الأخبار
أخبار إقليمية
السودان.. ضمور العقل السياسي الحاكم
السودان.. ضمور العقل السياسي الحاكم
السودان.. ضمور العقل السياسي الحاكم


05-24-2014 08:41 AM
د. ياسر محجوب الحسين

ثلاث قضايا كل واحدة منها كفيلة برسم علامة استفهام كبيرة حول ما طرحته الحكومة السودانية بشأن إطلاق الحريات الصحفية والسياسية وصولا إلى إطلاق حوار شامل بين مكونات المجتمع بغرض التوصل إلى حلول وفاقية تضمن الاستقرار السياسي المفقود.. اعتقال رئيس حزب الأمة القومي وزعيم طائفة الأنصار الصادق المهدي، إغلاق صحيفة الصيحة التي اشتهرت بالكشف عن ملفات الفساد، إصدار حكم بالإعدام على فتاة قيل إنها ارتدت عن الإسلام.. كل هذه القضايا التي وضعت الحكومة السودانية في مأزق المصداقية بيد أنه كان بالإمكان معالجتها بحكمة سياسية دون أن ينتج عن ذلك دفع فاتورة سياسية باهظة الكلفة.

الصادق المهدي انتقد قوات شبه نظامية أسمتها الحكومة بقوات الدعم السريع؛ ولم يكن انتقاد المهدي هو الأول، بل إن والي ولاية شمال كردفان وهو من المقربين للرئيس البشير انتقد هذه القوات التي ارتكبت مخالفات في ولايته وهدد بالاستقالة حال عدم خروجها من ولايته.. بدأت القضية بفتح بلاغ من قبل جهاز الأمن والمخابرات ضد المهدي تحت مواد جنائية منها إشانة السمعة.. حتى هذه اللحظة فإن الأمر في سياقه القانوني باعتبار أن الجهاز لم يعتقل المهدي بل سلك طريقا قانونيا وهذه من حقه والقضاء وحده يقرر ما إذا كان الشاكي على حق أم لا.. قبل مثول المهدي للتحري في نيابة أمن الدولة تناول البرلمان القضية وحولها لقضية سياسية حتى أن اتهامات بالخيانة صدرت من بعض الأعضاء.. أنصار المهدي تجاوبوا مع هذا الشحن ورافقوا زعيمهم إلى النيابة في أجواء مشحونة بالمشاعر السالبة ضد الحكومة ولولا لطف الله لحدث ما لا يحمد عقباه.

عقب التحري معه، تحدث المهدي في ندوة سياسية خارج العاصمة الخرطوم جدد انتقاداته وزاد عليها بأن وصف جهاز الأمن بـ(النعامة).. تبع ذلك إضافة مواد جديدة في البلاغ المرفوع ضده منها تهمة الخيانة العظمى وعلى إثرها أودع الرجل السجن إذ لا سبيل لإطلاقه بالضمان لعظم التهمة الموجهة له (الخيانة العظمى).. وبهذا انسد أفق الحوار الوطني الذي لم يكن متقدما بالشكل المطلوب إذ كان المهدي أحد الأضلاع المهمة في الحوار.. وظل المهدي من دون المعارضين مهادنا ورافضا لفكرة إسقاط النظام بالقوة المسلحة داعيا إلى ما يسميه بالجهاد المدني.. لكن الرجل استجاب في الوقت نفسه لاستفزازات البرلمان وما كان له أن ينزلق ويصف الجهاز بهذا الوصف غير المقبول.

بدون مقدمات أصدرت رئاسة الجمهورية في الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء الماضي بيانا وصفه المراقبون بغير المترابط والمفكك والذي لا تجمعه فكرة محورية، واشتمل البيان على تحذيرات للصحف وقال إن بعضها تخطى الخطوط الحمراء وقال إنها استهدفت ما سماه بالرموز العدلية.. عادة لا تتدخل رئاسة الجمهورية بهذا الشكل السافر في شأن الإعلام الذي له مؤسسات قومية ووزارة خاصة تتولى التعاطي معه مباشرة.. كما أن صدور بيان بعد منتصف الليل أشار إلى أن غضبة مضرية وهجمة شرسة تستهدف الصحافة.. بعد ساعة من صدور البيان أوقفت سلطات الأمن طباعة صحيفة الصيحة التي كان قد طبع منها فقط (600) نسخة.. في الساعة الرابعة عصرا من ذات اليوم أبلغ رئيس تحرير الصيحة عبر التلفون بأن مدير جهاز الأمن قرر تعليق صدور الصيحة لأجل غير مسمى اعتبارا من اليوم (الثلاثاء).. أتبع الجهاز هذه الخطوة ببيان توضيحي اتهم الصحيفة بإثارة الفتنة وأخذ الناس بالشبهات وسمى صحيفة الصيحة بالاسم وهددها باتخاذ إجراءات قانونية ضدها.. حدث هذا رغم عدم دستورية قرار الجهاز إذ سبق أن أصدرت المحكمة الدستورية وهي أعلى مقام قضائي بعدم دستورية إجراء مماثل للجهاز ضد صحيفة التيار والتي ترتب الآن لعودتها بعد قرابة عامين من التوقف ورحلة قضائية مضنية.

أما الحكم بالإعدام على الفتاة المتهمة بالردة فقد شكى من تداعياته وزير الخارجية الذي قال إنه كلف الوزارة كثيرا خارجيا.. علماء دين انتقدوا الحكم وعابوا على المحكمة عدم استنادها إلى القاعدة الفقهية التي تقول (ادرءوا الحدود بالشبهات).. إذ إن والدة المتهمة مسيحية وقالت إنها على دين والدتها ولم تكن أصلا مسلمة حتى ترتد.. كما هناك قول بعدم قتل المرتد إن لم يحمل السلاح ويقاتل، والمتهمة فضلا عن كونها فتاة عشرينية لم ترفع سلاحا وتقاتل.. النتيجة أن صورة قاتمة عن السودان انعكست في الخارج وتوالت إدانات من لندن وواشنطن والفاتيكان الأمر الذي أزعج وزارة الخارجية السودانية.

كل ذلك يؤكد أن شللا كبيرا قد أصاب العقل السياسي السوداني، فلم يعد يفكر أو يتعاطى بعقلانية ورشد سياسي مع مجريات الأمور.. خروج العديد من أصحاب الخبرة السياسية من كابينة القيادة وانشقاق العديد من الرموز السياسية عن الحزب الحاكم أدى إلى فراغ وتخبط سياسي ملحوظ.. على الرئيس البشير أن يراجع عملية طبخ واتخاذ القرار السياسي ومتطلبات المعالجة الرشيدة للمستجدات السياسية داخليا وخارجيا.

الشرق


تعليقات 8 | إهداء 0 | زيارات 2023

التعليقات
#1015198 [عصام الجزولى]
0.00/5 (0 صوت)

05-25-2014 02:25 PM
بل أربعة قضايا يا دكتور وليس ثلاثة أم أنك لا ترى فى رفض تسجيل الحزب الجمهورى ما يثير علامة استفهام كبيرة فى ما طرحته الحكومة بشان اطلاق الحريات الصحفية و( السياسية) أم أن اختلاف الرأى يفسد للود قضية ؟مهما كان موقفك من الجمهوريين كان ينبقى ان تقف من حيث المبدأ مع حرية الاعتقاد والتعبير وتقف على مسافة واحدة من قضية الصادق ومريم والصيحة والحزب الجمهورى حتى لا نتهمك بالكيل بمكيالين

[عصام الجزولى]

#1014254 [يحي]
5.00/5 (1 صوت)

05-24-2014 03:47 PM
انا مستغرب يا دكتور ياسر كيف انت كنت تدير جريدة الرائد الناطقة باسم حزب المؤتمر الوطني؟ يا اخي هؤلاء ليس لهم عقل سياسى او اجتماعي او اقتصادي منذ يوم تفكيرهم في الانقلاب

[يحي]

#1013989 [غسان بابكر]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 11:54 AM
الجريدة حقتهم ووقفوها حقهم يا أخي.. يمكن فهمهم يوقفوها ويشغلوك في جريدة الرائد الذي لا يكذب أهله.

[غسان بابكر]

#1013955 [في التنك]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 11:34 AM
الوالي المجرم أحمد هارون قال ح يقدم استقالته لو ما خرجت قوات الجنجويد من ولايته هل يقدر والي الخرطوم الحرامي اللص أن يقول مثل ذلك....

[في التنك]

#1013942 [لbasheir]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 11:21 AM
بصراحة د ياسر اننى متعجب لكيف انك ومعظم الصحفيين تعملون فى هذه الاجواء

[لbasheir]

#1013934 [الشمالية]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 11:13 AM
والله حيرتنا يادكتور / ياسر : يصادرو الصيحة وانت رئيس تحريرها وبكره تتطلع في تلفزيون الحكومة ( ومره تتطبطب ومره تضرب ) -------------باختصار كده العب غيرها---------------

[الشمالية]

#1013921 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 11:02 AM
عزيزي الحبيب ياسر محجوب مع احترامي وتقديري لك ولانتمائك بشرف مع اختلاف التقدير وبقاء الاحترام بيننا ولكن اسالك منذ جاءت الانقاذ هل كان هناك عقل سياسي هذا التراكم من عدم الرشد والسداد منذ البداية هو ما افضي الي ما نحن فيه الان ومن الغريب ان يظهر مقالك بالشرق لماذا لم يظهر بالرائد ويبقي السؤال الحاسم هل في السودان عقلاء واذا كانت الاجابة بنعم من يسمع لهم ؟؟؟ قضية السودان يا صديقي واضحة جلية وحلولها بالامكان ولكن العقل الجمعي للحكم والنخب هو الكارثة !!!

[سيف الدين خواجة]

#1013850 [كاكا]
0.00/5 (0 صوت)

05-24-2014 09:56 AM
على الرئيس البشير أن يراجع عملية طبخ واتخاذ القرار السياسي ومتطلبات المعالجة الرشيدة للمستجدات السياسية داخليا وخارجيا.


ايه يادكتور عايزه يعالج ويجلس تاني25 سنة الاجدربك ان تقول عليه المغادرة وترك 44الموقع لمن يستحق وجدير بقيادة البلد

[كاكا]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة