الأخبار
أخبار إقليمية
لماذا صمت الترابي عن حكم الرِّدة ؟
لماذا صمت الترابي عن حكم الرِّدة ؟



05-29-2014 06:14 PM
بابكر فيصل بابكر

قلتُ في مقال سابق أنَّ المتابع لمسيرة الدكتور حسن الترابي الفكرية والسياسية يلحظ بوضوح أنَّ الرجل لا يُجاهر في الغالب بإجتهاداته وآرائه الدينية التجديدية الجريئة ( مثل عدم تطبيق الشريعة بالقوة, وإنكار حد الرِّدة و الرجم وغيرها ) إلا عندما يكون بعيداً عن السلطة يائساً من التقرُّب إلى أصحابها, وكأنه يعيشُ حالة من الإنفصام بين (المُفكر) و (السياسي) داخله.

وأضفت أنَّ الأولوية لدى الدكتور الترابي كانت دائما "للسياسي" على حساب "المُفكِّر" لأنَّ الأول هو سبيلهُ الى بلوغ حُلم السلطة والإمساك بزمام الحكم أمَّا الثاني فربما يفقدهُ سند الحلفاء والمتعاطفين والعامة وقد يتسبَّب في حرمانه من جائزة التمكين, وبإختياره تقديم السياسي على المفكِّر داخله ظلم الرَّجل نفسه وبلاده و دينه واختار الكسب الآني الزائل على حساب المبادىء الباقية.

وقد أكد حُكم الرِّدة الصادر مؤخراً من محكمة الحاج يوسف الجنائية في حق الفتاة المتهمَّة بإعتناق الديانة المسيحية صحَّة حديثنا حيث لاذ الترابي بالصمت ولم ينبُس ببنت شفة وكأنَّ هذا الحكم لا يعنيه في شىء.

يجبُ علينا في البدء الإشارة إلى أنَّ حكم الردة إنبنى على المادة (126) من القانون الجنائي لعام 1991 والتي تنص على أنه :

( ـ (1) يعد مرتكباً جريمة الرِّدة كل مسلم يروج للخروج من ملة الإسلام أو يجاهر بالخروج عنها بقول صريح أو بفعل قاطع الدلالة - (2) يُستتاب من يرتكب جريمة الردة ويمهل مدة تقررها المحكمة فإذا أصرعلى ردته ولم يكن حديث عهد بالإسلام، يعاقب بالإعدام - (3) تسقط عقوبة الردة متى عدل المرتد قبل التنفيذ ).

المادة أعلاهُ أدرجت في القانون الجنائي لعام 1991 "تحت سمع وبصر" الدكتور الترابي الذي كان حينها يحكم السودان من وراء الستار, ومع ذلك لم يتحفظ أو يعترض عليها رغم رأيه المعلوم في موضوع الرِّدة, وهو ما يؤكد قولنا بأنَّ الرَّجل يُغني بلسان ويُصلي بلسانٍ آخر, فعندما يملك السُّلطة يستخدم أدوات "السياسي" لإسترضاء نخبة الإسلام السياسي وجمهورها بالسكوت عن الآراء التي قد تتسَّبب في خلق مشاكل تؤثر على وجوده في الحكم, وعندما يُغادر مقعد السلطة يستعيد شخصية "المفكر" صاحب الآراء والإجتهادات الجريئة.

نفس الشىء حدث عندما قام جعفر النميري بإعدام المرحوم الأستاذ محمود محمد طه, فعلى الرغم من نفي الدكتور الترابي وقوفه وراء حكم الإعدام إلا أنَّ عدم رفضه له يمثل نوعاً من القبول به لأنَّ صمت "المفكر" وعدم إعتراضه على حكم الرِّدة الذي صدر في حق الأستاذ محمود يُعتبرُ في حد ذاته تأييداً للحكم ذلك أنَّ "المفكر" – على عكس السياسي - تحكمه معايير "أخلاقية" ثابتة وليس إعتبارات "سياسية" متغيرة.

لم يُبد الدكتور الترابي طيلة العشر سنوات الأولى من عُمر حكومة الإنقاذ أية آراء وإجتهادات فقهية بل إكتفى بلعب دور الأب الروحي للنظام, وبالتنظير "لتمكين" الحكومة سياسياً وإقتصادياً وإجتماعياً, ولكن بعد أن وقعت المفاصلة الشهيرة في عام 1999 بدأ في ممارسة هوايته المعهودة بإثارة القضايا الدينية التي تلفت إليه الأنظار, فسمعناه يقول بأنَّ "الحور العين" هنَّ نساء الدنيا, مع أنه كان قبلها يُحرِّض الشباب على القتال في أحراش الجنوب ويُمنيِّهم بملاقاتهن في الجنَّة, ثم سمعناهُ يُفتي بالدوحة عام 2011 بأنَّ الشريعة يجب أن لا تُطبَّق على الناس "بالقوة", مع أنه هو نفس الرَّجل الذي قال في ندوة ميدان المولد الشهيرة قبيل إنقلاب 30 يونيو 1989 بأنّ الشريعة التي رفضتها الأحزاب "ستأتي بالقوة".

بدأت تطفو على السطح في الآونة ملامح تفاهمات بين الدكتور الترابي وحكومة الإنقاذ, يبدو أنّ الدافع الرئيسي وراءها هو محاولة توحيد صف "الجماعة" من جديد بعد هبوب رياح التغييرات الإقليمية التي باتت تهدِّد كيان الإخوان المسلمين في المنطقة, وهو الأمر الذي أحدث تحولا كبيراً في موقف الرجل تجاه الحكومة وحزبها, وبالتالي أصبح أمل عودته للسلطة أقرب من أي وقت مضى.

إنَّ التغيُّر الأخير في "الموقف السياسي" هو ما يُفسِّر صمت الدكتور الترابي عن الكلام المُباح, وعدم إدلاءه بأية تصريحات أو أحاديث حول محكمة الرِّدة الأخيرة التي كان هو أولى الناس بالحديث عنها لأنها أعطتهُ فرصة لتجربة "عملية" تضع آراؤه و إجتهاداته الدينية في المحك, وتوضح قدرته على الدفاع عنها أمام أصحاب الرأي الآخر.

كان على الفقيه القانوني الذي يصفهُ أتباعهُ "بالمُجدِّد" أن يتقدَّم الصفوف ويتصدى للدفاع عن الفتاة المتهمة بالرِّدة من داخل قاعة المحكمة و لو بالإقدام على الإدلاء بشهادة تبيِّن الموقف الفقهي من المادة 126 , ذلك هو السلوك الطبيعي الذي يتسِّق مع الموقف الأخلاقي الذي يجب أن يتحلى به المفكر في الدفاع عن الأفكار التي ينادي بها ويدعو لها.

وكعادته في الإسراع للمنافحة عن "شيخه" في كل الأحوال نفى الأستاذ كمال عمر السكرتير السياسي لحزب المؤتمر الشعبي في تصريح لصحيفة "كوش" الإلكترونيَّة : ( صلة دكتور الترابي بمادة تجريم المرتد ) و دفع الإتهام عن زعيم المؤتمر الشعبي بأنه غير مبدئي فى موقفه من الرِّدة بأن قال ( إن الترابي لم يكن ضمن المنظومة التشريعية التي وضعت أو أجازت تلك القوانين ). إنتهى

الحديث أعلاهُ لا ينطلي على أية شخص عاقل يعلم المكانة التي تبوأها الترابي في بدايات حكومة الإنقاذ, فقد ترأس الرجل الحكومة "الخفيَّة" التي كانت تُسِّير جميع الوزارات والأجهزة الحكومية والتشريعية, ولم يكن بإستطاعة أية جهة إصدار القانون الجنائي دون علمه.

فالكل يعلم الآن أنَّ الدكتور الترابي هو من كتب دستور البلاد لعام 1998 في خلوته التي طلبها بمدينة "ودمدني" بعد "إستبعاده" للدستور الذي أعدَّته لجنة رئيس القضاء الأسبق المرحوم خلف الله الرشيد بطريقة تعكس المدى الذي وصل إليه نفوذه داخل أروقة السلطة والحكم في تلك الفترة من عُمر حكومة الإنقاذ.

وإذا ألغينا عقولنا وصدَّقنا أنَّ الرجل لم يكن ضمن "المنظومة التشريعية" التي وضعت أو أجازت تلك القوانين, فلماذا لم يعترض عليها بعد صدورها ؟ فالمواقف المبدئية لا تتجزأ, ولماذا لم يبدأ في التصريح للأجهزة الإعلامية وعبر الندوات العامة برأيه الرافض لحد الرِّدة إلا بعد وقوع "المفاصلة" الشهيرة وخروجه من الحكم ؟

أمَّا الطامة الكبرى في تصريح الأستاذ كمال عمر فقد تمثلت في إجابته عن السؤال حول غياب حزبه طيلة إجراءات المحاكمة و عدم إعلانه بطلانها إبتداء حيث أجاب بأنهم : ( لم يكونوا على علم بالمحاكمة في مراحلها الأولى و أنهم مشغولون بأزمة السودان الكلية ).

وإذا وجدنا لجماعة حزب المؤتمر الشعبي العُذر في عدم سماعهم بالمحاكمة في مراحلها الأولى – وهو أمرٌ لا يليق بحزب يدَّعي التصدي لحل مشاكل الوطن الشائكة - فمن غير المقبول أن يكون مُبرِّر صمت الترابي هو إنشغاله "بأزمة السودان الكلية", هذا تبريرٌ مؤسف و ساذج لأنَّ المحاكمة في أساسها تعكس أهم وأكبر مظاهر الأزمة السودانيَّة وهو موضوع غياب "الحُريَّة" وبالتالي فإنَّ الرَّجل مُطالبٌ قبل غيره بإبداء الرأي في هذه القضية الجوهرية.

ما زالت محكمة الفتاة المُتهمَّة بالرِّدة مستمرة حتى اليوم, ومن المرَّجح أن تستمر لفترة أطول, ونحن نفترض أنَّ الأستاذ كمال قد أبلغ بها شيخه المشغول بحل "أزمة السودان الكلية", ولذلك فإنهُ لم يعُد لدى الأخير عذرٌ أو سبب يجعلهُ يواصل صمتهُ في هذه القضيَّة التي في إعتقادنا تمثل تحدياً فكرياً و أخلاقياً كبيراً بالنسبة لهُ.

[email protected]


تعليقات 11 | إهداء 0 | زيارات 4811

التعليقات
#1020866 [ود البلد]
0.00/5 (0 صوت)

05-31-2014 02:19 AM
الترابى يحمل كثيرا من الدماء ولا يبالى
بدأ بدم مجدى انتهاء بدم مريم
انه هو وعلى عثمان طه الذين انقلبوا
على الدميقراطية وهم يشاركون فى الحكومة والبرلمان
هذا رجل كاذب خائن ويجب معاقبته
اليس الترابى من جعل موتى عرس الشهيد فطايس
ان الذين يتبعونه هدفهم مادى غير ذلك لماذا
؟؟ ام مفكر فالمفكر هو الرجل الذى يفيد الناس برأيه
فماذا افادنا حسن الترابى ؟؟؟؟بالفتنة !!! التى ستقضى عليه اولا بأذن الله

[ود البلد]

#1020565 [Adam Siam]
0.00/5 (0 صوت)

05-30-2014 05:51 PM
لله دركم بابكر تربيع
لقد أصبت الترابي المكيافيلي في مقتل

[Adam Siam]

#1020205 [المهدي]
1.00/5 (1 صوت)

05-30-2014 07:00 AM
"وأضفت أنَّ الأولوية لدى الدكتور الترابي كانت دائما "للسياسي" على حساب "المُفكِّر" لأنَّ الأول هو سبيلهُ الى بلوغ حُلم السلطة والإمساك بزمام الحكم أمَّا الثاني فربما يفقدهُ سند الحلفاء والمتعاطفين والعامة وقد يتسبَّب في حرمانه من جائزة التمكين, وبإختياره تقديم السياسي على المفكِّر داخله ظلم الرَّجل نفسه وبلاده و دينه واختار الكسب الآني الزائل على حساب المبادىء الباقية."

المفكر الحر يا لاأستاذ بابكر مش ممكن يكون حاله كما وصفت أنت أعلاه..

المفكر الحر هو الذي يفكر كما يريد ويقول كما يفكر ويعمل كما يقول ثم لا تكون عاقبة فكره وقوله وعمله إلا برا بالأحياء والأشياء كما قال الأستاذ محمود محمد طه..

"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)" - الصف

[المهدي]

#1020152 [الجمبقلى]
1.00/5 (1 صوت)

05-30-2014 03:05 AM
ياخى بالغت والله .الترابى وزمرته التى تحكم الان لا أخلاق لهم البتة فماذا تنتظر من عديمى الأخلاق

غير هذا الموقف

[الجمبقلى]

#1020095 [ابو ريان]
1.00/5 (1 صوت)

05-30-2014 12:36 AM
بصراحه البيقدر يضمن المويه في الغربال اكيد بيضمن الترابي لان الترابي داء زي المويه في الغربال

[ابو ريان]

#1020047 [sadig ali]
1.00/5 (1 صوت)

05-29-2014 11:27 PM
عودة الترابي لحظيرة المؤتمر الوطني على رأس حزبه الشعبي تقف اقوى دليل علي ان المصالح الحزبية والشخصية الضيقة والمغانم .. اقوى بكثير عند هؤﻻء من المبادئ والفيم واﻷفكار .. هنيئا للترابي عودته .. اما مريم التي تتمسك بالمعتقد الذي ارتضته لنفسها حتى في مواجهة الموت .. افضل لها ان تعشم في مفكر مجدد ﻻيلعب بالبيضة والحجر ..

[sadig ali]

#1019957 [ahamed]
1.00/5 (1 صوت)

05-29-2014 09:33 PM
لماذا يتكلم الترابى الرجل افتى بعدم جواز قتل المرتد وحديثة موثق موجود على اى محامى ان يحمل اللقاء فى سي دى ويتجه به الى هيئة علماء السلطان ويقول هذا الرجل تجواز الخطوط الحمراء اللتى تتحدثون عنها فماذا انتم فاعلون ارونا غيرتكم على الاسلام من هذه الفتاوى . لماذا لم تذهب هيئة علماء السلطان وفتحت بلاغ فى الترابى فالديه كم فتوى غير حكم الردة تخالفهم فى الخطوط الحمراء . اذا كان بعض الصحفيين ترؤن من وجهكم نظركم تجاوز الخطوط الحمراء مع انهم لم يفتوى فالترابى تجاوز اشارة المرور بجميع الوانها خضراء وصفراء وحمراء من منكم يستطيع ان يحمل الصافره ويقف هذا الرجل ويقول له لقد تجاوزت الخطوط الحمراء. نحن فى انتظار من يحمل الصافره من هئية علماء السلطان نريد عالم يثبت لنا انه من هئية علماء السودان .

[ahamed]

#1019942 [القادمون الجدد]
2.00/5 (2 صوت)

05-29-2014 09:05 PM
مهو بدخل وبمرق على كيفو السألو منو

[القادمون الجدد]

#1019873 [khalid a. m.]
1.00/5 (1 صوت)

05-29-2014 07:24 PM
تحليل في غاية العمق والواقعية .. شكرا لك

[khalid a. m.]

ردود على khalid a. m.
United States [Talab Noor] 05-29-2014 10:03 PM
على الترابي توضيح رايه حول حكم الردة لان هنالك جيل صاعد من المرتدين في الوطن


#1019871 [الخالدى]
1.00/5 (1 صوت)

05-29-2014 07:23 PM
الله ينتقم من الترابى وكل الموتورين والشاذين فى رقبتك دم الاستاذ محمود محمدطه لقد قال احد افراد عائلته وهو بالمناسبه لديه ليسته بكل من تامر على قتله من قضاة وسياسيين وكيزان وشواذ جنسيا

[الخالدى]


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


مساحة اعلانية

الاكثر تفاعلاً/ق/ش

الاكثر مشاهدةً/ق/ش

الاكثر تفاعلاً/ش

الاكثر مشاهدةً/ش







الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة