الأخبار
أخبار إقليمية
خطاب الدكتور غازي صلاح الدين العتباني رئيس حركة الإصلاح الآن
خطاب الدكتور غازي صلاح الدين العتباني رئيس حركة الإصلاح الآن
خطاب الدكتور غازي صلاح الدين العتباني رئيس حركة الإصلاح الآن


أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التأسيسي للحركة 3 مايو 2014
05-03-2014 07:29 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

خطاب الدكتور غازي صلاح الدين العتباني رئيس حركة الإصلاح الآن
أمام الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التأسيسي للحركة 3 مايو 2014

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم
وبه نستعين وعليه نتوكل ، وبه نبدأ ونختتم، وإليه نرد الأمر كله.
السيدات والسادة ضيوف المؤتمر التأسيسي لحركة الإصلاح الآن
الأخ عضو مجلس شئون الأحزاب السياسية، رؤساء وممثلي الأحزاب السياسية، أعضاء السلك الدبلوماسي، الإعلاميون، عامة الحضور
الإخوة والإخوات، السادة والسيدات أعضاء المؤتمر التأسيسي لحركة الإصلاح الآن،
السلام عليكم ورحمة الله
ونحن بين يدي تأسيس جديد لحركة سياسية فاعلة دعونا نحيي رواد الحركة الوطنية الذين نعتبر أنفسنا امتداداً لهم في سعيهم نحو التحديث وتأسيس قيم المواطنة الصالحة.
ونحيي النساء والأطفال الذين وقعت عليهم بصورة استثنائية ويلات الحرب والدمار ومعاناة الضنك وبؤس المعاش.
نحيي الجنود الذين يبذلون دماءهم لحمايتنا
نحيي القوى المنتجة التي بجهدها وتدبيرها ما يزال في البلاد رمق حياة.
نحيي الشباب والطلاب الذين يتلمسون طريقهم إلى مستقبل أفضل وأكرم
نحيي السودانيين في المهجر والشتات، بل السودانيين في كل مكان
نحيي كل الشعوب الصديقة والشقيقة في جوارنا المباشر وما وراء الجوار
ينعقد هذا المؤتمر التأسيسي في مفترق من تاريخ السودان ذي خصوصية عالية ودلالة عميقة، وحركة الإصلاح تدشن اليوم انطلاقتها كتيار وطني مفتوح يقوم على تعاقد قيمي وفكري يعلي من قيمة الوطن وإنسانه. تيار يرى نفسه امتداداً للحركة الوطنية وتجلياً لنضوج الفكر السياسي السوداني. ليس هو إسقاطاً إيديولوجياً على الواقع بل تفاعل حي معه توخياً للموقف الأصوب. حركة الإصلاح الآن ليست حركة حزبية ولا طائفية ولا تقبل بالتمحور حول الأشخاص، ولا ترهن نفسها للقيادة الفردانية
الحضور الكريم
الحضارة ناتج من تفاعل ثلاثة عناصر: الزمان .المكان. الفكرة. والإنسان هو الذي يجمع الثلاثة، أو يضيعها.
أمّا الزمان فنحن والبشرية جمعاء نطل على مستقبل غير مسبوق تهاوت فيه القواعد القديمة وتحرر الإنسان كما لم يفعل من قبل. الذين يفهمون تلك الحقيقة يبقون في المنافسة، والذين لا يفهمونها يطاح بهم خارج الحلبة وتكنسهم حركة التاريخ.
المكان هو السودان، ذلك الموقع المتميز بخيراته العميمة التي هي محض نفحة إلهية كريمة. بقيت الفكرة وبقي الإنسان الذي يحملها وهذا ما نحن اليوم بصدده. كيف نولد الفكرة؟ وكيف نصنع الإنسان الذي يحمل الفكرة.
من هنا جاء مولد حركة الإصلاح.
لكننا بقدر ما نرى من عوامل النهضة في البلاد، نرى من عوامل الانحطاط. نرى تقسيم البلاد، نرى حرب الأغنياء على الفقراء، والفقراء على الأغنياء؛ نرى حرب العرق على العرق والجهة على الجهة؛ نرى حرب الأخ على أخيه. بل نكاد نرى حرب الكل على الكل. ومن هنا تلحّ على بابنا طرقات الإصلاح.
من أين نبدأ إذن؟ من الإنسان نبدأ لأن الإنسان صانع الفكرة وحاملها وهو مازج العناصر الثلاثة التي ذكرناها. والإنسان المصلح لا يخيب أبداً "وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون."
لقد جعلنا الإنسان ،في مقدمة المرجعيات التي نؤسس عليها رؤانا السياسية ومواقفنا، لأن الإنسان كما قضى المولى موضع التكليف والتشريف وعليه مدار الاصلاح، فإذا صلح صلح الأمر كله وإذا فسد فسد الأمر كله.
وجعلنا الوطن ثاني مرجعياتنا، لأن الله، سبحانه، عندما خلق الإنسان نسبه إلى وطن هو الأرض. فكما أن الإنسان خليفة في الأرض فنحن خلفاء في الوطن نتساكن فيه ونتجاور وتستوي فيه حقوقنا على أساس المواطنة، ليكون وطناً متسالماً مستقراً على موازين العدل والتكافؤ.
وهو وطن عامر بالتنوع الذي جعله الله آية من آيات خلقه وإبداعه. ونحن حفيون بذلك التنوع لأنه مصدر ثراء وقوة لهويتنا الوطنية، هوية تتناصر مكوناتها ولا تتحارب، في عالم ما ينفك يزداد تنوعاً. وهذه مرجعية ثالثة.
ولأننا ندرك من تجارب التاريخ، تجارب السودان وتجارب الآخرين، أن التفسير الخاطئ لمقتضيات التنوع هو الطريق المؤكد للحروب الأهلية، نشدد على أن من أهم مرجعياتنا السلام والتوافق الوطني. فمشكلات السودان في الأساس مشكلة سياسية وحلولها حلول سياسية. ونحن ما خيرنا بين أمرين في السياسة إلا اخترنا، أحفظهما لرحم المواطنة، وأدعاهما إلى التوافق، وأجدرهما بتمتين الوحدة الوطنية، حتى لا يكون التنازع مدعاة إلى الفشل وذهاب الريح.
ثم إننا نؤمن بأن من أقوى دوافع الإنسان للبقاء هي تطلعه للترقي المستمر والتنمية المتواصلة، ولارتباطه بسنن التحديث التي توسع مداركه ووعيه، وتوفر الحلول لمشكلاته، وتربطه بمثال ما ينفك يقوده نحو آفاق جديدة.
وأخيراً فإن من أهم مرجعياتنا مستمد من أننا لا نعيش في عزلة في هذا الكوكب، بل نحن نعيش في تواصل مكثف مع شعوب أخرى تشاركنا فيه، وعلاقاتنا مع تلك الشعوب تستند إلى أسس هي مزيج من المبادئ والمصالح الوطنية، بما يؤدي إلى ترسيخ مفاهيم التعاون على البر، وتحقيق المنافع المشروعة وفق المبادئ المشتركة والاحترام المتبادل.
ننظر إلى تلك المرجعيات ونستمد مواقفنا وآراءنا منها، على أساس التزام عميق بمقتضياتها الأخلاقية، فلا خير في فعل لا تضبطه أخلاق. من هنا نوثق ارتباط تلك المرجعيات بالدين ومنظوره الجامع الذي هو معيار للخير والشر، ومصدر للأخلاق لا يغيض ولا يفنى. ليس دين طائفية ولا مذهبية، ولا دعوة ندعي بها حقاً خاصاً أو نقصي بها أحداً. ولا هو ذريعة لشراء الدنيا بالآخرة، بل هو الدين الباني للحضارات، الملهم للخيرات، الحارس للحقوق، الداعي إلى العدل، النافي للظلم، المحارب للفساد والعدوان، الجامع لا المفرق، الداعي إلى المجادلة الحسنة، وإلى الالتقاء على كلمة سواء حتى بين أهل الملل المختلفة.
السيدات والسادة الضيوف والأعضاء
إن القوة والفاعلية لأية جماعة أو فئة تدعو لتحولات إيجابية في المجتمعات تتجسد في أربع ركائز: أولاً، نفوذ الفكرة؛ ثانياً، فاعلية التنظيم؛ ثالثاً، قوة التحالفات؛ رابعاً، توفر الموارد المادية.
أما من حيث نفوذ الفكرة فإن حركة الاصلاح قد خرجت من رحم معاناة متطاولة. وهي تستصحب في توليد أفكارها تجاربها الذاتية، كما تستقيها من عبر تجارب الآخرين. والإصلاح ليس مبدأ قاصراً على صعيد الممارسة السياسية، بل إن أهم نطاق يعمل فيه الإصلاح هو المجتمع. الاصلاح، في غاياته القصوى، هو إصلاح المجتمع. إصلاح مفاهيمه ومبادراته واستجاباته. إذن الإصلاح في جوهره مشروع ثقافي يسعى لتأسيس بنية العدل أولا في عقول الحاكمين والمحكومين قبل أن يبنيها في مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن قضايا السياسة في السودان لم تعد القضايا القديمة وحدها. القضايا القديمة تنزوي وتحل محلها قضايا ذات خطر وعواقب. قضايا الهوية، قضايا العدالة الاجتماعية والاقتصادية، قضايا الحريات والحقوق الفردية والجماعية، العلاقة المتوترة بين المركز والأطراف، قضايا العولمة والعلاقات الخارجية، وخصوصية دور الشباب في المرحلة القادمة. هذا يجعل من أعجل واجباتنا الفكرية إعداد صياغة جديدة وتعريف معاصر للسودان وتحدياته، وإعادة صياغة مضامين الخطاب السياسي بناءً على ذلك. وستكون الثقافة، والتعليم، والتنمية، إلى جانب السياسة قاطرات للتغيير الاجتماعي البناء.
الركيزة الثانية من ركائز القوة هي فاعلية التنظيم. لقد أوضحنا مراراً مزايا التنظيم المرن الذي ينتشر في قاعدة جماهيرية واسعة ويحدث أثره من خلال خطاب عام يلامس قضايا الناس ومشاعرهم ويعبئ استجابات المجتمع ويحيلها إلى قوة نافذة للتغيير. أوضحنا ميزة ذلك التنظيم على التنظيم المتصلب الذي يظهر قوة ويخفي ضعفاً وقابلية متجددة للانشطار والانقسام. هذا فضلاً عن أن التنظيم المتصلب ينشيء على مر الزمن دكتاتورية خفية توشك أن تجعل من مراكز القوة الداخلية أصناماً تعبد. بقوة الفكرة وفاعلية التنظيم تصبح الحركة تياراً تعبوياً في المجتمع يقود التغيير الإيجابي.
ونحن نؤسس لمرحلة جديدة ونسعى بمبادئنا في المجتمع لا نفعل ذلك في فراغ من القوى الأخرى. من هنا تتضح أهمية الركيزة الثالثة من ركائز القوة وهي التحالفات. فكما يقال "المرء بأقرانه" يمكن أن يقال "الحركة بحلفائها". إننا لن نستطيع، ولا ينبغي لنا، أن نسعى أو نزعم أننا نسعى، لحل مشكلات السودان وحدنا. نحن نعمل في إطار جماعي مع بقية السودانيين وسائر القوى السياسية لإصلاح واقعنا السياسي. وهذا يقتضينا أن نحرص على أن تشمل مهمة الإصلاح الحركة السياسية. لا بديل عن الانخراط الإيجابي مع بقية مكونات المجتمع ذات الأبعاد السياسية، وهذا ما يجعلنا نتحمس لأطروحة الحوار الوطني.
الركيزة الرابعة هي وفرة الموارد المادية. وقد جعلناها في المرتبة الرابعة عن قصد، خلافاً لما يراه كثيرون من أنها الركيزة الأهم. فهي على أهميتها لا قوام لها بذاتها. الجماعة أو الحركة السياسية يمكن أن تنشأ وتتقوى بالفكرة وحدها ولو في حيز ضيق، لكن لا علم لنا عن جماعة ازدهرت بالمال وحده، إلا أن تكون جماعة فساد منظم أو جماعة مافيا. برغم ذلك لا ينبغي الاستهانة بمسألة الموارد، بل يجب اتخاذ كل السبل الشريفة والنظيفة لتوفير المادة. نعلم أن هذا سيكون من أكبر التحديات التي سنواجهها في ثقافة سياسية شائعة تستبيح المال العام والتمويل المشبوه
السيدات والسادة الضيوف والأعضاء
نحن نؤسس لحركة الإصلاح الآن في ظل معطيات مخصوصة بهذه المرحلة التي نجتازها. ينبغي أن ندرس تلك المعطيات ونحللها لنستخرج منها أهم أولوياتنا الوطنية. وينبغي ونحن نرسم خطوط هذه المهمة الدقيقة ألا ننجرف مع أنبياء الخراب الكذبة الذين يحبطون الناس بشؤم نبوآتهم. ينبغي أن ننطلق في تقييمنا من تدبر موضوعي يوائم بين رؤية المخاطر والفرص.
الفرص تتمثل في وطن ذي موقع إستراتيجي، وثروات طبيعية كثيرة، وقوة ثقافية ناعمة تعطي السودان موقعاً متميزاً وسط جواره، وإرث تاريخي مشرف تستمد منه مبررات التأسيس. والفرص تتمثل أيضاً في إنسان معتدل المزاج، بعيد عن الغلو والتشدد، ذي قدرة على المساومة الإيجابية والتجاوز والتعايش، وذي رغبة عارمة في التعلم والترقي. وتلك صفات شعب قادر على أن يصنع الحضارة ويوجه التاريخ لمصلحته.
لكن على خلفية هذه اللوحة الزاهية تبدو جملة من المخاطر التي تشكل أولويات وطنية مشتركة. هناك أربع أزمات أساسية آنية: أزمة أمن واستقرار سياسي، أزمة اقتصاد ومعاش، أزمة علاقات خارجية، وأزمة حكم. ويتوجب علينا أن نواجه تلك المخاطر واحدة واحدة، ونتصدى لها بصف وطني مجتمع.
أزمة الأمن والاستقرار السياسي هي أولى الأزمات بالعناية، لأن استمرارها وتعقدها يضع مستقبل البلاد كلها على المحك. إن التحدي الذي يواجهنا هو أن نضع في قمة أولوياتنا إنهاء الحرب من أجل التفرغ لمهمات البناء والنهوض. من هذا الالتزام نحو وقف الحرب كان دعمنا لمبادرة الاتحاد الإفريقي التي يقودها الرئيس أمبيكي. لكن انفضاض المفاوضات في أديس أبابا دون التوصل إلى إطار سياسي يحدد الأجندة ويوجه النقاش يجب ألا يثنينا عن تكرار المحاولة. ونحن ندعو أطراف التفاوض للتفاعل بحسن نية مع مهمتهم وتلبية الرغبة العامة في البلاد وبين جميع السودانيين للتوصل إلى تسوية عاجلة وعادلة. إن الوصول إلى تلك التسوية هو الذي سيطلق طاقات الإصلاح السياسي الذي نتطلع إليه وندرك أنه الترياق الوحيد الناجع لأزماتنا. بعدم ذلك، أي بعدم التوصل إلى تسوية عاجلة في المباحثات ينبغي أن ننظر في البدائل ذات المصداقية التي تستديم العملية السياسية وتستبقي الحوار المفضي إلى خطوات ملموسة تعزز مناخ الثقة.
بمقابل أزمة الأمن تبرز بصورة متجددة أزمة الاقتصاد وآثارها الطاحنة على قدرة المواطنين على العيش الكريم. وتتميز أزمة الاقتصاد بشيئين: أولا، أنها تمس الجميع دون استثناء. فلئن كانت أزمة الأمن تمس بصورة أخص قطاعاً من المواطنين دون آخر، فإن أزمة الاقتصاد والمعاش لا تميز بين اثنين. بناء على ذلك هناك ضرورة ملحة لاتخاذ إجراءات فورية لمعالجة الأزمة من ضمنها خفض الإنفاق العام إلى الحد الأدنى الضروري، ومحاربة داء الفساد محاربة لا تبقي ولا تذر. إن إجراءات محاربة الفساد لا تكتمل بإعلان التحدي لمن يملك أدلة على الفساد أن يبرزها. إنها ينبغي أن تكون حرباً هجومية شرسة تستقصي الفساد المؤسسي وتغزوه في أوكاره. وذلك يتطلب أن تقوى المؤسسات والتشريعات والسياسات والأوامر التنفيذية التي تسد على الفساد المنافذ وتخنقه حتى الموت. وعلى المدى الأبعد نؤيد الاعتراف بالمطالب العادلة بالتنمية المتوازنة والشراكة العادلة في مقدرات الوطن، بما يعطي ميزات للمناطق الأقل نمواً. كما لابد من تأكيد مسئولية الدولة تجاه المواطنين عموماً وضمان حق العمل لهم والخدمات الأساسية في التعليم والصحة والأمن.
المسألة الثالثة في أولوياتنا الوطنية، والتي تمس بصورة مباشرة مسألتي الأمن والاقتصاد، هي العلاقات الخارجية. ولا نحسب أن أحداً يشك في أن جذور هاتين المسألتين تتغذى من أزمة علاقاتنا الخارجية. ولئن كانت أزمتنا بالأمس مع الولايات المتحدة الأبعد عنا جغرافياً ووجدانياً، فإنها تتمدد اليوم لتشمل أقرب أشقائنا في محيطنا الحيوي المباشر الذي يمثل متنفسنا الطبيعي. إن تعقيدات علاقاتنا الدولية مع جوارنا الأقرب والأبعد ستبقى محدداً رئيسيا لتقدمنا في معالجة أزمتينا في الأمن والاقتصاد. إن خطنا السياسي يلتزم بقوة بمبدأ نبذ الصراعات وتحقيق العدالة في النظام السياسي والاقتصادي الدولي على أسس المبادئ والمصلحة الوطنية. وكي ما يكتسب هذا الخط السياسي مصداقية علينا أن نبادر إلى الحوار وعرض ما لدينا والاستماع لمآخذ الأطراف الأخرى وصولاً إلى علاقة خارجية سوية تحفظ حقوقنا الوطنية.
المسألة التي تشكل التحدي الرابع هي أزمة الحكم والنظام السياسي. لكنها في ذات الوقت هي المسألة الضامنة للإصلاح لكل أزماتنا الأخرى. وتتمثل الأزمة في أن مؤسسات الحكم الراهنة غير مؤهلة لمقاربة أزمات السياسة والأمن والاقتصاد. توجد هوة ثقة عميقة بين الحكومة والحزب الحاكم من جهة وبين قطاع واسع من القوى السياسية التي انحازت إلى خيار المعارضة السلمية. توجد قوى أخرى يئست من المقاربات السلمية فلجأت إلى السلاح والحرب. توجد قوى اجتماعية شبابية غير مسيسة أو منظمة على الطريقة التقليدية، لكنها تمثل كتلة مؤثرة ولديها قدرة عالية على تكوين الرأي العام، خاصة بين الشباب. يوجد سودانيون في الشتات تتعاظم أعدادهم وتتنوع مشاربهم وثقافاتهم ومفاهيمهم بتنوع المجتمعات التي يعيشون فيها؛ وهم لهم إسهامات اقتصادية وسياسية متعددة الاتجاهات والنتائج. توجد مؤسسات دولة غير فاعلة، لا من حيث تكوينها وشمول تمثيلها، ولا من حيث قدرتها على إنجاز مهمتها، ولا من حيث ثقة الجمهور فيها. في مقدمة تلك المؤسسات المجلس الوطني القائم، والجهاز التنفيذي بكل تفريعاته الذي تمثله الحكومة والخدمة المدنية. ويمتد الأمر إلى حكومات الولايات ومجالسها التشريعية.
في ظل كل تلك المعطيات تتجلى أزمة كبيرة تتمثل في عدم إيمان القوى السياسية بجدوى خوض انتخابات ذات مصداقية في العام 2015، في ظل هيمنة كاملة للمؤتمر الوطني على آليات الدولة وإمكاناتها، وفي ظل عدم وجود ضمانات حقيقية لنزاهة الانتخابات وعدالتها. فبدلاً من أن تكون الانتخابات القادمة عرساً وطنياً جامعاً ومناسبة لتجديد الثقة والدماء في مؤسسات الحكم الوطنية والنظر من ثم إلى آفاق الازدهار والتطور، ستصبح الانتخابات القادمة – في غيبة إصلاح حقيقي - مناسبة للشقاق والتناحر والمغالطات المريرة، بما يعني، لا استدامة الأزمات فحسب، بل تعقيدها بصورة أكبر والدخول في محنات وطنية متجددة تطيح بكل آمالنا في الوعود التي ذكرنا أن السودان يحملها.
السيدات والسادة الحضور الكريم
في الختام، وفي ضوء هذه التكييف الإستراتيجي لأهدافنا ومواقفنا، يمكننا القول أننا أمام مهمتين رئيسيتين ننطلق لإنجازهما بدفع قوي من هذا المؤتمر التاريخي: المهمة الأولى تتعلق بالساحة الوطنية العامة ورؤيتنا لدورنا فيها؛ والمهمة الثانية تتعلق ببناء حركة الإصلاح الآن لتتأهل لأداء دور وطني تاريخي.
المهمة الأولى تعنى بأن يكون لحركتنا نفوذ وحيوية يمكناها من المشاركة في وضع الأجندة السياسية الوطنية وترتيبها الترتيب الصحيح. بهذا الفهم رحبنا بالمبادرة إلى الحوار الوطني الجامع رغم كل مآخذنا التي أبديناها تجاهه، وذلك إيمانا منا بجدوى العمل السياسي السلمي مهما استبطأ الناس ثمراته. وندرك في ذات الوقت أن هناك مسارات أخرى للتأثير على الواقع السياسي من خلال العمل المسلح. إن مهمتنا تتمثل في تعميق الحوار مع قوى المعارضة المسلحة لإقناعها بجدوى خيار العمل السلمي على أي خيار آخر، وهو ما يقتضي أن ننخرط في ذات الوقت في تهيئة الأرضية والمناخ السياسي عبر الحوار الوطني الجامع الذي يضم كل القوى السياسية سواءً التي في الحكومة أو المعارضة.
لقد استطعنا أن نبتدر العمل في هذا الاتجاه من خلال لقائنا بوفدي التفاوض حول المنطقتين في أديس أبابا مؤخراً، حيث كان رجاؤنا أن تختتم الجولة باتفاق ناجح يمهد لانطلاق الحوار الوطني الجامع لكل القوى. أما وقد أخفق الاجتماع في التوصل إلى اتفاق إطاري فستظل دعوتنا وسيظل جهدنا باتجاه تجاوز العقبات المانعة لتوقيع اتفاق سلام مع القوى المعارضة بالسلاح، سواءً حركات دارفور أو قطاع الشمال، اتفاقاً يعين على إطلاق الجهود السياسية بالداخل. وقد تعزينا بعض الشيء بأن الطرفين في أديس أبابا قد وافقا بصورة مبدئية على اعتماد الحوار الوطني بنداً من بنود التفاوض.
من ناحية أخرى يواجه الحوار الوطني عدة عقبات. أولا، تبرز مشكلة الانقسام السياسي الذي أدى إلى فرز الساحة بين مستجيبين لدعوة الرئيس وبين ممتنعين من الاستجابة. ثانياً، هناك بطأ واضح في تشكيل آليات الحوار وتعريف دورها واستدعائها للعمل، حتى كادت المبادرة أن تفقد قوة دفعها، برغم إيماننا بأن هناك كتلة إصلاحية داخل المؤتمر الوطني تدعم الحوار وتسعى إليه بجدية لكن تأثيرها ما يزال محدوداً. ثالثاً، هناك محدد زمني مرتبط بشهر أكتوبر القادم، حين ينعقد المؤتمر العام للمؤتمر الوطني، حيث يسود اعتقاد بأن المؤتمر الوطني ربما يفقد الرغبة في نتائج الحوار الوطني ويبدأ الاستعداد لانتخابات سيشكل قيامها بتلك الصورة أزمة كبيرة تقضي على الرمق الأخير من الثقة.
نحن سنسعى لاستنقاذ الحوار الوطني بكل الوسائل، ومن ضمن ذلك تقوية التشاور والتنسيق مع القوى السياسية في الداخل والخارج لاقتراح خطوات جذرية تدفع بالحوار وتكسبه المصداقية. مثال لتلك الخطوات الدعوة لإنشاء مؤسسات حكم قومية تهيئ الساحة لانتخابات عامة نزيهة. تشمل تلك الخطوات إقامة حكومة مهمات خاصة قومية لمعالجة التحديات الوطنية الأربع المذكورة آنفاً، وإقامة حكومات ولائية ومجلس تشريعي قومي ومجالس تشريعية ولائية وإعادة تكوين المؤسسات التي ترعى الانتخابات. ونحن هنا ننوه باللقاء الأولي الذي تم قبل عدة أيام بين محموعة من الأحزاب حول التنسيق في هذا الاتجاه.
لن ينحصر عملنا في الحوار الوطني على العلاقات الفوقية مع الحكومة والقوى السياسية لكنه سيمتد إلى القطاعات الشعبية وتنظيمات المجتمع تواصلاً معها وتعرفاً إلى أسباب معاناتها ورؤيتها للحلول، حتى يكون الحوار والسلام متجذراً في الجماهير.
المهمة الثانية التي نوجه لها اهتمامنا هي مهمة البناء الداخلي. ينبغي أن نستذكر على الدوام أنه "لا إصلاح بلا مصلحين". الإصلاح يبدأ أولا في داخل صفنا حيث ينبغي أن نصلح شأننا أولا شأن أنفسنا، وشأن عضويتنا، وشأن مؤسساتنا قبل أن ندعو الآخرين لإصلاح أنفسهم. معايير الصدق والأخلاق هي التي تدعونا لأن يتسق فعلنا وقولنا حتى لا ندخل في زمرة الذين يقولون ما لايفعلون.
يجب على أعضاء الحركة أن يثقوا أن الإصلاح كفكرة وكيان سيقودان الحياة السودانية إلى بر الأمان، وأن الانتماء للإصلاح هو مسئولية وطنية تقتضي الإخلاص والتجرد، وأن العلاقة بين أفراد الحركة تقوم على التكافؤ في الحقوق والواجبات، وأن عمل الحركة يقوم على الجماعية وليس الفردية، وأن على من ينتمي لحركة الإصلاح أن يكون قدوة في المسلك الشخصي ومثالاً للنزاهة والعطاء والمبادرة والإبداع. ليست دعوة الإصلاح حقلاً للتجريب ولا رافعة سياسية للتسلق للمواقع والمناصب. نحن دعوة حقيقية لإصلاح أحوال الحركة السياسية، وإصلاح أحوال المجتمع، وإصلاح أحوال البلاد. من كان مصلحاً حقاً، يحمل تلك المبادئ فليتقدم. ومن كان معنا للتجريب أو لمحض الانتفاع فليتأخر، بل فليغادر.
المرحلة القادمة مرحلة البناء السياسي والفكري والتنظيمي. أي البناء الشامل لتعميق جذور الحركة في المجتمع وللاستعداد لخوض الانتخابات القادمة على جميع المستويات من رئاسة الجمهورية إلى المجلس الوطني، إلى انتخابات الولاة والمجالس التشريعية فما دونها، متى ما توفرت شروط العدالة والنزاهة في الانتخابات.
أذكركم ونحن نتحدث عن ركائز القوة الأربعة: الفكرة، التنظيم، التحالفات، والموارد المادية، أذكركم بأننا حركة لأن لدينا القدرة على إحداث الحراك النشط والتجديد. لسنا جامدين ولا مقلدين، نحن نجدد أدواتنا وأفكارنا باستمرار. ونحن حركة للإصلاح أي أننا ضد كل فساد وضد كل مفسد ومفسدة. نحن مع الإصلاح ومع كل مصلح ومصلحة. ونحن حركة للإصلاح الآن الآن وليس غداً. إصلاح بلا تسويف أو مماطلة.
بهذه الكلمات وهذا المؤتمر نعلن انطلاق حملتنا الكبرى، وحركتنا المصممة القاصدة، حركة قوية مبدعة حرة مجددة، تمسك بمقود التاريخ. تتطلع إلى غايات عليا، رجالاً ونساءً، شيبا وشبابا، معاً معاً، يداً بيد؛ معاً معاً، كتفاً بكتف، على محجة واضحة نحج بها إلى مستقبل واعد، وسودان واحد، وغد جديد.


تعليقات 7 | إهداء 0 | زيارات 3304

التعليقات
#993120 [nadir faiz]
1.00/5 (1 صوت)

05-04-2014 02:59 PM
Dr. Ghazi was in a deep coma for 25 years He is trying to recover but it is not two late my dear it is four late.

[nadir faiz]

#992956 [salma.wisam]
1.00/5 (1 صوت)

05-04-2014 12:37 PM
يا غازي نحن شفنا فعلك عديل زمن طويل ما دايرين تنظير

[salma.wisam]

#992932 [سعيد]
1.00/5 (1 صوت)

05-04-2014 12:17 PM
خرا وقسموه كومين

[سعيد]

#992728 [عزالدين النوبى]
1.00/5 (1 صوت)

05-04-2014 09:43 AM
والله نحن فى حيره من امرنا ولكن ايماننابا لذى يصدق العمل قبل القول وان لايكذب علينالارضائنا لان اس...اس..اس.الحياه والاسلام....الصدق....

[عزالدين النوبى]

#992703 [معاوية]
0.00/5 (0 صوت)

05-04-2014 09:17 AM
كذاب ودجال غازى وقاتل كمان

[معاوية]

#992551 [الوطن العزيز]
1.00/5 (1 صوت)

05-04-2014 12:42 AM
نرحب بكل طوبة تقع من الوطنى حتى يسقط الجدار كاملا غازى يعرف كل شىء عنهم علينا ان نرحب بالخارجين طالما انضمو لصف الجماهير وعلينا ان لا نتوقف عند محطة مشاركتهم فى النظام

[الوطن العزيز]

#992479 [نكس]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2014 10:39 PM
مشكلة الاصلاح الان انوبرضوا ضامي مرافيد النظام الواطي ومن ولد واطي مات واطي - يعني ما ممكن نعلم زي الفريق وامثاله الوطنية الان - وما حنكون مطية للاسلاميين من خازوق الي خازوق - كلام جميل جدا -لكن اجمل منو كان خطاب البشير حين توليه شؤون البلاد بعد الانقلاب -بس مصدق لاننا شعب مثقفاتي قشرة واي خطاب عاطفي باثر فينا لمن نبكي

[نكس]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة