الأخبار
أخبار إقليمية
عيسي الحلو احتفاء بخمسين عاما من الكتابه
عيسي الحلو احتفاء بخمسين عاما من الكتابه



05-04-2014 07:08 PM
محمد الصافي

عند يذكر الادب السوداني , وعلي مدي تاريخه الطويل الحافل بالانجازات ,وبمبدعيه الكبار
يذكر دائما وبكل حفاوه, الملاك الجميل , عيسي الحلو , صاحب
ورده حمراء من اجل مريم واخيرا وليس اخرا الورد وكوابيس الليل
خمسون عاما من التوهج قضاها عيسي الحلو في غياهب ومتاهات السردالجميل والكتابه
ممثلا قيمه ابداعيه وقامه سامقه في تاريخ ادبنا السوداني الحديث. .
اذكر باني التقيت به مصادفه ذات يوم صيفي حارق
في منتصف التسعينات من القرن الماضي , كنت وقتاها في زياره بحي العباسيه
وفي الطريق باتجاه شارع المورده
لاح لي علي منحي الطريق من البعد شيخنا واديبنا الرائع مترجل بكل وسامه وقار وهدوء
وعلي محياه تبدوالوداعه والا لفه
هرولت باتجاه / استوقفته وعرفته بنفسي ......
قلت له باني من اشد المعجبين باعماله الروائيه والقصصصيه ,والحق يقال استقبلني اديبنا بحفاوه كبيره
حدثته عن حبي وولعي بنصره في قصه الرائعه نافذه علي الشمس .، وعن انجلينا والمراكب ,
وشاشه في سقوف المدن ومريم في ورده حمراء ............
اذكر وقتاهاتحدثنا عن الاغنيه الرائجه في ذلك الوقت البنت الحديقه ومن ثم سالته
عن الحديقه اوالنبع الذي يستمد منه
شخصياته الروائيه والقصصيه , رد علي بجديه شديده
أنا لى ما يشبه متحف الشمع... اذ أصنع كل
شخصيات قصصى وروايتى داخل قاعة هذا المتحف . واستعين بها مرة ومرات فى أعمالى الجديد
..أى أننى أجى بشخصية قديمة لأضعها فى موقف جديد وزمن جديد لأكشف عن المتغيرات
التأريخية والحضارية لهذه الشخصية , وذلك لأن عالمى القصصى هو عالم محدد بأفكار وقناعات
وتجارب تمثل روايتى الفلسفية والاجتماعية والثقافية وبذا أكشف فى ذات اللحظة
عن التحولات التى ألمت به .
وتحدثنا كثيرا وقليلا في حوار لم يمتد لاكثر من عشرين دقيقه , من ثم تركته متجها صوب
الهيئه القوميه للثقافه والفنون , حيث كان حيناها مجتهد ا ونشطا في تحريك الساكن الثقافي
عبرمجله الخرطوم في تلك الحقبه .
ودعت الملاك الجميل وعلي امل الوعد بان ازوره , واحتسي معه كوب شاي بمنزله بالعباسيه
لنكمل ما بدانه من حوار ,

محمد الصافي / الولايات المتحده - فيرجينيا


[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 825

التعليقات
#994048 [محمد الصافي]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2014 02:24 PM
الاخ عبدالماجد / شكرا للك علي هذا المقال النقدي القيم . الذي يدل علي ثقافه وحساسيه نقديه حديثه , انت بلاشك ناقد كبير
وعلي ذات الاثر اهديك مقال نقدي لعيسي الحلو , يدل علي خبرته النقديه والسرديه الكبيره التي اشرت اليها. وعلي انه اول من طرق باب الحداثه في المشروع السردي السوداني منذ بدايتهالاولي والمبكره في ريش الببغاء وحتي الان في مشروعه الحديث الورد وكوابيس الليل



اللغه والرؤيا مابين المرئي واللامرئي
عيسى الحلو

كثيرون منا ..يخدعون..احيانا..بذلك الملمس الناعم للغة الادبية..(الشعر /القصة/الرواية).يظنون..ان اللغة هي هذا الزبد..ناعمة تورق الورد، ولكن على الجانب المقابل، فحتى رقة الورد تحمي نفسها بالشوك.
في الاعمال الابداعية(الكتابة)..ليست هناك ملة ناعمة وأخرى فظة.فالفنان لا يختار كلمات جاهزة ومعلبة.ولكن يقوم بتفريغ الكلمة الشائعة من معناها المستهلك والذي فقد قدرته فى التوصيل..ومن ثم يملأ الكلمة بكهرباء القدرة والدهشة..وكل هذا تأخذه الكلمة من وضعها الجديد والمكتشف، من خلال بنية النص في تركيبه الكلي.
وفي كتاب الناقد البنائى(رولان بارت)(هسهسة اللغة)..وعلى ضوء هذا يقول..(ان المنطق الذي يضبط النص ليس افهاميا بل هو كنائى يهدف الى تحرير الطاقة الرمزية فى النص. ويؤكد(بارت) ان النص هو رمزى، وجذري فى رمزيته، وعلى ضوء هذا ايضاً فالنص ينجز عملية جمع المعنى.
ومن هذا كله تصبح اللغة هي الفضاء المشترك الذي تعمل فيه حرية كاتب الكتابة(المؤلف) وقارىء الكتابة(القارىء)، وبذا تصبح اللغة هسهسة او همهمات ندية تولدها اللغة عند القارىء، منها لذة المعرفة، ولذة الانشداد للنص الذي تكونه اللغة واللذة الاخيرة تولدها مغامرة الكتابة والقراءة معاً(حسب رأى بارت).
واللغة ليست كلمة..بل هي مجموعة كلمات نظمت في سياق..ومن هنا تصبح اداة من الادوات التي يشتغل بها الفنان الكاتب وهي قد تستخدمه كما فى الشعر(على حد قول سارتر)..او ان الكاتب هو الذي يستخدم اللغة كما في النثر (سارتر)..واختيار الكاتب لاحد الموقفين بصدد استخدامات اللغة او خلطه للموقفين معا..وهو موقف يحدده ويشرطه موقفه الرؤيوي للاشياء، والذي يتكون منذ وقت مبكر كطريقه للوعي..وعي الاشياء.
وهناك فنانون(شعراء/روائيون)من ذوي المزاج الحار..يناضلون في الحياة بعنف وقوة، وهناك فنانون مسالمون جدا، فمنهم من يكون عنيفا مع موضوعه، ومنهم من يكون لطيفا، وبالقطع ان هذه الطبيعة الخاصة بوجدان الفنانين هي الاطار الانفعالى الذي يحدد الاطار العام للموقف الرؤيوى للمبدعين هنا..او هناك..وهذا الموقف هو الذي يطبع الابداع بطابعه هنا او هناك.
همنجواي..ينتمى لسلالة المكتشفين الاوائل لامريكا الوعرة والبدائية..وهو تلميذ للروائي الامريكي(جاك لندن) الذي ينتمي لحركة اليسار السياسي الأمريكي تدور موضوعات جاك لندن حول خليج هدسن..اصقاع شبه قطبية..بطله هو ذاك الانسان المعزول في الاصقاع الثلجية..ذهب بحثاً عن الذهب او الخبز..ولكنه يموت تحت الثلج وتنهشه الذئاب.ويقول تاريخ همنجواي الشخصى انه شهد معارك الحرب الكونية الثانية في اوربا.كان مراسلا حربيا لجريدة شيكاغو.كان يراسل صحيفته برقيا.
فنطبع اسلوبه الروائي بالطابع التلغرافي الموجز والمركز، وكل هذه العوامل ..الحرب..وتأثيرات جاك لندن الفظة..شكلت فيما بعد طريقته في الكتابة..والحب والحياة والموت.كان همنجواي يكتب مخطوطات رواياته على الآلة الكاتبة واقفا زهاء عشرات الساعات..كان لا يتعب ..ولا يناله الجهد..وفى هذا كان يقول..عندما ادخل غرفة المكتب، فأنا انسى جسدي عند الباب.
الشاعر محمد عبد الحي، كان يتحمل الأذي فى صبر بطولي..بعد اصابته (بالقلب) شل جانبه الأيمن، فتعلمت يده اليسرى الكتابة بخط جميل، وكان بذات اليد يقود سيارته..كلاهما..عبد الحي وهمنجواي..كان رواقيا..شديد القدرة على تحمل الأذى، وعبد الحي في (السمندل يغني)..كان يراقب ميلاد الأشياء..وتكويناتها الأولى..وتحولاتها..وكان يخترع لها الأسماء والمعاني عبر جهد عنيف..اذ يصارع الاشياء العجماء..كان يبحث عن لغة عنيفة لغة نضرة وجديدة..وكانت اللغة تحت هذا العنف كأفراخ الطير التي تكسر القشرة لتطل على هذا الوجود..فاللغة هنا تستولد حياتها من بين ركام العادة..وفي هذا المكان كان بعض من شعراء السودان يحاولون ذات المحاولة وان كانوا لا يكتفون بالنص اللغة بل يضيفون الجهد للعمل الادبى كمضمون..الا ان التطور اللاحق بعبد الحي كان الشاعر عاطف خيري..وكان ان صاغ النقد الجديد موقفه بين الأبداع والاتباع في اللغة.
عاصر همنجواى..المسرحي تنسي وليامز، والذي وضعه النقد في الجانب المعاكس لهمنجواي، كان تنسي وليامز يهتم بدواخل البطل المسرحى والجنس هو الدعامه التي كان يقوم عليها كل عالمة الفني..فكان العمل الفني هنا يعبر عن مجتمع مديني معقد في تشابكات علاقاته الاجتماعية فكانت اللغة تصعد لرؤيا وايقاع الشعر مما جعل اللغة كلها تصبح مجازا للواقع.
اما همنجواى وعبد الحي وكمال الجزولي وعاطف خيري فهم يعكسون الوضع بجملته..فهم يقومون بانقلاب كامل فى وضع هذا المجاز اذا يرتفع الواقع لمستوى المجاز رنين كما يقول(كونديرا) (وكل كلمة محاطة بموكب غير مرئى من كلمات اخرى، لا تكاد ترى..لكنها ترن معها).
كان همنجواي..في كل قصصه القصيرة..يأتي بمثل هذا المجاز..ففى قصته(تلال كالفيلة البيضاء ) يدور هذا الحوار بين بطلة القصة وبطلها).
تقول البطلة..انظر الى تلك التلال التي تلوح كالفيلة البيضاء.
يقول البطل..هل هنالك فيلة بيضاء اصلا؟
اننى لم ار فيلة بيضاء مطلقا!
كان البطل(بطل القصة) عاجز عن رؤية المستوى الباطن للواقع..هو عاجز عن رؤية المرئى لانه لا يستطيع من ثم رؤية اللا مرئى الذي يختبىء خلف قناع الواقع.
ان هذا المعني الخبيء للقصة هو المسكوت عنه..وهمنجواي يطالبنا بأن نكشف المعني المستبطن خلف المظاهر الواقعية، وذلك عبر لغة مباشرة تدفعنا دفعا لان ندخل في قلب الاشياء..دون ان يقدم لنا معلومات ضرورية هنا.فكل عمل ابداعي يدعونا ان ندخل فى صميمه حيث يختبىء المعنى..كما يختبىء الرحيق في البرتقالة..او كما يختبىء البستان في الوردة..فشاعرنا محمد المكي ابراهيم يشتغل فى هذه المسافة: حيث تختفي الحدود بين الواقعي والمجازي الشىء ورمز الشىء.
ومن الغريب جدا، ان الناس يحولون الواقع الى رموز..ويتعاملون في حياتهم اليومية بيسر ويتفاعلون مع هذه الرموز..ولكنهم لا يستطيعون بذات السهولة ان يحيلوا الرموز الى واقع..ولهذا لا تدخل القصيدة في هذا الواقع الا بوصفها مجازاً ولكن محجوب شريف يقول(احبك حقيقة..واحبك مجاز) والحقيقة هنا مقصود بها الواقع اليومي المعاش.
وما بين الواقع وبين المجاز يجىء ويذهب العمل الفني الجيد الصنع.

[محمد الصافي]

#993406 [ود الدلنج]
0.00/5 (0 صوت)

05-04-2014 08:43 PM
بحمسين عاماً وليس بخمسون (مجرور بالياء وعلامة جره اليائ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم) . ثم الكتابة وليس الكتابه. والله لم اقرأ الموضوع(وليس لدي اي رغبة قراءته) فهذا تعليق على العنوان فقط ومؤكد ستكون هناك أخطاء لغوية وإملائية وتركيبية وصياغية . هذا هو مستوى الصحفيين في بلادنا في زمن المعجزات الإنقاذية والعياذ بالله

[ود الدلنج]

#993382 [د.عبدالماجد الحبوب]
0.00/5 (0 صوت)

05-04-2014 08:24 PM
شكراً لك الأخ الصافي محمد الصافي.. على هذه اللفتة الوسيمة لكاتب كبير لم يجد حتى الآن ما يليق به من تكريم ووفاء.. واعجابك ومحبتك لعيسى الحلو تدل على عمق حساسيتك الفنية والأدبية..

وبهذه المناسبة نهديك هذا المقال الذي كتبته عن روايته الجديدة (الورد وكوابيس الليل)



خالص مودتي

عبد الماجد
------------------------------------------------------------------





ألف وردة ووردة... تشعل كوابيس الخرطوم !

(الورد وكوابيس الليل.. نوفيلا التشظي واللانظام)

عبد الماجد عبد الرحمن

الرواية الجديدة استفادت من قصيدة النثر كشكل تعبيري سردي.. حيث اللغة المكثفة وحيث التركيز على الثيمة الأساسية للحدث.. وعلى الاستعانة بالصورة السينمائية الخاطفة والمتحركة!!.. وفي الرواية القصيدة تأتي كل العناصر الروائية كالشخصية والمكان والزمان والأشياء المحيطة والمتناثرة هنا وهناك.. الوعي واللا وعي كأنهار باطنية تملأ مساحة الرواية كلها.. وهكذا تتكون الرواية القصيدة وتملأ الآفاق.. صوراً متحركة من لا مكان وإلى لا مكان.. وكلها تتشكل في لغة جديدة تنمو كخضرة الحقول «على حد قول بورخيس».. هي رواية الجمال الأخاذ الذي يأخذك على حين غرة.. هي كتابة بلا وصفة بلاغية جاهزة.. هي فقط تكتشف نفسها.. لأنها تكتب نفسها بتلقائية شعرية كما لو كانت تنمو لوحدها وبلا مؤلف وكاتب..
(عيسى الحلو , يتحدث عن "الرواية- القصيدة" في صفحته الأسبوعية الجميلة " حكايات حاراتنا" في الرأي العام وهي صفحة ظل يبدعها بطريقته الخاصة للغاية في العديد من الصحف السودانية وكانت تتخذ في الماضي مسمى "قوة الأشياء").
"رواية ما بعد الحداثة لا تملك المعنى .. ولكنها تفبرك المعنى it doesn't make sense but makes up sense"
(الناقد تشارلز بلات Charles Platt)

مدخل نظري

النوفيلا هي (الرواية القصيرة novella).. الشكل الذي كتب به همينقواي "العجوز والبحر". ولكن الجديد هو إضافة كلمة قصيدة للرواية لتصبح (الرواية أو النوفيلا-القصيدة). هذا الشكل نجد له جذورا قديمة في "السرد الشعري" ( verse narrative) أو الشعريات السردية narrative poetics)) المرتدة إلى زمن الملاحم القديمة كجلجماش السومرية, وكالأدويسا والإلياذة الإغريقيتين, ومثل "بيولف" و"حكايات كانتربري" الانجليزيتين, ثم في موجتها الأخرى في القرن التاسع عشر. ولكن هذا الشكل (النوفيلا-القصيدة) يختلف الآن.. إذ أنه يأتي ضمن مظلة ما بعد الحداثة, والتي من أهم ملامحها ظاهرة (تسييل الأجناس الأدبية وفتح الحدود البالية بينها ) ! ومنذ نهايات الثمانين ظهر هذا الشكل (الرواية-قصيدة النثر) وأحيانا تسمى (قصيدة النثر-الرواية) في أوربا وأمريكا وأمريكا اللاتينية. غير أن هذا الشكل- الذي يمزج ملامح قصيدة النثر بخصائص الرواية الجديدة بحيث يصبحان شكلاً فنيا جديداً واحدا ومتعددا في آن- بدأ يصعد بشكل جاد منذ وسط التسعينات وبدايات هذا الألفية الجديدة, ومن نماذجه رواية الكاتبة ليز روزنبيرج Liz Rosenberg بعنوان (17) صدرت في أمريكا في 2002- وهي عبارة عن مجموعة من قصائد النثر التي تشكل في كليتها رواية , ورواية أخرى للكاتب جيمي ايردل بعنوان (قصيدة نثر-رواية) التي صدرت في 2009 . وفي السودان يعتبر عيسى الحلو من أكثر الكتاب وعيا بهذا الشكل الجديد, بل ومن أول من طرقوه على الإطلاق. وقد لا يكون الكاتب ملما بهذا الشكل من الناحية النظرية, ولكن أعتقد أن ثمة ثلاثة مؤثرات قد يكون لها دورا في تبنيه لهذا الشكل: 1. خبرة الكاتب الكبيرة بأشكال الكتابة السردية ومعرفته بمحطاتها المختلفة عالميا 2. القلق التجديدي والتجريبي الذي عرف عن الكاتب. 3. اهتمام الكاتب بقصيدة النثر في السودان وقربه من بعض أبرز كتابها ونقادها. هذه العوامل شكلت أساس رؤية عيسى الحلو الجديدة التي تتجلى الآن في تبنيه لكتابة هذا الشكل الفني الجديد (الرواية-القصيدة أو رواية قصيدة-النثر) !!

كولاج.. الحقيقة واللاحقيقة أوالحقيقة والحقيقة المفرطة Reality & Hyper-reality

" لا توجد حدود واضحة بين الواقعي وغير الواقعي.. ولا بين الحقيقي وغير الحقيقي .. فالشيء ليس بالضرورة أن يكون فقط هذا أو ذاك , إذ من الممكن أن يكون الاثنين معاً" (هارولد بنتر .. الكاتب البريطاني الذي نال نوبل في 2005).

يواصل الحلو مشروعه الروائي الجديد (وكلمة مشروع تعني أن العمل مفتوح وغير منتهٍ بطبيعته.. ولذلك فلا يوجد مشروع, طالما استحق صفة " مشروع project", يمكن أن يكون منتهياً أصلاً) الذي بدأه منذ الستينات ورفده بشكل خاص وجديد منذ التسعينات بدءاً بروايته "صباح الخير أيها الوجه اللامرئي الجميل 1997" , ثم روايته " عجوز فوق الأرجوحة 2010" ومجموعاته القصصية الجديدة منذ التسعينات وأوائل الألفينيات مثل (رحلة الملاك اليومية) (وقيامة الجسد) وغيرها. محطته هذه المرة رواية جديدة بعنوان " الورد وكوابيس الليل", التي صدرت هذا العام 2013 , عن دار مدارك ذات الجودة و التصاميم الرائعة .

فصول الرواية التسعة تتشكل وتتقطع وتتلاشى وتتكسر كالموج على شواطئ الفراغ و اللامعنى واللانهاية. شخوص مـتأزمة وملتبسة ومبلوطة بكل الهموم والمتاعب الكبيرة (عبد المنعم ياقوت وسعيد كمال وراقية عيد الجليل وروجينا.). يعيشون حياة مضطربة ملتجة.. تخيطها المعاناة وتلفها المحن .. وتحوطها التناقضات .. ثم يذهبون في النهاية جميعاً هناك.. بعيدا في فراغات الأبد..تاركين وراءهم أسئلة عريضة.. لا تدري إن كانوا يأتون هم من الأحداث أم تتشكل منهم الأحداث.. ولا تدري أين هي البدايات ولا أين هي النهايات . . لا شيء ثابت لا محاور ولا ارتكازات .. فالدوران المستمر هو عماد الرواية ومادة اشتغالها الدائم !!
عبد المنعم ياقوت.. ثقل الواقع .. وخفة الشكل-الكائن

أهم ما يلفت قارئ الرواية شيئان : كثافة الواقع وثقله وقسوته وعنفه مقابل شكل روائي خفيف وشفيف وهفيف يتخذ شكل (النوفيلا – القصيدة).. كما أشرنا.
ينوء (اللابطل) الرئيس في القصة (عبد المنعم ياقوت) بكل فداحة وقسوة وعنف العقدين الماضين في السودان : الحروب التي تفتك بالبلاد بكل جديتها في العبث والتدمير و"بهجة" التشظي واللا أفق .. الفساد الذي ينخر عميقا في تجاويف المادة و خلايا الروح..الوطن الذي يدمن حالة (اللاوطن) .. السلاح الذي يمشي بين الناس.. أطراف البلد التي تلتهب ثم تلتهب ثم تشتعل فتنفصل فتدور وحيدة في (زمانها الخاص) .. (عبارة الحلو الأثيرة).. يرمز إلى ذلك بأطراف روجينا الصناعية وهويتها الملتبسة ورهقها وعينيها اللتان تبرقان بالأسئلة الكبيرة. القمع الذي لا ينتهي والشموليات القبيحة التي تمكث وتمكث ثم تمكث مرة أخرى. لا يملك الرجل الغامض عبد المنعم ياقوت إزاء كل هذا العبث, إلا أن يتمدد طويلاً وعميقا ويملأ مساحة الوطن كله ويصعد في النهاية "مسيحاً" في السماء ..
أول مرة نقابل فيها هذا (اللابطل) عبد المنعم ياقوت, يأتينا وصفه كالآتي" لم يكن أحد قد رآه. إلا أن كل اللذين يتسقطون أخباره يملكون جميعهم صورة ذهنية عن الرجل وهي من صنع خيالهم. ولا أحد يستطيع نقل الصورة الحقيقية للرجل... وتحول إلى رمز وأسطورة...هو ذاك الذي اثر في حيوات كل الذين كانوا حوله.."(ص.7).. وآخر مرة نشاهده وهو جثة هائلة الضخامة وهائلة الجمال والنبل في نفس الوقت "فالرجل يشع نورا وجمالاً وبهاءاً. فهو موكب من الجمال والإشراق والنبل.. وصدره العالي مثل جسر نهري يمتد حتى الحدود الجنوبية..يصل الذراع الأيمن إلى مدن الغرب القصي حتى الجنينة .. والذراع الأيسر يصل شرقا إلى سواكن وبور تسودان" (ص. 103). وما بين ذلك وذلك , نراه مرة في شكل بطاقة في إحدى غرف جهاز الأمن, ملتبسة مع بطاقة شخص آخر (سعيد كمال) تقول بياناتهما أن كليهما من وسط السودان ومن مواليد ( 1940) !! وما بين مولده وصعوده في السماء, يظل الرجل ملفوفا في غيابات الغموض , وان كان دائم الحضور والتأثير في الرواية.

عبد المنعم ياقوت يحمل كل معالم "اللابطل" الروائي.. فهو شخصية مركبة تركيب الواقع السوداني ومعقدة تعقيده. وهو لا يتطور بشكل منطقي لأن هذا الواقع المركب نفسه يفتقر في معظم جوانبه للمنطق .. يتم وصف عبد المنعم باستمرار و تتم مراقبة حالته عن كثب.. وفي الآن نفسه, فلا وجود مادياً محدداً للرجل "لقد صنعوه من مادة الوهم, وليس من مادة الخيال. فهو مصنوع من المخاوف والأحلام والأشواق والإرادات" ( ص.30) وهو ملتبس مع شخص آخر يدعى(سعيد كمال) يجيء أقل كارزمة منه, ولكنه يضفي على هذا (الياقوت) مزيدا من التركيب والغموض ومزيداً من التجلي. وفي مقابل أو تواطأ التباس (عبد النعم) و(سعيد), يوجد التباس وغموض آخر بين (راقية عبد الجليل وروجينا).. وهنا يمارس الحلو لعبته المفضلة (التباس الهوية وتعقدها) .. والتي ستأتي بتفصيل أكثر في فصل لاحق !

الميتا-سرد .. تكنيك الأقنعة والغوص العميق

من مظاهر السرد الجديد, خاصة في تجليه ما بعد الحداثوي, بالإضافة لفكرة (التشظي) المركزية.. توجد سمتان : اللعب باللغة language play والميتا-سرد meta-narrative(سرد السرد أو الكلام عن السرد الذي يأتي خلال السرد وعبر التكشف السردي نفسه). وفي حين يجيد بشرى الفاضل (اللعب باللغة ), فان الحلو يجيد الاشتغال على ملمح الميتا-سرد. ويتخذ من شخصية عبد المنعم ياقوت تجسيداً لهذا الملمح "فسرد حالته هنا.. يأتي أيضا متقطعا وغير منساب في تراتب زمني منطقي متجانس. وذلك بسبب الطريقة التي ترى بها المدينة عبد المنعم ياقوت. فهي تصوره عبر خيال يأخذ مادته من (الواقعي) وما فوق الواقعي..من الماضي ومن الحاضر فيما يشبه الرؤية السريالية للواقع. ولكنها ليست سريالية بيكاسو أو دالي , هي أقرب إلي سريالية الروائي الألماني جنتر جراس, في روايته (الطبل الصفيح). وتختلف قليلا جدا عن واقعية رواية أمريكا اللاتينية عند ماركيز أو ستورياس. كما تأخذ من الطيب صالح وإبراهيم اسحق غنائيتهم الريفية. ومن بشرى الفاضل تعبيريته السحرية. ومن شوقي بدري تأخذ واقعيته الفجة والمباشرة التي تشبه كتابة (العرض حالات). هي أقرب إلى واقعية ود ضيف الله" (ص.30). وفي مقطع آخر يقول أحد شخوصها الغامضين كزرقة البحر وكصفرة الرمال " حاولت أن أتحرر بالكتابة, ولكني وجدت نفسي داخل هذه الفقاعة(الكذبة) المليئة بالهواء والفراغ والثرثرة...أمسك بالقلم .. وأحاول أن أسرد الحكاية ..ولكن الأصوات ما تزال تثرثر . ويزدحم المشهد .. ويتحول حضوري إلى غياب" (ص. 97). الميتا سرد آلية أو تكنيك للكشف الروائي عن الحقائق والانغماس عميقاً في سراديب الأفراد والأشياء والمكانات والأزمنة.
• من الضروري , التنويه هنا أن استخدام مصطلح .. الميتا-سرد ( meta-narratives/grand-narratives) يختلف من المعنى المعروف في أدبيات ما بعد الحداثة والذي سكه الفرنسي ليوتراد Loytard وهو يشير إلى رفض ما بعد الحداثة "للنظريات الكبيرة" التي تدعي الشمول في تفسير الظواهر الإنسانية (الفرويدية مثلا في تفسير السلوك الإنساني, أو اقتصاد السوق لحل المشكلة الاقتصادية الكونية, أو حتى مثل "نظرية المؤامرة" الفجة التي تعتقد أن التاريخ كله, لا يعدو أن يكون سلسة من المؤامرات التي تحيكها غرف أجهزة المخابرات) ويقترحون بدلا عنها التعدد النظري في تفسير مشكلات العالم وإنشاء النظريات الصغيرة ذات الحساسية السياقية ( localized narratives). ونستخدم "الميتا-سرد" هنا بمعنى تكنيك سردي يتجلى عندما يلجأ الراوي(الصوت) إلى محاورة نصوصاً سردية معروفة داخل نصه السردي, وهنا قد ينطوي هذا الاستخدام على بعد نقدي, أيضا , مثلما رأينا الراوي هنا يصف أسلوب شوقي بدري بأنه (واقعية فجة) وأنه أشبه (بكتابة العرضحالات) !!

تقمص الأرواح .. ولعبة الهوية والفقاعات..

" أدير محرك القوقل كل يوم لأبحث عن نفسي في القوقل وأعرف من أنا " (جارود كينسز, مواطن أمريكي) !
" الحفاظ على الحرية في العصر الحديث, يقتضي الإيمان بالهويات المتعددة" (رالف ايمرسون)

هي لعبته الأثيرة. معالجة الكاتب السردية لإشكالية الهوية ظلت على الدوام حاضرة ومتقدمة0 فهويات الشخوص هي دائما هويات معقدة ومتعددة ومتنوعة ومتحركة بشكل مستدام. وداخل هذا المنظور الروائي(وهو ينسجم الآن مع نظرية الهوية الجديدة في العلوم الإنسانية الحديثة- كما في مثلا, كتاب نورتون عن الهوية من وجهة نظر بعد-بنيوية 2000 , وككتاب جون ادواردس " اللغة والهوية" الصادر من جامعة كيمبردج 2009). يملك الأفراد مساحة خاصة لصناعة هوياتهم بأنفسهم ويملكون تغيرها وقتما شاؤوا وكيفما رغبوا !! في عالم اليوم الأفراد دائمو التغيير .. فهم يغيرون أمكنتهم وأشكالهم وألوانهم وعملهم وجنسياتهم ومواقفهم ويغيرون جنسهم ( trans-genders), ويكتبون بألقاب وأسماء وهويات مستعارة على الانترنت.. وهكذا صارت الهويات نفسها تأخذ شكل التغيير الدائم , وفي الوقت نفسه تأخذ شكل الاختيار الحر !!

يمارس شخوص الرواية لعبة معقدة هي أن يتقمصوا جميعا روحا واحدة .. هي في مجموعها روح الشخص الغامض الذي يأخذ اسم (عبد المنعم ياقوت). .. فروجينا وراقية وسعيد يختارون جميعا أن يصيروا هم (عبد المنعم ياقوت) ".. نصبح أربعتنا روحا واحدة... نصبح عبد المنعم ياقوت .. فتتطابق هويته مع هوياتنا... بحيث تصبح الذات الخاصة بكل منا هي الذات الرباعية الأبعاد" (ص.58). ورغم هذا الاندغام الروحي الرباعي الطوعي في روح(عبد المنعم ياقوت) .. تظل كل من الشخصيات الثلاثة تبحث لاهثة وباستمرار عن ذاتها في هذا (الياقوت) الذي لا وجود ماديا له.. رغم كونه مركز الشغل كله في الرواية.. إلا حين يموت, وحتى حينما يموت فان جثته تتمدد وتستطيل بمساحة السودان وتصعد إلى السماء وتتطاير في مشهد سريالي يشهده جميع السكان, في دهشة وحزن عظيمين!

لعبة التقمص هذه.. تحيل إلى معان عديدة .. على مستوى الأفراد وعلى المستوى الجمعي , وعلى مستوى المكان الذي يدور ويدور وينكمش ويتشظى ويصبح مكاناَ "فارطاً" (هايبراً nonplace/hyperplace)00 وتتحول عناصره المادية كلها إلى ضوء خفيت وشفيف عبر شفافيات عرض متنوع ومستمر .. تتحول فيها اللغة إلى عذوبة محضة.. والعالم إلى (فقاعة) كبيرة يلعب بها الأطفال.. ويتحول البيت الصغير الغامض الذي تسكنه الشخصيات الأربع, ويأوي إليه هذا الشبح "عبد المنعم ياقوت" بين الفينة والأخرى, إلى "فقاعة صغيرة" وسط النهر"مليئة بالصخب والجنون والليل" وأربعتهم, يحثلون عميقاً في حمى الجسد ويعطنون أنفسهم في شلالات الموسيقى وإيقاعات الفالس, و يتحولون إلي " وجوه مجهولة وسط الزحام.. تلتقي بلا سبب .. تفترق بلا سبب.. تدفعهم رغبة عارمة بأن يسافروا في المجهول والغيب"! (ص.25-26). وتأخذ صرخاتهم شكل "ألم الجرح القديم " وصيغة "الحلم الطازج" الخارج لتوه كوردة أبدية من براعم النفس ومن أعماق الجمال. وكلما تشظى المكان في الفقاعة الصغيرة (منزل الأربعة) أو الفقاعة الكبيرة (العالم) تتزايد النبرة الشعرية للرواية, في محاولة لا تفتر للامساك بهذه (الفقاعة), ويتماهى صوت الراوي نفسه مع (الفقاعتين) بحيث يذوب فيهما تماما ويمسى شعراً خالصاً وخيالاً مطلقاً وغناءاً لازوردياً شفيفاً.. فالفقاعة حيثما ترد في الرواية , إذا هي (المعادل الموضوعي)- إن أردت استدعاء مصطلح ت. س. اليوت- تشكل معادلاً للتشظي المكاني والتشقق النفسي والوطني.

خاتمة

رواية (الورد وكوابيس الليل ) للكاتب عيسى الحلو, الصادرة هذا العام 2013عن دار مدارك , تجترح إطارا روائيا مستجداً جداً.. هو إطار (الرواية-القصيدة) أو (الرواية-قصيدة النثر), وهو شكل , يقتضي بدوره ثقافة قرائية ونقدية سودانية-عربية جديدة لفن الرواية , وللأدب على التعميم !! وهي تباشر, أيضاً, شكلاً يحاول بقوة, كشف واستيعاب تحولات الواقع السوداني المفزعة خلال العقدين المنصرمين, والتي تحيل بدورها- في ميزان المعرفة السردية- إلى تحولات عالمية كبيرة وارتجاف كوني كبير ينتظم العالم !!

[د.عبدالماجد الحبوب]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة