الأخبار
أخبار سياسية
أفريقيا الوسطى.. الدولة الفاشلة!
أفريقيا الوسطى.. الدولة الفاشلة!


05-28-2014 07:52 AM
في منفاه بالعاصمة الإيفوارية أبيدجان، وتحت حراسة خاصة بمحل إقامته، جلس الإمبراطور السابق لأفريقيا الوسطى «جان بيدل بوكاسا» ليتحدث عن هموم بلاده في صيف عام 1983، بعد أربعة أعوام فقط من إسقاط حكمه ووأد إمبراطوريته الحلم. قال الرجل وهو يحمل في يده اليمنى نظارة طبية عتيقة، ويحرك يده اليسرى بإعياء «بلدي يشبه الرجل الفقير الذي يجلس فوق ثروة هائلة.. لا نصيب له فيها»؛ لم يكن بوكاسا حينها يدرك أن الصراعات المسلحة سترغم ذلك الرجل الفقير بعد ثلاثة عقود من الزمن على الرحيل عن بلده، وستهدد مصير «دولة» أراد لها يوما أن تكون «إمبراطورية».

رحل بوكاسا عن العالم في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1996، لتطوى معه ذكريات واحدة من أكثر فترات الحكم دموية في جمهورية أفريقيا الوسطى، ذلك البلد الصغير الواقع في قلب القارة السمراء، في منطقة ملتهبة بالقرب من البحيرات الكبرى وغير بعيد عن خليج غينيا، لكن أفريقيا الوسطى تحولت في الأعوام الأخيرة إلى «ثقب أسود في قلب القارة»، على حد وصف أحد المحللين.

التاريخ السياسي لأفريقيا الوسطى منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960 مليء بالانقلابات والفوضى السياسية، ولم يخل في بعض الأحيان من صراعات مسلحة دامية، كانت آخر حلقاتها الحرب التي اندلعت في ديسمبر (كانون الأول) 2012، حين تحالفت جهات في المعارضة مع حركات مسلحة ليخرج إلى النور ما عرف بتحالف «سيليكا». بدأ التحالف الزحف من الشمال للإطاحة بنظام الرئيس فرنسوا بوزيزي، الذي وجد نفسه أمام متمردين مجهزين بشكل جيد، وجيش حكومي ضعيف ينخره الفساد، فلم يستطع الصمود أمام المتمردين القادمين من الشمال، والمسنودين بدعم من وراء الستار توفره لهم تشاد.

زحف تحالف «سيليكا» باتجاه العاصمة بانغي، وأرغم الرئيس بوزيزي على المطالبة بالحوار مع المتمردين ليتفق الطرفان على عدة أمور من ضمنها تشكيل حكومة وحدة وطنية ضمت عددا من قادة التمرد، لكن الهدنة لم تستمر طويلا حيث اتهم المتمردون بوزيزي بالتنكر لبعض بنود الاتفاق فدخلوا العاصمة بانغي، وأسقطوا حكمه، لينصب قائد «سيليكا»، ميشال دجوتوديا نفسه رئيسا للبلاد.

وفي هذا السياق، يعتقد أستاذ التاريخ المختص في منطقة وسط أفريقيا، آمبرواز تورنيول، أن «الإطاحة بحكم بوزيزي وما أعقبها من عمليات نهب، هو ثمرة للسياسة الفاشلة التي تحكم البلد منذ استقلاله؛ فنظام بوزيزي استحوذ على موارد الدولة وأموالها، وهو لم يزد في ذلك عن إعادة إنتاج نموذج الرئيس الأسبق (انج فليكس) باتاسي، وكلاهما كان يستلهم من فترة حكم الإمبراطور (بوكاسا)». وأضاف تورنيول أن «تراجع الجيش الحكومي بعد ساعات فقط من التصدي للمتمردين أظهر أن الدولة مجرد شبح، وأنها مشروع فاشل، خاصة أنها فقدت السيطرة على كل شيء خلال السنوات الأخيرة: مراقبة الحدود، دفع رواتب الموظفين، المهام الإدارية.. كل هذا العجز الذي أصاب جهاز الدولة واللامبالاة من طرف السلطات العليا استغله المتمردون فربطوا صلات مع مغاضبي النظام وشرعوا في تمرد أدى إلى سقوط الدولة في الهاوية».

في أبريل (نيسان) 2013 أصبح دجوتوديا أول رئيس ينحدر من الأقلية المسلمة، وهو ما خلف حالة من الرفض في أوساط الأغلبية المسيحية التي تتهم متمردي «سيليكا» بارتكاب جرائم ضد المسيحيين أثناء زحفهم باتجاه الجنوب. تجسدت حالة الرفض في تشكل ميليشيا مناهضة للمتمردين تدعى «آنتيبالاكا»، تحولت في ما بعد إلى ميليشيا مناهضة للمسلمين. وفي هذا السياق يقول رئيس أساقفة مدينة بانغي جيروم أميلين دانسون «(آنتيبالاكا) كانت رد فعل على همجية رجال (سيليكا)؛ وقد وصفت (آنتيبالاكا) بأنها ميليشيا المسيحيين، وهو وصف خاطئ، فهي مجموعة من الشباب القرويين المدعومين من طرف بعض عناصر الجيش الحكومي؛ هؤلاء الشباب كان أغلبهم شاهدا على إبادة عائلاتهم وهدم منازلهم، وليسوا بالضرورة مسيحيين. إنهم شباب يردون على العنف بالعنف، وبسرعة ارتكبوا أعمالا إجرامية خطيرة».

عجز دجوتوديا عن احتواء ميليشيا «آنتيبالاكا»، والضغط الدولي أرغماه على الاستقالة وإفساح المجال لحكومة انتقالية تولت قيادتها الرئيسة كاثرين سامبا بانزا، التي حاولت إصلاح الأمور مستعينة بوجود عسكري فرنسي يتمثل في 1600 جندي في ما يعرف بمهمة «سانغاريس»، وقوة عسكرية إقليمية «ميسكا» تقارب ستة آلاف جندي، لكن كل ذلك فشل في احتواء الأزمة التي تحولت إلى حرب دينية راح ضحيتها عشرات آلاف المسلمين ما بين قتلى ونازحين داخل البلاد، فيما فرت أعداد كبيرة من المسلمين باتجاه تشاد والسودان.

وعلى الرغم من الجرائم البشعة التي ارتكبت في حق المسلمين في العاصمة بانغي وبعض المدن الرئيسة، فإن بعض الأوساط الرسمية وشبه الرسمية ظلت ترفض وصف ما يجري في أفريقيا الوسطى بأنه حرب دينية، حيث أكدت الرئيسة الانتقالية سامبا بانزا في أكثر من مرة أن ما يجري سببه انتشار الأسلحة في المجتمع ولا علاقة له بالدين. نفس الموقف يتبناه رئيس أساقفة مدينة بانغي جيروم أميلين دانسون، حيث قال إن «إضعاف (سيليكا) ومحاولة نزع سلاحها، تسبب في انفجار غضب غير المسلمين، وهو شعور بالظلم كان يتراكم خلال فترة الحكم التعسفي لتحالف (سيليكا)؛ وذلك ما يوضح أن الصراع في أفريقيا الوسطى ليس دينيا، إنه قبل كل شيء صراعا سياسيا؛ فغير المسلمين من مسيحيين وغيرهم رفضوا حكم (سيليكا)، ليس بسبب دين قادتها، وإنما بسبب حكمها التعسفي»، على حد تعبيره.

أمام تزايد الجرائم المرتكبة في حق الأقلية المسلمة، قامت منظمات إنسانية تنشط في العاصمة بانغي، بنقل بعض العائلات المسلمة من العاصمة باتجاه الشمال حيث يتركز وجود المسلمين، وقد أثارت عملية نقل المسلمين جدلا كبيرا في الأوساط الرسمية بينما لاقت ارتياحا في بعض الأوساط الشعبية، فالحكومة الانتقالية احتجت لدى الأمم المتحدة التي أعلن المتحدث باسمها الأسبوع الماضي أن المنظمة الدولية «لن تتخذ قرارا بنقل المسلمين في أفريقيا الوسطى إلا كملاذ أخير»، تاركا الباب مفتوحا أمام جميع الاحتمالات.

في غضون ذلك، قال رئيس أساقفة مدينة بانغي إن «نقل المسلمين باتجاه الشمال حل سيئ للأزمة وذلك لسببين: أولا لأنه دفعة قوية لمناصري تقسيم البلد، وثانيا لأنه لا يشجع التعايش السلمي؛ فما مصير اللحمة الاجتماعية بعد نقل المجموعات المسلمة باتجاه الشمال أو خارج البلاد؟ مع من ستكون المصالحة؟»، وأضاف «الحل الحقيقي يتمثل في نزع سلاح الميليشيات المسلحة بشكل غير شرعي واعتماد سياسة صارمة لتأمين المواطنين». غير أن الموقف الرسمي الرافض لنقل المسلمين باتجاه المناطق الشمالية، خوفا من إمكانية تقسيم البلاد، يواجه موقفا شعبيا بدأ يتبلور داخل المسلمين والمسيحيين، وهو ما بدا واضحا خلال الزيارة المفاجئة للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، أبريل الماضي إلى بانغي، حين رفع بعض المسلمين لافتة كتبت عليها عبارة: (لا للعفو.. لا للمصالحة.. نعم لتقسيم أفريقيا الوسطى)».

حالة القطيعة والصدع التي يعيشها المجتمع جعلت السفير والوزير السابق جان ويليبيرو ساكو يتحدث عن «وجود ممارسات مكشوفة لدى أشخاص يعارضون العودة إلى الاستقرار، ومن دون أدنى شك تتحكم فيهم جهات خارجية؛ وإن كانت بعض الأحداث التي شهدتها البلاد تفسر على أنها نتيجة طبيعية لفترة طويلة من القمع والأحكام الشمولية، إلا أن الجرائم التي ظهرت في الآونة الأخيرة ذات طبيعة مختلفة وجديدة، ويلفها الغموض». ويضيف الوزير السابق أن «هذه الجرائم في الغالب عشوائية وبلا سبب، ومع ذلك فهي لا تشبه التصرفات الآنية، وإنما عمليات منظمة ومخطط لها من طرف فاعلين هدفهم إلحاق أكبر قدر من الأذى بالمجتمع؛ إنها تشبه إلى حد ما جرائم أخرى ارتكبت من طرف مجموعات إرهابية تنشط في بعض الدول المجاورة والقريبة».

وشدد ساكو على أن «نقل المسلمين من الجنوب باتجاه الشمال، من طرف بعض المنظمات الإنسانية، من شأنه أن يضعف الوحدة الوطنية؛ وهو ما سيؤدي من دون شك إلى تحفيز مطالب بعض المتطرفين من (سيليكا) بالانفصال؛ لذا لا بد من البحث عن حلول لا تخلف وضعيات قانونية واجتماعية وإدارية، من الصعب التحكم فيها أو تغييرها على المدى القصير والمتوسط».

في ظل خشية الأوساط المثقفة في أفريقيا الوسطى من تقسيم البلاد، بدأت تطرح أسئلة حول مستقبل جهاز الدولة ومدى نجاحه في أفريقيا الوسطى، وفي هذا السياق قال محمد حسين، وهو قانوني وناشط من أجل حقوق الإنسان في أفريقيا الوسطى «بعد الانقلاب الذي أشعل نار الصراع في البلاد، بدأ ما بقي من الدولة ينهار في ظل كارثة إنسانية حقيقية؛ الحكومة الانتقالية والقوات الإقليمية والجيش الفرنسي بقوا عاجزين عن إيقاف الفوضى التي عمت البلاد».

وفي محاولة للتأصيل تاريخيا لما تعيشه أفريقيا الوسطى، قال حسين إن «تاريخ البلد مليء بالاضطرابات السياسية والعسكرية، التي تسببت في عدم الاستقرار المؤسساتي، وألحقت الضرر بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي وأضعفت قوات الدفاع والأمن، وأعاقت تحقيق التنمية؛ هذا بالإضافة إلى أن جميع الدول المجاورة لأفريقيا الوسطى باستثناء الكاميرون عرفت صراعات مسلحة؛ مما جعل أفريقيا الوسطى تتحمل لعشرات السنين الآثار السلبية لهذه الصراعات، فاستقبلت آلاف اللاجئين من جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندي ورواندا؛ كما تضررت من الصراع المسلح في تشاد والسودان.. هذا الوضع الإقليمي المضطرب زاد من انتشار الأسلحة العابرة للحدود؛ وكل هذه العوامل تضافرت اليوم لتظهر جمهورية أفريقيا الوسطى كدولة فاشلة».

وأضاف حسين أن «فشل مشروع الدولة في أفريقيا الوسطى يعود لأسباب من أبرزها: هشاشة مؤسسات الدولة؛ فشل جهود تحقيق الديمقراطية؛ استغلال العرقيات؛ تكاثر المجموعات المسلحة وانتشار الأسلحة الخفيفة؛ نقص الحوار والتعاون بين السلطة والمعارضة؛ العناد وانعدام المرونة لدى الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين؛ تأخر الأجور أو حتى عدم دفع الأجور المتأخرة؛ وأخيرا الفقر والبؤس».

في هذا السياق، يرى أستاذ التاريخ المختص في منطقة وسط أفريقيا، آمبرواز تورنيول، أن «البلد بدأ ينهار حين أصبح العنف يتحكم في العلاقات الاجتماعية، وحسابات الدولة فارغة، والموظفون لا يتقاضون رواتبهم، وسوق الماس لم تعد تخضع لأي رقابة، والطرق الرئيسة المتوجهة إلى الكاميرون وتشاد أصبحت تحت سيطرة الميليشيات المسلحة»؛ ويرجع تورنيول هذه الوضعية إلى فشل نظام الرئيس السابق فرانسوا بوزيزي في تحقيق الاستقرار والعدالة الاجتماعية، لكنه لا يغفل الدور الفرنسي حين يقول «إن فشل نظام بوزيزي، مهما أنكرنا ذلك، يكرس فشل فرنسا والاتحاد الأوروبي، اللذين وفرا الدعم القوي لديمقراطية لم تكن في الحقيقة سوى لعبة للتغطية على فساد نظام ديكتاتوري، لكن فرنسا كانت لا تتأخر في تمويل الانتخابات الصورية بدل ترك البلد يواجه مسؤولياته». وخلص تورنيول إلى أن «أفريقيا الوسطى تمثل شبح ثقب أسود في قلب القارة الأفريقية؛ إنها دولة فاشلة وسط مجموعة من الدول الهشة مثل تشاد وجمهورية الكونغو الديمقراطية والكونغو وجنوب السودان التي لا تزال في المهد؛ وأن تقسم دولة فاشلة مثل أفريقيا الوسطى فذلك أمر غير مستبعد، ولكن أن تؤدي في انهيارها إلى انهيار التوازن الهش في منطقة تعيش الأزمات، فذلك لا يمكن تصوره».

وحده الراحل بوكاسا كان قادرا على أن يتصور أسوأ السيناريوهات لبلده، وهو الذي كان يقول بعد أن طعنته فرنسا في الظهر وتخلت عنه «ما يحدث لبلدي عار على العالم. إنهم يستغلون ثرواته ويحرمونه من المطالبة بحقوقه، ومع مرور الوقت تحول إلى أرض يأتيها الآخرون لأخذ اليورانيوم والماس من دون أي مقابل؛ وعندما يفكر أي رئيس للبلاد في التحرك ضدهم تتدخل فرنسا لمنعه، لأن فرنسا تعامل أفريقيا الوسطى على أنها ملك خصوصي لها».

الشرق الاوسط


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1539


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة