحث جميع تصميمات المشروعات البديلة من جميع النواحي. وقد ركّزت المفوضية الدولية للسدود على مبدأ البدائل للسدود لأن موقفها كان ناقِداً لطريقة بناء السدود.
ثانياً: حيثما لا يكون ممكناً عملياً تجنّب إعادة التوطين، يجب تخطيط وإعداد وتنفيذ أنشطة إعادة التوطين باعتبارها برامج تنمية مستدامة، تُوفِّر موارد استثمارية تكفي لتمكين الأشخاص الذين يُهجّرون قسْريّاًّ بسبب المشروع من المشاركة في الاستفادة الكاملة من منافع المشروع من ماء وكهرباء وريّ، وكذلك فرص العمل في المشروع، وتكون لهم الأسبقية في ذلك.
ثالثاّ: يجب إجراء مشاوراتٍ جادّةٍ مع المهجّرين بشأن خيارات إعادة التوطين شاملةً المواقع المُقترحة لإعادة توطينهم. كما يجب أن تُتاح لهم فرص للاشتراك في تخطيط وإعداد وتنفيذ برامج إعادة التوطين.
رابعاً: يجب مساعدة المهجّرين في جهودهم لتحسين مصادر أرزاقهم ومستويات معيشتهم التي كانوا عليها قبل التهجير، أو على الأقل إعادتها، بالقيمة الحقيقية، إلى مستوياتها السابقة للتهجير.
خامساً: تتضمن خطة إعادة التوطين إجراءات لضمان أنّ المُهجّرين:
(1) يحصلون على معلوماتٍ كاملةٍ عن الخيارات المتاحة لهم وحقوقهم المتعلّقة بإعادة التوطين، بما في ذلك خيارات التوطين حول المشروع لضمان الاستفادة منه (الخيار المحلي).
(2) يُسْتشارون وتُعْرض عليهم وتُقدّم لهم بدائل إعادة توطين ممكنة التنفيذ فنياً واقتصادياً.
(3) يُقدّم لهم تعويضٌ فوريٌ وفعّال على أساس تكلفة الإحلال الكاملة عن الخسائر في الأصول (الأراضي والمباني والمحاصيل وأشجار الثمر) التي يُعزى فقدانها إلى المشروع.
(4) يحصلون على مساكن أو مواقع إسكان، ومواقع زراعية (إذا نُزِعت منهم أراضي زراعية) يكون مجمل إمكاناتها الإنتاجية ومزايا موقعها والعوامل الأخرى معادلةً على الأقل لمزايا الموقع القديم، إضافةً إلى الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وطرق ومياه وكهرباء.
(5) يحصلون على مساندة بعد تهجيرهم، لفترةٍ انتقاليةٍ، على أساس تقديرٍ معقولٍ للوقت الذي يحتمل أن يكون لازماً لاستعادة مصادر أرزاقهم ومستويات معيشتهم.
(6) يحصلون على مساعداتٍ إنمائية مثل إعداد الأراضي، أو التسهيلات الائتمانية، أو التدريب، أو فرص العمل.
سادساً: تُحدِّد خطة إعادة التوطين الإطار التنظيمي لتنفيذ عملية إعادة التوطين، بما في ذلك تحديد الهيئات المسئولة عن تنفيذ إجراءات إعادة التوطين وتقديم الخدمات، وترتيبات ضمان التنسيق الملائم بين الهيئات وجهات الاختصاص المشتركة في التنفيذ. وتشمل الخطة جدولَ تنفيذٍ يُغطّي جميعَ أنشطة إعادة التوطين من الإعداد وحتى اكتمال التنفيذ. ويجب أن يبيّن الجدول كيفية ربط تنفيذ إعادة التوطين بتنفيذ المشروع ككل بحيث يسيران في خطى متناسقة، لمنع أن يكتمل المشروع قبل أن تكتمل عملية إعادة التوطين.
سابعاً: تشمل خطة إعادة التوطين الجداول التي تبيّن تفاصيل بنود تقديرات تكاليف جميع أنشطة إعادة التوطين والجداول الزمنية للنفقات ومصادر التمويل وترتيبات تدفق الأموال في الوقت الذي تحتاجها الأنشطة.
ثامناً: تُحدّد خطة إعادة التوطين إجراءات معقولة التكلفة وسهلة لقيام طرفٍ ثالثٍ مستقلٍ وله مصداقيته بتسوية النزاعات الناشئة عن إعادة التوطين، شاملةً حق اللجوء إلى القضاء.
هذه معاييرٌ ومبادئ أساسية تؤكّد حق الدولة في نزع أراضي مواطنيها للصالح العام، ولكنها تضع قيوداً صارمةً على الدولة لاستعمال هذا الحق حتى تنال المجموعات المتاثّرة حقوقها كاملةً. وتجعل هذه المبادئ من عملية إعادة التوطين القسْريّة مشروعاً تنموياً يكون المُهجّرون أولَ مستفيدٍ منه. وتضع هذه المبادئ قاعدةً أساسيةً وهي أن تكون نتيجة إعادة التوطين هي تحسين مصادر أرزاق المهجّرين ومستويات معيشتهم، أو على الأقل إعادتها، بالقيمة الحقيقية، إلى مستوياتها السابقة للتهجير.
لقد احتضنت الكثير من الدول في أوروبا وآسيا وأفريقيا والأمريكتين هذه المعايير وأصدرت تشريعاتٍ وسياساتٍ لإعادة التوطين القسْريّة عكستْ هذه المعايير والمبادئ. وقد لعبتْ منظماتُ المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية دوراً بارزاً وفعّالاً في ترسيخ هذه القِيم وضمان الالتزام بها وتنفيذها.
وقد كنتُ، خلال فترة عملي بالبنك الدولي، أحدَ المستشارين القانونيين الذين عَهِدَ اليهم البنك الدولي بمهام ضمان تنفيذ هذه السياسات في المشاريع التي يُموّلها البنك كجزءٍ من مسئولياتي عن قوانين وسياسات المياه. ومن ذلك الموقع والمنطلق اعتقد اعتقاداً جازماً أن هذه المعايير تُمثلُ مرجعيةً متكاملةً وعادلةً لمعالجة القضايا والحقوق المتعلقة بإعادة توطين المجموعات التي تتأثّر بمشاريع التنمية، وخاصةً السدود، وتُنْزع أراضيها لهذه الأغراض، ولحلحلة النزاعات التي قد تنتج منه. وآمل أن يلحق السودان بركب الدول التي تبنّت هذه المعايير في قوانينها وسياساتها حول التهجير القسري لتجنّب تكرار مأساة وكارثة المتأثرين بسدِّ مروي، وقبلها المتأثرين بالسد العالي.
أختم تقديمي هذا بتكرار وتأكيد أن التحليل والنتائج التي توصّل إليها الكاتب، على ضوء المعلومات والوثائق التي جمعها ودرسها وعرضها وناقشها، وعلى ضوء وجوده لبعض الوقت في قلب الحدث ومشاركته فيه، تجعل من الكتاب عملاً أكاديمياً متكاملاً ليس فقط عن سدّ مروي، بل عن السدود في السودان والكيفية التي يجب أن تتعامل الدولة، في كافة أجهزتها وعلى كل مستوياتها، معها ومع المتأثرين بها. بل إن المطالب والتوصيات التي عرضها الكاتب لا تخرج عن إطار المعايير الدولية التي ضمنّاها في هذا التقديم والتي ناقشها الكاتب عن علمٍ ودراية، وبأمانةٍ ومصداقية متكاملتين.
تمّ ذلك النقاش بتلك المصداقية رغم أن الكاتب أحد المتأثرين بسدّ مروي، ورغم أنه ناشطٌ اجتماعيٌ وسياسيٌ ينتمي إلى قبيلة المناصير، وينتمي أيضاً إلى قبائل المجتمع المدني الأممي المنتشرة في كل أنحاء العالم، والتي تعمل في صبرٍ وأناة من أجل العدالة الاجتماعية، ومن أجل حقوق الشرائح الضعيفة والفقيرة والمجموعات القبلية والشعوب الأصليّة.
إنه كتابٌ جديرٌ حقاً بالقراءة والتمعّن، والاحتفاظ به كمرجعٍ.

د. سلمان محمد أحمد سلمان
باحث أكاديمي
ومستشار سابق لقوانين وسياسات المياه بالبنك الدولي
نوفمبر عام 2013



تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 2783

التعليقات
#974532 [أبو لاكومة]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2014 04:33 AM
لا أود الإنسياق وراء الإشادات المعتادة بالخبير الأممي - فمرة أخرى ينبري سُلُم ليكتب عن السودان والكوارث السودان من منطلق المتفرج الذي يرى الأشياء من برجه العاجي – فهو يكتب تحت عنوان علي خليفة العسكوري .. * خزان الحماداب نموذج الإسلام السياسي للإفقار ونهب الموارد * تقديم – ثم نقرأ مقدمة طوووووووووويلة لا يتطرق في صلبها لما هو بصدده أو إسم المؤلف إلا بعد أن يصيبك السأم والملل – ولا يشعرك بأنه مجرد ضيف – بل هو صاحب البيت ولو تنبهت لأن هناك كاتب فهو مجرد شخصية طارئه – ثم إذا تمكنت من إنهاء ذلك فهو خبير "أجنبي" وهو كأي "خبير أجنبي" يعلق بحيادية متعالية ومجاملة ومفتعلة –
وضحوا لنا فسلمان يتركنا في حيرة فنحن نعلم أنه كاتب مقدمة كتاب العسكوري والكتاب إصدارة مقروء (لمحاظيظ الخارج ومن بينهم سُلُم نفسه – فأخبار الكتاب تملأ أعمدة الصحف السيارة وطبقات الأثير – ولا أدري هل ما نحن بصدده الآن هو مقدمة الكتاب (حيث لم ينوه سُلٌم عن ذلك رغم أنه معلوم أنه كاتب مقددمة الكتاب الذي لم يصل أيدينا حتى الآن في سودان الخلافة) أم أن هذا تعليق كتب بعد صدور الكتاب. وفي كلا الحالتين فالكتاب لا شك سيتضرر من مثل هذا الإغفال
في الإشارة والإسهاب في التقديم ولا نعرف أيضاً هل هي من بنات أفكاره ومعلوماته أم منقولة من متن الكتاب – وهو - فإذا كان تعليقاً أو مقدمة فإنه يسهب بحيث أنه يوحي للقارئ بأنه لا يلزمه قراءة الكتاب –
والسؤال من له مصلحة في تجاهل الكاتب غير نظام البشير؟ فهم يعرفون أن الكتاب قد خرج ولا سبيل للنظام من تجاهله ولذلك لا بد من تجريده من سلاحه النضالي باعتباره مجرد محل إشادة أكاديمية – وإلا فقل لنا لماذا تكرر أن الكاتب كتب ما كتب بطريقة أكاديمي بالرغم من انه وأهله متضرر - لماذا لا يكون قد كتب لأنه متضرر أو للأنه متعاطف أو لأنه غير ضالع في حياك ثياب حريرية وهمية تغطي عري النظام. وإلا لماذا مثل هذه الملاحظة:
يقول: "وقد استطاع (الكاتب) بتلك الصرامة الأكاديمية التحلّل من اتهام الانحياز لأهله وعشيرته، ومن اتهام أنه ناشطٌ في منظمات المجتمع المدني وليس كاتباً أكاديمياً. "(لماذا نفي النفي ؟)

[أبو لاكومة]

#974093 [عبدالرازق]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2014 04:16 PM
شكرا للدكتور سلمان احمد علي السرد العلمي للكتاب ونرجو ان تسمح لنا بالتعليق لماذا لم يذكر الكاتب اي محاسن للسد ؟ وهل يعقل ان قيام السد بكل هذه التكلفة لم يكن مفيدا للسودان البلد ؟ نعم قد يكون اصاب الضرر بعض السكان لكن هذه تضحيات لقيام المشاريع تسبب بعض الضرر علي ان تعوض الحكومة السكان التعويض المناسب " هل منطقة المناصير لا تحتاج للتنمية ؟ وهل تتم التنمية الا بالطاقة اولا " ولا نقول بسبب الكهرباء لابد ان تدمر الاراضي الزراعية لا نقول ذلك لكن قيام اي مشروع لا بد ان يسبب نزوح ولو جزيئ للسكان الان بعض المناطق اهلها يطلبون التنمية وعند بداية التنفيذ يرفضون اعطاء الارض " فكيف يا دكتور نستطيع وزن هذه المعادلة ؟ تنمية (الارض المنزوعة+ التعويضات المناسبة)
رجاء اذا كنت تملك البريد الالكتروني للاخ علي عسكوري ارجو كتابته ولك الشكر

[عبدالرازق]

#974077 [AMMAR]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2014 03:56 PM
لك التحية سيد عسكوري علي انجاز الكتاب والتوثيق ..فعلا موضوع مهم ويستحق التأريخ والتدوين ..كتابك اضافة حقيقية للمكتبة السودانية .

[AMMAR]

#973927 [الامين]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2014 01:04 PM
نفس تعويضات وظلم اصحاب الارهضي في جياد الصناعية (كل يوم تشكى المتسببين لله وربنا بحول الله لن يغفر الظلم ابدا ومن الافضل مراجعة هذا الظلم حتى يصلح العمل

[الامين]

#973894 [الجاب ضقﻼ يتلولح]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2014 12:31 PM
يحكمون
وﻻ يراعون مصلحه المحكوم
سبحان الله
واتقوا يوما ترجعون فيه الي الله
صدق الله العظيم

[الجاب ضقﻼ يتلولح]

#973846 [هاشم علي الجزولي]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2014 11:46 AM
نهب الموارد الغايه القصوي لقيام سد مروي ؟
الان الانظار تراقب الكيفيه التي سوف يتم بها ذلك بعد ان اصبح المناصير داخل المعادله ورفضوا التهجير واصبح الخيار المحلي حقيقه ولكن كما ذكرت وبعد التغيرات الاخيره كيف الوصول الي الموارد والمناصير موجودين اري ان الاليه التي سوف يتم بها ذلك اعني الحصول علي الموارد قطعا سوف تتجه الي استخدام المناصير انفسهم للوصول الي هذه الغايه كما حدث عند التهجير فلقد نجحت اداره السدود الي حد ما في شق صف المناصير باستخدام افراد من المناصير انفسهم السؤال الي اي مدي سوف تنجح هذه الطريقه لو جربت الايام وحدها سوف تبين ذلك وكما يقول الخواجات لننتظر لنري

[هاشم علي الجزولي]

#973558 [مهاجر]
0.00/5 (0 صوت)

04-15-2014 08:20 AM
لولا الفساد كان من الممكن ان تعالج كثير من السلبيات التي خلفها سد الحمداب وانا شاهد عيان علي بيوت شيدت للمهجرين حسبت بأضعاف اسعارها والان لو تم اعطائهم 10 % من دخل السد لكان كافيا لتضميد الجراح ولايفوتني ان اذكر ان التعويضات بالرغم من انها حسبت بطريقية مجحفة وفوق ذلك امدت لها ايدي الفساد والمساومة والسرقة من قبل منسوبي الحكومة .

[مهاجر]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة